mercredi 27 octobre 2010

CONFERENCE EN LANGUE ARABE DE Mr HEDI BACCOUCHE ANCIEN PREMIER MINISTRE TUNISIEN sur LES IDEES de TAHAR SFAR

1

الأخ الهادي البكوش يحاضر حول المناضل الطاهر صفر

إحياء الذكرى وفاء للتضحيات الجسام التي قدّمها

«هو من كبار مفكّرينا وعظماء زعمائنا
وهو منارة نستضيء بها في مسيرتنا»

بمناسبة إحياء الذكرى 68 لوفاة المناضل الطاهر صفر، ألقى الأخ الهادي البكوش عضو اللجنة المركزية للتجمع وعضو مجلس المستشارين محاضرة يوم 9 أوت الجاري بنادي التعاون بالمهدية ، بحضور السيد رشيد صفر ابن المناضل الراحل الطاهر صفر ونخبة من الشخصيات الوطنية والسلط الجهوية ، وفيما يلي نصّها الكامل:

أزور المهدية لأتكلّم عن شخصية تونسية كبيرة، وزعيم وطني فذّ، هو ابن بار لهذه المدينة العاصمة المرحوم الطاهر صفر بمناسبة الذكرى الثامنة والستين لوفاته برعاية سامية من سيادة رئيس التجمع الدستوري الديمقراطي.
عند إعدادي هذه المداخلة عن الطاهر صفر، كان يخامرني تساؤل استسمحكم في طرحه أمامكم. هو تساؤل ما فتئ الناس في تونس وخارجها يطرحونه ويطلبون الإجابة عنه.
التساؤل هو: ما السرّ في ديمومة الحزب الحرّ الدستوري التونسي الذي نشأ في مارس 1934، ونما وكبر، وأعدّ المقاومة ضدّ الاستعمار، وباشرها عشرين سنة بلا هوادة، وواجه رجاله القمع، والسجن، والتعذيب ، والحرمان والاستشهاد وتعرّض إلى محن خطيرة كادت تقضي عليه؟
انتصر على الاستعمار ، وافتكّ الاستقلال مستعملا السياسة تارة، والقوة طورا ، معتمدا على تعبئة الشعب وتوحيد ودافعا مناضليه إلى الكفاح.
باشر الحكم في البلاد منذ 55 عاما بنى دولة حديثة وأسّس جمهورية ديمقراطية وبعث مجتمعا جديدا عصريا متقدّما.
مرّ بمراحل صعبة وتعرّض لأزمات خطيرة ولكنّه بقي صامدا فاعلا يتبدّل اسمه، تتجدّد طرق عمله، تتغيّر برامجه، تتطوّر استراتيجيّته ، بحرص بذلك على أن ينسجم مع الأوضاع الخارجية والواقع الداخلي، وأن يستجيب دوما إلى طموحات المواطنين ويحقّق آمالهم.
وكلّما هدّدته أخطار خرج من صلبه منقذ أعاده إلى الطريق السوي وفتح أمامه آفاقا جديدة وأعطاه دفعا جديدا هكذا كان الأمر في السابع من نوفمبر 1987 مع المنقذ زين العابدين بن على رئيس الجمهورية ورئيس التجمّع.
نجح الحزب الحرّ الدستوري الجديد في المقاومة وحقّق النصر، وبنى دولة، ويواصل مسيرته اليوم، يباشر شؤون تونس، يحمي استقلالها ويعزّز مناعتها ويسهر على تنميتها جاعلا منها بلدا متقدّما يضرب به الأمثال. تجاوز عمره 76 سنة وبقي قويّا عتيدا، قلّ وجود حزب مثله في العالم، والأحزاب غالبا ما تنمو وبعد فترة وجيزة تضعف وتزول فلا تعمر.
أعود إلى تساؤلي: ما السرّ في ذلك؟ وما السبب؟
ترجع ديمومة الحزب الدستوري الجديد وتواصله في نسبة هامّة إلى القيمة الشخصية لمؤسسيه. فقد كانوا على مستوى تعليمي رفيع، ونبوغ فكري كبير، وإيمان وطني قوي، والتزام بالنضال جريء، وسلوك أخلاقي مستقيم.
