jeudi 21 avril 2011

PROJET IMCOMPLET DES MEMOIRES DE RACHID SFAR EN LANGUE ARABE

                                           


                                              كيف سرنا و أين نحن سائرون:

                                                     المساعي المبتورة.


                                  ذكريات وعبر               ذكريات وعبر   ذكريات وعبر     ذكريات وعبر     ذكريات وعبر 



                                                           
الحرص على واجب الذاكرة لا للتغني بالماضي بل للاتعاظ واجتناب إعادة نفس الأخطاء
.


                                                 

                                                             1933-2010
                                            Les quêtes inachevées :
                              Souvenirs à travers les étapes de ma vie.
                                            Devoir de Mémoire
                « Lorsque le passé n’éclaire plus l’avenir l’esprit marche
                    dans les ténèbres…. » Charles Alexis de Tocqueville.



                            Le secret de la liberté est le courage : Péricles.
-----------------------------
Le Courage dans la Tunisie du XX eme et du XXI eme siècle est venu essentiellement de sa Jeunesse.
Rachid Sfar.




















هذه مسودوه منقوصة المحتوى و لم تكتمل بعد إذ أني لم أتمكن من إعادة قراءتها وبها العديد من الأغلاط المطبعية واللغوية والنحوية وربما بعض التكرار فمعذرة لقاريها في صيغتها الحالية







الاسلام الحق هو بالأساس دين القيم الانسانية الخالدة ودين حماية حقوق الانسان وفي مقدمتها حرية الفرد ونبذ العنف اللفضي والمادي:

المسلم هو من سلم الانسان من لسانه ومن يده





توصية من توصيات والدي الطاهر صفر من منفاه بجرسيس في شهر جانفي 1935 إلى بني وطنه.
" يجب على التونسيين أن ينسوا في بعض الأوقات خصوماتهم الداخلية وأحقادهم وأن يتصافحوا ويبذلوا الجهد الكافي من أجل التصالح لأن الجبهة الموحدة ضرورية في البلاد التونسية أكثر منها في أي بلد آخر بل هي أساسية." ".... ولقد تجبرنا ضروريات العمل إلى الانقسام إلى أحزاب وجمعيات وهيئات مختلفة واختصاصات متنوعة وبالتالي إلى الإعراض عن بعضنا البعض، فذلك شيء ضروري بل ومفيد أيضا:إن الانتقاد نافع ولكنه يجب أن لا يكون مسموما والمنافسة عنصر صحة ولكنها يجب أن لا تقود إلى الحقد."
"و لا يجب على أحد منا أن يستأثر برأيه وأن يعتبر أنه بإمكانه الاستغناء على الآخرين، بل يجب أن نكون منقسمين في الظاهر فقط، و علينا أن نبقى متحدين ومتضامنين في الواقع، أليس من المحزن أن يغتاب بعضنا البعض؟ يجب على الوطني أن يحب جميع أبناء جنسه حتى الذين لا يعجبونه أو لا يتفق معهم في الأفكار."

الطاهر صفر: "يوميات منفي" مدينة جرجيس 1935





















طريقك في الحيات
"أيها الباحث عن طريقك في الحياة, أعلم أنه ليس هنالك طريق معبد مسبقا لكل إنسان, فعليك البحث عن طريقك الخاص وتعبيده بنفسك, مفكرا دوما في التوفيق بين رغباتك الشخصية و مصالح وطنك و كذلك في مصير الإنسانية جمعاء وما يواجهه هذا المصير المشترك من تحديات جسام متراكمة في عالم ما فتيت تزداد تعقيداته وتناقضاته في ضل سرعة مذهلة للإبداعات والاختراعات العلمية والتقنية." رشيد صفر بناء عسير و متواصل لمجتمع الحداثة الحقيقية مجتمع المعرفة والتضامن المجتمع الحضاري المتجدد دوما
" لنعمل بجهد وجد وكد متواصل لترسيخ بحق مجتمع الحرية والحداثة الحقيقية مجتمع الديمقراطية و المعرفة المتكاملة والموسوعية ومجتمع الكرامة و التضامن الحقيقي بالانصاف في مجهود بعث ونشر التنمية وحسن توزيعها بين الأفراد والجهات حتى تستطيع الأجيال المتعاقبة في وطننا العزيز-انطلاقا من إدراك معمٌق لتعقيدات العالم واقتصاده المعولم- اكتساب قدرة فاعلة للتغلب دوما على التحديات المتراكمة وخاصة تلك التي تفرزها أنشطة الإنسان الاستهلاكية المفرطة فوق هذه الأرض الطيبة التي من واجبنا المحافظة على أديمها ومناخها كل ذلك ليبقى فوق أرض تونس الخضراء مجتمعنا الحداثي مـتجددا على الدوام."رشيد.


                                                                 توطئة                                          


"إنما الأمم الأخلاق ما بقيت× فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
أحمد شوقي

