Powered By Blogger

dimanche 24 août 2014

أي دروس نستخرجها من تاريخ الحركة الوطنية التونسية وبناء الدولة الحديثة؟ :في مؤسسة التميمي للبحث...


الجزء الثاني من الحديث في مؤسسة التميمي للبحث: اي دروس نستخرها من قراءة موضوعية لتاريخ الحركة الوطني و بناء الدولة الحديثة؟

و قد ضاعت فرصة دمقرطة الحزب والنظام في مؤتمر المنستير سنة 1971 . وكلنا يعلم أنه لا يمكن أن يخرج من رحم حزب غير ديمقراطي إلا نظام حكم سلطوي. وكانت نهاية الحلم بإرساء نظام ديمقراطي في بلادنا في سنة 1975 مع إقرار الرئاسة مدي الحياة. 
وفي المرحلة الأولى من بناء مؤسسات البلاد بعد الاستقلال تحمس الجميع, وأعترف أني كنت من بين الذين تحمسوا إلى مفهوم الوحدة القومية, وأتذكر أني أصدرت في سنة 1956مقالا في مجلة السبيل مجلة الكشافة الإسلامية التونسية جوابا على سؤال توجه لي به القائد محمد التريكي: كيف ترى الغد بعد تحقيق الاستقلال؟ وكان عنوان مقالي إجابة عن هذا السؤال: "جهاد متواصل من أجل تحقيق العزة والكرامة في وطننا" ونبهت في المقال من مخاطر الأحزاب التي تغذي تطاحن الطبقات مثل الأحزاب الشيوعية. وأكدت في هذا المقال -رغم نقص خبرتي السياسية- على أنه لا مناص لنا في تلك الفترة إلا من وحدة قومية صلبة نتمكن بفضلها من تخطي تحديات جسيمة تنتظرنا.ولكن تصورنا للوحدة القومية كان لا يتنافى مع مسار ديمقراطي داخل الأحزاب وفي صلب النظام. وكان الانزلاق التدريجي نحو الحكم الفردي في وطننا بعد الاستقلال اختيار نابع من القيادة وأساسا من الزعيم الحبيب بورقيبة و بطانته الخاصة ولم يكن اختيار القواعد الحزبية ولا اختيار الشعب... 
6ـ تعميم التعاضد مسؤولية جماعية في مستوى الحزب كان سي احمد بن صالح ضحيتها وكان بالإمكان في نظام ديمقراطي فضها سياسيا بطريقة حضارية بالرجوع إلى مؤتمر استثناءي للحزب. 
ومن منطلق تصوري كان بالإمكان إرساء نظام ديمقراطي تعددي مباشرة بعد فشل تجربة تعميم التعاضد – هذه التجربة التي ذهب ضحيتها الأستاذ أحمد بن صالح في الوقت الذي كانت المسؤولية مشتركة. كما يعلم الجميع لم يقرر مؤتمر بنزرت تعميم التعاضد بل أقر منهجا تنمويا سليما يضمن التوازن و المبادرات في القطاعات الثلاث: القطاع العام والقطاع الخاص والقطاع التعاضدي وكل ذلك مع ضمان حرية الاختيار ثم وقع الانزلاق نحو الإجبار ثم التعميم وهو تحول كبير كان يفرض الرجوع إلى مؤتمر جديد...ولكن وقع إقرار التعميم داخل اللجنة المركزية للحزب و بغموض كبير ولو كان الحزب ديمقراطيا في أخذ قراراته لما كان يحدث هذا الانزلاق الخطير. خضرت افتتاح مؤتمر بنزرت وكذلك الاختتام ودرست لوائح الحزب وكنت متحمسا للمنهج الذي توخاه الحزب لأنه كان منهجا ملائما في تلك الفترة لظروفنا الداخلية وكذلك للظروف العالمية وفعلا ساندت المنظمات المالية الدولية ومنها البنك العالمي منهج التخطيط التونسي ومنهج التنمية الذي يعتمد على توازن ذكي في تطوير القطاعات الثلاث. وكنت أرى في تجربة التعاضد الاختياري وسيلة من وساءل مقاومة التشتت العقاري وكذلك وسيلة مثلى لتدريب التونسيين على العمل الجماعي- وهي صفة تنقصنا مع الأسف- وما يقتضيه من تنظيم محكم و شفافية وتعاون ولحمة اجتماعية. ولووقع الاستمرار على هذا المنهج دون إجبار ولا تعميم مع توخي سياسة المراحل تتماشى مع تكوين الإطارات المقتدرة لكانت بلادنا تحصلت على نتاج باهرة خاصة في الفلاحة نلمس مزاياها حتى اليوم.كان التعاضد الاختياري الذي أوصى به حتى الاقتصادي الليبرالي ريمون بار ملائما تماما لأوضاعنا ويمثل التعاضد مدرسة للتدرب على العمل الجماعي الضروري لإنجاح كل عملية تنمية مستدامة وصلبة. 
وكثير من نقائصنا التنموية ترجع إلى ضعف قدرتنا في مختلف المستويات على العمل الجماعي لأننا نشكو في مجتمعنا من تضخم الأنا. وتضخم الأنا في مجتمعنا له تداعيات خطيرة منها تقليص نجاعة العمل المشترك وضعف الإنتاجية على عكس ما هو موجود في اليابان وفي البلدان الأساوية. فالياباني وحده لا يقدر على القيام بشيء والعمل في اليابان هو عمل جماعي أو لا يكون. ورأينا في تمش سليم وإختياري للتعاضد فرصة ذهبية لتدريب تدريجيا التونسي على العمل الجماعي. وانطلقت عملية بعث التعاضديات في البداية من خلال تمشي عقلاني. كنت في ذلك الوقت مسؤولا عن وكالة التبغ والوقيد وكانت تسمى في مرحلة أولى مصلحة الاختصاصات, أرسلني لها الأخ أحمد بن صالح, كنت ملحقا بديوانة في سنة 1961, مع عبد العزيز الأصرم و كان البشير ناجي رئيس ديوان. كنا في مكتبين متجاورين وكنا في تلك الفترة على أبواب معركة بنزرت ومدني ذات يوم الأستاذ أحمد بن صالح بتقرير دسم فيه تدقيق لتصرف مصلحة الاختصاصات وهي مصلحة تابعة لوزارة المالية تموّل ميزانية الدولة, و مواردها كانت تقارب على الأقل 15% من موارد ميزانية الدولة. كان عمال وموظفو هذه المصلحة في غليان في تلك الفترة يتظاهرون أمام الاتحاد العام التونسي للشغل الذي كان على رأسه المرحوم أحمد التليلي ويطالبون بالتغيير في طرق التصرف وهم يصيحون " لا شىء قد تغير عندنا بعد الاستقلال" ويطالبون بمنحة الإنتاج . قدم لي أحمد بن صالح التقرير وطلب مني دراسته فطلبت منه مهلة ليومين أو ثلاثة للقيام بتلخيصه ولكن دعاني في الغد وطلب مني أن أتحمل فورا مسؤولية إدارة مصلحة الاختصاصات, فأظهرت اشمئزازي وقلت له أنا لم أدرس من أجل أن أصبح صانع سموم للمواطنين و إني أكره التبغ, فأعلمني أننا مقبلين على حرب ونحن نعيش ظروفا استثنائية وقال اعتبر نفسك أرسلت في مهمة أكيدة و وقتية لإنقاذ المؤسسة التي بها أكثر من ألف عامل. 
هذه المهمة الوقتية تواصلت من 1961 حتى 1968 وفي غرة جانفي 1969 أصبحت المدير العام للأداء ت خلفا للمرحوم محمد السبع الذين كان قد عين على رأس الخزينة العامة. في مصلحة الاختصاصات عشت تجربة التعاضد في مرحلتها الأولى وذلك من خلال نشاطي عندما تكونت أول وحدات إنتاجية في الشمال الغربي وكان إنتاج التبغ في تونس الذي يمثل 50% من استهلاكنا جله يأتي من طبرقة و غار الدماء, و سجان, و جندوبة, كانت حوالي 25000 عائلته تعيش من موارد زراعة التبغ وكانت تراقب المصلحة سنويا زراعة التبغ في مختلف مراحلها, حتى لا يقع التهريب ثم تتولى المصلحة شراء المنتوج. فعندما أقحمت هذه العائلات في الوحدات التعاضدية ومن السنة الأولى انهار إنتاج التبغ إلى أكثر من 50%. 
كتبت رسالة إلى وزير المالية والتخطيط السيد أحمد بن صالح وقدمت في الرسالة مقترحات عملية لتلافي الأمر الخطير بعد أن درست الوضع مع المسؤولين عن زراعة التبغ في المصلحة و والي جندوبة, ووجدت منهم تقبلا لمقترحاتي, اقترحت وبينت أن خصوصيات زراعة التبغ من مرحلة المشاتل إلى الزراعة ثم الحفاظ على ورقة التبغ ثم تجفيفها تستدعي كلها عمل دقبق و مضني و تستدعي كذلك عناية كبيرة كانت تسهر عليها كافة العائلة حتى يأتي المحصول إلى الوكالة في ظروف طيبة و يكون شراؤها بثمن معقول يفي بحاجيات العائلات الفقيرة. وكنت أزور شهريا هذه المناطق وأتحدث مع هذه العائلات وعندما اكتشفت النتائج الحاصلة بعد الاندماج في التعاضديات امتلأت عينيا بالدموع لأنني كنت أعرف وضع هؤلاء العائلات و أقدر تأثير ننقص ب 50% من مواردهم. 
في نطاق خصوصية هذه الزراعة العاءلية اقترحت على وزري أن نقر التدابير التالية: تقوم التعاضدية بأشغال إعداد الأرض من حرث وغيره من الخدمات الجماعية ثم تخصص مساحة معينة لكل عائلة وتقوم العائلة بكافة بقية الأشغال حتى عملية التجفيف وتقدم العائلة محصول عملها للمصلحة لشرائها وتخصم من المبلغ الذي سيدفع للعائلة كلفة خدمات التعاضدية. ضمنت كل هذه التدابير في الرسالة ووجهتها إلى الوزارة وكنت أعرف عندما كنت في الديوان أن الأستاذ أحمد بن صالح يحمل نفسه قراءة كل ما يصله فلم يخاطبني الأستاذ أحمد بن صالح في موضوع الرسالة, بل خاطبني المدير خالد بن عمار الذي كان يشرف في كتابة الدولة للفلاحة على التعاضديات وهو زميل لي وقد درس بالمدرسة القومية للإدارة الفرنسية وهو ابن الطاهر بن عمار الوزير الأول الذي أمضى على اتفاقية استقلال تونس. اتصل بي و قال: "سي رشيد قرأت رسالتك, هل تريد أن تهدم لنا مشروع التعاضد؟ فأجبته بأنني قدمت في رسالتي كافة المعطيات بموضوعية على أساس نتائج مرقمة لا نزاع فيها لسنة تجريبية ثم أني أرسلتها للوزير فما عليك إلا أن تبليغ اقتراحاتي للوزير كي نتلافى في الموسم المقبل خسائر كبيرة للعائلات ولميزانية الدولة , وأضفت: لقد قدمت اقتراحات عملية توفق بين مصلحة التعاضدية ومصلحة العائلات الضعيفة الدخل ومصلحة ميزانية الدولة و من فضلك لا تدخلني في مسائل إيديولوجية, فإن كانت لك اقتراحات عملية أفضل قدمها لي في رسالة وإذا كنت لن تجيبني عن رسالتي سأعتبر السكوت علامة على الرضى, وسأنسق التنفيذ مع والي جندوبة وهو موافق على مقترحاتي. وفعلا انطلقت في تنفيذ مقترحاتي ورجع الانتاج إلى مستواه العادي ولم يعارضني سي أحمد بن صالح, وكان ذلك ربما في سنة 1965 أو 1964 وحتى عندما زرته في منزله بعد إزاحته من مسؤولياته في سبتنبر 1969 لم يحدثني عن هذا الموضوع أبدا. 
وبدأت في سنة 1969 تبرز إشكالية تفاقم ديون وخسائر بعض المؤسسات العمومية بعضها كان راجع لأسباب هيكلية وبعضها كان ناتج عن خلل في التصرف. وكنا مجموعة من الإطارات العليا نحضر في لجنة الدراسات للحزب الذي كان مقرها أمام الحزب في نهج روما في عمارة بها قاعة اجتماعات فسيحة كان يحضر في هذه الاجتماعات الأستاذ الهادي نويرة والحبيب بورقيبة الأبن والأستاذ أحمد بن صالح الذي كان يترأس الاجتماعات الدورية, و كنت في تلك الفترة مسؤولا على إدارة الاداءات و وكنت مسؤولا كذلك كمراقب مالي لثلاثة مؤسسات عمومية منها الشركة التونسية للكهرباء والغاز التي كان يديرها السيد بكار التوزاني. ومع عدد من الزملاء أثرنا في اجتماع من اجتماعات لجنة الدراسات موضوع تفاقم خسائر بعض المؤسسات العمومية وذكرنا بعض الأسباب ودعونا إلى أخد التدابير اللزمة لتحسين أساليب التصرف. واستمع إلينا الجميع بانتباه, وفرح الأستاذ الهادي نويرة بطرح الموضوع من القاعدة وتجاوب معنا الأستاذ أحمد بن صالح بكل تلقائية وفي نهاية الحديث تقرر تشكيل لجنة متكونة من التيجاني حرشة, ورشيد بن يدر, محمد غنيمة ورشيد صفر لإعداد دليل حسن للتصرف في المؤسسات العمومية, و كان ذلك في شهر ماي 1969 .انطلقنا نعمل وكنا في غالب الوقت نجتمع أسبوعيا في منزلي خاصة في فصل الصيف و تتم الاجتماعات في المساء للتحاور ولتقارب وجهات النظر, وعندما انتهينا من صياغة هذا الدليل في خريف 1969 برزت للعموم ما سمي بأزمة التعاضد وأنتم تعرفون كافة تفاصيلها. وكان من المفروض الاقتصار على قرار سياسي على أقصى حد, وكانت محاكمة الأستاذ أحمد بن صالح في غير محلها, مظلمة في حقه وخطأ سياسي فادح تحملت تداعياته البلاد. قد تحمس الرجل في الحقيقة للتعميم ولم يكن بمفرده وتفاعل معه الكثير بما فيهم الرئيس الذي كان في المقدمة. وقد أعترف بذلك بعد رجوعه من فرنسا ومرضه الخطير. قد اعترف الرئيس بورقيبة في خطابه أنه أخطأ في توجهه ولكن أعتبر أن بن صالح هو الذي غالطه لإبراز نتائج إيجابية كبيرة. وفي الواقع هنالك نتائج إيجابية بالنسبة للمرحلة الأولى منها خاصة الأراضي الدولية التي انطلقت فيها الأعمال بتنظيم محكم من طرف إطارات ذات كفاءة عالية. ولكن لم تكن إطارات متوفرة لعملية التعميم وأصبحت التجمعات إجبارية وعندها حصل الاشكال. 
بمجرد بلوغنا قرار التعميم اتفقت مع زميلي المنصف بالحاج عمر مدير الميزانية على طلب موعد لمقابلة السيد أحمد بن صالح في مكتبه بالقصبة. وبقيت الصورة أمامي لا تمحى وقلنا له بكل صراحة:" نحن لسنا سياسيين محنكين.. ولكن بحكم مسؤولياتنا كإطارات على رأس إدارات إستراتجية بالنسبة لاقتصاد البلاد رأينا من واجبنا أن نبلغكم بأننا نعتقد أنه لا يوجد أي مبرر عقلاني ولا علمي ولا تقني يفسر أو يبرر مثل هذا القرار الخطير, وليست لدينا الإمكانيات خاصة البشرية للإقبال على هذا التعميم السريع و الكارثي من جميع الأوجه, وبالرغم من انطلاق نشاط مدرسة التعاضد لتكوين الإطارات يبقى عددها غير كافي." انطلقنا في تحليلنا للأوضاع لا من منطلق إيديولوجي بل من منطلق عملي وتقني و كان واجبنا يملي علينا هذا التحذير لوزرينا الذي كنا وبقينا نكن له كل التقدير لتفانيه وحماسه في العمل ونظافة يده. أجابنا السيد بن صالح بأن "القرار هو قرار السيد الرئيس" الذي يكون قد قال له:" أسرعوا وأنجزوا قبل أن أرحل عنكم ولن تستطيعوا بعدي تحقيق هذا العمل الجبار." خرجنا من مكتب وزيرنا محتارين....ولما وضع في الاقامة الجبرية في منزله قمنا بزيارته للتعبير له عن تقديرنا للمجهودات الكبيرة التي قام بها. و بقيت في ذاكرتي توصيته ونحن نغادر بيته: " حافظوا على تفانيكم في خدمة الوطن وعلى نظافة اليد". 
عندما وقع تعييني مدير الاداءات في شهر جانفي 1969 اتصل بي هاتفيا سي الهادي نويرة وكان محافظ البنك المركزي وبعده, المرحوم علي الزواوي و كان محافط مساعد للسيد نويرة وقالا لي نفس الكلام:" سي رشيد نهنئك بالمسؤولية الجديدة الثقيلة ولكن كيف ستفعل لتحقيق استخلاص موارد الدولة؟ " كانت تلك التهنية الهاتفية الثنائية قد زادتني يقظة و جعلتني أشعر أني أمام تحدى كبير وابتكرت إلى جانب عدد من الاصلاحات التنظيمية الأكيدة طريقة جديدة لمتابعة شهرية دقيقة وتحليل وعمق لنتائج مختلف أنواع الاستخلاصات الجباءية وذلك على المستوى كل ولاية ثم على المستوى القومي. وباشرت طيلة السنة هذا العمل بنفسي مع تشريك كافة رؤساء المصالح وكنا نأخذ التدابير العملية على ضوء تلك المتابعة الدقيقة و الشهرية, وأعتقد أن المؤرخين سيجدون في وثائق الخزينة كافة الأرقام التي تفسر كيف أنه في هذه السنة التي اعتبرت سنة أزمة مالية من جراء تعميم التعاضد قد توقفنا في إدارة الاداءات إلى الاقتراب من تحقيق إستخلاصات موارد الميزانية لسنة 1969 كانت قريبة جدا من التقديرات المرسومة في قانون المالية. و هذا يبين بما لا شك فيه أن الأزمة من الناحية المالية لم تكن بالخطورة التي قدمت بها,و صحيح أن هنالك أشياء لو استمرت لكانت تؤدي إلى أزمة مالية حقيقية. 
وتجدر الاشارة إلى انه من الخطأ الحكم على فترة السيد أحمد بن صالح من خلال ما سمي بأزمة التعاضد. فللرجل الفضل الكبير في ترسيخ العمل التنموي عن طريق التخطيط العصري والمرن. كما له الفضل في انطلاق النواة الصناعية الوطنية الأولى ومشاريع صناعية كبرى هيكلت الجهات وكانت قاطرة لقطاعات صناعية توسعت في ما بعد ولا ننسى فضله في بعث الوحدات السياحية الأولى التي أعطت نتائجها في سبعينيات الفرن الماضي. 
في قراءة موضوعية للتاريخ فوائد جمة ولا تنقص هذه القراءة من قيمة من إجتهد وعمل بصدق ولا تنقص من قيمة من تحملوا المسؤوليات في مرحلة معينة. وعلينا أن نعترف بأخطائنا لأن الأخطاء هي من سمة البشر, والكمال غير موجود في البشر, والعمل يكون غالبا منقوصا وذلك حتى في المجتمعات التي تنعم بالحرية وبالديمقراطية. وفي العمل الاقتصادي وفي العمل السياسي ليس هنالك حلولا مثلى, هنالك حلول تتصف بأقل عيوب من غيرها. والأستاذ الهادي البكوش الحاضر معنا اليوم بإمكانه أن يفسر لنا مفهوم النسبية في القرار السياسي la relativité de la décision dans le domaine politique وهذه النسبية نجدها في القرارات الاقتصادية والمالية. 
إما في ما يخص العلوم الاقتصادية و خلافا لما يتصوره الكثير أن العلوم الاقتصادية ليست بالعلوم الصحيحة وبالرغم من توغل الرياضيات والأمثلة الرياضية في الاقتصاد يبقى منطلقها الاساسي نابع من العلوم الإنسانية. نعم يتعين أن يكون منطلق الاقتصاد السليم أساسا العلوم الإنسانية والاقتصاد السياسي... 
الأزمة المالية العالمية التي انطلقت من البنوك الأمريكية سنة 2008هي كذلك أزمة العلوم الاقتصادية ومن بين العناصر المفسرة للازمة –وهي عديدة-نجد البرمجيات الإعلامية التي صممت لبيع وشراء الأسهم في البنوك والمؤسسات المالية. وهي برمجيات أصبحت خارجة عن نطاق يد البشر والإطارات وأصبحت الحواسيب بصفة أوتوماتيكية اعتمادا على هذه البرمجيات تقرر بيع وشراء الأسهم والرقاع والمنتجات المالية المعقدة والغامضة في لمح البصر و على مدى الأربع وعشرون ساعة. وأن كبار الاقتصاديين يعرفون حق المعرفة أنه مثل ما هو الشأن في المجال السياسي, يبقى القرار الاقتصادي مجرد اجتهاد بشري.. لذلك من واجب الاقتصاديين تقديم كل الحلول المتاحة مع تبيان فرضياتها و مزاياها و كذلك عيوبها. ويبقى على السياسيين مسؤولية أخد القرار النهائي. وفي الفترة الأخيرة التي عاشها العالم في ضل عولمة متوحشة و بلا ضوابط, طغت غالبا القرارات الاقتصادية المتعلقة بإزالة الضوابط على القرارات السياسية التي كان من واجبها تهذيب توحش العولمة. فالأزمة العالمية حتمت الرجوع إلى تدخل الدولة الذكي أي إلى القرار السياسي شريطة أن يكون حكيم.. 
لقد مر الوقت بسرعة ولم أتناول مواضيع كثيرة منها الأزمات الكثيرة التي عشناها مثل أزمة جانفي 1978 وأزمة الخبز في جانفي 1984 وأزمة 1986 ونهاية عهد بورقيبة وفساد عهد بن علي.. ولكن نظرا لقصر الوقت في هذا اليوم نكتفي بهذه المقدمة التي يمكن أن نستخرج منها على الأقل درس أولي يصلح للمستقبل: في الخمس العقود الماضية حققنا إنجازات كبيرة لا يمكن إنكارها في مقدمتها تحرير المرأة ونشر التعليم وتعميمه وتركيز نسيج اقتصادي محترم ولكن ارتكبنا أخطاء جسيمة وعشنا أزمات خطيرة كان بالإمكان تفاديها لو كانت الديمقراطية الحقيقية متوفرة داخل الأحزاب السياسية و في المنظمات وفي في المجتمع المدني وفي النظام السياسي للبلاد. 
د. عبد الجليل التميمي: 
شكرا على هذه الرسالة الناضجة هذه رسالة من مسؤول عرف خبايا الدولة, أنا أهنئك بهذه الحصيلة, الفاعلة جدا وأعتقد أنك الآن فهذا الأسلوب السهل الممتنع فد أبلغنا كل هذه التأرجحات بأمانة وبصدق وبشفاف
  •  سيمينار الذاكرة الوطنية في مؤسسة التميمي للبحث العلمي
    مع السيد رشيد صفر الوزير الأول الأسبق حوار حول 
    أية دروس من قراءة الحركة الوطنية و بناء الدولة الوطنية 