بُني الحزب الدستوري على أسس صلبة انطلق منها وبلغ العلياء. كان مؤسسوه يثيرون التقدير والإعجاب ويجلبون العطف والمحبّة، واتّخذهم الشعب لذلك قادة وزعماء. كان الطاهر صفر من كبارهم، فهو أحد الثالوث المتركّب من الحبيب بورقيبة ومحمود الماطري. قام عليهم بعث هذا الحزب. وقد صدق فليسيان شالاي «Felicien Challaye» المفكّر الاشتراكي الفرنسي ومن زعماء رابطة حقوق الإنسان عندما قال في تأليفه «الكتاب الأسود عن الاستعمار» «إنّ قادة الدستور الجديد رجال على قيمة عالية فكريا وأخلاقيا تحصّل جميعهم على ثقافة فرنسية جديدة وتشبّعوا بالروح الديمقراطية الفرنسية. فرئيس الحزب الدكتور الماطري وجه صبوح يعلوه شعر خطه الشيب، حازم، متعقّل، صموت عن إرادة. أمّا الأستاذ الحبيب بورقيبة فهو محامي شاب لا يعرف الكلل رغم بنيته النحيفة، خطيب مؤثّر، حركاته سريعة، كلامه جذّاب والأستاذ الطاهر صفر، فإنّه مفكّر جمع بين ثقافتين فلسفتين أوروبية وعربية، خطيب ثابت، يتّجه إلى العقل، والأستاذ البحري قيقة فهو رجل أنيق ولطيف». عن «ذكرياتي عن والدي الطاهر صفر» ص 66.
ولد الطاهر صفر بالمهديّة سنة 1903 وتوفّي سنة 1942 ولم يتجاوز عمره 39 سنة تزوّج من أخت البشير صفر من كبار رواد النهضة بتونس وأنجب طفلا وبنتين، ينحدر من عائلة عريقة في المهدية أصلها عثماني.
بدأ تعلّمه في الكتاب على يد المؤدب حسن فضّة والتحق بمدرسة سيدي عيسى الابتدائية الفرنسية العربية كان من بين معلميها الشيخ محمد عبد السلام.
وفي الصادقية ثمّ في معهد كارنو كان تلميذا متألّقا ونجح بامتياز في امتحان انتهاء المدرسة الصادقية وفي الباكالوريا ممّا أهّله إلى التحصيل على منحة تكفّل نفقات الدراسة بفرنسا. ينتسب إلى القلّة من التونسيين الذين كانوا في عهد فرنسا يزاولون التعليم الثانوي. كانت مواهبه الذهنية قويّة ممّا يدهش الفرنسيين فتراهم عند إعلان النتائج يهمهمون ويتذمّرون. تحدّث في كتابه «يوميات منفي» عن المدير الفرنسي لمعهد كارنو فقال: «إنّي لن أنسى أبدا ذلك الرجل الكهوتي مدير «ليسي كارنو، إذ أحضر التلاميذ ليعلن أمامهم عن المعدّلات العامة ويوجّه إليهم ملاحظاته وثناءه، فأخذ يسمّي الواحد تلو الآخر «لويزيدا» المعدل 12 حسن جدّا يا ولدي، أشكرك على اجتهادك وتحسّنك، نتائج رائعة الخ... ثمّ جاء دوري «طاهر صفر المعدّل العام 17 ونصف .. آه، طبعا ، ثمّ نظر إليّ عابسا كديرا ولسان حاله يقول من المؤسف جدّا أن تكون عربيّا وفي الرتبة الأولى... فأسقط في يدي إذ كنت أنتظر طبعا أن أعامل بأكثر حفاوة.
وفي آخر السنة بينما كان التلاميذ مزدحمين حول قائمة الناجحين في الامتحان الكتابي لشهادة الباكالوريا وكنت محدقا في القائمة باحثا عن إسمي تلقيت ضربة دفعت بي إلى الأمام، التفت لأرى من هو صاحب هذه الملامسة التي يمكن إن سمحت لنفسي أن أنعتها بالعنيفة وإذا بمديري يصيح قائلا: ألم تر الممتحنين في انتظارك لمواد الشفاهي أيّها الغبي... وقد علمت فيما بعد أن المسكين «لويزيدا» لم ينجح في الكتابي ففهمت تقريبا سبب غيض مديري اللطيف، ولكنّه بدا لي أن لطمة ذلك الشيخ الذي كان على وشك التقاعد كانت كلّها حقدا». يوميات منفي ص 134/135.
لم يغادر الطاهر صفر تونس للدراسة في فرنسا حالما تحصّل على الباكالوريا لأنّه تكلّف بإدارة المدرسة العرفانية التابعة للجمعية الخيرية. بإلحاح الشيخ الطيب رضوان والعربي مامي، وجهين من وجوه الحزب الدستوري في المرسى وأخذا بخاطر والده يريده قريبا منها.
وبعد عام ونصف انتقل إلى فرنسا بتحريض من رفاق الصادقية ومن الحبيب بورقيبة، ودرس الحقوق وتحصّل على الإجازة فيها ونال شهادتين في الآداب وتابع دروس مدرسة العلوم السياسية. كان متفوّقا في دراسته يشهد على ذلك ادغار فور الذي تولّي رئاسة حكومة فرنسا والذي كان مشهورا بنبوغه في الدراسة وتحصيله على أرقى الشهادات فيها يقول ادغار فور الذي كان زميلا للطاهر صفر في مذكراته: كان الطاهر صفر يجمع الجوائز الأولى في مسابقات آخر السنة بينما كان نصيبي الجوائز الثانية»، وشارك في مناظرة في مادّة الاقتصاد السياسي نال الجائزة الأولى فيها.