تعدد نشر المذكرات في بلادنا أثناء السنوات الأخيرة و فسحت ثورة الرابع عشر من جانفي 2011 المجال واسعا لإعادة قراءة وكتابة التاريخ بأكثر ما يمكن من الموضوعية و تنقية الذاكرة الوطنية من الأكاذيب وتزوير الحقائق التاريخية و يرجى من كتابة المذكرات إثراء مجموعة الوثائق الرسمية والمحفوظات الإدارية (الأرشيف) و مختلف المصادر التاريخية التقليدية. وبالرغم من أن المذكرات تبقى ضمن المصادر الثانوية لكتابة التأريخ وقراءته، فهي توفر للباحثين معطيات إضافية وشهادات، تكون أحيانا مفيدة، وتفسح مجالا، لا يستهان به، لإنجاز تدقيقاتهم وتحاليلهم و الاقتراب من الحقيقة وتعميق البحوث للارتقاء بها إلى المستوى العلمي المتواجد في مختلف مدارس التاريخ في الدول المتقدمة.
ويرغب كل قاري لكتب التاريخ أن يكون المؤرخ دوما متمسكا بالمناهج و التوصيات التي نصح بها العبقري عبد الرحمان ابن خلدون كل من يقدم على مسؤولية كتابة التاريخ، ويتعين، من وجهة نظري، الاعتراف والتنويه بالمجهودات الموفقة التي بذلت من طرف عدد من المختصين في التاريخ المعاصر في بلادنا، منذ أواخر سنوات القرن الماضي وفي مطلع هذا القرن، وقد تجسمت أعمالهم في إصدار عدد من الدراسات القيمة التي غطت جوانب هامة من تاريخ الحركة الوطنية وحتى أحيانا تاريخنا الحديث والمعاصر، والمجال مازال فسيحا أمامهم لإزالة اللثام عن كثير من المنسيات ولإصلاح العديد من الاستنتاجات والتحاليل التي وظفت أحيانا في الماضي لأغراض لم تكن دائما نزيهة. وتبقى توصيات ابن خلدون، أب علوم التاريخ وعلوم الاجتماع، صالحة لكل زمان ومكان حرصا على اجتناب توظيف التاريخ وتحريفه وسعيا للارتقاء به إلى مستوى العلم النقي المتطور في مناهجه وفي تقنيات البحث والتدقيق والتفسير. ويتقن، بدون شكا، المؤرخ المقتدر مناهج التعامل مع مختلف أصناف مراجع ومصادر التاريخ:
فلكل نوع من هذه المصادر عيوبه و مزاياه، فبالنسبة إلى المذكرات ترجع أكبر النقائص، في نظري، إلى مزاج ومكونات شخصية كاتبها و بالخصوص إلى النزعة الغريزية في أغلب الحالات لتبرئة الذمة والتهرب من المسؤولية و الحرص على تلميع الصورة. وأفضل مزايا المذكرات الصادقة التي صدرت في بلادنا، مثل، مذكرات الزعيم محمود الماطري و مذكرات عدد من المناضلين النزهاء الآخرين مثل، سليمان بن سليمان، ورشيد إدريس , والباجي قايد السبسي(كتابه بعنوان بورقيبة: البذرة الصالحة والزؤان في سنة 2009) وغيرهم وبالخصوص المناضلين القاعديين، تكمن في أنها تهتدي إلى تقديم الأحداث بصفة حية ومفيدة، كما شعر بها وجدان كاتبها، وكما تعامل معها ضميره و وجدانه في حينها، وتتوفر هذه المميزات الإيجابية بالخصوص إذا كان صاحب المذكرات لا يعتمد فقط على ذاكرته ـ التي يمكن أن تصبح، عن قصد أو غير قصد، ذاكرة انتقائية ـ بل يعتمد كذلك على مسودة يوميات كان قد دونها في حينها. و قد كتب عن اليوميات وعن المذكرات الصحافي المقتدر الأستاذ عبد اللطيف الفراتي مقالا قيما نشر في جريدة الصباح الغراء بتاريخ 15 أوت 2010 قال فيه:".....أما أقدم ما قرأت مما يوصف بالمذكرات فلعلها تلك المتمثلة في كتاب للطاهر صفر الزعيم الوطني الفذ الذي اختلف مع بورقيبة والذي كان معدا لخلافة الدكتور الماطري على رأس الحزب الدستوري بعد استقالة الأخير..". ثم يضيف:" فلعل أكبر كاتب مذكرات في عصرنا هذا في تونس هو الرئيس السابق الحبيب بورقيبة’ وهناك من وجهة نظري صنفان من المذكرات للرئيس التونسي السابق: أولهما ما وصف من أنه تاريخ الحركة الوطنية. وهو عمل ضخم في مجلدات عديدة, صيغ "ليؤرخ" لحقبة طويلة نسبيا من الزمن على أيدي فريق تولى تأطيره الوزير السابق القوي محمد الصياح. و باعتماد الذاتية المعتمدة واعتماد توجه واحد، و باعتماد التعبير المستعمل، فإن ذلك العمل لا يمكن وضعه في خانة التاريخ أو التأريخ بل غالبا في خانة المذكرات. ثانيهما: تلك المحاضرات التي ألقاها الرئيس السابق على منبر معهد الصحافة والتي صدرت في عدة طبعات وتلك تستجيب بالكامل لمقتضيات أدب المذكرات..." و تبقى خاصة مذكرات جل من تحملوا أعباء المسؤوليات السياسية مبنية غالبا على وجهة نظر أصحابها، التي من حقهم الشرعي التعبير عليها. فيتعين التعامل مع هذا الصنف من المذكرات من طرف الباحثين والقراء بحذر و إخضاعها إلى النقد و المقارنة والتدقيق. وعلى كل، فانه من البديهي أن نقول، إن العبرة تكمن أساسا،عند صياغة المذكرات، في السعي إلى الإفادة والإضافة وكشف الخفايا- إن وجدت- وتقديم التحاليل التي تعين القاري على استخراج بعض العبر،وذلك بهدف استقاء الدروس من الماضي وتحقيق تراكم التجارب الإنسانية التي تستفيد منها المجتمعات التواقة إلى الرقي الحقيقي والمناعة المستدامة. ويتجسم هذا الهدف شريطة أن تتوفر، مسبقا لدى أصحاب المذكرات مقتضيات التجرد ونكران الذات والقدرة الطبيعية على النقد الذاتي. و لست في حاجة إلى التذكير بان المؤرخ الماهر يحذق يفضل تكوينه المختص صيغ التعامل مع المذكرات بصفة عامة وخاصة تلك المذكرات الصادرة من طرف من ابتلاء، وشهر لدى الخاص والعام، بتضخم" الأنا" و بمرض "النرجسة" أو ما هو أخطر بمرض الخنزونية عافاكم الله. النرجسة متواجدة في كل منا ولكن بدراجات متفاوتة...و تبلغ عند البعض إلى مستويات قصوى، فتصبح مرضا نفساني يقتضي المعالجة الطبية. ويصبح ينطبق على المريض النرجسة في ألطف الحالات ذلك المثل التونسي المعروف في مدننا وأريافنا " الجمل الذي لا يرى حدبته". هذا إذا لم ينزلق في الافتراء والكذب والسفسطة لتبرير أفعاله ومحاولة مخادعة القاري البري بمزج الأحداث الثابتة والمعروفة بالمغالطات والتحريف للحقائق محاولا التستر وراء مقولات واهية لا تليق خاصة بمن يدعي أنه من المفكرين النابغين أو حتى الفيلسوف المجهول..... فكل ما أتمناه هو أن يتجنب هذا الكتاب، قدر المستطاع هذه السلبيات و أن ينال رضا القاري اليقظ و أن يستفيد به المواطن بصفة عامة والشباب بصفة خاصة وكذالك المختص في البحوث و في كتابة التاريخ فيستعين به لتعميق بحوثه في سعيه الدءوب والعسير للاقتراب من الحقيقة الموضوعية التي تبقى دائما صعبة المنال وتتطلب مجهودات ومساعي لا تكل وإعادة مستمرة لقراءة التاريخ. وكنت مترددا قبل الانطلاق في تحبير مذكراتي والتحدث عن مسيرتي الذاتية لأسباب عدة:
- أولها أني أخذت عن الكاتب الفرنسي "مونتائن" قناعة بأن تحدث الشخص عن نفسه عن مواقفه وأعماله و خصالع يكون إجمالا غير مرغوب فيه وخاصة في مجتمعاتنا العربية الاسلامية. و المفكر" مونتائن " معروف بكلمته الشهيرة:" الأنا منبوذة" أو "مكروهة" “Le moi est haissable”
-والسبب الثاني يكمن في طبعي الذي لا يميل كثيرا إلى الحديث عن " الأنا" وكسبت ذلك عبر تربيتي في عائلتي الصغرى الطبيعية وعائلتي الكبرى ،الكشافة،التي تملي على الكشاف أن لا يبوح ولا يفصح عن الحسنة اليومية التي يقوم بها في صمت و حسب ما يمليه ضميره. ويتدرب الكشاف على عدم التبجح بقيامه بواجباته مهما عظمت. -و أما السبب الثالث فهو يكمن في أن طيلة حياتي لم أسخر ولو قليل من الوقت لمحاولة الإطلاع على ما يجري في "الكواليس" و وراء الستائر وما انتميت قط في نشاطي المهني أو السياسي إلى مجموعة معينة للتنكيل بمجموعة أخرى، وليس لي إذا مخزون من " الأسرار الخارقة للعادة والخارجة عن المألوف" التي من شأنها إغراء أو جلب انتباه القراء المولعين فقط بالأخبار "الخارقة للعادة" والأسرار وبالخصوص بما يحدث في "كواليس" السلطة. و قد لاحظت أن عصرنا هذا أصبح فيه العدد الأوفر من القراء في العالم بأسره لا يقبل إلا على كتب القصص وخاصة المغامرات البوليسية. وهم قراء جلهم ينبذ كتب التاريخ وكتب الفلسفة وكتب العلوم و غيرها من الكتب التي تتطلب اجتهاد الفكر، وكأنهم يريدون الهروب من إشكاليات العالم وتناقضاته، و من التحديات الجسام المحدقة به و يرغبون الترويض عن النفس من صعاب مصير الإنسان في هذه الحياة فوق هذه الأرض الصغيرة الفاقدة لتوازناتها حتى المناخية.
- وأما السبب الأخير فهو يكمن في أني كنت قليل الكتابة باللغة العربية منذ السنوات الأخيرة من تعليمي العالي وفقدت السهولة في الكتابة بسلاسة بلغتنا الوطنية بصرف النظر عن نسياني للبعض من قواعد سيبويه.: ذلك لأن إنكبابي على مسؤولياتي المهنية وتفرغي التام لها ضمن اختصاص المالية والاقتصاد طيلة أكثر من أربعين سنة أجبرني على استعمال أساسا اللغة الأجنبية التي كانت مصدر جل البحوث والدراسات العلمية التي تنشر في العالم ويتحتم الإطلاع عليها والتمحيص فيها لفرز الغث من السمين. ولكني في النهاية أقدمت على صياغة هذا الكتاب لان عدد من الزملاء والأصدقاء عاتبوني عن ما سموه " سكوتي الطويل" وحثوني على الإصداع بما يخالج ضميري وعلى البوح بما أعرفه بالخصوص عن مسيرة والدي والإدلاء بقصة حياتي المهنية التي هي في الحقيقة، قصة عادية للحياة المهنية للعديد من الإطارات التونسية من مختلف الاختصاصات ومختلف المستويات ومختلف الجهات وهي إطارات منتمية لجيل تحمل شرف الإسهام، حسب المستطاع، وكل في ميدانه، في المرحلة الأخيرة من مراحل تحرير الوطن من المستعمر.ثم تحمل هذا الجيل أعباء بناء الدولة التونسية العصرية بنخوة وبحماس، كما ساهم هذا الجيل بقسطه في مسيرة تنمية الوطن في مستويات مختلفة وفي كافة مجالات النشاط الاجتماعي و السياسي أو الإداري أو التربوي أو الاقتصادي أو الثقافي وذالك منذ بداية استقلال البلاد وذلك بالرغم من أهمية عديد من النقائص والإخلا لات التي تصاحب كل عمل بشري جماعي و فردي. وكان من حسن حض تونس، من وجهة نظري، أن تحلت أغلبية هذه الإطارات بمختلف مستوياتها بالنزاهة وبالتجلد وبالتواضع وبنظافة فكرية ومادية وكل ذلك غالبا في صمت العمل الدؤوب ومع نكران الذات. و لقد كان هدفهم الوحيد راحة الضمير والذود عن المصالح العليا للوطن. فإن لاحظ القاري في هذا الكتاب "تمجيد" فهو اعتراف بالجميل لكل هذه الإطارات العليا و الوسطى وإطارات التنفيذ العاملة والكادحة يوميا في ميدان عملها و التي كانت بمختلف مستوياتها تعتز بأن تكون مجرد خادمة لشعب أبي وبقيت خاصة في الأزمات وفي"سنوات الجمر"بعيدة عن المجموعات التي "تكالبت" على الحكم في البلاد سواءا تلك التي كانت داخل النظام الرسمي أو في بعض المعارضات والمنتقدة للنظام الرسمي. إني سأحاول محادثة القاري عن أشياء عادية ربما لا يعيرها البعض اهتماما كبيرا في الوقت الذي أثبتت التجربة الإنسانية عبر تاريخها إن غالبا ما " يستخرج التحليل أو الفكر الخارق للعادة من التمعن والتمحيص في الأشياء العادية" ‘ « L’extraordinaire sort souvent de l’ordinaire »
فرجائي الأول أن يكون هذا الكتاب من خلال تلخيص للسيرة الذاتية لوالدي و لسيرتي الذاتية مناسبة لذكر و إحياء أسماء البعض من إطاراتنا الأفذاذ الذين أبلوا البلاء الحسن وتفانوا في أدائهم لواجباتهم نحو الوطن و الذين تعرفت عليهم أو كان لي الشرف أن أعمل معهم. وهم النزر القليل من رجالات عدة خدموا الجمهورية التونسية الفتية بجد وعفة وحموها ما استطاعوا من الانعكاسات الخطيرة للانحرافات السياسية التي حدثت في بلادنا وكان عددهذه الاطارات والحمد لله كبير, وذكرهم جميعا يتطلب إعداد موسوعة ضخمة تقتضي عملا مشتركا يغطي كافة مجالات الشأن العام. وغالبا ما ينعت خادمي الجمهورية من طرف الصحافيين بالتيقنوراطيين مع نوع من الاحتقار أحيناعند البعض مقارنة بالسياسي الملتزم و في مثل هذا التفكير، إذا ما ثبت، خطأ إذ إن هؤلاء التيقنوراطيين قد كانوا بحق عمادة المنظومة التحديثية لوطننا خاصة بعد الاستقلال وكان الكثير منهم منخرط عن قناعة صادقة للرؤى الثقافية والاجتماعية والاقتصادية طيلة نصف قرن واضعين خبرتهم ومعرفتهم في خدمة الوطن دون أن يكونوا "مبهرين بالغرب" كما تصوره وكتبه البعض, بل كانوا على بينة كاملة بما في الغرب من نقط ضعف ومساوي وبما كان فيه من نقط قوة خاصة قي المجال التنظيمي والعلمي والتقني.
فرجائي أن أساهم، بالجزء الأول من هذا الكتاب، في إزالة البعض من الأحكام المسبقة التي وردت في بعض الروايات المتعلقة بجوانب من الأحداث التاريخية التي ارتبطت بمساهمة والدي المرحوم الطاهر صفر في مرحلتين من مراحل حركة التحرير الوطنية التي كانت تطمح من خلال تحرير البلاد من المستعمر إلى الإعداد الجاد لبناء مجتمع حديث ومتحضر بحق: "مجتمع الكرامة والحرية والديمقراطية والتضامن" "مجتمع التسامح والاعتدال" يأخذ من تراثه ما هو سليم ويأخذ من الحداثة والإبداع الإنساني ما يكسبه المناعة والقدرة على التقدم الحقيقي والابتكار والإسهام في التخفيف من معانات الإنسان فوق هذه الأرض: وهو نمط المجتمع الكفيل بتحقيق التقدم البشري المستديم والعادل لجميع التونسيين والتونسيات. وهو، في اعتقادي، أنموذج المجتمع الذي يلتف حول مكوناته الأساسية كافة أفراد الشعب التونسي على اختلاف مشاربهم و انتماءاتهم السياسية والاجتماعية وهو بالاساس نموذج المجتمع الذي كان يحلم به كافة المصلحين في بلادنا بدأ بمجموعة خير الدين ومرورا بمختلف مراحل الحركة الوطنية التحريرية و مجهودات النخب التونسية المعاصرة بعد استقلال الوطن وإنتهاءا بالتضحيات الحاسمة لشباب ثورة 14 جانفي 2011 التي مهدت لانطلاق ثورات الحرية والكرامة في مصر ثم في أقطار عربية أخرى.
و أرجوا من وراء نشر الجزء الثاني من هذا الكتاب, أن أتوفق إلى الإسهام في السعي المتواصل للاقتراب من حقيقة بعض الأحداث التي عايشتها أو التي عشتها عند تقلدي لعدد من المسؤوليات التي لم أكن في أغلب الظروف راغبا في تقلدها، ولاكن قدر لله لي أن أتحمل أعباءها في فترات عصيبة من تاريخ وطننا العزيز. و تبقى، بالطبع، كل الأحداث الهامة في حاجة إلى مزيد من التمحيص والتدقيق والتحليل حتى تتغذى الذاكرة الجماعية بكتابة نقية و وتحليل عميق لتاريخنا. فتكتسب هكذا الأجيال الناشئة مزيدا من الخبرة والدراية. و يتكون لهاته الأجيال زاد من تراكم التجارب يجعلها تتجنب الأخطاء التي وقع فيها من سبقها.وحتى يزداد حماس الأجيال المتتالية قوة ومتانة لمواصلة مسيرة تقدم تونس الخالدة بإطلاعها العميق والدقيق على حقيقة مجرى الأحداث وعلى أمجاد الوطن ورجالاته ونضالا تهم وتضحياتهم و كذلك أخطاءهم وصراعهم مع متناقضات الحياة الجماعية وصعوبات الضغوطات العالمية وتصوراتهم للمستقبل والسبل التي سلكوها في عالم بقيت فيه نزعات هيمنة الدول الكبرى بالخصوص وسياسة المكيالين هي القاعدة الأساسية للعلاقات الدولية بالرغم من محاولا ت الإصلاح الفاشلة للمنظومة الدولية بمختلف مؤسساتها التي بقيت تخدم مصلح الدول الكبرى. ويتعين على الأجيال المتلاحقة، وذلك أكثر من أي وقت مضى، الإطلاع الشامل والموضوعي على المنجزات الناجحة وكذلك على الانحرافات و الأخطاء التي حصلت في الماضي لاستخراج العبر واجتناب قدر المستطاع تكرار نفس الأخطاء. ويمثل الإلمام العميق والموضوعي بتراكمات التجارب والمحن التي تعيشها الشعوب أفضل سبيل للإسهام في رفع قدرة المجتمعات على مواصلة تحقيق استمرارية تقدمها شريطة أن لا يقتصر المرء على تمجيد التراث، عملا بما قاله الشاعر الكبير أحمد شوقي:
"ودعوا التفاخر بالتراث وإن غلى- فالمجد كسب والزمان عصام" وهذا ما دعاني لاختيار العنوان الأول لهذا الكتاب:" المساعي المبتورة وترددت في اختيار هذا النعت وكنت أفكر في استعمال عوضا عن المبتورة النعت التالي: المنقوصة" لأن انجازات كل جيل مهما عظمت تبقى منقوصة و في حاجة إلى مجهودات متواصلة ولكن في ما يخصني كانت لي عديد من المجهودات التي وقع بترها بفعل فاعل وبمعارضة داخل النظام ناتجة أحينا عن جهل وأحيانا أخرى عن تضخم المفرط في الأنا أوحسابات سياسية كنت لا أحسن السباحة في مياهها الهوجاء و كنت فيها مثل الخروف الوحيد بين الذئاب. وقد اخترت هذا العنوان بالخصوص لأني أشعر في أعماق نفسي أن جل أعمالي أو مبادراتي في حياتي كانت منقوصة ومبتورة. فلا سبيل في هذا الكتاب لتمجيد للماضي البعيد والقريب بل مساءلة دائمة له لأن مشروع مجتمع الأصالة والحداثة الحق ومجتمع الحرية والكرامة الانسانية لا يكتب له النجاح بالنظر إلى التراث بعيون الأسلاف بل بالنقد الذاتي و بالاجتهاد الخلاق والإبداع وذلك في كل مجالات النشاط البشري. وقد نبهنا الشاعر الشاب أبو القاسم الشابي منذ ثلاثينات القرن الماضي في ما يخص النشاط الأدبي قائلا وهو من وجهة نظري على حق إلى حد كبير:" لقد أصبحنا نتطلب أدبا قويا عميقا يوافق مشاربنا ويناسب أذواقنا في حياتنا الحاضرة..........وهذا ما لا نجده في الأدب العربي - يقصد القديم- ولا نظفر به، لأنه لم يخلق لنا نحن أبناء هذه القرون. وإنما خلق لقلوب أخرستها سكينة الموت..." وصيحة الشابي تنطبق بالطبع على كافة الأنشطة الإنسانية ولا تقتصر على الأدب. واختم هذه التوطئة بمقتطفين جلبا انتباهي :
- يتعلق المقتطف الأول بخصائص" الذاكرة" وهو من تحرير الكاتب التونسي الأستاذ عز الدين المدني الذي يقول في الجزء الأول من كتابه بعنوان:"أيام سعيدة". يقول عز الدين المدني"… والحق أقول إن أمر الذاكرة غريب جدا. فهي لا تعيد إليك إلا بمقدار تارة، وطورا تجود عليك بسخاء لا يوصف! ولكن كيف تعيذ إليك؟ أشياء من حياتك دون ترتيب ولا نظام طبعا. فليس من اهتمامها التسلسل الزمني، كأنها ذات نزوات، وشهوات. عجوز متصابية! تخرج من مجراها أحيانا، تعمق سياقها أحيانا، تتمسك بواديها أحيانا! فها تدرك شيئا بعد ذلك؟...لتنثني، لترجع، لتتوقف، لتجف؟... لتجري من جديد جريان السيول المتضخمة، المفخمة، المهولة، لتقتلع الأشجار، وتجرف التربة، والطين، ولا تبقي إلا فجاج الصخر الناتئة، وقد عمل فيها الزمن كذلك عمله، فتضل آثارا دارسة، و وقائع ثابتة، وحقائق عارية؟! وعلام تذكر شيئا، ولا تذكر أشياء؟ وعلام تضخم شيئا، وتحقر أشياء؟ …." إنه حقا وصف جميل وصادق لنزوات الذاكرة الإنسانية يدعو كاتب المذكرات إلى الحذر من منزلقات ذاكرته وخاصة من "سيول التضخيم والتفخيم". -وإما المقتطف الثاني فهو من " يوميات منفي" كتبها والدي المرحوم الطاهر صفر في فترة إقامته الجبرية بجرجيس في أوائل سنة 1935 قبل أن يزج به في سجن برج البوف من أفريل 1935 إلى أفريل 1936 . يقول والدي:"فللمذكرات مزايا تربوية كبيرة لأنها هي التي تمكننا في مختلف مراحل حياتنا من أن نتبين الوضع- إن صح القول- فنلقي نظرة تأمل على الطريق التي قطعناها ونقدر مدى أغلاطنا وأخطائنا وأثرها وبناء على ذلك يقع إدخال التعديلات اللازمة على سلوكنا وغرائزنا." و يشير والدي في هذه الفقرة بالخصوص إلى المذكرات التي يسجلها الإنسان الحكيم في مختلف مراحل حياته حتى يعمق الحوار، أساسا، مع نفسه وحتى يدخل التعديلات على سلوكه لاجتناب تكرار الأخطاء التي تحدث الضرر لنفسه ولغيره من الناس. ولا يقصد والدي تلك المذكرات التي تكتب في خريف العمر، فتارة تفيد إذا كانت وفية ونزيهة، وتارة تبقى مجرد محاولة لتبرئة الذمة وتلميع الصورة على حساب الغير، وتنطلي أحيانا على القاري البري الذي لم يعش الأحداث ولم يتمكن بعد المختصون في التاريخ من إنارة سبيله بالقدر الكافي وبالتعمق في تحليل الأحداث التاريخية بالأساليب العلمية وإعتمادا على مصادر ثابتة وكذلك في إبراز ملامح شخصية ونفسية وأخلاقيات الفاعلين في التاريخ انطلاقا من معطيات صحيحة وبراهين لا سبيل للقدح أو الطعن فيها. وبالقياس على ما قاله أحمد شوقي بالنسبة للأخلاق يمكن أن ننسج على منواله ونقول :
" إنما الأمم الذاكرة النقية ما بقيت × فإن فقدت نقاوة ذاكرتهم ذهبوا" ثم لنتذكر دوما مقولة عبد الرحمان ابن خلدون الشهيرة والبليغة والتي ستبقى دوما على مدى العصور صالحة للتعريف بأسلوب التحقيق التاريخي السليم " إن التاريخ في ظاهره ينم عن الإخبار و في باطنه نظر وتحقيق"وأضيف ويكون التحقيق دوما متواصلا ومتجددا لإعادة كتابة التاريخ على ضوء المكتشفات الجديدة والوثائق المفتوحة بعد مرور الزمن القانوني. وقد يستفيد القاري من عديد المؤلفات القيمة التي صدرت مؤخرا ومنها كتب مقارنة في كتابة التأريخ مثل كتاب الدكتور إدريس العباسي المختص في التاريخ المعاصر وعنوانه "بين بورقيبة وحنبعل" وعنوانه الفرعي "الهوية التونسية والتاريخ منذ الاستقلال". وقد صدر باللغة الفرنسية سنة 2005 بدار نشر "كرتلى".
وأخيرا أريد إن أعبر عن قناعتي القوية بصحة ما أتى به الأستاذ والمفكر عياض بن عاشور في مقال كتبه تحت عنوان " قميص يوسف" أوضح فيه مسألة بالغة الأهمية هي مسألة " البينات" التي يظن البعض أنها ليست جوهرية وأساسية إلا بالنسبة للقانون والقضاء في الوقت الذي يمثل فيه مبدأ "البينة على من إدعى" شرطا أساسي وضروري في ممارسة جل الأنشطة والعلوم والبحوث وفي كاتبة التاريخ وبالخصوص المذكرات التاريخية.