    السبت 14 جانفي 2012
     

    د. عبد الجليل التميمي : 
    كنا قد دعونا السيد رشيد صفر إلى السمينار الذي عقدناه حول المرحوم الهادي نويرة وفوجئ الحاضرون بمحتوى تدخله عندما أمدنا بمعلومات مباشرة ودقيقة حول شخصية المرحوم الهادي نويرة رجل الدولة بامتياز. و قد تأكد لي أن دعوة أمثال هاته الشخصيات الوطنية ستفيد ولا شك، قاعدة البيانات حول الحركة الوطنية وبناء الدولة الوطنية. 
    على ضوء ذلك اقترحت على السيد رشيد قبول دعوتي لتشريفنا على منبر المؤسسة لينقل لنا جزءا ثمينا من ذكرياته. 
    التحق رشيد صفر بمعهد الدراسات العليا من أكتوبر 1953- إلى جوان 1957أين تابع دراسته في الحقوق والاقتصاد والتاريخ. ثم تحول إلى باريس وتابع تكوينه بالمدرسة الوطنية التطبيقية للأداءت التابعة لوزارة المالية والاقتصادية الفرنسية وأنهى دراسته العليا بكلية السربون من أكتوبر 1958 إلى جوان 1959. وهو يعد من أوائل التونسيين الذين اهتموا بشؤون الإصلاح الاقتصادي والمالي. وقد تولى عديد المهام الإدارية السامية بوزارة المالية منها الأمانة العامة لوزارة المالية من 1974 إلى سنة 1977. ثم وقع تعيينه وزيرا للصناعة والطاقة والمناجم (1977-1979) ثم وزيرا للدفاع (1979-1980) ثم وزير للصحة (1980-1983) ثم وزيرا للاقتصاد الوطني في أواخر سنة 1983 و وزيرا للمالية والاقتصاد الوطني في سنة 1986 ثم وزيرا أول منذ جويلية 1986 إلى أكتوبر 1987، وفي شهر أوت 1986 تقدم إلى مجلس النواب بقانون مالية إضافي معزز ببرنامج إصلاح هيكلي للاقتصاد والمالية مساند من طرف البنك العالمي وصندوق النقد الدولي. كما عرض في شهر ماي 1987على مناقشة ومصادقة مجلس النواب المخطط السابع للتنمية لفترة 1987-1991 
    والسيد رشيد صفر هو أبن الزعيم السياسي المحامي الطاهر صفر، أحد مؤسسي الحزب الدستوري الجديد مع ثلة من القيادات القديمة : من الحبيب بورقيبة و محمود الماطري وبصفة أخص يوسف الرويسي الذي منه انطلقت الفكرة الأولى للانشقاق على الحزب الدستوري وتكوين الحزب الدستوري الجديد. 
    وقد اشتغل بعد ذلك السيد رشيد صفر كسفير لدى المجموعة الأوروبية من 1988 إلى 1992، ثم تم تعيينه رئيسا للهيئة العليا للرقابة الإدارية و المالية 1993-1996 وقد ترأس اللجنة التي أعدت التقرير ألاستشرافي المتعلق بتصور الخطوط الكبرى لنطور تونس في القرن 21 وتقرير ثاني حول سبل تحفيز الاستثمار التونسي انطلاقا من سنة 2000. وقد صدر له سنة 1999 كتاب بعنوان"mondialisation , régulation et solidarité" بالفرنسية لدى دار لارماتان بباريس. ويتعلق هذا الكتاب أساسا بمقترحات لإصلاحات جذرية تهدف إلى الحد من تقلبات السوق المالية والنقدية العالمية و ملائمة تدخلات صندوق النقد الدولي مع مقتضيات العولمة الاقتصادية وحاجات الدول النامية وكذلك إصلاح المنظمات الدولية للحد من خطورة الأزمات السياسية والاقتصادية والمالية وتحقيق دمقرطة اتخاذ القرارات على الصعيد الدولي حتى تكون فيه أكثر عدالة. وقد اتسمت هكذا مسيرة السيد رشيد صفر بالتنوع والثراء وساهم كخبير مالي واقتصادي في بناء الدولة التونسية الناشئة. 
    ونظرا لهاته المسيرة في حقبة نسبيا طويلة وتشرب رشيد صفر بالبعض من خصوصياتها واستيعابه الدقيق لمسيرة والده المحامي الطاهر صفر، حصلت للسيد رشيد رؤية وتحليل حول منهجية تسيير الحزب الحر الدستوري الجديد وبداية الانحرافات والأخطاء التي ارتكبت قبل عهد الاستقلال وبعده تفسر انسداد وانكسار المسار الديمقراطي في بلادنا. وإن سجل الذاكرة الوطنية مفتوح في المؤسسة لاحتضان شهادات الجميع من أمثال السيد رشيد الذي نحييه ونشكره على قبوله دعوتنا وتشريفنا على منبر سمينارات الذاكرة الوطنية. وهذه الحلقة الأولى من شهاداته وسوف تتلوها ولا شك حلقات أخرى لتغطي مسيرة حياته وأن لديه ما يبلغه لجيلنا وللأجيال القادمة. 
    وعلى ضوء ذلك سوف يحدثنا السيد رشيد ويتحاور معنا حول مسيرته السياسية وتوليه عديد الوزارات : الصناعية والمناجم والطاقة والدفاع الوطني والصحة العمومية والاقتصاد الوطني والمالية. وقد تولى الوزارة الأولى في 8 جويلية 1986 لمهمة إعادة التوازن المالي والاقتصادي للدولة. وبعد استرجاع الاقتصاد التونسي شيئا من فعالياته وصحته وبعد إصدار المخطط السابع للتنمية لفترة 1987-1991 المجسم للإصلاح الهيكلي غادر رشيد صفر مهامه كوزير أول يوم 2 أكتوبر 1987 في ظروف غريبة جدا سيكشف لنا عن تفاصيلها الخفية. ويؤكد السيد رشيد صفر أن فترة تعايشه مع بن علي كانت بائسة حقا وتخللتها كثير من العقبات. 
    يسعدني للمرة الثانية أن يشرفنا الأستاذ رشيد صفر ويعلم الجميع مدى مكانة رشيد صفر في سيرورة وبناء الدولة الوطنية وليسمح لي سي رشيد قبل أن أعطيه الكلمة أن أذكر عن سبب التجاءنا إلى جمع الشهادات الفاعلين التونسيين في بناء الدولة الوطنية, حيث التجأنا إلى هذا الأمر لأن أرشيف الدولة مغلق وأرشيف الرئاسة وأرشيف الداخلية, كل الأرشيفات مغلقة فرأينا أنه على الأقل الأناس الفاعلين بإمكانهم تقديم على الأقل معلومات جوهرية وعندما قمنا بذلك اكتشفنا أنه ثمة ما يسمى بأرشيفات الصدور وكنا دوما نطالب في كلماتنا وتدخلاتنا الموجهة لبن علي أو كل الإدارات أن يسمحوا لنا بالاطلاع على تلك الأرشيفات, إلا أنهم رفضوا ذلك, لكن أريد أن أعلن خبرا مفيدا ومهما جدا وتاريخيا في نفس الوقت وهذا الأسبوع دعاني رئيس الجمهورية سي المنصف المرزوقي صحبة هشام جعيط وسي جلول عزونة على أساس استشراف رأينا حول بعض من القضايا والمسائل الثقافية وقد أرانا أرشيف الرئيس بورقيبة والذي لم يقع فتحه على الإطلاق وطلب من ثلاثتنا أن نقترح عليه تصورا ما لفتحه لعموم الباحثين, وإني شخصيا أنوه أولا بهذا الموقف النبيل من رئيس الجمهورية الرجل المثقف, المدرك والواعي, أن يرينا أرشيف الرئيس بورقيبة طالبا منا كيف يعمل على إتاحته للباحثين جميعا وهو شيء جميل جدا, وهذا يتم لأول مرة ويحصل في العالم العربي إذ بعد اندلاع الثورة التونسية ولا دولة عربية استطاعت أن تفتح أرشيفات الرئاسة وأرشيفات الوزارات الأخرى على الإطلاق وبطبيعة الحال أنا أتصور أن مكان هذا الأرشيف هو الأرشيف الوطني باعتباره المؤتمن على الذاكرة الوطنية وسي المنصف قال لنا أي اقتراح بناء في توظيف هذا الرصيد, فهو مستعد لتطبيقه وأعتقد أن هذا شيء جديد وهم وكما أعطت الثورة التونسية الإشارة لأهمية التحولات الاجتماعية والسياسية في العالم العربي بل في العالم كله فإن موقف سي المنصف المرزوقي لا بد أن يصب في هذا الانفراد وهذا الاستثناء المعرفي الأرشيفي لتونس. 
    وسي هشام جعيط وجلول عزونة وأنا عبرنا على مدى الارتياح العميق إلى هذا التحول الهام جدا في فتح أرشيف الرئيس بورقيبة, المهم عشنا مرحلة جديدة ونأمل أن رجال المؤرخين رجال الإعلام يدركون مدى هذا الموقف العميق لسي المنصف المرزوقي فشكرا له, هذه معلومة مهمة جدا باعتبار أننا في حركية وفي سيرورة الذاكرة الوطنية نرجع إلى سي رشيد صفر والجميع يعرف مكانته ولديه معلومات هامة جدا سيدلي بها, في مصير هذا البلد وهو سليل الطاهر صفر وتعرفون جيدا مكانة الطاهر صفر في مصير هذا البلد هو من أول المؤسسين لحزب الدستور الجديد على الرغم من أن يوسف الرويسي هو الذي كانت له المبادرة الأولى لانشقاق الحزب القديم, وقد ذكره محي الدين القليبي من المشرق عندما قال له معاتبا: أنت السبب في الانشقاق وانبثاق الحزب الدستوري الجديد, والدك لعب دورا أساسيا وستحدثنا الآن عن هذا الدور وعن ذكريات الوالد والعائلة, كل هذا لعب دورا كبيرا في تلمس خصوصيات الطاهر صفر, وبالتالي دورك أنت هو دور كبير, نأمل أن تساعدنا على تلمس هذا الدور في بناء الدولة الوطنية وقد مررت بأغلب الوزارات السيادية. وكانت لك لقاءات ولديك الكثير لتقوله لنا مع الرئيس بورقيبة ومع غيره من القيادات السياسية, كل معلومة تقدمها لنا سي رشيد ستكون لها أكثر من أهمية كبيرة, لأننا في فضاء أكاديمي يتعامل مع الحقيقة ومع الصدق ومع الشفافية وبالتالي هذه المعلومات سوف تسجل وتنشر في كتب, هذه الكتب أصبحت الآن المراجع الأساسية, ومنا نشر الأسبوع القادم وكتاب جديد بعنوان: الدور المغيب في مسار الحركة الوطنية بالجهات: المنستير وسوسة ونابل والمهدية, وهي معلومات لها أهمية كبرى ودعونا لها القيادات الوطنية الثقافية بكل من سوسة والمنسنير والمهدية, وقد أنجزنا سمينارا على صفاقس وآخر على القيروان وعلى بنزرت وسمينار على مقاومة الجنوب, وهاته الجهات غيبت الوطنية وأنت أحد بناة هذه الدولة, وبحضور سي الهادي البكوش وبعض السفراء والوزراء وبعض رجالات الدولة التونسية الذين يشرفهم أن يكونوا تونسيين وساهموا في بناء الدولة الوطنية. شكر لبعض الصحافيين الذين يواكبون هذه الفعاليات الأسبوعية وشكرا للجميع. 