لمّا عاد إلى تونس اشتغل محاميا، وقد تربّص لدى الأستاذ صالح فرحات أحد زعماء الحزب الحرّ الدستوري التونسي، وكانت بدايته واعدة ولكنّه من جرّاء الإيقاف مرّة أولى سنة 1935 لما نفي إلى جرجيس ثمّ برج البوف ومرّة ثانية عندما سجن بسبب أحداث 9 أفريل 1938.
أحبّ مهنته ونجح فيها وتحدّث عنها قائلا:
فتحت مكتبا وجهّزته بمكتبة متنوّعة وكوّنت زبائن مهمّين، كلّ ذلك بفضل الشيء القليل الذي تحتاجه مهنتنا، استقبال ودّي وابتسامة لطيفة ونظرة مشفقة والتحلّي بكثير من الصبر للاستماع إلى سيل من الكلام الغامض المتفكّك وإعطائه وجهة معيّنة والقدرة على رفض قضيّة محكوم عليها بالفشل رغم مكافآتها المحترمة والنجاح في قضيّة معقّدة كانت نتيجتها مشكوكا فيها ثمّ التنسيق المحكم والفصاحة في المرافعة والاستشارة المجانية وإبداء الرأي الموضوعي والإرشاد إلى المصالحة الخاصّة، وباختصار الإخلاص والأمانة في أداء مهمّة هي أقرب إلى الرسالة المقدّسة». يوميات منفي ص 75.
شخصية الزعيم الطاهر صفر ثريّة معقّدة متعدّدة الوجوه متناقضة. فيها ازدواجية وتناقضات وهي في الواقع شخصيتان. فالطاهر صفر فيلسوف مفكّر منظّر بحاثة وكاتب.
وهو رجل فعل اختلط بالناس وباشر شؤونهم وتحمّل أعباءهم. أنشأ جمعيات ونشط في الحركة الوطنية فكان زعيما وطنيّا.
تتصارع هذان الشخصيتان تارة وتتصالحان طورا. فهو منقسم بين رأي يطغى وفعل يدفع، كلّ يضغط من جهته وهو عرضة لتناقضاتهما.
أتحدّث أوّلا عن شخصية الطاهر صفر كرجل فكر لأنّها في رأيي هي الغالبة ويتميّز بها عن رفاقه. قد يكون نبوغه في التعليم وإقباله المبكر على المطالعة أهّلاه لأن يصبح مفكّرا لامعا. وقد تكون مواهبه في التفكير وحدّة ذكائه دفعاه إلى التفوّق في التعليم وكثرة المطالعة.
ترك الطاهر صفر مقالات مطولة ويوميات منفي سجلها في جرجيس عام 1935، تعرّض في بعضها إلى قضايا وطنية تونسية وتطرّق في البعض الآخر إلى قضايا فكرية نظرية ذات بعد إنساني عالمي بعمق وإسهاب، لم يكن فيها شوفينيا منطويا على بني أهله مغلقا على الآخرين. بل كان يتوجّه إلى كلّ الناس في كلّ البلاد.
كانت له طموحات في البحث والكتابة. وقد أعدّ سنة 1935 مشاريع دروس واسعة متنوّعة تشمل الوضع القانوني للمرأة المتزوّجة في الشرع الإسلامي وحياة عمر بن ربيعة وعمر بن الخطاب والجاحظ والاستعمار وعملا خياليا في صيغة قصّة وكراسات في الاقتصاد والأدب والفلسفة والقانون والسياسة والاجتماع.
وشرع في كتابة أطروحة دكتوراه في الأدب وأطروحة دكتوراه في العلوم القانونية. وفكّر في تأسيس مجلّة فكريّة أسبوعية.
إنّه عمل جبار استعدّ وبدأ في تنفيذه ممّا يؤكّد حبّه للبحث الفكري المجرّد، وإبرازا لهذا البعد من شخصية الطاهر صفر أقدّم لكم بإيجاز عيّنات من تحاليله النظرية صدر بعضها في يوميات منفي، وصدر البعض الآخر في المقالات العميقة والطويلة التي كان ينشرها في الصحف التونسية. أقدّمها لعمقها وبلاغتها ولأنّها تتطرّق إلى قضايا مازالت قائمة رغم مرور ثمانية وستين عاما على كتابتها:
العيّنة الأولى وردت في يوميات منفي (ص 120) قارن صاحبها بين الفكر التحليلي الغالب في الشرق والفكر التركيبي المهيمن في الغرب.