رشيد صفر 25.03.2011















تمهيد يبرز نقائص المذكرات بصفة عامة من خلال مثال روايتان لنفس الحدث.


سيجد القاري الكريم في ما يلي

نموذج من رواية لنفس الحدث نقلا عن مذكرتان:

رواياتان مختلفتان في البعض من عناصرها للقاء الذي جمع بين الزعيم الحبيب بورقيبة رئيس الحزب الحر الدستوري وادقار فور رئيس الحكومة الفرنسية في "قصر ماتنيون" بباريس يوم 21 أفريل 1955





رواية الرئيس الحبيب بورقيبة كما وردت في خطابه في قصر قرطاج يوم 12 أفريل 1973أمام أعضاء مجلس النواب كما أوردتها جريدة الصباح في عددها يوم 14 من نفس الشهر.

" يقول الرئيس الحبيب بورقيبة: .... فالفرنسي في تونس ليس إلا أجنبيا في بلاد أجنبية والحكومة التونسية مسؤولة عن مصالحه وأمنه وقلت له: بوسعك أن تذكر لرئيس الحكومة الفرنسية إنكم قبلتم تلك النقطة لكن بورقيبة رفضها. ففعل وعند ذلك قرر ادغار فور أن يتفاهم مع بورقيبة واستقبلني رسميا في قصر ماتينيون قائلا ما الفائدة في ان نظل في التفاهم مع الوزراء بينما بورقيبة صاحب الحل والعقد بعيدا عنا وتواصل الاجتماع ساعة و نصف الساعة على انفراد بين رئيس الحكومة الفرنسية صاحب السلطة في فرنسا في ذلك الحين- وهو اليوم على قيد الحياة- وبين رئيس الحزب الدستوري الماسك بقوة الشعب التونسي واستمرت المواجهة بيننا طوال ذلك الوقت الذي شعرت فيه بعظم المسؤولية, إذ لا بد أن نخرج من الاجتماع بأحد أمرين فإما الحرب وأما السلم. وفكرت في الاختيار بين ملازمة موقف ثابت والرجوع إلى الكفاح أو الرجوع بالسلم وقد كنت مستعدا للعودة للكفاح وفدم لي رئيس الحكومة الفرنسية عرضا مغريا يتلخص في قبول فرنسا لنقطتين من النقاط الأربعة التي كانت محل الخلاف على أن نتولى نحن اختيارها من بين النفط الأربعة وقد بدا العرض مغريا لأول وهلة إلا أنني راجعت في نفسي النقاط واستعرضتها واحدة تلوى الأخرى: البلديات الأربعة ومناطق الجنوب ومسألة القضاء.... وفكرت وقدرت فأبى اجتهادي قبول اي منها فقلت: لاني أرفض النقاط الأربعة برمنها وهنا تدركون معنا الزعامة وتقدير المسؤولية فهنالك مواقف تفترض وجود فكر و توفر رباطة الجأش وبينما نحن كذلك إذ خطرت لي فكرة عابرة جعلتني أقول في نفسي: لم لا اثبث على موقفي فمن المستحيل أن يدعني رئيس الحكومة الفرنسية واخرج من المقابلة فارغ اليدين إذ يصعب عليه ما دام هو الذي طلب المقابلة لأن تكون نتيجة اجتماعه معي سلبية وذلك حفاظا على سمعته, وادرك ثبات موقفي فنهض إلى مكتب بالقرب منه واخذ ورقة كتب عليها الفضل الثالث: يتعهد الطرفان بإحداث لجنة في مصالح الفرنسيين في تونس ومصالح التونسيين في فرنسا, وخاطبني قائلا هل ترضى بهذا العرض ونتنازل لك عن النقاط الأربعة, فقبلت الأمر وأجبت: نعم أقبله. وعمدت إلى عدم مناقشة ولو في النص مخافة إن نندرج في نقاش حول احدى العبارات فينقلب الأمر ثانية إلى المفاوضات من جديد بل قلت الآن بلغنا الأمور الهامة الجديدة التي تفتح المجال لمستقبل التعاون بين تونس وفرنسا وتجاوزنا الأمور التافهة التي لا تغني شيئا, وشكرته فقال لي حسنا لقد انتهينا وودعني. وعند خروجي من قصر سألني الصحافيون المتجمعون في الساحة عن المقابلة فأجبتهم بأن الأمور عادية واستفسر وني هل تم الحديث عن النقاط الأربعة فقلت لهم: إننا تكلمنا عن مستقبل العلاقات بين بلدينا والآفاق المتسعة التي ستفتح أمامنا وأعتقد أن السيد محمد المصمودي يتذكر بدون شك تلك الفترة التي عاشها بنفسه....."


رواية ادقار فور في مذكراته الجزء الثاني طبعة سنة 1984 دار النشر " بلون" ص 191إلى ص 196

أقدمها باللغة الفرنسية كما حبرها صاحبها


“ ….Et d’abord, il fallait donner une réponse à la requête de Bourguiba, dont l’accueil conditionnait la conclusion des accords . ……il fallait prévoir pour le leader du Néo-Destour une réception officielle, exonérée du péché de clandestinité. Et cela, non pas seulement pour protéger le gouvernement contre certaines critiques ; mais afin d’obtenir l’effet psychologique le plus favorable sur l’intéressé lui-même et sur ses amis tunisiens………L’audience fut signifiée pour le jeudi 21 avril à seize heures. Habib Bourguiba vint à pied, les gardes républicains le saluèrent, le conduisirent au perron- ses rapports avec les hommes porteurs d’uniformes avaient jusque-là, présenté le plus souvent un autre caractère – puis le confièrent à l’huissier quipu fit gravir le grand escalier et prendre place dans le salon blanc. Un instant après je sortis de mon bureau e je m’avançais à sa rencontre. Habib Bourguiba a souvent rappelé par la suite la forte émotion qu’il avait éprouvée du fait de cet accueil qui lui accordait la considération et sauvegardait l’exigence si impérieuse chez lui de la dignité. Je lui offris une cigarette. Il ne fumait pas, je lui proposai un thé, il déclina.Je ne me tins pas pour battu et lui demandait sil lui conviendrait de prendre un café ; ce qu’ »il accepta avec joie. J'ai commandai deux tasses et l’entretien commença sur un ton détendu.
C’était la première fois que je voyais le Combattant suprême dont je ne connaissais à ce jour par les photos que l’image d’un homme dressé dans la frénésie de la harangue. Je fus frappé par le contraste de son teint très mat et de ses yeux clairs, sa mâchoire donnait une impression de force et son sourire indiquait une nature sensible.
………………………………………………………………..
Notre conversation trouva d’emblé son point d’harmonie : nous avions l’un et l’autre fréquenté à la même époque la faculté de droit de Paris ; quoique avec un certain décalage entre nos années de scolarité. Nous nous souvenions des mêmes professeurs. Je lui parlai de son compatriote Tahar Sfar qui collectionnait les prix de fin d’année ou je récoltais des honorables accessits. Tahar sfar n'avait pas retrouvé sa carrière professionnelle le rythme bondissant qui l'avait soulevé dans ses études. Avocat à Tunis il végétait car les grandes causes vont dans les cabinets français. Nous devons être reconnaissant à la France ; dit Bourguiba, qui nous ouvre l’accès à la culture mais aussitôt après l’inégalité des chances apparait. Certains la ressentent cruellement.
Bourguiba ne s’était pas attardé à de telles nostalgies. Le militantisme politique l’avait aussitôt happé.
A notre rendez-vous suivant ; Habib Bourguiba apporta joyeusement une petite photographie d’assez petites dimensions ou se trouvait représentait un groupe d'étudiants de notre époque. A cause du format, les effigies n’étaient pas facilement reconnaissables et il avait cru identifier la mienne. Apres un long examen je fus obligé de conclure par la négative. Certains hommes d'Etat jugent qu’ils perdent leur temps dans les entretiens quand ils ne vont pas droit au sujet. Je pense comme Flaubert que la rencontre d'une âme inconnue est une des joies les plus sures de la vie. Et de surcroit la tonalité des relations personnelles n'est pas négligeable du point de vue de l’efficacité.
Ainsi, dans ce cas précis, nos propos d’anciens camarades d’études me fournissaient-ils à point nommé, l’opportunité d’aborder un sujet qui me tenait à cœur.
J’attendis, cependant, que nous ayons défriché le terrain ; en récapitulant les différents points notables que contenait le tout dernier texte des conventions. Bourguiba approuvait les positions qui avaient été prises par les ministres, lesquels, bien évidemment, n’agissaient que sur son accord. Sa présence aujourd’hui n’avait d’autre but que de souligner sa qualité de « décideur » au sommet, corollaire évident du titre de Combattant suprême ; et de lui laisser le mérite de lever les quelques réserves qui avaient été maintenues jusque-là à cet effet. Moi-même je disposais d’une marge pour quelque ultime concession de dernière heure. Tout ce travail fut accompli à deux sans appel à aucun collaborateur.Je pris alors une « grande inspiration » ; « Il est temps, dis-je ; pour des hommes comme nous, de survoler le détail ; de prendre une vue générale d'un type nouveau de relations, qui peut se substituer au rapport « dominateur-dominé ».
Je me référai au projet qui avait été élaboré par François Mitterrand ; à ma demande, à l’époque de mon premier gouvernement de 1952.Il s’agissait d’une construction hardie ; permettant des combinatoires de statuts sans concession de souveraineté ni cumul de nationalités : pourquoi le droit serait-il toujours en retard sur les problèmes ?
Bourguiba de par sa nature chaleureuse et l’aspect visionnaire de son intelligence ; était précisément l’homme qui pouvait saisir une telle ouverture ; parce qu’il aurait pu aussi l’inventer lui-meme, et si nous nous mettions d’accord, en vérité elle nous appartiendrait en commun. Le cas de Tahar Sfar, que nous venions de citer, fournissait un exemple typique pour justifier cette conclusion partagée. « Il aurait pu, dis-je, poursuivre en France une grande carrière administrative, ou scientifique ou professorale, » « Je pense, remarqua Bourguiba, que la Tunisie moderne offre des débouchés aux savants et aux administrateurs mais de façon limitée. Il est bon, d’autre part, que des Français puissent vivre ou venir chez nous sans se sentir expatriés/ La formule me plait, car elle élargit les perspectives ; elle n’en ferme aucune, elle ne comporte pas de sujétion…….Je mis aussitôt la main ç la plume pour donner une figure concrète à notre pensée, qui pouvait dés lors apparaitre comme la formulation immédiate d’un concept élaboré en commun
Ainsi vit le jour cet article 6 qui connut quelque notoriété……. »

يستطيع الباحثون والمؤرخون المقتدرون استخراج ما هو أقرب من الحقيقة حتى من مثل هذه الروايات المختلفة لحديث دار بين رجلين كان على انفراد وبدون شهود.

                                                                الجزء الأول

                                                                     
                                                             ذكريات عن الأجداد
                                                                       
                                                          وعن والدي الطاهرصفر
                                                                    

                                                             الباب الأول
                                  



                                                          ذكريات موجزة عن الأجداد


"لا بقومي شرفت بل شرفوابي×وبجدي فخرت لا بجدودي"

المتنبي




                                 جدي من الأب مصطف صفر- جدي من الأم محمدصفر
                                       ( 1865-1954 ) ( 1860-1951 )
                                                                         

                                                        