    رشيد صفر: 
    شكرا جزيلا للأستاذ عبد الجليل التميمي على هذه الكلمات اللطيفة التي في الحقيقة تتجاوز شخصي, ولا أدعي أني كنت من بناة الدولة التونسية الحديثة في مرحلتها الأولى, إذ كانت مساهمتي متواضعة جدا. و إنه بحكم سني وبحكم مواصلة تعليمي العالي في تلك الفترة (1953-1959 ) بقيت مساهمتي في السنوات الصعبة الأولى مباشرة بعد الاستقلال متواضعة. وفي مجال المسؤوليات السياسية وبعد أزمة تعميم التعاضد وقع الاستنجاد بي غالبا في ظروف استثنائية وصعبة مرت بها البلاد, و في الحقيقة في تونس إخوة مسؤولون سابقون أكثر مني دراية ليثروا مخزون الشهادات المتوفرة لديكم بالنسبة لفترة بناء الدولة مباشرة بعد الاستقلال. وبهذه المناسبة لا يسعني إلا أن أعبر لكم عن تقديري الكبير للمجهود المتواصل الذي تقوم به مؤسستكم ولن أتردد على مدكم بما عندي كإضافة كل ما أمكن ذلك,. 

    1-دولة الاستقلال أنجزت الكثير ولكن لم تتوفق- مثل كافة الدول العربية- إلى بناء نظام سياسي ديمقراطي

    شكرا مجددا إذا على الاستضافة وشكرا للجميع على هذا الحضور المكثف في هذا اليوم التاريخي الذي تحتفي فيه بلادنا بكل خشوع بالذكرى الأولى لثورة 14 جانفي 2011 ثورة الحرية والكرامة. هذه الحرية و وهذه الكرامة التي كثيرا ما وقع للاصداع بهما في الخطب والمقالات أثناء معركة التحرير قبل الاستقلال ولم يقع مع الأسف تجسيمها تجسيما كاملا من خلال دولة الاستقلال. هذه الدولة التي كان من المفروض أن تكون فيها المؤسسات الدستورية وخصوصا منظومة العدالة مؤسسات مستقلة بالفعل عن السلطة التنفيذية حتى تضمن الحريات الأساسية لكافة المواطنين وفي مقدمتا حرية التعبير واحترام حقوق المواطنين. تلك السلطة التي ضحى شعبنا الأبي و زعماءه الأبرار الكثير من أجل استرجاعها من مخالب المستعمر وكانوا جميعا عاقدين العزم -عند استرجاعها- على تفعيل مراقبة حقيقية لأعمالها عن طريق برلمان فاعل مستقل يمثل بحق مختلف شرائح المجتمع ومختلف جهاته. بقيت السلطة في بلادنا بعد الاستقلال وذلك على غرار جل الدول العربية وطيلة نصف قرن محتكرة في يد واحدة , ولكن كانت اليد الأولى مصلحة وعبقرية ولكنها فقدت قدراتها ومواهبها مع تداعيات المرض ثم الشيخوخة. و كانت اليد الثانية غادرة فبعد أن وعدت الشعب بالديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات, ألتفت تدريجيا على الحكم حتى أصبحت يدا أثيمة وناهبة ثم مجرمة. في مثل هذا اليوم يملي علينا الواجب قبل كل شيء أن نترحم على كافة شهداء الوطن اللذين ضحوا بأرواحهم الزكية في سبيل تحرير البلاد من المستعمر و كذالك كل الذين واصلوا النضال في سبيل تجسيم الحرية والكرامة والحقوق الأساسية لكافة الموطنين والمواطنات وذلك انطلاقا من شهداء معارك التحرير من الاستعمار المتتالية حتى شهداء ثورة الحرية والكرامة الذين فتحوا لنا صفحة جديدة في تاريخنا مطالبين باستكمال الأهداف الحقيقية لاستقلال. 
    -2 الواجب يملي علينا اليوم أن نعتذر لشعبنا لعدم قدرتنا للتصدي لحكم برزت الآن جسامة تجاوزاته ولم نكن نعلم منه إلا القليل