«التحليل والتركيب... طريقتان وتكوينان مختلفان، الثقافة الشرقية والثقافة الغربية. أنظر الزيتونة وحتى الأزهر والقرويين الخ.. تفاسير القرآن والمعلّقات وديوان الحماسة طريقة تحليلية إعطاء الجزئية الأهمية الكليّة ـ التجزئة اللانهائية. غياب التوافق والوحدة والاجتهاد التركيبي... العقل التركيبي هو العقل الوحيد الخلاق القادر على البناء والتشييد والاختراعات وهو الفكر الثاقب الذي يستطيع في لحظة واحدة أن يعانق مساحات شاسعة في الفضاء والزمان في ميادين الفن والعلم والمشاريع الاقتصادية. وكما أنّه يسمح بالوثبات الكبرى والانطلاقات القوية. فهو بإمكانه أيضا أن يكون سببا في الانهيار المفاجئ والخراب. فإن كان العقل التحليلي يحكم علينا بالتحرّك في فضاء ضيّق ويحدّ أفقنا ويعرقل جهدنا ويحصرنا في أعمال ضيّقة غير مجدية، فإنّ العقل التركيبي يساعدنا على قطع المسافات الكبرى والقفزات الهائلة لكن بما تحتويه تلك الحركات من مخاطر».
كانت العلاقة بين الشرق والغرب في القرن العشرين تحتلّ نصيبا من اهتمامات المفكّرين خاصّة بعد أن تأكّد تفوّق البلاد الغربية في ميدان العلم والاختراع والحضارة والاقتصاد وتوغّلها وسيطرتها على جزء كبير من إفريقيا وآسيا.
وكتب فيها الطاهر صفر صفحات بليغة ودافع على مواقف جريئة نورد منها فقرة من أحد مخطوطاته هي عيّنة ثانية.
«يمكن الجزم بصفة عامّة بأن الشرقيين يخطئون لما يبالغون في التمسّك بالماضي، وقد جمّدوا بذلك حضارتهم. والغربيون يخطئون لمّا يتسرّعون في التحرّك نحو المستقبل وقد اقتربت حضارتهم من أجل ذلك إلى الفوضى ممّا أدّى بهم إلى الحروب والثورات بأشكال شتّى.
فمن جهة ثمّة جمود كبير وتصلب شديد ورجوع يتجاوز المطلق إلى العادات والتقاليد بمختلف أنواعها ومن جهة أخرى على عكس ذلك سرعة مذهلة وحركية حدّ لها.
هنا تعطّلت مسيرة التقدّم بفعل قوى مضادة وتعثّر التطوّر وتوقف ممّا أدّى إلى حالة جمود مثل الوادي الذي اعترضت طريقة عقبات فتحوّل إلى مستنقعات متعفّنة تسببت في أوبئة نتنة فتاكة.
وهناك ـ على العكس تسارع نسق التقدّم ـ فتقطع وتهشم مثل الوادي الذي تحوّل إلى سيل عارم يجرف ويدمّر ويغمر ويتلف كلّ شيء أمامه. وينشر الموت والخراب.
ينبغي علينا أن نختار الوسط بين هذين النقيضين ولا بدّ لنا من التحلّي بعقلية الاعتدال وروح الاتّزان. الطاهر خال عبيد ص 101.
تعرّض المفكّر الطاهر صفر للحضارات بالدرس والبحث وكتب فيها مقالات مطولة بالفرنسية أترجم فقرات منها، وهي العيّنة الثالثة، كثيرا ما سعى بعضهم إلى التحقير من شأن الحضارة الحالية التي تعرف بالحضارة الغربية وبالحضارة الأوروبية بالخصوص لأنّها تحمل قيما مادية ولأنّ طابعها الغالب مادي أساسا ولأنّها قامت على الجشع والولع الشديد والربح واللهث نحو الرفاهية والمتعة والحياة السهلة ولأنّ القيم الأخلاقية لا تجد فيها مكانا إن لم تكن خالية منها أساسا ممّا لا شكّ فيه.
إنّ في هذه الادعاءات بعض من الحقيقة فالحضارة الراهنة تعتمد مبدئيا على النظام الرأس مالي الذي يقوم على السعي إلى الربح والكسب، والمنافسة الحرّة بين الأفراد وعلى الحرية في وضع الاتفاقات.
وينجرّ عن ذلك وهو مبدأ أساسي التمسّك بالملكية الخاصّة وبالوارثة.
لا ينبغي أن نستخلص من هذا أنّ الاهتمامات الروحية والأخلاقية في النظام الرأس مالي منعدمة وأنّ حكم المادة هو الطاغي.
خلافا لذلك لا يخلو النظام الرأس مالي من قيم أخلاقية انبثقت منه وتولّدت عنه وقد تزول بزواله.