كان جدي من الأم "محمد صفر" يقول لي وأنا لم أتجاوز العاشرة من عمري، إن العائلات التي تحمل لقب "صفر" والمتواجدة بالمهدية أو بالعاصمة تونس ينحدر جميعها من أصل تركي.
وكان يضيف لي: ـ وهو يتفحص في ورقة مصفرة اللون، ملتوية وطويلة جدا، تشبه أوراق العقود القديمة للملكيةـ إن كل هذه العائلات متفرعة عن أب واحد وهو قائد عسكري تركي، يحمل لقب "صفر" وأتى مع الأفواج الأولى من الجنود الحاملة الأولية العثمانية والتي حاربت الأسبان عندما غزوا بلادنا وعاثوا فيها فسادا و وجلبوا إليها الدمار ونالت مدينة المهدية نصيبها من هذه الوحشية إذ هدموها كما هدم الرومان مدينة قرطاج. وكان جدي محمد يؤكد لي أن اللواء مصطفى صفر(1822ـ1885م) أب الوطني والمصلح المعروف محمد البشير صفر (1863ـ1917م) قد ولد مصطفى صقر بالمهدية وهو ابن عم والده الحاج على صفر التركي. وكانت الوثيقة الطويلة التي شاهدتها بأيدي جدي محمد وأنا صغير السن بمثابة "شجرة" تسلسل عائلات "صفر" على مدى قرنين تقريبا، ولكن مع الأسف أتلفت هذه الوثيقة مع كثير من الوثائق الأخرى بعد وفاة جدي محمد الذي كان أحيانا يعربد على أحفاده بكلمات باللغة التركية لا نفهم منها شيئا وذلك عندما كنت صبيا ألتقي مع بقية أطفال العائلة في منزله "ببرج الرأس" بالمهدية وكنا نضجره بضجيج لعبنا وصياحنا في "صحن الدار".وقد علمني جدي محمد بعض الكلمات التركية وبقيت أتذكر كلمة" فرماتعليك"وهي تعني" بارك الله فيك". وتوجد إشارة قصيرة إلى إقامة قائد عسكري تركي اسمه "صفر" بتونس العاصمة في النصف الثاني للقرن السادس عشر ميلادي،وذلك في كتاب أحمد بن أبي الضياف " إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان" في طبعته الجديدة والأنيقة من طرف وزارة الثقافة سنة 1999 إذ يخبرنا أبي الضياف في الجزء الثاني من المجلد الأول بالصفحة عدد 28 عن الملبسات التي تعرض إليها "الداي صفر" وذلك بعد أن تعرض المؤرخ إلى التدابير التي اتخذها القائد و وزير الدولة العثمانية " سينان باشا" بمدينة تونس، بمجرد تحريرها من الاحتلال الأسباني وقبل مغادرتها راجعا إلى استنبول فيقول مؤرخنا، بعد الحديث عن ما سمي " بواقعة البلكباشية" التي فتك فيها الجند بكبار أعضاء مجلس " الديوان" بالعاصمة التونسية: " وبعد ذلك حضر الباشا والباي وأعيان العسكر، عقدوا ديوانا أجمع رأيهم فيه على تقديم رجل من أمراء العسكر الملقبين بالداي للنظر في أحوال العسكر وحفظ الحاضرة، فقدموا الداي إبراهيم رودسلي فبقي ثلاث سنين ولم يستقل بالكلمة،فطلب الخروج لفريضة الحج.ولما قضى فريضة الحج رجع لبلده "رودس"واستقر بها.ولما خرج للحج قدموا الداي "موسى".ورام الاستبداد بالأمر فلم يتم له، فمكث نحو سنة، ثم طلب الخروج للحج. ولما أذن الديوان بالخروج بعثوا له أن لا يرجع للبلد". ويواصل أبي الضياف فيقول:" وتنازع الأمر "عثمان" داي و "صفر" داي، فذهب كل منهما إلى منزله وتقلد سلاحه، وأسرع عثمان داي حتى جلس عند باب القصبة واجتمع عليه أصحابه، فأقبل صفر داي فبعث له عثمان من رده وأمره بالخروج من الحاضرة، فسار إلى ناحية الجزائر، ثم رجع أيام "يوسف" داي، وله عقب لهذا العصر".
ويقول كذلك حسن حسني عبد الوهاب في كتابه "خلاصة تاريخ تونس" عندما يتكلم عن الداي عثمان:" هو من أفضل الجند القادمين صحبة سنان باشا،كان ذا حرم وعقل ودين، استقل بوظيفة الداي سنة1007ه/1598م وشمر عن ساعد الجد لتمهيد الراحة،فسن قوانين المساواة بين الرعايا تعرف" بالميزان"
فهل يكون " صفر داي" الذي انسحب أمام "عثمان داي" دون إراقة الدماء، حسب رواية أبي الضياف، هو أب كافة عائلات صفر التي أصبحت بمرور الزمن تونسية لحما ودما بفروعها المتعددة ؟
وهل يكون اللواء مصطفى صفر الذي ولد بالمهدية حوالي سنة 1822م ثم التحق بالجندية سنة 1842م في العاصمة وارتقى في الرتب حتى أصبح لواءا،ثم وكيل لوزارة الحرب في عهد الصادق باي،قبل انتصاب الحماية الفرنسية،قلت هل يكون هذا الرجل من سلالة "الداي صفر" ذلك القائد العسكري الذي استقر بتونس في بداية القرن السابع عشر ميلادي في عهد "يوسف داي" بعد أن غادر العاصمة اجتنابا للفتنة وإراقة الدماء في عهد "عثمان داي"؟ و "يوسف داي" كان قائدا صاحب "عقل ودين" حسب رواية مؤرخنا الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب مما شجع "صفر داي" على الرجوع إلى تونس والاستقرار بها .
قد يكون ذالك، خاصة إذا كانت المعطيات التي مدني بها جدي محمد صفر صحيحة. وقد قال لي السيد الجيلاني صفر، أحد أقاربنا، بعد رجوعه من تركيا وقد أقام فيها سنوات عديدة وهو سفير لتونس أثناء العشرية الأولى بعد استقلال بلادنا:" لقد بحثت، في مختلف المقاطعات التركية، عن آثار لعائلتنا عند إقامتي بأنقرة، ولكن بدون جدوى...." فقد يكون "الداي صفر" قد غير اسمه الأصلي منذ أول فترة تواجده بتونس وذلك في أواخر القرن السادس عشر مسيحي، فأختار لقبا مشتقا من اسماء الأشهر العربية ، لأنه أراد منذ ذلك الحين الاستقرار في تونس واختار الانتماء الكامل لوطنه الجديد.تبقى كل هذه الاحتمالات مجرد فرضيات في غياب الوثيقة التي كانت بين أيدي جدي محمد صفر و التي أتلفت من طرف بعض أفراد العائلة الذين كانوا يعيشون في بيت جدي عند وفاته.
وبالرجوع إلى وثيقة مخطوطة بها مجموعة من الصور العائلية القديمة كان قد رتبها عمي أحمد صفر الذي باشر العمل بالتعليم كمعلم ثم كمتفقد لتعليم اللغة العربية في السنوات الأخيرة من عهد الاستعمار، يكون جدي محمد صفر قد ولد بالمهدية في شهر سبتمبر من سنة 1860م أي قبل حوالي واحد وعشرون سنة من انتصاب الحماية الفرنسية في بلادنا، وسنة 1960م معروفة تاريخيا بأنها السنة التي تفاقمت فيها ديون البلاد التونسية اذ بلغت تسع عشرة مليونا ريالا ( أحد عشر مليونا فرنكا تقريبا ) أي ما يساوي دخل سنة عادية من الميزانية التونسية. معنى ذلك ان جدي قضى شبابه وتونس كانت في فقر كبير "حسا ومعنا" من جراء سوؤ تصرف الباي و وزيره الأول مصطفى خزندار وقابض المال العام محمود بن عياد (1810-1880) الذي هرب سنة 1852 الى فرنسا حاملا معه 60 مليون فرنكا في الوقت التي كانت تبلغ فيها الميزانية التونسية عشرة ملايين فرنكا تقريبا.و والد جدي محمد صفر هو: محمد ابن الحاج علي ابن الحاج فرج ابن علي ابن الحاج محمد ابن على ابن صفر التركي. وتوفي والد جدي محمد، الحاج علي صفر التركي يوم 9أوت 1862 بمدينة بنزرت، وابنه لم يتجاوز سنه السنتين، ودفن بمقبرة الوالي سيدي بوحديد في نفس المدينة ولا أعلم ماذا كان يفعل والد جدي في بنزرت في تلك الفترة.
و عين الحاج محمد ابن حسن ابن الحاج محمد صفر زوج خالة جدي محمد( واسمها صالحة) بكفالته وكفالة أخويه محمود وسالم. وكان جدي محمد صفر من تلاميذ الفوج الأول الذي زاول تعليمه بالمعهد الصادقي الذي أسسه الوزير الأول المصلح الشهير خير الدين باشا بمقتضى الأمر "العلي" المؤرخ في13 جانفي سنة 1875م وكانت تسميته الأولى"بالمكتب الجديد" قبل أن يعرف "بالمدرسة الصادقية" وكان المدير الأول لهذا المعهد السيد محمد العربي زروق، وهو الذي أمضى على شهادة استحسان منحها لجدي و قد شاهدتها بنفسي معلقة في إطار على حائط مكتبه بالمهدية وقد كتب عليها " منحت هذه الشهادة من اجل سيرته الحسنة واجتهاده". ويعلم الجميع أن محمد العربي زروق كانت له رباطة الجأش والشجاعة القوية التي جعلته يصدع على الملأ بمعارضته لانتصاب الحماية الفرنسية على تونس مما أجبره على الهجرة سنة 1882م وكأنه بهذا الموقف النبيل، أعطى إشارة وطنية واضحة ورسم "رسالة الطريق" إلى كل الأجيال من التلاميذ الذين سيتعاقبون طيلة الاستعمار الفرنسي في المعهد الصادقي ثم في المعاهد الأخرى بسوسة و صفاقس التي أحدثت بها ما سمي "بالأقسام التونسية" نسجا على برامج الصادقية ابتدءا من نهاية الأربعينيات في القرن العشرين.وقد وقع فعلا تجسيم هذه الرسالة بقوة من طرف التلاميذ والطلبة بالخصوص في المرحلة الحاسمة ( 1952-1955)التي توجت باستقلال تونس. واصل جدي محمد صفر تعليمه بالمعهد الصادقي من سنة 1875م إلى سنة 1877 و كان ذلك في نفس الفترة التي تواجد فيها قريبه التلميذ النابغ محمد البشير ابن مصطفى صفر ( كان سن جدي محمد صفر لا يفوق سن البشير صفر إلى بسنتين تقريبا) الذي التحق كذلك مبكرا بالمعهد الصادقي قبل أن يواصل سنة قبل الحماية تعليمه بباريس بمعهد "سان لوي" وكان هكذا محمد البشير صفر أول رئيس بعثة طالبية تونسية تواصل التعليم بباريس ولقب في ما بعد ب " الأب الثاني للنهضة التونسية" كما بين ذلك الشيخ محمد الفاضل بن عاشور في كتابه "تراجم لأعلام".كانت في تلك الفترة مواد الدروس في المدرسة الصادقية تتضمن إلى جانب، مجالات الثقافة الإسلامية العربية وتعليم اللغة العربية والتاريخ الإسلامي والأخلاق، تعليم اللغات الأجنبية كالفرنسية والإيطالية مع تدريس كذلك التاريخ العام والجغرافية العامة والرياضيات والعلوم الطبيعية والكيمياء... ولم يكن جدي محمد صفر نابغة مثل قريبه محمد البشير صفر فلم يستكمل تعليمه في الصادقية وانتقل إلى جامع الزيتونة ابتدءا من سنة 1878م حيث تعلم بالخصوص علوم الشريعة الإسلامية.
وفي شهر جويلية 1880م( بضعة أشهر قبل انتصاب الحماية الفرنسية على بلادنا) أنتدب جدي كاتبا مع عامل الساحل المقيم بتونس محمد البكوش ثم مع خلفه حسونة الجلولي.
وفي سنة 1884م أنتدب جدي كاتبا مع عامل الأعراض يوسف الليقرو بقابس وانتقل إلى مكثر سنة 1886م حيث عمل بنفس الخطة مع العامل حميدة ابن أحمد ثم تمكن من انتقال سنة 1888م إلى مسقط رأسه المهدية ككاتب مع العامل صالح عبد الوهاب والد المؤرخ المعروف حسن حسني عبد الوهاب. وتزوج جدي محمد في السنة الموالية بزوجته الأولى فاطمة ابنة مصطفى ابن الحاج محمد صفر وأنجب منها سنة 1890م ابنا سماه الطاهر توفي بعد ثلاثة أشهر ثم ولد ابنه الثاني سنة 1893م وسماه البشير ( سيصبح في ما بعد الدراسة البشيرابن محمد صفر من أول مجموعة تونسية لقباض إدارة المالية و غالبا ما يقع خاصة أبناء المهدية في غلط إذ لا يفرقون بينه وبين محمد البشير ابن مصطفى صفر الذي أصلح جمعية الأوقاف في العاصمة وكان له الفضل في الإسهام في بذور حركة تحرير الوطن وقد لقب بالأب الثاني للنهضة التونسية). ثم ولدت لجدي محمد على التوالي ثلاث بنات الشاذلية (1897) وفطومة (1899) وصالحة (1904) وهي التي ستكون والدتي كما سنرى في ما بعد. وانتقل جدي محمد سنة1892م إلى بلدة سوق الخميس في شمال البلاد ككاتب مع العامل حسونة الزواري. وفي سنة 1894م عين جدي محمد لخطة شاهد عدل ببلدة غار دماء قرب الحدود الجزائرية. وعاد محمد صفر للمهدية ليعمل كشاهد عدل سنة 1905م وكان جليسه وزميله في نفس المكتب المتواجد بالمدينة الفاطمية "ببرج الرأس" شاهد العدل جدي من الأب مصطفى صفر. وتزوج جدي محمد سنة 1906م بزوجته الثانية خدوجة بنت عمر ابن نصر البلدي وهي أصيلة سوق الأربعاء( مدينة جندوبة الآن) وذلك بعد مرض مزمن أقعد زوجته الأولى فاطمة.وأنجب جدي محمد من زوجته الثانية أربعة بنات هن على التوالي: حبيبة، وحسيبة، و زبيدة، و منى.
وقد ولد جدي من الأب مصطفى ابن علي ابن حسين ابن مصطفى صفر بالمهدية سنة 1865م أي سنة بعد انطلاق الثورة التي سميت بثورة علي ابن غذاهم وكان هكذا جدي مصطفى أصغر من جدي محمد بحوالي خمس سنوات وتوفي والده علي صفر في سنة 1869م وابنه الوحيد لم يتجاوز الأربع سنوات وقد سهر على تربية جدي مصطفى جده الحسين و والدته لطيفة.واصل جدي مصطفى تعليمه في جامع الزيتونة ولم يمر كما مر جدي محمد بالمدرسة الصادقية وباشر شغله الأول ككاتب بالمهدية مع" القايد" صالح عبد الوهاب سنة 1892م أي احدى عشر سنة بعد انتصاب الحماية وفي نفس الفترة التي انتقل فيها جدي محمد من نفس هذه الخطة إلى سوق الخميس كما سلفت ذكره. وأصبح جدي مصطفى سنة 1905م عدل إشهاد جليسا لجدي محمد بمكتب اشتركا في شراءه بالمدينة العتيقة بالمهدية. وتزوج جدي مصطفى سنة 1896م وسنه يقارب الواحد و الثلاثين بابنة خالته عائشة أبنت الحسين ابن عبد الله التركي وهي في التاسع عشر من عمرها وأنجب منها على التوالي في سنة 1897 طفلا سماه محمد توفي سنة1900 وطفلا سنة 1901سماه الصادق وطفلا سنة 1903سماه الطاهر ( وهو والدي) ثم أنجب طفلا أخر سنة 1905 سماه أحمد تلته ثلاث بنات :فاطمة سنة 1906 و المنوبية سنة 1909والشاذلية سنة 1910ثم ولد ابنه الأخير سنة 1912 وسماه الطيب. وترجع أهم ذكرياتي المتعلقة بجدي مصطفى وجدي محمد إلي فترة إقامتي بالمهدية قادما من العاصمة مع والدتي وأختي الكبرى زينب وأختي الصغيرة نجاة بعد نكبة وفاة ولدي المفاجئة سنة 1942م وأنا طفلا لم أتجاوز التاسعة من عمري. وبدأت مصائب الدنيا تأثر في نفسي. ولكن صغر سني وصدمة وفاة والدي لم يمنعاني من اكتشاف أهم مميزات شخصية جديا الشيخان: -شخصية جدي مصطفى وهو في السابع و السبعين من عمره.
-وشخصية جدي محمد وهو في سن الثانية والثمانون.
كنت أتردد عليهما سنة 1943 في أوقات فراغي وهما في وضع المتقاعدين عن العمل وبقيا يأتيان إلى مكتبهما الذي تحول إلى شبه النادي أو بالأحرى " المقعد"، كما يسمى بالمهدية، وهو محل مخصص للالتقاء والمجالسة مع الأصدقاء والمعارف لتبادل الأخبار و الآراء ومطالعة الصحف. وزادت معرفتي لجدييا من سنة 1944 إلى سنة 1946 لما اعتكفا بمنزليهما و أصبحا قليلي التجول والخروج إلى المدينة. وكانت والدتي تقيم بنا بالمهدية تارة بدار جدي محمد "ببرج الرأس" في المدينة العتيقة أو في الصيف بداره الثانية الكائنة في بستان بقرية رجيش بضاحية المهدية، وتارة أخرى نقيم بدار جدي مصطفى، المتواجدة بمنطقة "الرمال" قرب " زويلة" المنطقة المشهورة في عهد عبيد الله المهدي الفاطمي بتخصيصها لإقامة "العامة" من القوم في حين كانت المدينة المحصنة مخصصة لإقامة الأعيان المقربين من المهدي و كذلك للجنود.
تمكنت بهذا التداول على مكان الإقامة طيلة سنوات دراسة الابتدائية في المهدية من الاستفادة قليلا بتربية الجدين ومن التعرف عليهما عن كثب في حياتهم اليومية ومن خلال معاملاتهم للأهل والأقارب ومن خلال حديثهم ومعاملاتهم لزائريهما التي كنت أحضرها أحيانا. كان جدي محمد متوسط القامة، ابيض البشرة، نحيل الجسم نسبيا وأزرق العينين وكان صعب الميزاج، نوعا ما، مع تعلق قوي بالمثل العليا والقيم الأخلاقية التي كان يتصور أنه من ضروري أن تتواجد في كل من يتعامل معه.وكان ذا شخصية معقدة فيها مزيج – يبدو غريبا لمن لا يعرفه عن كثب- من الشدة والتصلب الظاهري ومن العطف والحنان الصادق الباطني الذي كان قليلا ما يعبر عنه أو يتركك تكتشفه.كان يبدو قاسيا وصلبا إلى ابعد الحدود، حتى مع أبنائه وبناته، عندما ينفعل وينفجر صارخا بالخصوص إذا تصور أو فهم من مخاطبه الكذب أو النفاق أو عندما يتضح له أن ما أتفق عليه مع مخاطبه لم يتم. ولكنه كان سرعان ما يهدأ وكأن لا شيء قد حدث ولا يضمر حقدا لمن صاح عليه بل يعبر بطرافة غير مصطنعة عن مشاعر التقدير أو المودة التي تنبي عن احترام عميق في نفسه نحو الآخر. وكان كل من يعرف طباعه، من العائلة أو من المعارف، يتجنب الوقوع في ما يغضب جدي محمد ويجلب انفعاله. كان جدي محمد محافظا على التقاليد السليمة لدينا الحنيف وللحضارة الإسلامية بدون تزمت وبدون إفراط. وكان متفتحا على مستجدات العصر في أفكاره و في حياته و في سلوكه وفي تربية أبنائه، وبصفة عامة، كان سباقا في تفتحه للحداثة مقارنة بتصورات أقرانه بمدينة المهدية. فكان أول "مهدوي" يسمح لبناته مزاولة مدرسة البنات بمجرد ما فتحت في المهدية.كان جدي محمد رحمه الله يحب الانضباط والنظام وكان متشددا في كل ما هو متعلق بالأخلاق وعفة النفس والنظافة الفكرية و البدنية و هو متفتحا على كل ما يتعلق بالمعرفة وسبل التملك منها بما في ذلك حدق اللغات الأجنبية. وقد تعلم نصيبا بسيطا من اللغة الفرنسية والإيطالية لأنه لم ينهي دراسته بالمدرسة الصادقية مثل قريبه المصلح والوطني محمد البشيربن مصطفى صفر. وكان جدي محمد يآخذ نفسه على نسيان هذه اللغات الأجنبية التي تعلم منها النزر القليل ثم لم يواصل ممارستها.وكان جدي محمد، كما بينت سالفا، أول مسلم بالمهدية يتجاسر على تسجيل بناته الصغار سنة 1910 بمجرد ما انبعثت أول مدرسة ابتدائية فرنسية للبنات وذلك لإيمانه الراسخ بضرورة تعليم الفتيات، قبل أن يطلع على كتاب الطاهر الحداد،على أن يكون برنامج تعليم الفتاة يتوخى نفس الأسلوب العصري الذي يتعين أن يتعلم به الذكور وذلك خلافا لما كان يعتقده جدي مصطفى الذي لم يعلم بناته الثلاث إلا القرآن.وبقدر ما كان جدي محمد عصبي الميزاج مصارحا بحماس مخاطبه بعفوية عن كل ما يخالج نفسه.... بقدر ما كان جدي مصطفى كثير الاتزان وقليل الكلام ويجتنب المجادلة ويميل أكثر إلى الاستماع من الآخر. وكان حذرا لا يقدم على الدخول في جدل مع جدي محمد خاصة إذا كان يعرف مسبقا مدى التباين معه في الآراء بالنسبة لموضوع يكون فيه مجال للجدل.فكان هكذا بين الجدين نوع من التعايش السلمي رغم الاختلاف الكبير في الآراء وفي الميزاج وفي الشخصية. وكان جدي مصطفى كامل القامة، أسود العينين، وبدينا مقارنة بجليسه محمد صفر الذي كان قصير القامة ونحيل الجسم وأزرق العينين. وكان جدي مصطفى مولعا بكتاب "كليلة ودمنة" وبكتب تفسير القرآن وبمجلة " تونس المصورة" للشاعر والصحفي أصيل مدينة المكنين سعيد أبوبكر, في حين كان جدي محمد مولعا بابن خلدون وكان يردد لي مرارا " بالتملك بالمعرفة وبكسب العلوم الجديدة سنستطيع، بعد أجيال، تحقيق الفوز على النصارى ولا خوف علينا من الذوبان بفضل تمسكنا بالمثل الأخلاقية لديننا الحنيف..." ولست أدري هل كان جدي محمد قد اطلع وقرأ كل ما كتبه المصلحون مثل خير الدين باشا وابن أبي ضياف والطاهر الحداد إذ لا أتذكر أني لاحظت وجود كتبهم عنده ولكني أتذكر جيدا أنه كان مواظبا على مطالعة " الرائد الرسمي" حتى بعد التقاعد عن العمل. كما لاحظت أنه كان محافظا على مجموعة قديمة من جريدة"الحاضرة" وبعض كتب في التاريخ وهي المادة التي كانت تمثل الاهتمام المشترك بين الجدين وكنت على سبيل المثال اتصفح كتاب " خلاصة تاريخ تونس " لحسن حسني عبد الوهاب في طبعته سنة 1918 في منزل جدي محمد وفي طبعته سنة 1930 في منزل جدي مصطفى. ورغم صغر سني كنت متفطنا للفروق الكبيرة البارزة في شخصية كل من جديا: جدي مصطفى الذي كان أكثر تحفظ وأكثر حذر إلى درجة جعلته لم يسمح لوالدتي تمكين أختي زينب وأختي ونجاة من مواصلة تعليمهما الابتدائي بمدرسة المهدية التي كانت توفر كل الضمانات لتربية مفيدة. و كان ذلك بعد وفاة والدي إثر إقامتنا المفروضة بالمهدية لأسباب مادية: إذ لم يترك لنا والدي إلا منزلا متواضعا في "باردو" بضاحية العاصمة. وقد مثل مبلغ كراء هذا المسكن المورد المالي الوحيد لوالدتي التي تكفلت بعائلتها المكونة من فتاتين وطفل. ولا أشك في أن مرور جدي محمد بالمدرسة الصادقية، ولو لفترة وجيزة، ثم تنقله وإقامته في العديد من المدن التونسية قبل أن يستقر بالمهدية، يفسر، بالإضافة إلى الاختلاف في الطباع و في المزاج ، التباين الذي كنت ألاحظه في آراء وفي شخصية الجدين.
توفى جدي مصطفى يوم 14 أكتوبر 1954 بعد أن اطلع في شهر جويلية وانشرح للخطاب التاريخي للوزير الأول الفرنسي " منداس فرانس" أمام الباي محمد الأمين معلنا على استعداد حكومة فرنسا للتفاوض الجدي لمنح تونس استقلالها الداخلي.
أما جدي محمد فقد توفي في شهر مارس 1953 .هكذا يكون جديا قد عاصرا في حياتهما ولاية على عرش تونس كل من محمد الصادق باي (1859-1882) و علي باي الثالث( 1882- 1905) و محمد الناصر باي(1906-1922) و محمد الحبيب باي ( 1922-1929) و أحمد باي الثاني ( 1929-1942) و محمد المنصف باي, الباي الوطني ( 1942- 1943) وأخيرا محمد الأمين باي( 1943- 1957) ولما وقع تعيين المصلح خير الدين كوزيرا أولا(1873-1877) بعد اقصاء مصطفى خزندار سنة 1873 كان جدي محمد في الثالثة عشر من عمره و كان جدي مصطفى في العاشرة من عمره. ولما انغمست (سنة دراستي في قسم الفلسفة بمعهد صفاقس) في كتاب "علم الطباع" للأستاذ "روني لوسان" ( Traité de Caractérologie de René Le Senne (
الذي وجدته في مكتبة عمي أحمد (وقد أخذه عن مكتبة أبي التي أوصى والدتي بإهدائها له قبل وفاته.) وحاولت انطلاقا من تحاليل هذا الكتاب الضخم والمعمق و استنادا على تصنيفه العام للأربعة الطباع الكبرى التي يعتبرها "لوسان" أساسية وتتفرع عنها كافة طباع البشر وهي : صنف "العصبيين"،وصنف "العاطفيين"،وصنف "ساخني الدم"،وصنف "باردي الدم "وكنت كثيرا ما أحاول ترتيب من أتعرف عليهم ضمن هذه الأصناف وبدأت بأجدادي عندما انغمست في دراسة هذا الكتاب. وصنفت بالطبع جدي محمد ضمن "العصبيين" بدون تردد، و أما جدي مصطفى، فصنفته بعد تردد، ضمن "باردي الدم" وصنفت نفسي ضمن العصبيين معترفا أن طباعي اشتقت أكثر من مزاج وشخصية جدي محمد مما أخذت من مزاج وشخصية جدي مصطفى. وتقديرا لوالدي أحجمت عن تصنيفه. وقلت في نفسي يبقى والدي عندي خارج عن كل هذه التصنيفات التي تبقى بالطبع كلها نسبية إذ في الحقيقة -وتلك في اعتقادي معجزة الله في خلقه- يجعل الله لكل إنسان شخصية وطباع ينفرد بها كما ينفرد بباصمات أنامله وبخلاياه الجينية. بقيت لي ذكريات عديدة عن جدتي عائشة أكثر من ما تبقى في ذهني من ذكريات عن جدتي فاطمة وذلك بالخصوص لأن جدتي عائشة تمكنت من الإقامة بمنزلنا " بباردو" في عديد من المناسبات وكانت بارعة في رواية القصص للأطفال ولها قدرة فائقة على" تربية الأطفال وهم يلعبون" ويمرحون حولها..لا تضجر من لهونا ولا تكل. و كانت تسحرنا بصوتها الهادي الحنون. وكنت مع أختي زينب أكن لها محبة كبيرة وقد تغذت واتسعت مخيلتنا بفضل العديد من القصص الرائعة التي كانت تتحفنا بها كل ليلة بأسلوبها الشيق. أما جدتي فاطمة فكانت امرأة وقورة.. كلها جد....فلا لعبا ولا مرحا معها.....نستمع إلى نصائحها و ملاحظاتها بكل احترام ولا أتذكر أني رأيتها يوما تبتسم ...وكنا نخشاها ونتجنب اللعب بحضورها ولكننا كنا نلمس ونشعر في نفس الوقت أن من وراء الشدة البارزة على ملامح وجهها يخفق قلبها و كله محبة لنا.......رحم الله الأجدادوالجدات الذين ساهموا قدر المستطاع رغم تقدمهم في السن في تربيتي. ولا يمكن لي أن أنسىإن أولوعي بدراسة التاريخ ومطالعة كتب التاريخ بلهفة يرجع الفضل فيه الي جديا. وبقيت راسخة في ذهني ما أجمعا عليه من تأكيد لي ان تونس فقدت استقلالها أساسا من جراء سوء التصرف والفساد لاغلبية حكامها السابقين طيلة القرن التاسع عشر و بالخصوص في شؤونها المالية والاقتصادية. كانا جديا يجمعان كذلك على أن عدم مواصلة مجهودات الانقاذ التي بادر بها المصلح جير الدين باشا وعدد قليل من رجالات النخبة التونسية كان سببه الأساسي أن الأغلبية النخبة التونسية التي كانت حول البيات إتصفت بانتهازية المنحى واجهضت بوادر المنهج الاصلاحي العام لأنها رأت فيه خطرا على مصالحها وامتيازاتها و مراكزها......والتاريخ يعيد أحينا نفسه ولكن لا يكون ذلك بنفس الطريقةونفس الاسلوب ونفس الآليات....................