    نتمنى أن تحافظ بلادنا مع هذه الصفحة الجديدة لتاريخنا على كل ما تحقق من مكاسب عديدة ميزت بلادنا منذ السنوات الأولى من الاستقلال وفي مقدمة هذه المكاسب تحرير المرأة وتعميم التعليم والتفتح على العالم لكسب والتملك من المعرفة. كما نتمنى أن تأسس هذه الصفحة الجديدة المؤسسات الدستورية الناجعة والفعالة لتجسيم الديمقراطية الحقيقية و لتدارك وللقطع النهائي مع الأخطاء والانزلاقات والانحرافات الخطيرة التي بلغت ذروتها في بلادنا خلال العشرية الأخيرة مع تفشي الفساد في رأس السلطة. والحق يجب أن يقال فقد كان إجمالا جيلي عاجزا عن التصدي لسيل من الفساد الجارف. فلم تكن لي ولا لأغلب أبناء جيلي الجرأة - التي تحلينا بها في شبابنا تحت جبروت المستعمر- للاصداع جهارا بما كان يخالج نفوسنا من إحباط وتنبؤ بسير بلادنا إلى الهاوية في السنوات الأخيرة وخصوصا منذ أحداث الحوض المنجمي بقفصة في سنة 2008 .والواجب يملي علينا اليوم أن نعتذر لشعبنا لعدم قدرتنا للتصدي لانحرافات حكم برزت وثبتت الآن جسامة تجاوزاته ولم نكن نعلم منها إلا القليل في صيغي إشاعات. و جاءت ثورة شباب 2010 و 2011 لتكسر القيود ولتزيح الخوف وتحرر الاعلام. و كنت من بين العاجزين عن الإسهام في تفكيك منظومة الفساد ولم نوفق حتى على التخفيف من وطأتها. فتحية إكبار و تقدير لشبابنا ولكل من استطاع الإسهام معه في إسقاط نظام أصبح متجبرا وشمولي وفاسد. والشكر مجددا لمؤسسة التميمي للبحث العلمي التي يديرها ويرعاها بكل اقتدار الأستاذ عبد الجليل التميمي لما بذلته من مجهودات متواصلة في سنوات الجمر لفسح المجال واسعا لتوفير قاعدة معلومات متنوعة ومخزون من الشهادات الثرية التي يتعين على المؤرخين والباحثين التدقيق في خباياه والتأكد من صحتها حتى ينطلقوا في إعادة كتابة تاريخنا بصفة موضوعية ونقية بعيدا عن كل توظيف وانحياز إلى تيار إيديولوجي معين. 
    3-الأخطاء والانزلاقات التي سنتعرض لها لا تنقص شيئا من تقديرنا الصادق للانجازات الكبرى التي تحققت وغيرت وجه الوطن. 
    إن الهدف الأساسي حسب تصوري من حوار اليوم -وحوارات ربما لاحقة- يمكن في محاولة متواضعة للإسهام في استخراج بعض الدروس والعبر من عينة من الأحداث والأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي مرت بها بلادنا, ابتداء من ثلاثينات القرن الماضي حتى سنة 2010. مع الإشارة إلى أن الأخطاء والانزلاقات التي سنتعرض لها لا تنقص شيئا من تقديرنا الصادق للانجازات الكبرى التي تحققت وغيرت وجه الوطن. و ولا تضعف تقديرنا المتواصل لقائد تحرير وطننا وباني دولة ما بعد الاستقلال الزعيم الحبيب بورقيبة والمجاهد الأكبر. وكذلك لا تنقص تقديرنا الكبير لزعمائنا ولمناضلي ومناضلات الحزب الحر الدستوري الذي أعتز أن انتميت إليه وكنت أمين ماله وأمينه العام في ظروف جد صعبة يعرفها الجميع. و بالمناسبة أتوجه بتحية إخلاص ومودة لكل من عمل لصالح تونس في تلك الفترات الصعبة متألما كما تألمت وأرهق نفسه, كما أرهقت نفسي حتى خففنا قدر الإمكان على شعبنا وطأة الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي كان سائدا بالخصوص في فترة 1986 -1987. وقد أدى إجمالا جيلنا الواجب منذ الاستقلال حسب ما يمليه الضمير في نطاق ما كانت تسمح به الظروف وجنبنا الدولة والوطن الانهيار والإفلاس. 
    والحق يجب أن يقال: لقد تميزت بلادنا, من حسن حظها, في مختلف مراحل تاريخها المعاصر بعدد كبير من الإطارات والمناضلين والمواطنين الأحرار في كافة الإدارات والمؤسسات العامة والخاصة الذين تحلوا بالقيم العليا والكفاءة الثابتة ونكران الذات وبقوا بعيدين كل البعد عن ملابسات التكالب عن الحكم وعن السعي للمناصب أو الكسب الغير شرعي. وكان دوما ديدنهم القيام بالواجب والحفاظ على المصالح العليا للبلاد كل من موقعهم. وهذا العنصر يفسر إلى حد كبير _حسب تصوري_ تمكن تونس من تحقيق استمرارية الدولة والقيام بدورها الأساسي وحماية الشعب قدر الإمكان من التداعيات الخطيرة للأزمات المتتالية التي مرت بها البلاد وبقيت صامدة وواصلت تقدم و تنمية الوطن لو بتعثر أحيانا... فإلى هؤلاء جميعا نقدم أجمل التحيات أن كانوا أحياء ونترحم على أرواحهم الطاهرة داعين الله عز وجل أن يمدهم برحمته الواسعة إن كانوا قد غادروا هذه الدنيا الفانية. 
    4-لماذا لم تتجذر في مجتمعنا ثقافة الديمقراطية الحقيقة وثقافة حقوق الإنسان ودولة القانون الحق منذ بداية الحصول على الاستقلال ؟ 
    أنطلق في هذا الحديث معكم من السؤال الأساسي التالي و المؤرق ومن ما يترتب عنه من أسئلة فرعية: لماذا لم تتجذر في مجتمعنا ثقافة الديمقراطية الحقيقة وثقافة حقوق الإنسان ودولة القانون الحق منذ بداية الحصول على الاستقلال ؟ وذلك في الوقت الذي كانت بلادنا مؤهلة موضوعيا لتجسيم مسار سياسي ديمقراطي أكثر من بقية الدول العربية و الإسلامية الأخرى, وهذا نظرا لعدة عوامل تاريخية وثقافية وتربوية وبالخصوص نظرا لغزارة الحركة الفكرية السياسية والثقافية الذي ميزت نخبنا قبل الاستقلال, و حتى منذ القرن التاسع عشر وخاصة في ثلاثينات القرن العشرين. هل كانت الأسباب تاريخية بحتة؟ أم هي نتاج طباعنا وشخصيتنا ومزاجنا؟ أم أننا لم نحسن تجذير السلوك الديمقراطي أثناء مسار الحركة الوطنية؟ أم إننا لم نعمق التفكير في قضية جوهرية هي قضية "الغاية والوسيلة في مجال العمل السياسي" وقضية القيم والأخلاق في مناهج تسيير الشأن العام؟ 
    ألم يقل أحمد شوقي "إنما الأمم الأخلاق ما بقيت, فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا"... 
    وقد رددنا هذا البيت الشهير مرارا.............. 
    فهل نبل الهدف يبرر دائما استعمال كل الوسائل حتى القذرة.. وقد قال بورقيبة في خطاب له بتاريخ يوم 10 جويلية 1965 بوضوح تام: "الغاية لا تطهر إلا بطهارة الوسائل المستعملة لبلوغها, وإلا فهي مهددة في جوهرها بحكم ما يتسرب إليها من فساد؟" فهل طبق الزعيم وهل طبقنا ذلك في كل المجالات؟ هل ألتزم جميعنا بذلك الشعار الذي طالما رددناه: الصدق في القول والإخلاص في العمل؟........هل أقلعت نخبنا السياسية مع " المكيافلية القروسطية"..,.؟ 
    أقترح أن تكون هذه الأسئلة المؤرقة حاضرة دوما في أذهاننا أثناء هذه المحاولة المتواضعة للاعتبار و استخراج الدروس وكذلك أثناء كل الحوارات التي ستهتم ببناء مستقبل وطننا. و سأستحضر في هذا الحوار بعض الذكريات عن مسيرة ولدي مع رفيق دربه المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة, ثم أنتقل باقتضاب – إن سمح الوقت- إلى عينة من الأحداث التي عايشتا والتي كان بالإمكان تفاديها لو توخينا المنهج الديمقراطي الحقيقي ولو على أسس المنهجية المرحلية التي ميزت تفكير وإستراتجية الزعيم ثم الرئيس الحبيب بورقيبة ! 
    أعتقد أن هذه المجموعة من الأسئلة تبقى محيرة ومعيقة للعمل المستقبلي إذا لم نجب عليها الجواب الصحيح في هذه الفترة التاريخية الهامة, وإذا قصرنا أو أخطأنا في الجواب عن هذه الأسئلة فسنعرض وطننا لا قدر الله إلى نكسة ثانية تكون في الظرف الاقليمي و العالمي الحالي عواقبها وخيمة جدا وتهدد حتى كيان الدولة, في الوقت الذي تحتم علينا التحديات الجسام أن ننطلق بسرعة في بناء نظام سياسي ديمقراطي بحق نظام سليم يصمد أمام الهزات. إن الديمقراطية الحقيقية بما فيها من مخاطر تبقى أفضل النظم السياسية و جميعكم يعرف الكلمة الشهيرة المحسوبة على مقولات "ونستون تشرشيل" الوزير البريطاني الأسبق: "الديمقراطية ليست بنظام مثالي ولكنها أقل الأنظمة نقائص" وكلنا يعرف أن النموذج المثالي لا يوجد فوق الأرض ولا توجد المدينة الفاضلة التي حلم بها" أفلاطون", ولكن بين "مدينة" فاسدة و ناهبة و بين "مدينة" ترسي قواعد نظام يحاول ويسعى موضوعيا لإثبات حقوق الناس ويدعو المواطن إلى القيام بواجباته واحترام حقوق الآخرين, هنالك فرق شاسع يحتم علينا جميعا عدم التأخر في تعمق التحليل في كافة الأحداث التي عاشتها بلادنا أثناء معركة التحرير وأثناء بناء دولة ما بعد الاستقلال واستخلاص كل العبر منها حتى لا نعيد نفس الأخطاء. 
    ولا يجوزوا البتة حسب تقديري أن نسمح لأنفسنا في تقييمنا لتاريخنا المعاصر بأن نضع الفترتان, فترة الرئيس بورقيبة ودولة ما بعد الاستقلال, وفترة بن علي في نفس الواد, كما أسمع ذلك, في كثير من التصريحات, فهذا ليس فقط فيه إهانة لزعيم أحببناه وقدرناه وبقينا نكن لتضحياته و عبقريته كل التقدير رغم الاغلاط والنقائص. وأقول إن في مثل هذا التقييم المخطئ تبرز إهانة لكل الشعب التونسي و بمن فيهم من يتفوه بهذا الخلط: هم أناس يهينون أنفسهم ويحطون من مستواهم وينزلقون في منزلق خطير.إن الحكم الموضوعي عن مرحلتين مختلفين يجب أن يوضع في إطارهما العام وفي محيطهما الجيوسياسي والتاريخي, ولا يمكن أن نحكم على الفترة البورقيبية دون أن نضعها في الإطار الزمني والجيوسياسي الذي عاشته, وبالرجوع إلى تلك الفترة نلاحظ بسهولة أن تونس كانت في مقدمة الدول الأفريقية التي استقلت, و سبقتنا فقط ليبيا, التي تحصلت على استقلالها في ظروف سهلة بعد انهيار إيطالية في الحرب العالمية الثانية. وكان تحصيل تونس على الاستقلال صعبا وصعبا جدا. 
    5ـ ترسيخ الديمقراطية يبدأ بممارستها داخل الاحزاب ومؤسسات المجتمع المدني سواء أثناء معركة التحرير أو بعد الاستقلال. 
    و في هذا السياق أريد ألإشارة إلى محادثات عديدة دارت بين والدي وصديقه الحميم الزعيم الحبيب بورقيبة حول منهجية التحرير من الاستعمار وتأثير منهجية التحرير في ما بعد على طبيعة النظام السياسي بعد الاستقلال. أن والدي ربما كان أقرب من المفكر السياسي الحر. وكانت حواراته عديدة مع بورقيبة لتصور المنهجية العصرية والسليمة التي يتعين إتباعها من طرف الحزب الحر الدستوري الجديد الذي انشق عن حزب الدستوري القديم لأسباب يعرفها الجميع, وهذه المنهجية تهدف أساسا إلى بعث حزبا ديمقراطيا جماهيريا على غرار الأحزاب الغربية والغير الشمولية يكون مدرسة لتمرس الشعب التونسي على العمل السياسي الديمقراطي. وهذا ما أصدع به والدي من اليوم الأول ضمن الكلمة التي أفتتح بها مؤتمر قصر هلال الشهير في مارس سنة 1934 وعندما توفي والدي كنت في التاسعة من عمري ولكن أخبرني بالخصوص عمي أحمد صفر متفقد التعليم العربي وحدثني طويلا عندما كبرت عن علاقة والدي وجدالا ته مع الزعيم الحبيب بورقيبة. كان والدي- ويلتقي معه إجمالا وبالخصوص في هذا التوجه الدكتور محمود الماطري و وزميله البحري قيقة – قلت كان والدي يعتقد كامل الاعتقاد أن انسلاخ المجموعة الشابة عن اللجنة التنفيذية و تصميمها على بعث الحزب الدستوري الجديد كان أساسا يهدف للخروج من احتكار النفوذ الفردي داخل الحزب ومن احتقار الشعب وتوخي المنهج الديمقراطي في أخذ القرار وتحقيق تعبئة شعبية حقيقة كل ذلك مع احترام الرأي المخالف- ولا ننسى أن السبب الأول في الانشقاق كان يتعلق بتوجيه لوم وتوبيخ لبورقيبة من طرف بعض أفراد من اللجنة التنفيذية بدون احترام مقتضيات النظام الداخلي للحزب- و كان الحبيب بورقيبة قد قام بمبادرة سياسية من المفروض أن يشكر عليها. ورأى بورقيبة بأنه لن يبقى في حزب لا يمكنه من أبسط المبادرات وتنفرد بعض القيادات فيه بأخذ القرار دون الرجوع إلى الهياكل. إذا كان السبب الأول بدون ريب لبعث حزب جديد يكمن في عدم الرضى عن أخذ قرار فردي و تعسفي.و لو كانت فكرة الديمقراطية مرسخة في تقاليد عمل الحزب القديم و ولو كانت الثقة متوفرة لكان اجتماع للجنة التنفيذية الذي نطر في مبادرة بورقيبة يعقد بحضور جميع الأعضاء- القدامى والجدد الذين التحقوا بهم- ويحصل هكذا حوار رصين ومسؤول وديمقراطي كان يجنب الانقسام....... 
    وخلاصة الأمر فبالرغم من تواجد حركة فكرية غزيرة ونيرة وتعددية حزبية نسبية في تلك الفترة كانت أحزابنا منذ البداية تتصرف بنوع من التصلب والانفراد بالقرار.والانشقاق كان ثورة على الانفراد بالقرار في التسيير و كذلك على طرق اعتبرت بالية للعمل في الحزب والكذب عن الشعب وعدم الالتصاق بالشعب و عدم التخطيط للرفع من مستواه. و وكان الشعور بأن الحزب كان نخبوي خاصة بعد مغادرة الثعالبي. وهذا الذي يجب إبرازه لنفهم كيف أن فكرة الديمقراطية التي ربما غذتها الحركة الفكرية لم تجد لها تجسيما في الواقع اليومي لتسيير الحزب القديم ثم توفرت في الحزب الجديد لفترة زمنية ثم غابت في فترات أخرى و خاصة بعد الاستقلال. و فعلا ستتكرر كما سنرى في مسيرة الحزب الجديد السلوكيات الغير ديمقراطية: 
    - ففي قصر هلال عندما انبعث الحزب الجديد كانت الكلمة الأولى- كما ذكرت سلفا- ألقاها والدي في الصباح والكلمة الأخيرة ألقاها الحبيب بورقيبة في المساء, وبالرجوع إلى الوثيقة التي لخص فيها الشاعر والصحفي سعيد أ بوبكر أشغال المؤتمر تحت اسم دستوري محايد, نجد أن من أول الجمل التي نطق بها والدي هي " نريد أن يكون حزبنا, حزبا ديمقراطيا على غرار الأحزاب الديمقراطية الغربية الكبرى, هذا في اعتقادي أمر هام. انبعاث الحزب الجديد كان مقترن بإرادة قوية تقاسمتها المجموعة الباعثة للحزب بقناعة كبيرة و كانوا يتصورون أنه محتم عليهم أن يأتوا بالحجة للمستعمر وللرأي العام الداخلي والدولي أنهم بمستواهم التفكيري و بمستواهم التنظيمي و بأسلوبهم في العمل السياسي لا يقلون مستوا عن الأحزاب المتواجدة في أوروبى, وكانوا مقتنعين بأن المفهوم القانوني لنظام الحماية يتضمن نهايتها متى يصبح الشعب التونسي قادرا على تسيير نفسه بنفسه, كانت الحماية بحكم التحليل القانوني وبحكم مجرى التاريخ ستزول يوما ما. فشعر زعماؤنا بأنه حان الوقت لكي يدخلوا في عمل جاد وطويل النفس للإعداد الشعب وتثقيفه وتأطيره و تكذيب ما كان يدعيه المستعمر بأن الشعب التونسي شعب غير قادر على تسيير شؤونه بنفسه وغير قادر على بعث نظام يضمن الاستقرار والأمن والعدل ويصمد. وكانت المجموعة الباعثة للحزب الحر الدستوري الجديد بمستواها التكويني و بمستواها التفكيري واعية كل الوعي بأنه يتحتم عليها أن تثبت في تونس ثم في الخارج إنه يوجد في البلاد التونسية حزب مهيكل له نظرية عصرية لنظام الحكم وله برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي و ثقافي لا ينقصه شىء عن ما هو موجود في الغرب. وهذا هو التحدي الكبير الذي وضعته مجموعة الحزب الجديد نصب أعينها. ولكن ضمن هذه المجموعة كان من بينهم قائد له إرادة أقوى من غيره وله شخصية أقوى من الآخرين وكانت له شعلة في نفسه وشجاعة نادرة.كان بالخصوص في الثلاثنيات يريد أن يسبق الأحداث ويريد أن يسرع ويريد أن يسبق الآخرين ويريد أن يصنع الأحداث. فمن أجل ذلك لهذا دخل في مرحلة توسع الحزب وتوسع عدد تركيز الشعب وتوعية الشعب للكفاح ولكن لم يعطي أهمية لصياغة برنامج سياسي واقتصادي حتى تكتمل نظرة هذا الحزب الواعد, [b]فالمؤتمر الذي عقد سنة 37 على سبيل المثال اقترح وكان ذلك بإصرار من المرحوم والدي والمرحوم الهادي شاكر أن تتكون لجان وأن يكون للحزب إلى جانب منهجيته السياسية برنامج اقتصادي واجتماعي عملي. ولم يحدث ذلك مع الأسف. وتحملت البلاد تبعات هذا النقص. وسرعان ما شعرنا بهذا الفراغ عندما تقلد الحزب أعباء الحكم في ستة 1955,[/b] وفي آخر الأمر أخذ الحزب برنامجا صمم بعجل من طرف هيكل ثاني كان له دور هام في المشاركة الفاعلة في معركة تحرير البلاد, وهو كما نعلم الاتحاد العام التونسي للشعل. وإن كانت بوادر هذا البرنامج أقحمها الأستاذ الفيلالي في مؤتمر الحزب بصفاقس سنة 1955, و كانت مجرد خطوط كبرى و أما البرنامج في تفاصيله لم يقدمه الحزب بل قدمته منظمة نقابية ساهمت بقسط كبير وساهم باعثها الشهيد فرحات حشاد, في مرحلة حاسمة لبلوغ الاستقلال ولكن كان على الحزب أن يكون له برنامجه هذا إذن الخطأ الأول. 