إن تطبيق النظام الرأس مالي وما أثاره من انتقادات ومن ضجيج وما أفرزه من نظريات، أنتج ثقافة جديدة وأتى بنظريات معاكسة له، فهي ردّة فعل وكان سببها النظام الرأسمالي نفسه.
هكذا يمكن القول أنّ النظام الرأسمالي هو الأب الحقيقي لكلّ النظريات التي أتت لتعارضه وخاصّة النظريات التي تبيح تداخل المجموعة في الأنشطة الاقتصادية للأفراد.
تطوّر النظام الرأسمالي بحكم ذلك وأضاعت الملكية التي كانت للفرد حقّا مطلقا حماه القانون الروماني وآمنت به أجيال بعد أجيال قد سبقتها، وظهرت فكرة أكثر مطابقة للعدالة تعطي للملكية وظيفة اجتماعية.
ولئن بقيت الملكية مكسبا للفرد يمارسها بحريّة يستفيد منها، وتنقل إلى ورثته أو إلى من يختارهم، فرنّه يمنع على صاحبها أن يتصرّف فيها لأغراض فردية بحتة لأنّ لها غايات اجتماعية، وهكذا عرفت الملكية تحديات ما فتئت تزداد وتتوسّع خدمة للمصلحة العامة.
لم تبق الملكية الخاصة حقّا مطلقا ونهائيا يسمح لصاحبه التصرّف فيها كما يريد حسب هواه ولو أساء التصرّف وأصبحت مقيّدة أكثر فأكثر.
إنّ تطوّر النظام الاقتصادي نحو الاشتراكية يتواصل اليوم تحت أنظارنا في مختلف بلاد العالم، وتداخل الدّولة يزداد وسلطة الدّولة تتعاظم».
آخر عيّنة اخترتها لكم من كتابات المفكر الطاهر صفر، تتعلّق بالنظريات العنصرية لهتلر وبالإخفاق الجرماني كتبها في ديسمبر 1939 في وقت استسلمت فيه في مونيخ دول أوروبا الكبرى بريطانيا وفرنسا أمام ألمانيا النازية ورفضت التصدي لخططها التوسعية.
كان الطاهر صفر في حديثه عن هتلر صريحا وجريئا لم يقرأ لردود الفعل الألمانية حسابا. فلو لم تدركه المنية للاقى من حكومة هتلر عذابا شديدا.
وفعلا لما دخل الألمان تونس انتقلوا إلى داره لإيقافه فعلموا أنّه مات بعد وألقوا القبض على أخيه انتقاما وتشفّيا.
في هذا التحليل الاستشرافي كتب الطاهر صفر ما يلي:
«لا يتعلّق الأمر بالعائلة الجرمانية القديمة ولكنّه يتعلّق بالعائلة الجرمانية التي أراد هتلر أن ينشأها لتحقيق حلمه في الهيمنة على العالم.
بالحديث عن العرق الأرقي والجنس المختار وتنقية الدم الألماني من الخلط، أخذ هتلر ينفذ تصورات بيولوجية غير جدية ونظريات اجتماعية مشكوك فيها ويسعى إلى تسخير العلم وتقنياته لترهاته ولأفكاره المسبقة، ويعمل على تحقيق حلم عبثي دون تروّ، مستمدّ من كبرياء مبالغ فيها ومن ترهات غريبة...
انطلق هتلر من نظرية نيتشة حول الإنسان المتفوق ليصل إلى نظرية الشعب السائد والجنس المختار المتأهّل ليحكم الكون ويركّع البشرية كلّها ويضعها تحت كلاكله ويقمعها.
وارتقى بالعنف وجعل منه نظرية تسوس العلاقات بين الشعوب وتبعت نظاما ينذر بحرب أبدية، بالأمن وبحرب العصابات ويحيي حرب القبائل والعشائر التي ساهمت في إزالتها السلطات المركزية.
إنّ تحقّقت نوايا هتلر فعلى المدينة وعلى التقدّم السلام... يمكن التوقع بصفة جازمة بفشل هذه النوايا. فالإنسانية تسير في اتجاه لا تسطيع أيّ قوّة في العالم أن تبعده عنه.
إنّ كلّ المؤسّسات والعائلة الجرمانية التي تعارض هذا الاتجاه فهي تسير نحو زوال سريع مؤكّد».
هذه عيّنات من كتابات الطاهر صفر، اتّسمت بالعمق والشجاعة واتّصفت بالشمولية والاستشراف، أوردتها لكم للإشادة بنبوغ صاحبها وسعة ثقافته وهو فيلسوف ومفكّر بحقّ.
ولكن هذا الوجه من شخصية الطاهر صفر، وإن كان شديد الأهمية، فإنّه لا يغطّي شخصيته، فله وجه آخر لا يقلّ أهميّة، وهو الذي احتفظت به الذاكرة الجماعية التونسية. وإنّي سأحاول في الجزء الثاني من حديثي إليكم إزالة الغبار عليه والتعريف به وبيان ما بقي منه بعد 68 سنة من وفاته.