صورة لجدي مصطفى صفر يوم 5 فيفري 1939 وهو في بهو منزل ابنه الطاهر صفر بباردو يستعد لزيارة ابنه في سجن المستعمر الفرنسي بعد حوادث أفريل 1938.

صورة المصلح محمد البشير صفر ابن مصطفى صفر. والده هو ابن عم لجدي للأم محمد صفر. كثيرا ما يقع الخلط غلطا بين هذا المصلح والبشير صفرابن جدي محمد ( وهو خالي) الذي توفي سنة 1942بالمهدية وهو قابض للمالية وذلك أشهر قليلة قبل وفاة والدي.




صورة صممها عمي أحمد صفر وضع في الوسط جدي مصطفى وجدتي عائشة يحيط بهما ابنائهما وبناتهما ثم الأزواج.


صورة بالمهدية سنة 1935لجدي مصطفى مع ابناء الطاهر صفر- زينب و رشيد- وكان الطاهر صفر في تلك الفترة بالمنفى بجرجيس ,


                                                         

                                                  الطاهر صفر سنة1929


                                                       الباب الثاني
                                                  لبنات عن مسيرة والدي                     
                                                الطاهر صفر
                         " فتألمت...ثم أسكت آلامي وكفكفت من شعوري وحسي"
                            "ثم نضدت من أزاهير قلبي باقة لم يمسها أي إ نسي"
                  أبو القاسم الشابي.

"يجب على التونسيين أن ينسوا في بعض الأوقات خصوماتهم الداخلية وأحقادهم وأن يتصافحوا ويبذلوا الجهد الكافي من أجل التصالح لأن الجبهة الموحدة ضرورية في البلاد التونسية أكثر منها في أي بلد آخر بل هي أساسية. تضطرنا ضروريات العمل إلى الانقسام إلى أحزاب وجمعيات وهيئات مختلفة فذلك شيء ضروري بل مفيد أيضا، إن الانتقاد نافع ولكنه يجب أن لا يكون مسموما والمنافسة صحية ولكنها يجب أن لا تقود إلى الحقد." الطاهر صفر: "يوميات منفي" تعريب أحمد الرمادي.



                                         " قل فهل يستوي الذين لا يعلمون بالذين يعلمون...."


                                 نخبة من الشباب التونسي يطلب العلم والمعرفة في باريس                                                                 
                                              السنة الجامعية 1926-1927




صورة للطاهر صفر(وهو الجا لس الثالث من اليمين ومعه بالحسن الشادلي الجا لس الثالث من اليسار والصادق بوصفارة في الصف الثاني وهو الثاني من اليمين ) مع رفاقه الطلبة في باريس سنة 1927








                                                      صورة للطاهر صفر وهو طالب بباريس سنة 1925



                                                      طالب علم ومعرفة غير عادي                            
                                                                1903*1928


لقد ألتحق والدي المرحوم الطاهر صفر بالرفيق الأعلى في ربيع العمر وسنه تسع وثلاثون سنة وكنت لم أتجاوز سن التاسعة من عمري. و إن جل ما أعرفه عن مسيرته وحياته المليئة بالأحداث,رغم قصرها, قد تحصلت عليه من خلال محادثات أجريتها بالخصوص مع جدي مصطفى صفر و والدتي وعمي أحمد صفر وعدد من رجالات المهدية مثل الشيخ محمد الفقيه سالم والشيخ محمد عبد السلام والشيخ عبد الحكيم خوجة و وعدد من المناضلين الكبار من الرعيل الأول المنتمين إلى الحزب الحر الدستوري الجديد وبالخصوص مناضلين من العاصمة و من صفاقس والمهدية والجنوب التونسي.وبقيت لي من ذكريات الطفولة بعض الزيارات العائلية التي اصطحبت فيها والدي لمنزل الزعيم الحبيب بورقيبة ولمنزل الزعيم محمود الماطري كما بقيت راسخة في مخيلتي الزيارة التي أداها الحبيب بورقيبة صحبة ابنه الحبيب إلى أبي في منزله بنهج البرتقال "بسانت أنري" بباردو في أواخر شهر مارس 1938 لتبادل الآراء معه بانفراد حول مع حدث في اجتماع المجلس الملي الموسع للحزب الذي انعقد بالعاصمة في نفس الشهر,ذلك المجلس الذي رفض فيه والدي رآسة الحزب بعد استقالة الدكتور محمد الماطري والمصادقة على لائحة سياسية لم يكن راض على محتواها.
وولد والدي يوم الخميس 19 نوفمبر1903 بمدينة المهدية.وكان والده, جدي مصطفى, يشتغل بالمهدية عدل إشهاد بعد دراسة بجامع الزيتونة بتونس جعلته متملك من علوم الدين والشريعة الإسلامية وكان جدي وقورا وكثير الاتزان والاعتدال في أقواله وأفعاله وحرص على تربية أبنائه وبناته تربية ترسخ في النفس القيم السمحة و النبيلة والأخلاق العالية لديننا الإسلامي الحنيف. و مر والدي "بالكتاب" لحفظ أجزاء من القرآن كبقية أطفال الحي الذي كان يقطن به بالمهدية ثم التحق سنة 1909بالمدرسة الابتدائية بزاوية سيدي عيسى بالمهدية وقضى بها المرحلة الأولى من تعليمه الابتدائي وأما المرحلة الثانية فكانت في المدرسة "الفرنسية- العربية" بالمهدية أين تحصل على شهادة ختم دراسة المرحلة الابتدائية سنة 1915 ثم التحق بالمدرسة الصادقية بتونس بصفة تلميذ مقيم في المبيت وتحصل في هذا المعهد بتفوق ملحوظ على الشهادة العليا لختم الدروس بالمدرسة الصادقية وأكمل تعليمه الثانوي بمعهد كارنو وتحصل على الجزء الثاني من الباكالوريا في جوان 1922 بامتياز كبير وتفوق حتى على التلاميذ الفرنسيين الذين كانوا معه في معهد كارنو بتونس. وعرف عن والدي نبوغا وتميز في النتائج الدراسية من المرحلة الثانية في الابتدائي إلي نهاية تعليمه العالي بباريس.
واكب والدي كبقية رفقائه في الصادقية الحركة الثقافية المكثفة بتونس العاصمة وخاصة المسرحية منها وكذلك الحركة الوطنية الناشئة التي ميزت الفترة المنطلقة مع نهاية الحرب العالمية الأولى. وتعاون والدي مع عدد من رجلات المهدية من بينهم السادة حسن شلائفة و الشيخ محمد عبد السلام( والد الأستاذ المنعم أحمد عبد السلام باعث النواة الأولى للجامعة التونسية في بداية الاستقلال مع عدد من زملائه) والبشير ابن محمد صفر لبعث جمعية ثقافية وطنية محلية على غرار "جمعية قدماء الصادقية" بالحاضرة وتم هكذا تأسيس "جمعية الناشئة الأدبية" في مارس1922 وهي جمعية بقيت تواصل رسالتها التربوية حتى الآن. وتابع والدي نشاطها المتنوع وشارك ضمن هذا النشاط بالخصوص في تنظيم مسرحيات وطنية هادفة بالمهدية وبمدن أخرى بمنطقة الساحل كل ذلك وهو تلميذ بالمدرسة الصادقية ثم بمعهد كارنو.