    وأنا أتكلم عن الماضي أتصور في نفس الوقت أنه يخامر فكر الجميع أننا في المرحلة الانتخابية الحالية التي مررنا بها منذ أسابيع شعرنا بأن الكثير من الأحزاب التي تقدمت للناخبين لم يكن لها برنامج اقتصادي عملي يأتم معنى الكلمة. وهذا هو نفس الخطأ الذي وقع فيه سابقا الحزب الحر الدستوري الجديد. و في مرحلة محاولتها لتكسير النظام ولتغيير النظام لم تنكب الأحزاب التونسية المعارضة على صياغة برامج اقتصادية واجتماعية قابلة للتطبيق في الوقت الذي لا يمكن الحديث عن عمل سياسي جدي في ظل غياب برنامج اقتصادي واجتماعي عملي مرقم, ولا يمكن تسيير دولة دون برنامج اقتصادي عملي ناجع وقابل للتطبيق. 
    في اعتقادي لم تكن محنة الخلاف اليوسفي ـ البرقيبي التي عاشتها بلادنا والتي كادت أن تؤدي بنا إلى حرب أهلية هي التي تفسر بمفردها و إلى حد بعيد جنوح الزعماء إلى التفكير في إختيار نظام سلطوي. قد اقتنع بورقيبة بضرورة إرساء نظام قوي خاصة بعد مؤامرة 1962 . ولم يكن الوحيد على هذه القناعة بل سانده الفريق الذي كان حوله أيضا في فترة 1956-1962. واستمر نفس الوضع بل تفاقم في الفترات الاحقة وبلغ أوجه سنة 1975 مع الرئاسة مدى الحياة.و من خلال ملابسات ما سمي بالفتنة اليوسفية , تبين للمجموعة التي تحملت أعباء الحكم إن الشعب التونسي لم تكتمل بعد لحمته ولم يكتمل تثقيفه ووعيه. فلا بد إذن من نظام قوي, مدعم بحزب قوي, وكان مفروض ان يقوم هذا الحزب بدورين أساسيين: استكمال توحيد هذه الأمة وتدريبها على مقتضيات العيش معا وتجنيبها ويلات التطاحن الطبقي هذا من جهة, و من جهة أخرى تدريب الشعب على مراحل لإرساء في الابان نظام سياسي ديمقراطي ناجع , وهنا برزت فكرة ما سمي بالوحدة الوطنية الضرورية لمواصلة بناء مؤسسات الدولة الجديدة والإقدام على تحديات مقاومة التخلف الاقتصادي والاجتماعي. و كان ذلك يتطلب فعلا عملا جبارا وجهدا متواصلا وانضباطا من طرف الجميع وعدم اضاعة الوقت في المجادلات الايديولوجية, وللتذكير ولوضع الأمور في إطارها, فعندما خرجت فرنسا من بلادنا, كنا حوالي 3 ملايين ساكن,منهم 60% في حالة سوء تغذية وخصاصة. وهذا الرقم ليس من كلام الدستوريين, بل مرجع الرقم المهول وثيقة لا يعرفها ربما إلا القليل من التونسيين, وثيقة محاضرة Raymond Barre وتجدونها في مجلة Ibla. محاضرة طويلة كان لي الحظ في ذلك الوقت أن أستمعت إليها في السنة الجامعية 1953-1954 أي سنة قبل الاستقلال الداخلي. وقيل لي أن مكتبة Ibla قد حرقت, ولكن من حسن الحظ أنني أحتفظ بنسخة من هذه الوثيقة الهامة- أضعها على ذمة الباحثين الجديين- لأن الأستاذ الفرنسي ريمون بار- الذي سيصبح وزيرا أولا في ما بعد في بلاده- كان متملكا بالعلوم الاقتصادية الحديثة أحسن تملك, وفي ذلك الوقت كان يدرس في معهد الدراسات العليا بتونس وكنت من بين تلاميذه في دروسه الخاصة بالاقتصاد السياسي في السنة الأخيرة من تدريسه في تونس أثناء السنة الجامعية 1953-1954 ومن هذه الدروس ألف "بار" كتابه في جزأين le traité d’économie politique الذي سمي سنوات طوال LE BARREوتناولته أجيال من الطلبة وترجم إلى عدة لغات وبقي- مع تحيينات متلاحقة -إلى اليوم كتابا مرجعيا في مادة الاقتصاد السياسي. ويأسفني كثيرا أن ألاحظ أن الاقتصاديين الجدد الذين انغمسوا في اختصاصات "جد ضيقة" دون أن يمروا من تكوين جيد في هذه المادة الأساسية ألا وهي مادة الاقتصاد السياسي التي تعطي لمن يريد أن يتوغل في العلوم الاقتصادية الأسس الأولى لمسار تطور العلوم الاقتصادية, و قد أصبح مع الأسف الكثير من دارسي علوم الاقتصاد- منذ ثمانيات القرن الماضي بالخصوص- ينتقل بسرعة إلى اختصاصات في هذا المجال و يتعمق في الأمثلة الرياضية دون أن تكون له هذه القاعدة الأساسية الضرورية ألا وهي التكوين في الاقتصاد السياسي. والأزمة العالمية المالية قد أبرزت بحدة هذا النقص في تكوين المختصين الجدد في الاقتصاد. وأقدمت أكبر الجامعات الأمريكية بعد الأزمة على مراجعة برامج الدراسة في الاقتصاد لإرجاع الاقتصاد السياسي كمادة إجبارية . 
    ولا أدري هل في بلادنا وقع إصلاح برامج التكوين الاقتصادي على ضوء الأزمة العالمية؟ ...... 
    .معذرة عن الخروج عن الموضوع الأساسي.... 
    فلنعد إلى قضية عدم ترسيخ المسار الديمقراطي منذ الاستقلال أريد التأكيد على أني لا أدعي أني أقدم حقائق مطلقة في هذا الموضوع الهام. وأعي أنني أقحمت نفسي في تحليل قضية معقدة جدا, تختلف فيها الآراء, وتتعدد فيها التحاليل. ولكن لا مناص في اعتقادي من دراسة هذا الموضوع علميا من مختلف جوانبه ومن طرف مختصين من مختلف اختصاصات العلوم الانسانية واستخلاص كافة العبر. لم نقدم بما فيه الكفاية في الخمسين سنة الماضية على التعمق وتوسيع رقعة الحوار النزيه والعلمي والنقدي, حول شروط نجاح وضرورة تركيز النظام الديمقراطي السياسي الحقيقي. فمن الغباوة أن نعيد الخطأ وأن لا نتعمق في مسيرتنا الماضية بموضوعية وبنظرة نقدية حتى نبرز بدقة جميع إيجابياتها وجميع نقائصها. أتمنى أن أكون مخطئا في ما سأقوله الآن : " إني أخشى اليوم أن نعيد نفس الأخطاء و نفوت الفرصة التاريخية لإرساء الديمقراطية الحقيقية. لذلك أنا لست مع فكرة الشهادة التاريخية للشهادة فقط. أنا الآن مع الشهادة التي يكون هدفها هو الاستعاضة وأخذ العبر والنقد الذاتي, لأن بناء الدول وبناء الأنظمة السليمة لا يتم إلا بتراكم المعرفة وبتراكم التجارب واستخراج الدروس, كل الدروس من التاريخ القريب والبعيد. فإن استمر الحال على ما هو عليه وبقي كل جيل يقوم بتجربته. ثم ندون هذه التجربة ونكتبها ونقدم شهادات عنها ويأتي جيل آخر لا يبالي ولا يستفيد بتلك التجربة وينتقل إلى تجربة أخرى ومغامرة أخرى فسوف لا يحصل في المجتمع ذلك التراكم المعرفي الذي بدونه لا تبنى الدولة السليمة و لا تحقق الحوكمة الرشيدة المنشودة... 
    [b]كل ذلك يجعلني ألح على شعوري بأن النقائص والأخطاء انطلقت منذ معركة التحرير وعندما أقول على سبيل المثال إن زعماءنا أخطوا بعد سنة 1937ـ لما عدلوا عن تركيز لجان تتعهد بإعداد برنامج اقتصادي واجتماعي للحزب الحر الدستوري الجديد ـ أشير إلى هفوة خطيرة دفعنا ثمنها غاليا فيما بعد.[/b] وعندما أقول بأن حزبنا بعد مؤتمر 1937 عندما لم يحترم دوما القواعد الديمقراطية في أخد القرارات ولم يرسخ المنهج الديمقراطي لا داخل الحزب و لا في تثقيفه للشعب من خلال نشاط كافة جامعاته و وكافة شعبه أشير إلى خلل هيكلي يفسر إلى حد كبير غياب الديمقراطية في بلادنا حتى انفجرت الثورة . لقد مهدنا منذ بداية معركة التحرير إلى الحكم الفردي لأنه حتى مؤتمر 1937 يمكن أن نقول أن الحزب الحر الدستوري الجديد بقي وفيا لمنهجيته الديمقراطية في أخذ القرار,و في احترام قانونه الداخلي الذي كان لوالدي الفضل في تحريره من ألفه إلى ياءه, وكان واعيا كل الوعي بدور كل فصل وأهمية احترام كل فصل من هذا القانون. بدأ الإخلال باحترام القانون الداخلي للحزب في دورة المجلس الملي الذي انعقد في مارس 1938 ولم يقع احترام القانون الداخلي للحزب أولا في مشاركة في الاجتماع بالإضافة إلى أعضاء المجلس الملي المنتخبين عدد قرابة 20 أو 30 مناضلين آخرون رأى الزعيم بورقيبة ضرورة دعوتهم لأنه توسم فيهم الخير وأقحمهم في الاجتماع بدون أن يكون ذلك القرار متفق عليه في اجتماع الديوان السياسي. ثم وقع اختراق القانون الأساسي ثانية عندما لم تعرض مشاريع اللوائح على مداولات الديوان السياسي قبل عرضها على المجلس. وترتب عن هذا الإخلال الإشكاليات التي برزت في الاجتماع. 
    والإشكال الأول تمثل في عملية انتخاب الرئيس الجديد للحزب. ويعلم الجميع أنه قبل انعقاد المجلس الملي في 13 مارس 1938 كان الرئيس محمود الماطري قد استقال. وكانت الاستقالة قد تمت على مرحلتين: استقالته الأولى لم ترضي أعضاء الديون السياسي, لأن الدكتور الماطري بين في الرسالة بالتفصيل الأسباب الحقيقية لاستقالته. وأقر جميع أعضاء الديوان السياسي أن نشر الرسالة في صيغتها الأولى سوف تجلب ضررا لإشعاع الحزب فكلف وفدا من الديوان السياسي يضم يوسف الرويسي والطاهر صفر للتحاور مع محمود الماطري وإقناعه بتعديل رسالته والاكتفاء بالإشارة إلى أوضاع صحية تفسر انسحابه من الرئاسة. وكان والدي في تمزق نفساني كبير أثناء هذه المهمة وقال لعمي أحمد: 'عندما غادرنا الدكتور الماطري بعد أن حصلنا على الرسالة الثانية, وأقنعناه بالاكتفاء بالإشارة إلى أوضاع صحية, كانت عينيا ممتلئتان بالدموع لأني كنت متأثرا و مقدرا نبل هذا الرجل الذي كان له الحق في التمسك بأفكاره ومبادئه والإصداع بها لمن منحوه ثقتهم لرأسه الحزب." وهذا ليس بالأمر البسيط, كما يتصوره ربما البعض, بل هو أمر أساسي للتدرب على العمل الديمقراطي السليم. فرصة تضيع للتمرس على الديمقراطية لو فسح المجال لذكر الاسباب الحقيقية التي كانت وراء الاستقالة علنا وفي حينها. 
    و الاشكال الثاني يتعلق بما حدث في إجتماع المجلس الملي المنعقد في مارس 1938 . فخلافا لما ورد في بعض الكتب في ما يخص انتخاب الرئيس الجديد للحزب في اجتماع المجلس الملي يوم 13 مارس 1938 لم يقع اقتراح من أي كان اسم مرشح للرئاسة الحزب, بل وقف جميع الحضور بعفوية وهتفوا باسم الطاهر صفر لتحمل أعباء رئاسة الحزب. ووجد الطاهر صفر أمامه إخوانه المناضلين ينادونه بتحمل المسؤولية, فقبل المسؤولية متأثرا ومتصورا أن هذا الحماس الذي أبدأه هذا الإجماع مرتبط بقناعة من طرف كافة المشاركين بأفكاره وتصوراته بالنسبة لمرحلة خطيرة في مسار الحزب. ولكن سرعان ما خاب ضنه إذ فوجئ بعد حوالي ربع ساعة بتقديم لائحة سياسية تتلى على المجلس وتوجد فيها فقرة خاصة بالتصعيد كان والدي قد طلب إزالتها في اجتماع الديوان السياسي وحصل الاتفاق على ذلك بعد اقتناع الحضور بصحة وجهة نظره. وكان للطاهر صفر تحليل معمق يفسر به خطورة وعواقب التصعيد على الحزب في تلك الفترة .. وكان المناضلون يعرفون حق المعرفة أن الطاهر صفر رجل رصين يخاطب الفكر قبل مخاطبة العواطف ولا ينزلق إلى الانفعال. ولكن انفعل الطاهر صفر في ذلك اليوم و بشدة وهو الذي عادة لا ينفعل وخرج من المجلس الملي بعد الإعلان عن تخليه عن الرئاسة التي كان قد قبلها لبرهة من الزمن. و كان في قرارة نفسه مصمم على الاستقالة كذلك من الديوان السياسي. 
    أمام هذا الوضع لم يرى بدا الرئيس بورقيبة إلا أن أتى إلى منزل صديقه و ذلك حوالي أسبوع بعد انعقاد المجلس الملي, كان المنزل في باردو بنهج البرتقال وكنت في الخامسة من عمري. أتى الرئيس بورقيبة مع ابنه ودخل للحوار مع والدي, وانفرد به وكان الحديث طويلا في ذلك اليوم بين الحبيب بورقيبة و صديقه الطاهر صفر, ولم أعلم بفحواه إلا بعد أن كبرت ورأى عمي أحمد صفر من المفيد إعلامي بمضمونه. وكان والدي بعد أن خرج من السجن العسكري والمدني في سنة 1939 قد بدأ في تحرير مذكراته لتغطية الفترة بين 1936 إلى سنة 1939 وليروي لنا كل ملابسات تلك الفترة الغزيرة بالأحداث ولكن لما زاره الدكتور محمود الماطري في منزله ولاحظ خطورة وضعه الصحي وطلب منه الانتقال بسرعة إلى مستشفى العزيزة عثمانة, طلب والدي من والدتي قبل أن يخرج من المنزل أن تحرق ما حبره وقال لها بالحرف الواحد: "ما حبرته قد كتبته للتاريخ ولكن نحن الآن نعيش تبعات حرب عالمية وربما تمسنا هذه الحرب"- وكان هذا الكلام في 5 أوت 1942 - وأضاف والدي : "ربما تسقط هذه الأوراق في أيادي تريد الضرر بالحزب و تحدث تضررا بمستقبل البلاد." ولم يخرج والدي من المنزل إلا بعد التأكد من حرق المذكرات التي حبرها, و بقي حتى الآن أمام عينيا دخان هذه الأوراق التي كتبها والدي على أوراق صفراء بحبر بنفسجي وملأ بها مكتبه بالمنزل. ويبقى ما رواه والدي لجدي ولعمي أحمد عن تلك الحقبة من تاريخ بلادنا شيء قليل بالنسبة للتفاصيل التي كان قد دونها في أكثرمن 500 صفحة ثم أذن بحرقها سنة 1942 قبل وفاته وهو في التاسع والثلاثين من عمره. 
    وما بلغني عن فحوى الحوار المطول الذي دار بين الزعيم الحبيب بورقيبة و والدي هو مجرد حوصلة تفيد بأن بورقيبة أتى أساسا وقتها ليقنع والدي بعدم الاستقالة من الديوان السياسي. وقال له أنه بعد استقالة سي محمود الماطري تصبح هذه الاستقالة الثانية مضرة بالحزب. ثم أردف بورقيبة قائلا: "نحن بعثنا حزبا كبيرا وجماهيري على غرار الأحزاب العصرية التي تتعايش فيها تيارات مختلفة تتفق على الهدف الاساسي و يمكن أن تختلف في بعض السبل والمناهج. وهذا أمر معقول و مقبول أن يتواجد بحزب كبير تيارات تتفق على الأهداف ولكن ربما تختلف على الجزئيات. و ويضمن لكل تيار الحق في أن يجاهر بأفكاره." وقد أضاف بورقيبة قائلا: " أخذت يا سي الطاهر موقفا معروفا من الخاصة والعامة, وموقفك موجود بالجرائد العربية والفرنسية والمناضلون مطلعون على موقفك والسلط الاستعمارية على علم بمواقف كل منا. ثم من حق كل طرف أن يجاهر كلما اقتضى الأمر ويتمسك بموقفه." 
    فعلى هذا الأساس الموضوعي تراجع والدي عن قرار استقالته من الديوان السياسي ولكنه اغتنم الفرصة ليعيد لذاكرة زميله عدد من المواضيع التي كان قد تناولها بالتحليل معه مسبقا: وفي مقدمتها قضية الموقف الرسمي للحزب من النازية والفاشية, وقال له ربما هنالك قليل من الإخوة في الحزب تمكنوا من دراسة الكتاب الردي التحرير ولكنه خطير ,كتاب "أدولف هتلر" بعنوان " جهادي" Mon Combat . وأضاف له: " أنا درسته بإمعان وبقيت أتابع بصفة دقيقة الأوضاع العالمية, نحن مقبلون على فترة حاسمة في تاريخ الإنسانية سوف تغير الوضع الجيوسياسي وموازين القوى على مستوى العالم, ثم نحن لنا حزب ديمقراطي له تصوراته لنظام الحكم الذي يبتغيه ويريد أن يكسب الاستقلال بعمل سياسي منظم. فلا بد لنا من الآن أخذ موقف كتابي من الفاشية ومن النازية بالخصوص, وفي ذلك العمل مصلحتان: فأولا عندما نأخذ هذا الموقف الكتابي نتوفق إلى توعية إطارات الحزب بأبعاد وأخطار هذه الأنظمة التي تسعى الأحزاب الشمولية فرضها على الإنسانية جمعاء, بما فيها الدول التي تطمح لتحصيل على استقلالها. والمصلحة الثانية تكمن في الاحتفاظ بوثيقة مرجعية رسمية نستظهر بها عند الحاجة لتبرئة ذمة هذا الحزب من الاتهامات المغرضة التي من الآن نلاحظ بوادرها. ونجد في الجرائد نعوت من طرف غلاة الاستعمار بأن الحزب الدستوري الجديد عبارة على مجموعة من الفاشيين أو المتعاملين مع الفاشية, وهي اتهامات خطيرة. " 
    تجاوب الرئيس بورقيبة مع هذا التحليل, وقال لصديقه" أفهم كل ذلك ولكن أختلف معك في التوقيت لأني الآن منكب على عملية التصعيد التي سأقدم عليها, وأنا على يقين من وضرورة القيام بها. وهنالك كر وفر في الظرف الراهن و إن لم أقم بالتصعيد ستظهر مزايدات داخل الحزب ويفلت ربما الحزب من يدي, أو يفقد الحزب مصداقيته. " 
    كان هذا الحوار بين الرجلين حوارا مصيري. وقد أظهرت أحداث المستقبل صحة و وجاهة النظريتان:أحداث أفريل 1938 أعطت للحزب الحر الجديد فعلا مصداقية نضالية كبيرة , ولكنه تتضرر كذلك كثيرا , وكانت رسالة بورقيبة للحبيب ثامر المنبهة من التعاون مع النازية متأخرة جدا ولم تستطع تعويض الوثيقة المرجعية التي نادى بها والدي ولم تنجز... ولو أنجزت هذه الوثيقة ألم يكن لها دور لترسيخ منهج ديمقراطي في عدد وافر من مناضلي الحزب ؟ 
    وفي تصوري أن هذا الخطأ – المتعلق بعدم أخذ موقف رسمي واضح ومبكر من النازية والفاشية- قد حرم الحزب من أن تكون بين أيدي مناضليه وثيقة بها تحليل لعيوب كل من النظام النازي والفاشي. ومع انعدام وجود مثل هذه الوثيقة لم يكن للحزب الحر الدستوري الجديد موقف واضح من هذه الأنظمة وربما كان يقي نفسه من لانزلاق في البعض من سلوكيات هذه الأحزاب الشمولية.. و قد دفع التونسيون الذين تعاونوا مع الألمان أثناء الحرب العالمية الثانية ثمنا باهظا لان الحزب لم يقم بواجب التوعية والتنبيه في الوقت المناسب حسب تصوري. و يتعين الاعتراف بأن بعض الأخطاء وبعض الانزلاقات في الحزب أثناء معركة التحرير تفسرها صعوبة مقاومة المستعمر وما يحتمه الوضع من ضرورة الانضباط. ولكن لا نجد مبررات مقنعة للزيغ نحو الانفراد بالحكم وتغييب المنهج الديمقراطي في هياكل الحزب في فترة ما بعد الاستقلال وخاصة ما شهدناه بعد مؤتمر بنزرت ـ على سبيل الميثال ـ عندما أصبحت اجتماعات لجان التنسيق الحزب تحت رئاسة الوالي .