فالطاهر صفر رجل فكر وكذلك رجل فعل يحلّق عاليا في السماء ولكنّه ينزل على الأرض. يختلط بالناس يستمع إلى مآسيهم يبلغهم شجونه يرشدهم، يأخذ بأيديهم وقد تبنى قضاياهم وآمالهم وطموحاتهم وناضل في سبيلهم.
وقد كتب على نفسه ما يلي:
«عندما أتفحّص نفسي جيّدا، يبدو لي أنّني مكوّن من شخصية مزدوجة، إحداهما مولعة بالحياة الرصينة المنتظمة، المركزة والمحبّة للوحدة والهدوء، والأخرى عكس الأولى مدفوعة بحمى الفعل، مليئة بالطموح، راغبة في البناء، تريد أن تعيش حياة مكثّفة وأن تنتشي بالنشاط الزاخر والعلاقات والمعاشرة، وأن تتعدّد وتتغيّر وتتنوّع في ألف شكل ولون».
نشط الطاهر صفر مبكّرا في الجمعيات المدنية، أسّس سنة 1920 وعمره سبعة عشر سنة في المهدية الناشئة الأدبية، فتحت مكتبه وأعانت التلاميذ وقدّمت مسرحيات.
وفي سنة 1923 ساهم في بعث جمعية قدماء الصادقية وباشر سنة 1931/1932 رئاستها.
وفي سنة 1942 بعث جمعية للتعاون الاقتصادي التونسي شاركت فيها وجوه وطنية بارزة أمثال محمد علي الحامي والطاهر الحداد والحبيب جاوحدو.
وعمل في الجمعية الخيرية التونسية التي كانت تشرف على مدرسة ابتدائية العرفانية برعاية رضوان والعربي مامي وجهين من وجوه المرسى استنجباه وكانا له صديقين حميمين واشترك في جمعية الشبان المسلمين.
وفي فرنسا ساهم في بعث جمعية نجم شمال إفريقيا سنة 1926، النواة الأولى للحركة الوطنية الجزائرية، وقاعدة الانطلاق للزعيم الجزائري مصالي الحاج، تحمّل فيها المسؤولية تونسيون أمثال الشاذلي خير اللّه، أحمد بن ميلاد، سليمان بن سليمان والهادي نويرة.
وفي سنة 1927 شارك في تأسيس جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين وكان نائبا لرئيسها سالم الشاذلي ، وبقي متعلّقا بها، كوّن عند عودته إلى تونس جمعية أحبّاء الطالب، هي ممثّلة لها تساعد المترشّحين إلى التعلّم في فرنسا.
لم يقتصر نشاط الطاهر صفر على الجمعيات الثقافية والحركات الطالبية، بل شمل النشاط الوطني السياسي من ذلك أنّه كان الوحيد من بين الجماعة التي بعثت الحزب الدستوري الجديد الذي كان منخرطا منذ سنة 1922 في الحزب الدستوري القديم أدّى اليمين ليكون دستوريا ويخدم الحزب الدستوري ما دام حيّا، ويصبح عضوا بارزا في اللجنة التنفيذية، وفتح الباب أمام رفاقه من جريدة العمل التونسي الحبيب بورقيبة، محمود الماطري، البحري قيقة، فالتحقوا به في اللجنة التنفيذية أثناء مؤتمر نهج الجبل في ماي 1933.
وفي ديسمبر من نفس السنة اختلف مع قادة الحزب القديم وانفصل عنهم وانحاز إلى الحبيب بورقيبة ودعا إلى عقد مؤتمر خارق للعادة لحسم الخلاف معهم.
كانت مصلحته تحثّه على «البقاء في اللجنة التنفيذية وعدم تقديم استقالته واتخاذ موقف محايد على الأقلّ، ومواصلة مساعيه في توحيد الصفوف بين رفاقه الشبّان والقدامى، وكتب وهو المنفي سنة 1935: «أنّ القطيعة بلغت حدّا لم يبق معه سوى الاختيار وأخذ القرار، قرار الانفصال رغم أنّ مصلحتي الشخصية ومصلحة عائلتي وحرصي على مكتبي وحرفائي وصداقاتي وعلاقاتي وهو الوسط الذي عشت فيه دائما...».
وأضاف أنّ البقاء في الحزب القديم «معناه» الرضا بالجمود والحياة الرتيبة وغضّ الطرف عن المنكرات والتجاوزات التي أصبحت بعد اكتشافي لها لا تطاق ومعناه أيضا التواطئ مع اللئام والمنافقين والمتآمرين أصحاب المنافع لأنّ تجربتي القصيرة مكّنتني من اكتشاف أنّ وراء المظاهر المهذبة المشوبة بالورع الكاذب نفوس سوداء وقلوب متحجّرة وطباع متوحّشة وأنانيات مسعورة، فكان الكره، كره ظلّ يتّضح يوما بعد يوم ويكشف عن أسبابه الحقيقية.