صورة لتلاميذ المبيت في المدرسة الصادقية: السنة الدراسية 1920-1921

يظهر في الصورة الطاهر صفر في الصف الثاني بدأ من الأعلى وهو الثالث من اليسار الى اليمين وهو محاط من اليسار بالتلميط المختار شقرون ومن اليمين بالتلميذ العابد المزلي. ويظهر في الصف الرابع الثالث من اليسار أخوه أحمد صفرمحاطا من اليسار بالتلميذ مصطفى خزندار ومن ليمين بالتلميذ محمد على العنابي. كما يظهر في الصف الأول من أعلى الصورة كل من البحري قيقة ومحمود العرابي وهما على التوالي الثامن والسابع من يسار الصورة الى يمينها.لا نجد في الصورة الحبيب بورقيبة ربما كانت السنة التي انتقل فيها الى مدينة الكاف ذات الهواء الجاف للمعالجة من مرض الصدر.
وفي هذه المرحلة من حياته تكونت له علاقات أخوية متينة مع عدد من رفاقه في الدراسة مثل الحبيب بورقيبة والصادق بوصفارة وكذلك عدد من أبناء الحاضرة مثل المرحوم العربي مامي الذي عرفه بالمرحوم الطيب رضوان وعدد من الشخصيات الأخرى التي كانت تنشط في هياكل الحزب الحر الدستوري الذي أنشأه الزعيم عبد العزيز الثعالبي وانخرط والدي في الحزب مبكرا وهو في السنة الأخيرة من تعليمه الثانوي وذلك بمناسبة ما سمي بحوادث 22 أفريل 1922 التي هدد فيها الناصر باي المقيم العام الفرنسي بالتخلي عن العرش إذا لم يقع تلبية البعض من مطالب الوطنيين ثم تراجع هذا الباي عن موقفه تحت ضغط وتهديدات ممثل السلطة الفرنسية. وبمجرد تحصله على شهادة الباكالوريا وجد والدي نفسه أمام خيارين: فإما مواصلة الدراسة مباشرة بباريس، وقد وضعت المدرسة الصادقية على ذمته منحة للدراسة بكلية السربون بباريس، أو أن يستجيب إلى اقتراح هيئة الجمعية الخيرية الإسلامية التونسية المشرفة على المدرسة العرفانية بتونس. وهو مقترح يتعلق بالسهر على إدارة المدرسة و إصلاح برامج و مناهج وأساليب التعليم فيها.وأمام إلحاح عدد من الأصدقاء والشخصيات- من بينهم السيد الطيب رضوان عضو بارز في مجلس إدارة الجمعية الخيرية بتونس- أختار والدي حلا توفيقي: فقبل إدارة المدرسة لفترة محدودة تمكنه من إنجاز عدد من الإصلاحات وأرجأ مواصل الدراسة بباريس إلي حين. وتمكن فعلا الطاهر صفر في هذه المدرسة بداية من السنة الدراسية 1922-1923 من النهوض بمستوى التعليم مع تحديثه " مع التركيز على ضرورة تطوير ملكة النقد والتفكير لذي التلميذ عوض حشو دماغه بمعلومات يكررها دون أن يفقه معناها" وكلف بداية من أكتوبر 1925 مديرا مساعدا بالمدرسة لمواصلة الإصلاح. ولكن بالرغم من التضحيات التي تحملها والدي لإصلاح برامج و هياكل و طرق عمل هذه المدرسة لقد تألب بعض من أعضاء مجلس الجمعية على المدير المساعد الذي عينه خلفا له وصدر كتيب في سنة 1926 عن الجمعية الخيرية الإسلامية تحت عنوان " صحائف بيضاء وصحائف سوداء يقررها أنصار الحق للحقيقة والفكر العام"مطبعة النجاح نهج الكنيسة ونهج المفتي بتونس.وندد هذا الكتاب بتلك المناورة وأشاد بإطناب بإصلاحات الطاهر صفر ومجهوداته. لم يكتفي والدي في تلك الفترة بنشاطه التربوي بل كان على اتصال مكثف بمحمد علي الحامي مؤسس نواة الحركة النقابية و بالطاهر الحداد وشاركهم عطفهم وانشغالهم بوضعية العملة التونسيين القاسية وأعانهم بمعيية صديقه الحميم العربي مامي( وهو قريب الدكتور عبد الرحمان مامي الذي سيستشهد في الخمسينيات) والعربي بوترعة والحبيب جاوحدو على تأسيس "جمعية التعاون الاقتصادي" في مارس 1924 وهي تعاضدية مختصة في توفير المواد الغذائية للعمال المشاركين بأثمان ميسرة.كما شارك والدي في نشاط جمعية قدماء تلاميذ الصادقية وألقى عدد من المحاضرات منها تلك التي ألقاها يوم 28 نوفنبر 1924 بعنوان: " هل تطورت اللغة العربية على يد جبران خليل جبران؟".وكان يتابع سنة 1924 اجتماعات الحزب الحر الدستوري ويشارك عدد من الأصدقاء رأيهم في أسفهم لدخول الحزب في مرحلة من الركود. والتحق والدي بفرنسا، في أكتوبر 1925 لمواصلة تعليمه العالي بكلية "السربون" وذلك بالنسبة للآداب والحقوق وبالمدرسة العليا الحرة للعلوم الاقتصادية والسياسية بالنسبة للاقتصاد السياسي. وكان هكذا التحاقه بمدينة باريس سنة دراسية كاملة بعد إقامة رفيقه وصديقه الحبيب بورقيبة بباريس بالرغم من أن الطاهر صفر كان قد تحصل على الجزء الثاني من شهادة البكالوريا قبل الحبيب بورقيبة بسنة. وقد عاد الحبيب بورقيبة إلى تونس في صيف سنة 1927بعد التحصيل على الإجازة في الحقوق وديبلوم معهد العلوم الاقتصادية والسياسية وعاد والدي إلى أرض الوطن في صيف 1928 بعد التحصيل على الإجازة في الحقوق وعلى شهادتين في الآداب وعلى دبلوم معهد العلوم الاقتصادية والسياسية. وقد ترك لنا والدي في المذكرات التي حررها في منفاه بجرجيس سنة 1935صفحات تتضمن، بكل عفوية، فيض من التفاصيل عن ذكريات حياته الطالبية بباريس. تلك المذكرات التي كان يعتبرها " بوح بخفايا النفس وأنماط من الاعترافات" والكشف عن أعماق الكيان الإنساني.فيقول لنا والدي،على سبيل المثال، ما يلي عن حياته في بارس:" كانت حياتي مقسمة بين الدراسة والتجول.أعيش في جو المكتبات الساخن ( مكتبة كلية الحقوق_ مكتبة كلية العلوم الاقتصادية- مكتبة سانت جونوفياف) أو في جوٌ الشوارع والطروقات، وكثيرا ما كنت أجتاز باريس ليلا أمشي فيها هكذا وبلا مقصد ولا هدف وأتنقل من الأنهج الضيقة المظلمة إلى الشوارع الكبيرة المتلألئة أنوارها، الملأى بالصخب وصرير المركبات وأتجول في الساحات الساكنة الكئيبة والمزاكز المليئة بالحيوية والنشاط، صاعدا درج الأنهج أو نازلا منها ومارا أمام نزل الدعارة والحانات المريبة والدكاكين التجارية المضيئة والمسارح وقاعات السينما والمقاهي والمراقص والملاهي الليلية. ساعات لا تحصى كنت أذرع فيها الأنهج والأزقة وأتجول في الحدائق أو على ضفتي نهر "السان" وعندما يكون الطقس جميلا كنت أذهب الى النزهة خارج المدينة أتجول في الضواحي والحقول أو قرب حظائر الشغل ولقد أتاحت لي تنقلاتي من نزل لآخر أن أتعرف على عديد الأحياء ومختلف أنماط الحياة إذ كان أبغض شىء إلى نفسي هو أن أقضي وقتي في مقهى أو في مرقص،كما كان يحلو لي عندما لا أكون مرتبطا بالدروس أن أسير راجلا وكنت في كثير من الأحيان أراجع دروسي وأنا أمشي وسط الازدحام وغوغاء الشوارع." ومدنا والدي بقائمة كاملة للنزل والغرف التي أقام بها في باريس على النحو التالي:
-نزل نهج "باسكال" في حي عمالي يفضي إلى نهج " قاي لوساك" بالحي الاتيني. -"بنزل فرنسا" في نهج المدارس قرب حديقة " لي بلانت" في غرفة بالدور الخامس جدرانها مغطاة بالورق الأحمر في لون الدم وتطل نافذتها على الشارع وفي وسطها سرير كبير يحتل نصفها.
- دار الحي الجامعي الفرنسي المسمى في ذلك الوقت " دوتش دولا مرت" في بطحاء " أورليان" حيت توجد غرفة الحبيب بورقيبة وفي الجناح نفسه التي كانت فيه الغرفة التي أقام بها " العريبي".
- غرفة في " المنزل العصري" في حي " أنتوني" حيت سكن كذلك زميليه البحري قيقة و " علولو".
- غرفة في "نزل حي دي بورق لارين" مع نفس الزميلين. - نزل " السربون" ( بطحاء السربون ونهج فيكتور كوزان) في غرفة بالدور الأسفل مجهزة فقط بمقعد كبير وسرير. وشاء القدر أن أقيم بنفس النزل برهة من الزمن مع رفقائي في الدراسة بباريس في شهر أكتوبر سنة 1958( أي حوالي ثلاثون سنة بعد إقامة والدي) وذلك في غرفة كبيرة بالطابق الثالث من "نزل السربون" فيها ثلاثة أسرى وتفتح نافذتها الكبيرة على بطحاء السربون..
- نزل " لوكس هوتل" في في نفس الشارع "فكتور كوزان. - نزل نهج "مون روج" قرب مقبرة " دي بانيو". -وأخيرا غرفة بالحي الجامعي " دار بلجيكة" في شارع "جردان" اين ستحدث بعد سنوات عديدة " دار تونس" لاقامة الطلبة التي حلم بها ولدي و راسل من بارس عدد من أهل البر يحثهم على جمع الأموال والتبرع لبناء في باريس دار لإقامة الطلبة التونسيين على غرار "دار بلجيكة".
أقام والدي في "دار بلجيكة" في الغرفة التي كان قد أقام بها رفيقه الحبيب بورقيبة وغادرها للإقامة بمنزل "ماتلد لوران" التي ستكون زوجته الأولى و القرينة المخلصة والوفية لتونس في فترة المحن. كما ستكون والدة ابنه الوحيد "الحبيب الابن" المعروف لدى الأصدقاء بالاسم الظريف " بي بي". و لكن لا يعرف المؤرخون أن الحبيب الابن مدين بحياته نوعا ما إلى المجهودات التي بذلها والدي لإقناع صديقه الحبيب بورقيبة لعدم الإقدام على " عملية الإجهاض" التي نصحه بها عدد من زملائه في الدراسة متعللين بضرورة التخلص من "عبء" سيثقله وهو مقدم بعد رجوعه إلى تونس للدخول في صراع مع المستعمر. وتحمس والدي لهذا الموضوع ولما لاحظ أن رفيقه بدأ يتأثر "بنصائح الأصدقاء" وأن حديثه الشفاهي معه لم يقنعه الإقناع الكامل, ذهب إلى غرفته في "دار بلجيكة" بشارع جردان وأرسل إلي الحبيب بورقيبة في مقر إقامته في منزل "ماتلد" رسالة ضافية لخص فيها كل الحجج الداعية إلي المحافظة على الجنين. وقراء بورقيبة هذه الرسالة واغرورقت عينيه بالدموع وقرر نهائيا " قبول هدية الله" وسلم الرسالة الخطية التي حبرها الطاهر صفر إلى زوجته التي احتفظت بها وسلمتها إلى ابنها قبل وفاتها. أعلمني عمي أحمد صفر بهذا الموضوع بعد استقلال تونس وكان بورقيبة قد روى بنفسه الموضوع بعد عودته من سجن "فور سان نكولى" عن طريق رومة. وكان عمي في تلك الفترة يقيم بالعاصمة بدار موجودة بنهج بوخريص وكان بورقيبة يقوم بزيارات خاصة لمنزل عمي يجره الحديث أحيانا إلى الذكريات التي كانت تجمعه بوالدي بالخصوص في فترة الدراسة في باريس.كما أعلمتني بنفس التفاصيل السيدة " ماتلد" ( مفيدة بورقيبة بعد اعتناقها الدين الإسلامي)يوم سلمت لها في الستينيات نسخة من كتاب والدي " يوميات منفي " بمجرد صدوره لتسليمه إلى رئيس الدولة عندما يقوم بزيارته الأسبوعية إليها.ثم أقر بنفس الرواية الحبيب بورقيبة الابن بنفسه في يوم من أيام سنة 1987لما استدعيته لمكتبي في مقر الوزارة الأولى و فاتحته بنيتي لاقتراحه لمنصب محافظ البنك المركزي في تلك الفترة الحرجة من تاريخ بلادنا موضحا له أن والده لن يقبل مني أي اقتراح لتعويض المحافظ المباشر (والتي لم تكن له خبرة كبيرة بالقطاع البنكي) إلا اقتراح تعيين ابنه الذي كان يرغب في إرجاعه إليه بعد قطيعة أليمة حدثت في عهد الوزير الأول محمد مزالي دامت عدة اشهر بين الأب و وابنه الأوحد. ولكن تبرر الحبيب الابن بأوضاعه الصحية و رفض الاقتراح شاكرا وقائلا بكل تأثر " انك لا شك تعلم إني مدين إلى حد كبير بحياتي لتدخل حاسم لوالدك المرحوم سي الطاهر الذي ثار ضد عملية الإجهاض" وأقنعت في هذا اللقاء الحبيب الابن بالرجوع إلى والده و أصبحت زياراته الخاصة لوالده منتظمة.