dimanche 11 mai 2014

ستة أشهر من العمل الدؤوب -- ماي 1956 أكتوبر 1956-- مع زعيم الشباب الثاني المناضل عزوز الرباعي بأول كتابة دولة للشباب والرياضة

ستة أشهر من العمل الدؤوب -- ماي 1956 أكتوبر 1956--   مع زعيم الشباب الثاني المناضل عزوز الرباعي بأول كتابة دولة للشباب والرياضة بعد الاعلان عن استقلال الوطن: الاسهام في توحيد الجمعيات الكشفية و ضع اللبنات الأولى لسياسة تأطير الشباب و المشاركة في المعسكر العربي الثاني بالإسكندرية.

كنت أسمع  الكثير عن خصال زعماء الحزب الحر الدستوري في نهاية   أربعينيات القرن العشرين مثل العديد من شبان المهدية و تلاميذ المعهد الثانوي بصفاقس و في مقدمتهم كان  بالطبع الحبيب بورقيبة و صالح بن يوسف وكذلك المنجي سليم و على بلهوان و تلميذه  وخليفته في زعامة الشباب المناضل والخطيب الموهوب عزوز الرباعي.
أتذكر مليا أول لقاء جمعني بالمرحوم سي عزوز وكان ذلك بمدينة المهدية في صيف سنة 1950. وقد قدم عزوز الرباعي موفودا من الحزب أياما قليلة قبل زيارة رئيس الحزب الحبيب بورقية إلى جهة المهدية للتأكد من الترتبات المتخذة من طرف شعبة المهدية لانجاح  الجولة التعبوية  الكبيرة التي قام بها المجاهد الأكبر طيلة  حوالي أسبوع وهو يقيم في مدينة المهدية بشقة موجودة في الشارع الذي يحمل اليوم اسمه كانت على ملك الطيب ساسي. و بعد اليوم الأول الذي خصصه لمدينة المهدية تجول الزعيم الحبيب برقيبة إنطلاقا من مقره في المهدية في مختلف مدن و قرى الجهة....قصور الساف , الشابة, اللجم, السوسي, شربان..... وكانت من الزيارات التارخية الكبرى  الناجحة التي جسمت منهجية الاتصال المباشر بالشعب..قدمني إلى عزوز الرباعي قائد فوج الكشافة الاسلامية التونسية المرحوم ساسي رجب و كنت في تلك الفترة قد كلفت بقيادة فريق الجوالة التابع للفوج والذي كان يحمل اسم والدي " الطاهر صفر" وهو الفريق الذي أوكلت له مهمة مرافقة المجاهد الأكبر  في جولته بالجهة . قبلني سي عزوز بحرارة كبيرة وقال لي بنبرة بدت لي صادقة : "الله يرحم سي الطاهر فيلسوفنا الكبير...خسرناه....إنشاء الله تخلفه....". كان الرجل يتقد حماسا وله قدرة كبيرة على  تمرير حماسه إلى مستمعيه.. وسرعان ما تحول الحديث إلى جوهر الموضوع إنجاح زيارة المجاهد الاكبر.....
إنطلقت احداث المرحلة الحاسمة بداية من 18 جانفي 1952 وعلمت  كبقية رفقائي بالاعتقالات الممتتالية للزعماء والتي طالت مع آلاف المناضلين الدستوريين سي عزوز...ولم ألتقي به من جديد إلا بعد قدوم "مادس فرنس" إلى تونس وخطابه الشهير أمام الباي..وكان ذلك اللقاء الثاني في مكتب القائد العام لجمعية الكشافة الاسلامية التونسية  المرحوم عبد الله الزواغي بنهج بوخريص في العاصمة...كنت أعمل كقيم بمعهد " كارنو" و أواصل دراستي في القانون والاقتصاد والتاريخ بمعهد الدراسات العايا متحملا في المنظمة الكشفية مسوؤليتان:  كنت عضوا في دورية تحرير مجلة "السبيل" مع عدد من القادة منهم المرحوم الهادي التميمي و القائدة لقسم الفتيات راضية بلخوجة و برئاسة التيجاني الكتاري قائد قسم التجوال. و كنت مسؤولا  في نفس الوقت عن دورية قسم التجوال في إقليم تونس الذي كان يقوده  بإقتدار و بمثالية نادرة المرحوم الطاهر درغوت... كان الحديث مع الأخ عزوز في هذا اللقاء الثاني مركزا على مستقبل حركات الشباب ودورها الطلائعي في تونس الجديدة المتحررة التي بدأنا نستشرف آفاقها....و تناول الحديث بالطبع ضرورة تجسيم في أول مناسبة حلم جل الكشافين: توحيد الجمعيات الذي سعى إليه المرحوم المنجي بالي و رفاقه منذ الأربعينيات بدون نجاح لان السلط الاستعمارية كانت دوما تعمل لاخفاقه....بعد  هذا اللقاء الثاني كانت لي مع سي عزوز لقاءات عديدة خصوصا بمناسبة دعوته لالقاء محاضرات في التربية الوطنية و في تاريخ الحركة الوطنية  بمناسبة تنظيم ملتقيات تدريب قادة الجوالة لاقليم تونس في مركز بئر الباي....
كانت دورية مجلة السبيل مركزة في عملها أساسا على النشاط الكشفي ولكنها كانت تتابع كجل التونسيين تطور الأحداث المتسارعة في البلاد... وقبل إنتهاء المفاوضات التي أدت إلى الاستقلال التام للوطن أصدرنا عددا  مميزا لمجلة السبيل مخصص للبحث في أفضل السبل والمناهج لتأطير و إعداد الشبات حتى يتحلى بضفات المواطن الصالح لمواجهة تحديات البناء والتقدم بالمجتمع و في مقال من مقالات هذا العدد أبرزنا بحروف كبيرة إننا " نطالب ببعث كتابة دولة للشباب"  تعوض المصلحة التي كانت  في تلك الفترة تهتم بشؤون الشباب والرياضة و كان يشرف عليها الفرنسي " بو رنيكال" المنبوذ من جل المنخرطين في منظمات الشباب. و أعلمني القائد العام عبد الله الزواغي بعد صدور هذا العدد أن عضوا من الديوان السياسي للحزب- لم يرد ذكر اسمه- قد عاتبه عن لهجة المقال و عن طريقة " المطالبة" التي يعتبرها سابقة غير صالحة....ولكن سررنا عند تشكيل الوزارة الأولى بعد الاعلان عن الاستقلال في أفريل 1956 بتلبية مقترحنا من طرف الزعيم الحبيب بورقيبة و قد بعثت فعلا إلى جانب مختلف الوزارات أول كتابة دولة للشباب والرياضة وعين على رأسها المناضل عزوز الرباعي. وكان جل المنخرطين  في جمعيتنا الكشفية التي كنت متصلا بهم في تلك الفترة قد رحبوا بذلك الاختيار و رأو فيه حقا تجسيم تلك الكلمة المعروفة: "الرجل المناسب في المكان المناسب في الوقت المناسب" و يرجع كل ذلك للخصال و للشعبية التي كان المرحوم  معزوز الرباعي يحضى بها لدى شرائح عديدة من الشباب التونسي.
طلب مني سي عزوز بمجرد تقلده مسؤوليته الجديدة أن أتصل به و كان ذلك عن طريق القائد العام عبد الله الزواغي. ولما دخلت  إلى مكتبه وجدت معه السيد حسيب بن عمار والسيد هنية وكنت لا أعرفهما من قبل فبادر سي عزوز بتقديمهم  و بتعداد خصالهم و أضاف :" قد وافق بعد سي حسيب أن يعينني بصفته مندوب عام للرياضة و وافق سي هنية بأن يلحق بكتابة الدولة الجديدة ليتحمل مسؤولية الادارة المالية و شؤون الموظفين والعملة أما انت فأكون سعيدا إذا كنت مستعد للالتحاق بنا لتتحمل معنا مسؤولية المندوب العام للشباب حتى تكتمل النواة الاولى من الفريق الذي سيعاضدني في هذا المسؤولية التي أقدر جسامتها.."
كان سي عزوز يخاطبني بكل لطف و كأنه  الأخ الكبير ولم يغريه " التوزير" ولم يغير شيئا من تواضعه العفوي.و اسلوبه  الحميمي في التخاطب...طلبت منه أن يفسر لي ما كان ينتظر مني أن افعل في الاشهر الأولى... فوضع سي عزوز في المقدمة إعادة هيكلة مركز التكوين بئر الباي بالضاحية الجنوبية للعاصمة والتركيز على العمل  للاستجابة لحاجيات انتشار و توسع نشاط مختلف منظمات الشباب  من كشافة و مصائف و مضائف و شبيبة مدرسية و شباب دستوري ملحا على ضرورة تكثيف التشاور مع المسؤولين على هذه المنظمات والاصغاء إلى مقترحاتهم قبل إعداد برنامج عمل كتابة الدولة. شكرت سي عزوز على الثقة التي وضعها في شخصي بالرغم من قلة خبرتي وصغر سني  وقلت له هنالك قادة في الكشافة أكثر مني تجربة و كفاءة مثل القائد عبد الله والقادة التيجاني الكتاري و توفيق السلامي و الهادي السافي والهادي التميمي وغيرهم كثر والحمد الله. وأضفت إني أعمل الآن كقيم و لم تكتمل بعد دراستي و أنا عازم على استكمال الايجازة في الحقوق والاقتصاد وفي التاريخ.. فقال سي عزوز : " القائد عبد الله هو اول من فكرت فيه ولكنه أقنعني أنه في هذه المرحلة يفيد أكثر على رأس أكبر جمعية كشفية.. اما  تيجاني الكتاري و توفيق السلامي فتنظرهما مسؤوليات هامة في الأمن و أما الهادي السافي فقد فكرت فيه لادارة ذلك المركز المحوري, مركز "بئر الباى" وأنت تعرف جيدا أهمية هذا المركز و ستجد من سي الهادي السافي كل الدعم والنصح في خطتك إذا قبلت المسؤولية."...و أضاف سي عزوز:" قد لحظت جيدا عملك الجاد في السنة الماضية في إقليم تونس التابع للكشافة الاسلامية التونسية..فلا تنقص من كفائتك ونحن في حاجة إلى جديتك في هذه المرحلة الأولى..و أما دراستك العليا فستكون في وضع سي حسيب إذ أنه ايضا لم يكمل دراسته و بقيت له سنة سيواصلها بالتوازي مع تحمله المسؤولية..و اني مستعد لتمكينك من حضور الدروس التي يتعين عليك حضورها  حتى في أوقات العمل..."  شكرت سي عزوز و قبلت بكل اعتزاز المسؤولية مذكرا سي عزوز بضرورة الانطلاق الفوري في الاعداد لتوحيد الجمعيات الكشفية و كان جوابه واضحا بدون لبس : " أنت تعرف مدى تحمسي لفكرة التوحيد..فالتكن مهمتك الأولى توحيد الحركة الكشفية و بادر بالحديث مع كافة المسؤولين على الجمعيات...هكذا كانت انطلاقة العمل مع سي عزوز....لم تطل المدة ولكن كانت ستة أشهر كلها عمل دؤوب و منجزات ثابتة...أستسمحكم استحضار البعض منها على سبيل المثال...
قد مت استقلاتي من مهمة قيم و التحقت بكتابة الدولة الفتية بداية من غرة ماي 1956 وأخذت مكتبي في البناية  المحترمة المتواجدة في شارع باريس  والتي تمكن المرحوم عزوز الرباعي من الضفر بها عوضا عن مقر المصلحة الاستعمارية للشباب التي كانت في نهج سيدي بة منديل...
 ومكنتني فعلا هذه المهمة من الإسهام الفاعل مع عدد من القادة و في مقدمتهم القائد عبد الله الزواغي من تحقيق ما كنا نصبو إليه من توحيد لكافة الجمعيات الكشفية التونسية وهي أربع جمعيات: كشاف الرجاء , كشاف تونس ,الاتحاد الكشافي الإسلامي والكشافة الإسلامية التونسية.   وكانت بدون منازع الكشافة الإسلامية التونسية أكبر جمعية من حيث عدد المنخرطين والإشعاع والتواجد في مختلف مدن البلاد والاسهام في المرحلة الحاسمة لتحرير تونس.كنت أتصور وأعتقد أن منظمة كشفية عتيدة ومستقلة عن الأحزاب السياسية سيكون لها دور كبير ومصيري لإعداد أطفالنا و شبابنا حتى يكونوا المواطنين النموذجيين لبناء مستقبل مشرق لوطننا.