رغب الطاهر صفر بخروجه عن اللجنة التنفيذية حسب ما كتبه تجديد مصادر نشاطه والعيش في وسط آخر وتغيير البيئة الأخلاقية والتفرّغ لخدمة البلاد مع «رجال أكثر صدقا وإخلاصا وأقلّ طمعا وأكثر شجاعة يكرهون المواربة والكذب».
اندفع مع رفاقه في الدعاية لقيادة جديدة في الحزب «بسرعة طاغية مدوخة» وجاب البلاد طولا وعرضا وخاطب الشعب في كلّ مكان. وكان غالبا مصحوبا بالحبيب بورقيبة.
وفي مؤتمر قصر هلال في 02 مارس 1934 رفت المؤتمرون اللجنة التنفيذية وانتخبوا ديوانا سياسيا تولّى قيادة الحزب عوضها.
كانت للطاهر صفر في هذا المؤتمر شعبيّة كبيرة لأقدميته في الحزب ولعلاقاته المتينة برجالاته ولمساهمته الحاسمة في أشغاله وظهر ذلك في نتائج انتخاب الديوان السياسي، إذ كان أوّل الناجحين، وكان في مقدوره تولي رئاسة الحزب أو أمانته العامّة إن أراد ذلك.
تفوّق الحزب الجديد على الحزب القديم، وأصبح قوّة ذات بال في الشعب وتجاه حكومة الاستعمار ويعود ذلك إلى استراتيجية نضال جديدة و إلى طرق عمل جديدة أتى بها الدستور الجديد وسميت عليه. كان للطاهر صفر مساهمة هامّة في وضعهما وصياغتهما.
كتب عنها في الصحافة، وقد تولّى رئاسة تحرير جريدة الحزب العمل بالعربية وكانت كتاباته بليغة مؤثّرة، وتكلّم فيها في الاجتماعات وكانت خطبه فصيحة نافذة في الدستور الجديد في سنواته الأولى هو ثالوث يضمّ بورقيبة وصفر والماطري.
كانوا متّفقين متوحدين ولكنّهم اختلفوا فيما بعد، لم يختلفوا على ضرورة النضال ووجوب المقاومة وخدمة الأهداف التي حدّدها مؤتمر قصر هلال، وإنّما اختلفوا على الموقف السياسي الذي ينبغي اتّخاذه بعد تراجع حكومة فرنسا عن الوعود التي قطعتها على نفسها سنة 1936 لتسير بتونس نحو الاستقلال الداخلي.
كان الطاهر صفر ومحمود الماطري، والبحري قيقة يرون أنّ فرنسا على أبواب حرب وأن مواجهتها بعنف قد يتسبّب في إجراءات قمعيّة شديدة تقضي على الحزب و على إطاراته وقياداته في ظرف يقتضي الاقتصار على النضال السياسي ومواصلة الحوار مع المقيم العام واجتناب تظاهرات الشارع والعصيان المدني والقتل والتخريب والركون إلى المقاومة السليمة ومقاطعة البضائع الفرنسية اقتداء بقائديه.
ظهر هذا الخلاف جليا في مؤتمر الحزب الذي انعقد من 30 أكتوبر إلى 02 نوفمبر 1937 الذي انتصر إلى موقف راديكالي متشدّد وطالب بسحب الثقة عن حكومة الجبهة الشعبية ونادى بالاستقلال ودعا إلى إضراب عام تضامنا مع زعماء المغرب والجزائر الذين تعرّضوا للايقاف وقرّر مواجهة الحكومة بكلّ الوسائل والشروع في المقاومة.
استخلص محمود الماطري العبرة من هذا الخلاف واختار الاستقالة من رئاسة الحزب خلافا للطاهر صفر الذي تردّد في الإقدام على ذلك رغم وضوح موقفه الشخصي واختياره الاعتدال وبقي على مسؤولياته في الديوان السياسي. حرص الحبيب بورقيبة على أن يتولّى رئاسة الحزب خلفا للدكتور محمود الماطري ولكنّه أبى.
لم يغادر الطاهر صفر الحزب، لسببين إثنين، أوّلهما أنّه كان شديد التعلّق بوحدة الحزب وكان يخشى تفككه من جرّاء خلافات في القيادة والسبب الثاني أن له مع الحبيب بورقيبة الذي اختار موقفا راديكاليا علاقات ودّ ومحبّة وتقدير قوية جدّا. تعارفا في الصادقية وكانا صديقين وفي المهدية حيث كان الحبيب بورقيبة يقضي فيها عطلة الصيف في بيت أخيه، كانا يلتقيان وقد مثّلا معا في رواية صلاح الدين الأيوبي التي قدّمتها جمعية الناشئة الأدبية وأسّسا الحزب معا، وكانا في دراستهما العليا في باريس معا، وممّا يذكر أنّ الحبيب بورقيبة حثّ صديقه الطاهر صفر على الالتحاق به بباريس ومواصلة الدراسة فيها.