صورة لابن الطاهر صفر: رشيد و صورة لابن الحبيب بورقيبة:الحبيب الأبن

صورة لوالدتي" صالحة صفر" على اليسار مع أختي الكبرى "زينب" وجارتها الفرنسية السيدة " قينار" على اليمين في حديقة أول منزل لوالدي بنهج البرتقال بباردو- بحي يسمى في ذلك الوقت "سانت هنري"- اقتناه بثمن يدفع اقساطا ولم يتمكن من تسديد ما تبقى من اقساط مالية عندما سجن سنة 1938 فاضطر الى بيعه واقتناء مسكن صغير جدا في اطراف باردو.





صورة في مدرج منزل زوجة الحبيب بوقيبة " ماتلد" بباريس
يظهر على الصورة الحبيب بورقيبة وخلفه زوحته ثم الطاهر صفر والبحري قيقة وخلافا لما هو مكتوب على الصورة فإن تاريخها يرجع الى سنة 1927......
بعد ثلاث سنوات من الدراسة المكثفة والمتنوعة في دار الغربة –في عاصمة الأنوار- عاد الطاهر صفر إلى الوطن في صيف سنة 1928 بعد أن تحصل بامتياز على الإجازة في الحقوق وعلى دبلوم في الاقتصاد السياسي وكان قد شارك في مناظرة سنوية في مادة الاقتصاد السياسي مع عدد كبير من زملائه الطلبة الفرنسيين والأجانب وفاز بالجائزة الأولى في هذه المسابقة وأعلمت صحيفة تونسية ناطقة بالعربية بهذا النجاح المرموق بمقال تحت عنوان " النبوغ التونسي". وتحصل كذلك الطاهر صفر على شهادتين في الآداب الفرنسية.وساهم قبل مغادرته باريس مع سالم الشاذلي و أحمد بن ميلاد في تأسيس "جمعية طلبة شمال افريقية المسلمين" واختير نائبا لرئيسها الأول وهو السيد سالم الشاذلي. ومند رجوعه إلى تونس تجند الطاهر صفر مع عدد من رفاقه في الدراسة للتعريف بهذه الجمعية والدعوة إلى دعمها و الحث على تنظيم حفلات بتونس لفائدة صندوق هذه الجمعية الذي كان مسخرا لإعانة الطلبة التونسيين والجزائريين والمغاربة بفرنسا. و باشر والدي مهنة المحاماة بداية من أكتوبر 1928 وأنجز تربصه التطبيقي في مكتب أحد زعماء الحزب الدستوري وهو المحامي صالح فرحات. وسرعان ما اشتهر في مهنة المحاماة بجديته وفصاحته وتملكه بخصائص مهنته وبدقة دفاعه على المظلومين والمضطهدين وأنيطت إلى الطاهر صفر مهمة إلقاء أول دروس في الاقتصاد السياسي بالجمعية الخلدونية. ولكن بعد بضعة أشهر من تدريس هذه المادة الجديدة ،بالنسبة إلى الخلدونية وبالنسبة للبلاد التونسية، منعت سلط الحماية هذه الدروس شعورا منها بخطورتها على مصالحها إذ كانت تعمق في الشباب التونسي الوعي بأساليب الاستغلال الاستعماري في الميدان الاقتصادي وهو الميدان المحوري والأساسي بالنسبة لمصالح السلط الاستعمارية. وكان والدي ملحقا كعضو غير منتخب في اللجنة التنفيذية لحزب الدستور مند مطلع سنة 1929 وذلك قبل أن يلتحق بهذه اللجنة رفاقه المعروفون بمجموعة جريدة "العمل التونسي" سنة 1933 وقد ساهم هكذا والدي بكثافة في إعداد مؤتمر نهج الجبل للحزب الحر الدستوري القديم في ماي1933 وساهم والدي في نفس السنة في تأسيس " جمعية الشبان المسلمين" واختير عضوا في مجلسها كما تحمل رئاسة جمعية قدماء الصادقية خلال سنتي 1931- 1932 . وكلف والدي برئاسة النادي الاقتصادي لجمعية قدماء الصادقية عند ما تولى رئاسة الجمعية المهندس محمد العنابي وهو أول تونسي يتخرج من المدرسة العليا للمهندسين بباريس تلك المدرسة المشهورة والمعروفة تحت اسم " بوليتكنيك".

الصحافي والشاعر سعيد أبو بكر يكتب عن النبوغ التونسي ويذكر فوز الطاهر صفر في مسابقة في باريس كمثالا




الطاهر صفر يتوسط في الصورة لجنة الرابطة الصناعية التونسية.


مخطوط بالفرنسية للطاهر صفربدون تاريخ....





                                 خطاب الطاهر صفر في افتتاح مؤتمر قصر هلال2 مارس 1934







تلخيص هذا الخطاب نشر بعد المؤتمر من طرف الصحافي والشاعر سعيد ابوبكر من مدينة المكنين تحت اسم "دستوري محايد"


                          في قلب العاصفة الأولى التي لفت بالحزب الدستوري الجديد                                                                   

                                                           1929*1936
وكان والدي منذ عودته من فرنسا يحث ويشجع على بعث الجمعيات ذات النزعة الوطنية مستعينا بعدد من رفاقه في الدراسة وتعددت مقالاته التحليلية والإصلاحية في الصحف التونسية وبالخصوص في جريدة "اللواء التونسي " وفي جريدة " صوت التونسي". وشارك صحبة رفقائه الحبيب بورقيبة والبحري قيقة في أشغال مؤتمر "رابطة حقوق الإنسان والمواطن" الذي انعقد بمدينة فيشي بفرنسا من 23 إلى 25 ماي 1931.وتمت هذه المشاركة بصفتهم ملاحظين من جريدة " الصوت التونسي" وربطوا بهده المناسبة علاقات مفيدة مع عدد من المسؤولين عن الرابطة ومن بينهم بالخصوص عضو من لجنتها المركزية "فيلسيان شالاي" الذي ساندهم مشهرا بسلبيات الاستعمار في جلسات المؤتمر.
وساهم والدي في تحرير مقالات عديدة في جريدة "العمل التونسي" التي أصدرها رفاقه الحبيب بورقيبة ومحمود الماطري والبحري قيقة بعد الخلاف الذي حدث مع صاحب جريدة " صوت التونسي" الشاذلي خير الله. وتميزت مقالات المجموعة الشابة العائدة من فرنسا بدقة التحاليل وبالجرأة للكشف عن عيوب الاستعمار و معانات الشعب التونسي في جميع الميادين وكان جانب هام من هذه المقالات تواصلا وتحيينا وتعميقا للمنهج الإصلاحي الذي تميزت به النخبة التونسية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.وخلقت هذه المقالات نشاطا فكريا وسياسيا وأكسبت المجموعة الشابة العائدة من فرنسا سمعة طيبة وتقديرا بارز لدى شرائح عديدة من المجتمع التونسي في عهد كانت الصحف هي الوسيلة الرئيسية لنشر الأفكار وإنارة السبيل. وكان والدي من بين المجموعة الكبيرة التي نادت بضرورة إقحام مجموعة "العمل التونسي" باللجنة التنفيذية للحزب الدستوري للنهوض بنشاط الحركة الوطنية أثناء مؤتمر نهج الجبل بتونس في ماي 1933 .
ثم لم يتردد الطاهر صفر عن معاضدة زملائه الجدد في اللجنة التنفيذية بمجرد اقتناعه بأن الأعضاء القدماء عازمين على التخلص منهم. فقدم بدوره استقالته من اللجنة التنفيدية بالرغم من العلاقات القوية والودية التي كانت تجمعه بعدد من زعمائها البارزين مثل صالح فرحات. ودافع الطاهر صفر بحماس بالقلم وفي خطبه عن مواقف المجموعة الشابة التي كانت تريد تعصير منهجية عمل الحركة الوطنية لإكسابها نجاعة حقيقية وتحرص على تطوير نشاط الحزب ليصبح حزبا جماهيري يأطر مختلف شرائح الشعب التونسي ويعمل في سبيل توعيته بقضيته المصيرية فيصبح للحزب وزن سياسي قوي يجعل منه مخاطبا شرعيا يفرض نفسه للتفاوض مع السلطة الاستعمارية. وليس من باب الصدفة أن يكون الطاهر صفر أول المتدخلين لتفسير أسباب الخلاف مع القدامى في المؤتمر الاستثنائي للحزب الذي انعقد بقصر هلال:لقد أقترح عليه الحبيب بورقيبة و محمود الماطري القيام بهذه المهمة الصعبة لأنهم كانوا على بينة من جدية الرجل وقدرته على الإقناع وبالخصوص لأنهم كانوا يعلمون مدى عمق ثقة القواعد الحزبية، وخاصة بجهة الساحل التونسي، في نزاهة الرجل وأخلاقه العالية. وتميز هكذا مؤتمر قصر هلال بخطاب كبير ألقاه الطاهر صفر في الصباح وبخطاب هام و مطول ألقاه الحبيب بورقيبة في المساء وحسم الخلاف بانتخاب "ديوان سياسي" مكون من مجموعة" العمل التونسي" برئاسة محمود الماطري والحبيب بورقيبة كاتب عام والطاهر صفر كاتب عام مساعد والبحري قيقه أمين مال و يعوض هذا الهيكل الجديد المسمى" الديوان السياسي" ما كان يعرف "بللجنة التنفيذية" لقيادة الحزب.وكان الطاهر صفر قد فاز بعدد من الأصوات تفوق الأصوات التي تحصل عليها بورقيبة ولكنه بادر بإقتراح الأسبقية للكتابة العامة لصديقه الحبيب بورقيبة لأنه يعرف انه يرغب في ذلك وهو الذي عبر له مسبقا أنه مستعد تمام الاستعداد للتفرغ التام لتحمل هذه المسؤولية المحورية في الحزب في الوقت التي كانت الظروف المهنية والعائلية لا تسمح بذلك لوالدي علاوة على طبعه الغير ميال إلى السعي على التحصيل على مراكز الصدارة وهو الذي يؤمن أساسا بحتمية وضرورة العمل الجماعي في مختلف المجالات.
وترك لنا الكاتب والشاعر المشهور المرحوم سعيد أبوبكر تلخيصا وفيا لفاعليات مؤتمر قصر هلال تحت إمضاء "دستوري محايد".
وبعد المؤتمر ساهم الطاهر صفر مع زملائه في الجولات المكثفة في مختلف الجهات لإقناع وتوعية كافة المناضلين والوطنين بسلامة التوجهات الجديدة وكذلك لتكثيف بعث الشعب الدستورية التابعة لما سمي بالحزب الحر الدستوري الجديد. وفي أشهر قليلة بانت قوة ومصداقية الحزب لجميع الملاحظين والمحللين و تخوفت سلط الحماية من نشاط الحزب وحاول المقيم العام الفرنسي مارسال بيروطون كسر الدينامكية الجديدة التي برزت في الحركة الوطنية الجديدة وقرر نفي بالجنوب التونسي الذي كان تحت نظام عسكري استعماري عدد من قادة الحزب:من بينهم بالخصوص الحبيب بورقيبة ومحمود الماطري ومحمود بورقيبة ويوسف الرويسي وذلك يوم 3 سبتمبر 1934.

الزعيم الحبيب بورقيبة ورفيقه الطاهر صفريوم 25 أفريل 1934 متواجدين بمدينة باجة لبعث أول شعبة للحزب الدستوري الجديد: يتوسطهم في الصورة رئيس الشعبة ومن حولهم أعضاء الشعبة.