مؤتمر الوحدة الكشفية التونسية: منظر من الجلسة العامة في قاعة مقر كتابة الدولة للشباب والرياضة بشارع الحرية يوم غرة جويلية 1956  إفتتح الجلسة السيد عزوز الرباعي.
هذه صورة للمشاركين المبتسمين في الجلسة العامة للمؤتمر التوحيدي للجمعيات الكشفية التونسية يوم غرة  جويلية 1956 في القاعة الكبرى للاجتماعات بمقر أول كتابة دولة للشباب والرياضة. ولا تظهر في الصورة المنصة التي تواجد فوقها المشرفون على الجلسة يتقدمهم المناضل عزوز الرباعي- أول وكيل كاتب دولة للشباب والرياضة في أول حكومة تونسية بعد إمضاء اتفاقية الاستقلال- وهو الذي افتتح المؤتمر وأعطى توصيات الحكومة وتصوراتها المستقبلية لدفع حركات تـاطير وتكوين الشباب لإعداده حتى يكون مواطنا صالحا  فاعلا في المجتمع ثم غادر السيد عزوز الرباعي القاعة تاركا للمؤتمرين كامل الحرية للقول الفصل لتجسيم عملية التوحيد التي تمت في اجواء أخوية منعشة.




أول مشاركة كشفية تونسية رسمية في ملتقى كشفي عربي كبير بمصر في
ضا حية مدينة الاسكندرية: أبو قير.
هذا وكنت قد كلفت  بمجرد الانتهاء من عملية توحيد الحركة الكشفية  بقيادة  أول مشاركة لجمعية  الكشافة التونسية في المعسكر الكشفي العربي الثاني "بأبوقير" في ضاحية مدينة الإسكندرية المصرية في جولية 1956. { كلمة "معسكر" تستعمل في الشرق في الوقت الذي كنا في تونس نستعمل مصطلح أكثر ملائمة : الملتقى الكشفي}  وكان الوفد الكشفي التونسي أول وفد يصل المعسكر على متن حافلتين انطلقتا من تونس العاصمة عبر التراب الليبي وقد دشن هذا المعسكر الكشفي العربي الرئيس جمال عبد الناصر بنفسه اسبوعا بعد إنطلاق اشغاله  وألقيت كلمة تونس أمامه بعد أن أحرز الوفد التونسي على نجاح مرموق خاصة أثناء الاستعراض الرسمي لجميع الفرق المشاركة وقد  حضر هذا الاستعراض السيد عزوز الرباعي بصفته كاتب دولة للشباب في الحكومة التونسية مع عدد من وزراء الشباب في الدول العربية المشاركة. وكان الجو غير ملائم  بالنسبة إلى صورة تونس في تلك الفترة في مصر و في عدد من الدول العربية من جراء الدعاية اليوسوفية التي قدمت معطيات مغلوطة عن الأوضاع في تونس. و كان السيد الصادق المقدم أول سفير لتونس المستقلة بالقاهرة قد وصل إلى القاهرة منذ اسابيع و لا يزال يسكن في النزل في انتظار اعداد مقر السفارة و كانت الصحافة المصرية غير منصفة في تعليقاتها على ما يدور في تونس حتى أني اتذكر أننا اقتنينا مجلة مصرية اجرت حديثا مطولا مع الصادق المقدم تناول جل مواضيع الساعة ولكن اختارت المجلة ابراز في صفحتها الأولى بتهكم جواب للسفير عن سؤآل هامشي يتعلق بالطعام المفضل للسفير فكتبت بحروف بارزة ' السفير التونسي يحب الملوخية بالافراخ"....هذا يعطي فكرة عن الجو الذي واجهه بكل حنكة و اقتدار كل من المناضل عزوز الباعي بصفته الرسمية ككاتب دولة للشاب سواءا في لقاءه مع الرئيس عبد الناصر او مع نظيره المصري أو مع زملائه في الدول العربية المشاركة في الملتقى...كما واجه هذا الجو بذكاء كبير و بلباقة كافة الكشافة و الجوالة التونسيون الذين كانوا بتلقائية وبغيرة فائق على وطنهم يطيلون الحديث الهادي والموضوعي مع الكشافين العرب حتى تغيرت الصورة عن تونس في آخر مدة الملتقى و كان للنشاط الكشفي المكثف و المثالي الأثر الكبير لتغيير نظرة كافة المشاركين إلى تونس من خلال سلوك أبنائها و شبابها الكشفي إلى درجة أن في آخر الملتقى تقرر أن ينظم المعسكر الكشفي العربي الموالي أي  المعسكر  العري الثالث في تونس العربية المسلمة.
وقد استعنت لإعداد ولإنجاح  المشاركة التونسية في هذا اللقاء الكشفي العربي الكبير - بصفتي قائد عام لكامل البعثة التونسية - بالخصوص بالقادة المقتدرين الأجلاء: الهادي التميمي( كان قائد فريق الجوالة في البعثة) ومحمد الشاوش( كان قائد الفرقة الكشفية بمساعدة القائد الطيب نويرة) وعبد العزيز التريكي( أمين مال البعثة) وساسي رجب( المسؤول عن العمل التطبيقي الالكتروني) والقائدة راضية بالخوجة (المسؤولة عن فرقة الفتيات بالبعثة التونسية) . كان المناضل الصادق المقدم في تلك الفترة يتحمل مهام أول سفير لتونس المستقلة في القاهرة وكان يوم قدومنا الى مصر لا يزال يقيم بالنزل في انتظار إعداد  دارإقامة السفارة التونسية.
2 أنموذج من بطاقة بعثة الكشافة التونسية إلي المعسكر الكشفي العربي الثاني صيف 1956
صورة لمدخل( منارة مصغرة لجامع القيروان صنعناها من الخشب  ) مخيم البعثة الكشفية التونسية في معسكر أبوقير بالاسكندرية جولية 1956
قمنا بإعداد جيد ومتقن للمشاركة في هذا الملتقى العربي بدأ بحسن اختيار القادة وكافة أعضاء البعثة ثم بتنظيم مخيم تمهيدي بمركز "بئر الباي" وأشرفت بنفسي على كافة الترتيبات قبل السفر الذي سخرت له الحافلتان التي كانت ورثتهما كتابة الدولة للشباب والرياضة عن مصلحة الشباب والرياضة في عهد الاستعمار واستعرت من وزارة الفلاحة - بمساندة من القائد التيجاني الكتاري الذي كان وقتها يعمل بها كمهندس رئيس مصلحة- شاحنة كبرى من نوع مرسديس خصصت لحمل الأجهزة والأمتعة. وسخرت سيارة الجمعية الكشفية من نوع "لندروفر " واستعرت من مصلحة الصناعات التقليدية "خيمة شعر" كبيرة للاستقبالات مع كافة اللوازم: من زرابي ومقاعد من الجلد و موائد من الصناعة التقليدية التونسية بالإضافة إلى صنع مدخل من الخشب يمثل منارة جامع القيروان المعمور. واحتياطا من حرارة الشمس في مصر اخترت لكافة أعضاء البعثة " المضلة القابسية " الجيدة الصنع وجهزت كافة أعضاء الوفد بفراش فردي من نوع جديد خفيف الحمل إطاره مكون من  مادة "الاليمينيوم" الذي يطوى بسهولة ويجد فيه الإنسان الراحة الكافية لنوم هادي يسترجع به قواه.انطلقنا من العاصمة وكانت المحطة الأولى بقابس ثم  كانت المحطة الثانية بطرابلس أين استقبلنا بحرارة كبيرة  مع حسن الضيافة القائد العام للكشافة الليبية علي خليفة الزائدي مصحوبا بكوكبة من القادة الأشقاء.
قضينا ليلة بطرابلس تبادلنا فيها الآراء مع قادة الكشافة الليبية حول تطوير المناهج التربوية الكشفية على ضوء مقتضيات المراحل الجديدة التي تعيشها الدول العربية. وكانت المحطة الثالثة بمدينة بنغازي أين استقبلنا بحفاوة وترحاب من طرف كوكبة من الأساتذة الجامعيين كانت لنا معهم في الليل مسامرات وحوارات مفيدة حول النظام التربوي والجامعي الليبي وحول المستقبل المشترك للمغرب العربي وسبل عمل الحركات الشبابية للإسهام في بناءه.قصر إقامتنا بليبيا لم يمكنا من التعرف بعمق عن تركيبة المجتمع الليبي وعن الوضع الحقيقي في البلاد وكانت الكشافة الليبية في تلك الفترة نخبوية فلم نتعرف على مختلف شرائح المجتمع.وكانت المحطة الرابعة  من الرحلة صعبة نوعا ما: إذ وصلنا إلى الحدود المصرية ( مرسى المطروح )مع غروب الشمس ولم نجد أحدا من ممثلي الكشافة المصرية في انتظارنا وقال لنا عون القمارق المصري إن مكاتب مصلحة عبور الحدود قد أغلقت منذ ساعة ولا يمكن القيام بالاجرآت القمروقية إلا في صباح الغد. ولم يبقى لنا أي خيار إلا النوم جالسين على المقاعد في الحافلات مع أكل لمجة خفيفة... واجهنا طبعا هذا الوضع بتبادل النكت وبالأناشيد حتى رمنا إلى النوم. وفي الصباح طلبت مقابلة رئيس المركز فوجدته خالي العلم بقدوم الوفد التونسي ولكنه خاطب بالهاتف رؤسائه بالقاهرة وأعطوه فورا التعليمات للسماح لنا بالدخول الى التراب المصري والتوجه مباشرة الى مقر المعسكر بأبوقير على أن يقع النظر في جوازات السفر في ما بعد في مصالح الإسكندرية بعد أن نستقر في المعسكر. وانطلقت القافلة إلى مقر المخيم الذي كان غير بعيد عن شاطي البحر. وكان الوفد التونسي من أول الوفود التي كانت قد أتت إلى مقر المخيم في الموعد المحدد. نزلت من السيارة وطلبت من الزملاء القادة الإشراف على عملية إنزال الجرابات من فوق الحافلات حتى نستعد للدخول مصطفين منشدين كل منا حاملا جرابه على ظهره. ودخلت المعسكر طالبا من الحراس تمكيني من مقابلة قائد المعسكر او من ينوب عنه. رافقني أحد الحراس الى مكتب قائد المعسكر الذي رحب بي ودعاني مباشرة إلى التعرف على المكان الذي خصص للوفد التونسي. واصطحبته وسرنا مترجلين حتى بلغنا آخر تقسيم في الأرض التي خصصت للمعسكر وقال لي القائد المصري وقد نسيت اسمه : هذا هو المكان الذي خصص لكم... فكان جوابي ورد فعلي سريعا :" هذا غير معقول يا قائد.....الوفد التونسي ينضبط ويأتيكم من بعيد برا محترما الأوقات الرسمية....وتحشرونه في آخر مكان في المعسكر مساحته لا تفي بالحاجة بالنظر لأهمية و عدد  افراد الوفد التونسي...فهذا غير معقول....قدومنا في الوقت المحدد يعطينا منطقيا حق اختيار المكان الذي يتماشى مع حجم الوفد وعتاده و برنامج نشاطه .." وقفلت راجعا مسرعا نحو الحافلات والقائد المصري يهرول خلفي محاولا تفسير نظام المعسكر وطريق توسيع التقاسيم و ذلك حتى وصلنا الى الحافلات التونسة... وجدت الجرابات قد أنزلت من فوق الحافلات فصحت : " أرجعوا الأمتعة فوق الحافلات نحن عائدون  من اين اتينا.....".  فأقترب مني القائد المصري وهمس في اذني: " ما تزعلش  يا أستاذ. أقترح عليك أن نتجول في المعسكر مع زملائك قادة البعثة واختاروا المكان الذي يرضيكم ..".  فأجبته بسوط عالي حتى يسمعني الجميع :" على هذا الأساس أهلا وسهلا نشكرك على هذا الاقتراح العادل " وطلبت من القائد الهادي التميمي ومن القائد أحمد الشاوش أن يصطحبوا القائد المصري وأن يختاروا المكان الذي يتلاءم أكثر مع تركيبة الوفد والأمتعة التي أتينا بها. وبعد برهة قصيرة عاد القائد التميمي وقال لنا: اخترنا أول مكان لتركيز المخيم في مدخل المعسكر على اليمين. اقترحت على القائد العام  المصري ليحضر معنا تحية العلم التونسي الذي سنعمل على رفعه صباح الغد في الوقت الرسمي المخصص مسبقا لافتتاح المعسكر واستجاب للمقترح. وصاح الكاشفون والجوالة صيحة الاستحسان مردين :" مرحى..مرحى..بارك لله فيك..." وأسرع الجميع كخلية النحل...يقوم كل فرد بالعمل الذي يتعين القيام به. وبرهن كافة القادة الذين اصطحبوني وشاركوني في تأطير البعثة و كذلك كافة أعضاء البعثة بكفاءة عالية و في جو منعش من البهجة والفرح والجد في العمل حتى إني أكاد أقول أني -في هذا الملتقى العربي الهام الذي نشارك فيه لأول مرة كدولة مستقلة- لم أبدي طيلة إقامتنا بالمعسكر  أي ملاحظة تذكر وكانت الأنشطة -التي نتفق عليها في كل مساء في الاجتماع الذي أترئسه لتقييم النشاط اليومي وضبط نشاط اليوم الموالي- تتم على أحسن ما يرام وبامتياز بارز للجميع سواء كانوا مشاركين  في المعسكر أو زوار وضيوف. وبقيت في ذاكرتي أن هذا المخيم كان من أنجح المخيمات التي كان لي شرف تسييرها والفضل يرجع أساسا للقادة الذين كانوا حولي وللإعداد المسبق الجيد ولشعور جميع أفراد البعثة بأن لهم رهان لابد من كسبه في فترة تاريخية من أعز فترات تاريخ بلادنا أمام الأشقاء العرب الذين كانوا لا يعرفون إلا القليل على تونس وكان البعض يحمل معلومات مغلوطة و ملوثة بالدعايات السياسية الرذيلة. كانت مصر تعيش في سنة 1956  أوج شعبية  نظام جمال عبد الناصر وكان شهر جويلية 1956 شهر الخطاب الشهير الذي أعلن فيه الرئيس المصري تأميم القناة متحديا الدول الغربية ومستكملا إعادة الشعور بالكرامة لكافة المصريين وكذلك للشعوب العربية. وزار عبد الناصر المعسكر الكشفي بالإسكندرية اسبوعا بعد انطلاق أشغاله وأستمع من كافة قادة البعثات العربية المشاركة في المعسكر إلى كلمات  وجيزة ولما أتى دوري ارتجلت كلمة قصيرة أبلغته فيها بالخصوص :" أننا أتينا للإسكندرية بتحيات وتقدير وشكر الشعب التونسي و الزعيم  العربي الأصيل الحبيب بورقيبة أول رئيس حكومة تونس المستقلة منذ 20 مارس 1956.وأضفت لنا قانعات كبيرة أن السنوات القادمة ستكشف للجميع مدى تعلق الزعيم بورقيبة  والشعب التونسي بالإسهام الجدي في بناء الوحدة العربية بمرحلية  وعلى أسس سليمة وعملية على غرار منهجية  الدول الأوروبية التي أبرمت  سنة   1955 اتفاقية رومه للانطلاق في بناء سوقها المشتركة و حدتها الاقتصادية التي تمثل العمود الفقري والأساسي للوحدة السياسية الثابة" .وتفاجأ الرئيس عبد الناصر بمحتوى كلمتي التي خرجت نوعا ما عن البروتكول الذي اوصى به قائد المعسكر المصري وشكرني عبد الناصر مصا فحا بحرارة مع ابتسامة كبيرة وقال :" بلغوا الزعيم السيد بورقيبة رئيس حكومتكم تجديد أحر تهانيا وتمنياتنا بنجاح تونس في مسارها الجديد ..".
في الصورة إلى جانب السيارة التي وضعتها السلطة المصرية على ذمة رئيس الوفد الرسمي التونسي السيد عزوز الرباعي ثلث من قادة الوفد التونسي للقاء الكشفي العربي الكبير في مدينة الاسكندرية في شهر جويلية 1956 ويظهر في الصورة الجالسون من اليمين إلى اليسار القائد عبد المجيد عطية ثم القائد.......والقائد عبد العزيز التريكي. الصف الثاني وقوفا مرافق الوفد قائد كشفي مصري ثم السيد عزوز الرباعي رئيس الوفد الرسمي ثم مسؤول كشفي مصري ثم القائد العام للكشافة التونسية  عبد الله الزواغي ورئيس الوفد إلى المؤتمر الكشفي العربي ثم القائد.........وأخيرا القائد رشيد صفر قائد الوفد الكشفي للمعسكر الكشفي العربي وبيده حقيبة الوثائق الرسمية للبعثة وجواز السفر الجماعي لكافة أفرد البعثة التونسية.