لهذين السبيبن لم يقدم استقالته من الحزب ولكنّه بقي معذّبا ممزّقا تتجاذبه من جهة رؤية شخصية لما يقتضيه الظرف، ومن جهة أخرى تطوّر الأحداث إلى حيث لا يتمنّى وداهمته مواجهات 9 أفريل 1938 وما خلفته من ضحايا وما تبعها من قمع.
حيث أوقفت السلطات الاستعمارية إطارات الحزب واتهمتهم بالتآمر على أمن الدولة الداخلي وأوقفت الطاهر صفر معهم وقضى عاما في السجن.
لقد تنبّأ الطاهر صفر بأحداث العنف وسعى إلى اجتنابها لأنّها غير صالحة في ذلك الطرف ورغم ذلك وجّهت إليه فرنسا التهمة وكأنّه كان وراءها وتحامل حاكم التحقيق العسكري عليه وتشدّد معه وسعى إلى تحطيمه نفسانيا لقوّة شخصيته ولمكانته في الحزب. إنّها مظلمة أولى.
اختلف الطاهر صفر مع رفاقه حول موقف الحزب تجاه حكومة فرنسا ودعا إلى الاعتدال واجتناب المواجهة لأنّ الوقت لا يسمح. ولكنّه بقي متضامنا معهم لا يفارقهم حرصا على وحدة الصف، إلاّ أنّهم لم يقدروا موقفه هذا ولم يعطوا حقّ الخلاف قدرة وآخذوه على موقفه. وهي مظلمة ثانية.
هي أوضاع ممزقة أنهكته بدنيّا وأربكته نفسيا، تأثّر منها كثيرا، وقد تكون عجلت بموته وهو لم يبلغ الأربعين.
لقد فقدته تونس وخسرت كفاءاته وأضاعت مساهماته في قيادة تونس وتناسته. واليوم منذ الاستقلال عاد الطاهر صفر إلى مجده وأخذ مكانه كاملا بين رفاقه مؤسّسي الحزب الدستوري.
هي صفة غالبة في جلّ المجتمعات، لا تعرف قيمة رجالها إلاّ بعد مماتهم ولا تتدارك أمرها إلاّ بعد فوات الأوان.
تحدث الزعيم على البلهوان، وقد كان من دعاة الشدّة ومن المتحمّسين للمواجهة والعنف إلى ابن الطاهر صفر فقال له «أنا أعترف أنّي أخطأت في فهم بعض المواقف للراحل العظيم والدكم سي الطاهر ولكنّني من بعد وفي السجون فهمت كلّ شيء ولو كان حيّا لاعتذرت له».
ولم يخف الحبيب بورقيبة بعد خروجه من السجن تقديره للطاهر صفر ووفاءه له واغتنم فرصة أوّل زيارة له إلى المهدية بعد أن خرج من السجن إلى زيارة قبره والترحّم عليه.
وتروي زوجته الأولى «مفيدة» التي حافظت على علاقتها الودية مع عائلة الطاهر صفر أنّها سلّمت لزوجها الكتاب الذي ألّفه الطاهر صفر سنة 1935 في منفاه بجرجيس والذي صدر بالفرنسية بعنوان «يوميات منفي» ، فأخذه «ولأوّل مرّة لم يأخذ راحته المعتادة بعد الفتور بل انطلق في قراءة الكتاب بلهفة كبيرة ولم يغادر المنزل إلاّ بعد الانتهاء من الاطّلاع عليه وكانت في النهاية بعض الدموع تغمر عينيه» وقال لها: «أنا أقرأ الكتاب ويترأى لي وكأنّ سي الطاهر حاضر معي».
سميت بعد الاستقلال شوارع ومؤسسات كثيرة باسمه اعترافا بدوره في حركة التحرير الوطني في تونس وفضله عليها.
وفي إطار التنويه بكملّ رجالات تونس في مختلف العهود مهما كانت اتّجاهاتهم ومواقفهم ومهما كانت مساهماتهم في تحرير تونس وبناء دولتها أذن الرئيس زين العابدين بن على بإعطاء نهج للطاهر صفر في تونس العاصمة وبإقامة معلم تذكاري بالمهدية.
إنّه أهل العناية وهذا التمجيد، فهور من كبار مفكرينا وعظماء زعمائنا وهو منارة نستضيئ بها في مسيرتنا نحو التقدّم والعزّة.
نحن أوفياء له وللقيم الخالدة التي آمن بها وللتضحيات الجسام التي قدّمها.