إنغماسي في دراسة التاريخ و الاقتصاد و المالية العمومية و السياسة الجبائية.
صدفة اكتشاف المؤرخ البلجيكي الجنسية " هنري بيران". لم يذكر لنا استاذنا في التاريخ الفرنسي ' جان قنياج" في قائمة الكتب و" البيبليوقرافية" التي نصحنا بها في السنة الأولى من الاجازة في التاريخ كتب المؤرخ البلجيكي "ر هنري بيران' و كنت دوما ازور بانتظام باعة الكتب فوجدت في بداية السنة الجامعية 1956-1957 مجموعة كتب 'لهنري بيران" فاقتنيتها بدون تردد ولم أندم على ذلك وقد اكتشفت مؤرخا كبيرا له شأن...

وشاركت في صيف 1957 ضمن وفد تونسي - متركب من محمد إدريس ممثلا عن الشبيبة الدستورية{ أصبح رجل أعمال معروف في سوسة خاصة في الميدان السياحي} وتوفيق عبد المولى{ أصبح رجل أعمال} ممثلا عن الشبيبة المدرسية و كنت ممثلا عن الكشافة التونسية - في مؤتمر دولي لحركة عالمية تدعى "حركة التسلح الأخلاقي"(Mouvement du Réarmement Moral) وتهدف ظاهريا حسب وثائقها أنها تعمل من أجل التقارب بين الشعوب وترسيخ القيم الأخلاقية في العلاقات بين الدول وانتظم المؤتمر بجزيرة "ماكناك إزلند" Ile de Mackinacوهي جزيرة في البحيرات الكبرى التي توجد في الحدود الفاصلة بين دولة كندا والولايات المتحدة الأمريكية والجزيرة تقع ببحيرة " هيرون" lac Huron وكان يترأس في تلك الفترة هذه الحركة الفكرية  مؤسسها الدكتور "بوكمام" ( Dr Buchman) وهو أمركي الجنسية توفي سنة 1961.ولكن يبدو أن هذه الحركة التي كانت أساسا تحاول إيجاد بديل للاديولوجية الشوعية يكون قادرا على  بناء عالم يسوده الاخاء والتعاون والسلم وكانت مناهجها مبنية على نوع من الهشاشة  فلم تعمر طويلا بعد موت مؤسسها.وإهتمت حركة التسلح الأخلاقي سنة 1957 بالخصوص بالدول الإفريقية التي استقلت أو بصدد الاستعداد للتحصيل على استقلالها. وفعلا وجد الوفد التونسي نفسه في جزيرة "ماكناك" مع عدد هام من الأفارقة الدين سيتحملون في ما بعد مسؤوليات عليا في بلدانهم وخاصة في الكامرون ونيجيريا وكينيا..وقد ركزت الحركة على محاولة تصور  للتعاون بين البيض والسود لبناء "مستقبل إفريقية" ما بعد الاستعمار.لم يكن للوفد التونسي أي تعليمات لا من المنظمات الشبابية المنتمين إليها ولا من وزارة الخارجية التونسية التي  طلبت و شجعت على المشاركة في المؤتمر. وكان سفير تونس في الولايات المتحدة الزعيم المنجي سليم قد استقبلنا في السفارة واصطحبنا في سيارته من مدينة واشطرن إلى مدينة نيويورك أين  وجدنا الطائرة التي نقلتنا إلى مدينة ديترو. ولم يمدنا المنجي سليم لا بتعليمات ولا بتوصيات في ما يتعلق بمساهمتنا في المؤتمر فتصرفنا بكل حرية وأجتهد كل منا وكانت مداخلاتنا متكاملة وابرزت نوع من التوافق التونسي بالنسبة للوفود الافريقة الأخرى التي لم تكن مشاركتها ناشطة. وكنا نشعر من خلال شبه صمت الوفود الإفريقية أنها كانت أتت لتتعلم أهداف الحركة وسبل نشرها في أقطارها في الوقت التي قام الوفد التونسي بواجب النقاش والإشارة إلى نقط ضعف مناهج الحركة وتركها جانبا القضايا الأساسية المتصلة بسبل تنمية حقيقية للدول الإفريقية بعد سلب ثرواتها من طرف الاستعمار.وقد تناول الوفد التونسي بالخصوص ضرورة تبني المنتظم الدولي برنامجا تنموي خاص بالدول التي تحصلت على استقلالها. و وضحنا أنه يتعين على البرنامج إعطاء أولوية قصوى لإعداد وتكوين القوى البشرية مع توفير تمويل للتنمية بشروط ميسرة يستوحى من برنامج "مارشال" الذي مكن الدول الأوروبية إعادة بناء اقتصادها بعد الحرب العالمية الثانية. وكانت لي شخصيا ثلاث تدخلات في هذا الاتجاه نالت بالطبع استحسان عدد من الوفود وأحرجت منظمي المؤتمر وبالخصوص الدكتور" بوكمان " الذي كان حاضرا في الجلسات العامة التي أخذت فيها الكلمة وتحمست في تدخلي الأول مشيرا  بإنتقاد إلى عدم مشاركتنا في اجتماع  علمنا به من طرف بعض المشاركين و كان يعقد مبكرا كل صباح لتقييم نشاط اليوم السابق وأخذ التدابير بالنسبة لتوجيه أشغال المؤتمر. وبينت أن مثل هذا التوجه يفقد المنهج الديمقراطي والشفافية الذي تتدعي الحركة في وثاءقها الموزعة علينا أنها حريصة كل الحرص على إتابعها. وبعد هذا التدخل وقع استدعاء كافة المشاركين لحضور بالتداول والاسهام في أعمال ومناقشات الجلسة الصباحية التي كانت تبدو للبعض بشبه الجلسات السرية وهكذا تمكن الوفد التونسي من إنتقاد منهجية عمل الحركة وأهدافه وتقديم مقترحات تتعلق بالخصوص بالمنظومة العالمية المالية التي يتعين إصلاحها وتطويرها حتى تتمكن الدول المستقلة حديثا من تحقيق تنمية سليمة ومتوازنة بدون أن تغرق في التداين الخارجي...ولكن لم تتبنى الحركة مثل هذه الاقتراحات لان أهدافها الحقيية كانت البحث عن سبل الهيمنة على الدول ولم ترم على الدفاع عن سبل تحقيق تكافء الفرص لتسهيل تنمية عادلة في الدول المتخلفة من جراء الاستعمار. وخرجنا من المؤتمر بخيبة أمل...أكدتها في السنوات القادمة تلاشي الحركة..أعلمت بكل التفاصيل القاءد العام للكشافة التونسية عبد الله الزواغي بعد عودتي على تونس ناصحا بأن لا تضيع المنظمة الكشفية التونسية وقتها مع مثل هذه الحركة.....

وانضممت كذلك في سنة 1957 إلى عضوية الهيئة العليا للشبيبة الدستورية  بطلب من رئيسها الأستاذ محمود المعموري وعهد إلي المساهمة في تكوين إطارات الشبيبة الدستورية وكان من بين أعضاء الهيئة في تلك الفترة بالخصوص كل من المرحوم المناضل محمد صالح بلحاج وصالح لدغم ( شقيق الباهي لدغم). وأشرفت في عطلة ربيع 1957 على الحلقة التدريبية التي انتظمت بفرع المدرسة الصاديقية "خزندار" واختتم هذه الدورة الأمين العام للحزب الباهي لدغم. وتعهدت القيام بعدد من الدروس والمحاضرات وذلك بالتنقل أيام الأحد من كل أسبوع إلى  مدرسة تكوين الإطارات ببلدة عين دراهم في مبنى مضائف الشباب.