و ولم يبقى بتونس من أعضاء "الديوان السياسي" لمواجهة الوضع إلا الطاهر صفر والبحري قيقة. وكأن المقيم العام كان يتصور انه سيتمكن بهذا التمييز بين أعضاء الديوان السياسي من إحداث انقسام جديد يقضي نهائيا على الحزب.ولكن خاب ممثل سلطة الحماية في خطته "المكيافيلية".
وتحرك الطاهر صفر صحبة زميله البحري قيقة بكثافة من اليوم الأول لحمل المقيم العام للعدول عن قرار النفي الجائر و كان جل المناضلين في الحزب في حالة فزع وغليان والمظاهرات الاحتجاجية قد عمت بالبلاد و وعديد من الأسواق مغلقة والتوتر قد بلغ أقصاه خاصة بعد الأحداث الدامية بالمكينين يوم 5 سبتنبر1934. فبمجرد ما علم الطاهر صفر من طرف زوجة الحبيب بوقيبة بإبعاد رفقائه اتصل بالبحري قيقة وانتقل إلى نادي الحزب ببطحاء رحبة الغنم واتفق حالا مع زميله للاستعانة في مواجهة الوضع بالدستوري المحامي الشاب صالح بن يوسف الذي قدم من باريس مند فترة قصيرة بعد إتمام دراسته فطلب منه الزعيمان أن يتحمل مهمة الكتابة العامة للحزب بصفة وقتية في "الديوان السياسي" الذي فقد ابرز قادته وقبل صالح بن يوسف المسؤولية بدون تردد وكان في مستوى المسؤولية لمعاضدة زملائه للتحرك السريع.وهكذا تكون ما سمي في ما بعد بالديوان السياسي الثاني للحزب.
وكان تحرك الزعماء المتبقون على صعيدين: على مستوى السلطة المتمثلة في الباي وفي المقيم العام وعلى مستوى المناضلين والجماهير.
فعلى مستوى السلطة قاد الطاهر صفر صحبة البحري قيقة وبتنسيق مع عدد من أعضاء "اللجنة التنفيذية" مثل صالح فرحات وأحمد الصافي وكذلك مع المناضل الدكتور أحمد بن ميلاد مظاهرة صاخبة في اتجاه قصر الباي بالمرسى مساء 4 سبتمبر و أمام ضخامة التجمهر الذي كان يشاهده أحمد باي بنفسه من شرفة القصر لم ير حلا أنسب لمواجهة الوضع إلا اقتراح على المتظاهرين استقبال وفد يمثلهم للاستماع إليه. واستقبل الباي فعلا وفدا يتقدمه الطاهر صفر مصحوبا بالبحري قيقة وأحمد الصافي وصالح فرحات والطيب جميل والدكتور بن ميلاد. وخاطب الطاهر صفر الباي باسم الوفد واعلمه بالوضع السائد في البلاد وبأسباب غضب الجماهير المتمثلة أساسا في طلب رجوع قادة الحزب المبعدين وإلغاء قرار توقيف جريدة الحزب "العمل التونسي". وتظاهر الباي بأنه ليس على علم بالقرارات التي اتخذها المقيم العام و وعد بالتدخل لديه لإلغاء نفي" أبنائه" زعماء الحزب.( ألاحظ للقاري الكريم بالمناسبة انه بالرغم من المجهود الكبير الذي بذله صاحب فلم "خمسون" فان الصورة التي شاهدتها في الشريط و والدي يخاطب فيها الباي وهو مرتدي الزى التقليدي الوطني ومبتدأ مخاطبته بكلمة " سيدنا" بلهجة الخضوع والخمول لا تمت إلى الحقيقة بشيء ولا تعطي للمشاهد فكرة وفية لا من قريب ولا بعيد عن شخصية الطاهر صفر وطريقته في المخاطبة والكلام) وخرج الوفد لإعلام الجماهير بمحتوى الحديث. وفي الأثناء دعى الباي من جديد الطاهر صفر الذي رجع إلى الباي مصحوبا بالبحري قيقه و أحمد الصافي وأعلمهم الباي في هذا الاستقبال الثاني أنه أوفد حالا وزيره الأول للتفاوض مع المقيم العام في الموضوع. وقرر الجميع، قادة المظاهرة والمتظاهرين،انتظار رجوع الوزير الأول.ورجع فعلا الوزير الأول بعد نحو ساعة. وأكد الباي بعد ذلك للطاهر صفر و رفاقه أن المقيم العام وعد بإرجاع القادة الثلاث المبعدين في أجل قريب لا يتجاوز بضعة أيام.
وانشرح المناضلون المتجمهرون حول القصر للخبر لكن أعربوا عن رغبتهم في البقاء في نفس المكان حتى الوفاء بالوعد وشعر الطاهر صفر ورفاقه قادة المظاهرة بالوضع المحرج فأذنوا أعضاء فريق حفظ نظام المظاهرة الذين كانوا يحملون شارة الحزب برفع البحري قيقة على الأكتاف والابتعاد به من ساحة القصر نحو شوارع المدينة هاتفين بأسماء زعماء الحزب المبعدين وبالحزب والباي. وبهده الطريقة تمكن قادة المظاهرة من الابتعاد تدريجيا عن القصر. ولم تهدأ شوارع مدينة المرسى إلا حوالي الساعة التاسعة ليلا وانتهت المظاهرة بسلام.و اصطحب الطاهر صفر زميله البحري قيقة إلى منزله بمدينة الكرم بالضاحية الشمالية بعد تفرق المظاهرة الكبيرة وقضوا جانب كبير من الليل في التشاور وتحليل الأوضاع وفي إعداد عناصر منشور يوزع من الغد على الشعب الدستورية لإعلامهم بتفاصيل المظاهرة و بفحوى المحادثة مع الباي. واتفقا الزعيمان على ضرورة طلب لقاء سريع مع المقيم العام لتأكد من صحة الوعد الذي اخبرهم به الباي لأن هما كانا في أخر الأمر على قناعة من أن الباي كان همه الوحيد التخلص من التجمهر حول قصره. وتم فعلا طلب مقابلة المقيم العام وتم لقاء الطاهر صفر صحبة البحري قيقة مع بيرطون يوم 6 سبتمبر1934 وبعد أن استمع المقيم العام إلى التحاليل التي تقدم بها على التوالي كل من الطاهر صفر والبحري قيقة وخاصة تلك المتعلقة بالدفاع على زملائهم والتضامن التام معهم مأكدين للمقيم العام أنهم جميعا بنشاطهم في خطبهم وكتاباتهم لم يقوموا إلا بالدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب التونسي في نطاق ما يسمح به القانون والمبادئ والقيم الإنسانية العليا وفلسفة الأنوار التي تلقنوها بكل شغف عن أساتذة فرنسيين أجلاء لا يقدح أحد في نزاهتهم وكفاءتهم العالية. و وضحوا له أن الحزب يتوخى الوسائل الشرعية والسلمية التي تستعملها الأحزاب الفرنسية فوق التراب الفرنسي لا أكثر ولا أقل. ولكن المقيم العام أقر أنه لن يتمكن من إرجاع المبعدين إلا عندما يعم الهدوء بجميع مناطق البلاد متعللا بخطورة أحداث المكنين وغيرها و مؤكدا لمخاطبيه أنه لا يمكن لفرنسا أن "تفقد ماء الوجه" وتتراجع عن الإبعاد و الشارع التونسي في "هياجان".و تعهد كل من الطاهر صفر والبحري قيقة بدعوة المناضلين لاجتناب المظاهرات الصاخبة على أن يسرع المقيم العام في أخد قرار إرجاع القادة إلى العاصمة حتى لا يفقدوا مصداقيتهم لدى قواعدهم ويحصل عندئذ ما لا يحمد عقباه بعد أن يعم وينمو الغضب الشعبي.
وعاش الطاهر صفر رفقة زملائه البحري قيقة وصالح بن يوسف وعدد كبير من مناضلي الحزب من 3سبتنبر1934 الى5 جانفي 1935 ,تاريخ إبعادهم بدورهم إلي التراب العسكري، فترة جد صعبة، قاموا فيها بالواجب المقدس حسب ما يمليه الضمير وحسب ما تمليه حنكتهم وخبرتهم القانونية والسياسية غير عابئين بالانتقادات المتناقضة والسخيفة والمغرضة والواردة من مجموعة قليلة تتهمهم بالسذاجة وأحيانا بالتخاذل أمام غطرسة السلطة ومجموعة أخرى مشبوه فيها تتهمهم بتأجيج الشعب الدستورية ومواصلة الشغب حتى تقوى شعبيتهم الخاصة ويطول إبعاد زملائهم بالمنفى. والحقيقة أن قادة الحزب المتبقين في حالة سراح كانوا على اتفاق تام لتسخير قصار جهدهم حتى يبقى الحزب صامدا وناشطا بحنكة وذكاء فتقتنع السلطة بأنه يستحيل القضاء عليه بالقرارات التعسفية وانه لا مناص لها إلا التحاور معه والتجاوب ولو تدريجيا مع طلباته المشروعة.ويمكن تلخيص هذه الفترة التي مثلت المحنة الأولى للحزب أو بالأحر الامتحان الأول للحزب الحر الدستوري الجديد في مرحلتين : - مرحلة أولى دامت أكثر من أسبوعين تقريبا: قرر فيها الديوان السياسي المتبقي بالإجماع أن يتقاسم التجول في كل جهات البلاد لمخاطبة الشعب والمناضلين والوقوف إلى جانبهم مفسرين الخطة التي يتعين اعتمادها للكشف عن النوايا الحقيقية للسلطة وتحميلها كامل مسوؤلية تأزم الأوضاع إذا لم تفي بوعودها: فوقعت في هذا الصدد الدعوة من طرف الطاهر صفر والبحري قيقه و صالح بن يوسف اثر جولاتهم من 8 سبتمبر إلى حوالي آخر الشهر بالالتزام بالهدوء وضبط النفس "و كذلك لإعداد العدة لمواجهة المستجدات في احتمال عدم وفاء المقيم العام بتعهداته في ما يخص عودة القادة من منفاهم." وهي الجملة بعينها التي استعملها الطاهر صفر في حديثه لجدي مصطفى في أول لقاء به بمنزله بالمهدية بعد نفي زملائه إلى الجنوب التونسي. - مرحلة ثانية تراوحت من أكتوبر1934 إلى غرة جانفي1935: وتمثلت في التعبير عن غضب الشعب لا عن طريق المظاهرات التي حجرت بل عن طريق ما سمي "ببرنامج المقاطعة" أو المقاومة السلمية التي من شأنها إرباك السلطة شريطة القدرة على تعميمها والاستمرار فيها حتى تحقيق الغاية المتمثلة في الإفراج عن قادة الحزب المنفيين.وكانت فكرة حمل الشعب التونسي على مقاطعة عدد من المواد والخدمات الحساسة, مثل الشاي والتبغ واستعمال وسيلة النقل العمومي بالقطار المعروفة باسم" الترامواى" في العاصمة تراود الطاهر صفر مند البداية وتوفق إلى إقناع زملائه أولا بتوخي هذا الأسلوب في الكفاح السلمي بعد أن تأكد أن المقيم العام سوف لن يفي بوعوده. وتوفق الطاهر صفر إلى إقناع أعضاء اللجنة التنفيذية بتوخي نفس السلوك عبر محادثات أجراها بالخصوص مع أحمد الصافي و صالح فرحات وان لم تؤدي إلى توحيد هيكل الحزب المنشود من بعض الوطنيين فإنها مكنت من مخاطبة الشعب الدستورية بلغة واحدة وفي اتجاه واحد. وان لم تنجح خطط المقاطعة النجاح المنتظر لأنها في الحقيقة ارتجلت ولم يسبقها تكوين نظري وعملي لكافة الإطارات الحزبية فإنها أقلقت السلطة وساهمت في استمرار التوتر وفي إبراز غضب الشعب ومساندته القوية والبارزة للعيان لقادته المنفيين وهو ما أقر به جل الملاحظين النزهاء في تونس وفي الخارج. وكان الطاهر صفر والبحري قيقة قد ابرقا من اليوم الأول إلى عدد من الشخصيات التقدمية بفرنسا المساندة للحزب لإعلامهم بالأوضاع و دعوتهم لزيارة تونس لمعاينة الأوضاع. وأمام استمرار التوتر أقدم المقيم العام على الإعلان عن إغلاق نوادي الحزب في العاصمة وفي كامل الجهات بالبلاد وعن تحجير الاجتماعات واضطر الطاهرصفر ورفقائه إلى تنظيم لقاءت سرية بالمناضلين في بعض المنازل وفي المساجد." ولم يجد المقيم العام الفرنسي بدا من التفكير جديا في اعتقال أعضاء الديوان السياسي الثاني, وهذا ما تسنى له في مطلع جانفي 1935 إذ تعلل ب "الإهانة" التي لحقت بالباي أثناء إشرافه على موكب ختم القرآن ليلة 27 رمضان في جامع الزيتونة من جراء خطب الطاهر صفر والبحري قيقة وتدافع الناس على موكبه لمطالبته بإرجاع المبعدين,كي يقوم بإبعاد عدد آخر من الوطنين إلى الجنوب,فكان نصيب الطاهر صفر النفي في جرجيس حيث كتب هناك مذكراته"( هذه الفقرة من كتاب سلسلة مناضل وآثاره عدد1 الطاهر صفر تأليف الأستاذ في التاريخ خالد عبيد ص 19) وللتغلب على محنة المنفى في جرجيس أقبل الطاهر صفر على المطالعة المكثفة و على الكتابة وترك لنا ما أطلقنا عليه اسم " يوميات المنفي" ونشر الكتاب بالفرنسية ثم تفضل المربي القدير أحمد الرمادي بتعريبه ونشره سنة 2000 بدار البستان للنشر بتونس. وخلد الطاهر صفر جمال طبيعة جرجيس الساحر في يومياته قائلا :" .....جرجيس- السماء صافية زرقاء والشمس ساطعة والبحر في أتم زرقته والنخيل الممتد نحو السماء بجدائله الفتانة, تناغم وتناسق في كل مكان, انه الفن في أبهى سناه,انه الجمال, يغمرني شعور بالهدوء والطمأنينة ينبعث من كل الأشياء وينفد إلى روحي في تدفق مستمر...." ولم تدم إقامة الطاهر صفر بجرجيس كثيرا ( من جانفي إلى أفريل1935) ولكن حمل عنها وعن أهلها و مناضليها أجمل الذكريات وقال لجدي ولوالدي "إن خصال ونبل و كرم مواطنينا في جرجيس بالرغم عن ظروفهم الصعبة والسيطرة العسكرية القاسية والمتجبرة خفف عليا العزلة وزاد في نفسي محبتي لشعبنا الجدير بالحرية والرقي" وأمام تواصل التوتر والمقاومة في البلاد وتمكن زعماء الحزب ،بوسائل مختلفة،من الاتصال بالمناضلين في مختلف أنحاء البلاد قرر المقيم العام تجميعهم في "محتشد صحراوي" في قلب الصحراء يبعد قرابة المائة والعشرون كيلومترا عن مدينة مدنين وعرف في تلك فترة "ببرج البوف" وسمي بعد الاستقلال " برج بورقيبة". وأصبح قادة الحزب معتقلين تحت رقابة صارمة وفي ظروف عيش قاسية وصفها لنا رئيس الحزب الدكتور محمود الماطري في مذكراته بنزاهته المعهودة وهي مطابقة إجمالا لما سمعته عن جدي وعن والدتي عندما حدثوني عن محنة "بورج البوف". ولكن بعد مطالعتي لمذكرات محمود الماطري تبين لي أن والدي أخفى على والدتي وعلى جدي وعلى العائلة بصفة عامة -حتى يتجنب ربما إزعاجهم- بعض الأحداث الخطيرة التي تعرض لها مع زملائه أثناء إقامته في هذا المحتشد من 2 افريل 1935 إلي 23أفريل 1936.فعلى سبيل المثال يروي لنا الماطري كيف أراد أحد ضباط المحتشد أن ينكل بزعماء الحزب لما احتجوا على المعاملة القاسية التي تعرض لها البحري قيقة إذ يقول في مذكراته " ولما رأينا رفيقنا على تلك الحالة بلغ الغضب أقصاه فوجهنا برقية احتجاج الى الجنرال أزان، وأخرى إلى بيروطون، وسلمناهما إلى موزع البريد العسكري. وبعد ذلك ببضع دقائق نزل ملازم أول من البرج كله غضب وهو يلوي قرباشه. ولم يتوجه لنا بالكلامبل أمر الشاوش سعيد ومعه عدد كبير من " القومية" بإعلامنا يأن خمسة أفراد من مجموعتنا وهم: أنا والبحري قيقة والطاهر صفر وصلح بن يوسف والحبيب بوقطفة، محكوم علينا بنقل فراشنا إلى غرفة صغيرة كانت تستعمل كإصطبل..وما إن نقلنا فرشنا إلى ذلك الإصطبل الذي كانعبرة عن حجرة ضيقة قذرة، حتى حبسنا فيه وأغلق علينا بابه غلقا محكما . ومكثنا هناك بلا غذاء ولا ماء حتى يوم الغد. وقد تم ذلك في أوخر يوم شديد الحرارة، ولم يكن في الإسطبل أي منفذ نستنشق من خلاله بعض الهواء ،فقضينا فيه ليلة فضيعة. فقد تألم لذلك بوجه خاص الطاهر صفر الذي كان أحمر البشرة وأسمن منا بعض الشيء، فكان يشخر شخير المغروق ويضع من حين لآخر فمه في ثقوب الباب الخشبي القديم الذي كان يفصل بيننا وبين الخارج ليستنشق شيئا من الهواء. وقد قضينا الليلة التالية والليلة المولية في نفس الضروف مع فارق وحيد وهو السماح لإخواننا الآخرين بأن يرسلوا إلينا قلة ماء وشيئا من الطعام." وبقوا على هذه الحالة حتى جانفي 1936 حيث نقلوا تحت الخيام. وقد تعنت كثيرا المقيم العام الفرنسي بيروطون وحاول بجميع الوسائل القضاء على الحركة الوطنية وفكر مع حكومته في إبعاد الزعماء إلى "مدغشقر". ولكن لم يتمكن من ذلك بفضل صمود المناضلين القاعديين في مختلف جهات البلاد. وتجدر الإشارة انه في ما يتعلق بالرسالة المشهورة التي وجهت من طرف قادة الحزب إلى المقيم العام والتي عارض محتواها الزعيم الحبيب بورقيبة وطلب أخيرا قبل الإمضاء عليها أن يقع تحرير محضر يسجل فيه موقف كل عضو ويحتفظ به لإبراز موقفه عند الاقتضاء فقد اقترح بورقيبة أن يحرر المحضر زميله الطاهر صفر و وافق الجميع بدون تتردد لما يعرفون في الرجل من النزاهة وعدم التحيز و وافق والدي على صياغة المحضر ولم يذكر رأيه الخاص في النص ألا وهو مصادقته على موقف الأغلبية الذي كان ير فيه مصلحة ديمومة الحركة الوطنية لا مصلحة شخص يريد تمييز نفسه على غيره للانفراد بالزعامة والتباهي بالانفراد بالشجاعة والحزب في محنة كبيرة. والقليل من التونسيين يعرف أن المحضر الذي احتفظ به بورقيبة في "بورج البوف" خط بيد والدي في ظروف رواها الدكتور الماطري بكل أمانة. وأجبرت الحكومة الفرنسية على تعويض "بيروطون" بمقيم جديد " ارمان قيون" الذي بادر بالرجوع إلى الحوار مع زعماء الحزب ثم الإفراج عنهم وعادوا إلى أهلهم في فرحة شعبية عارمة مثلت دفعا جديدا للحزب لمواصلة نضاله الطويل. ومع تولي الجبهة الشعبية الحكم في فرنسا تبنى الحزب الحر الدستوري الجديد سياسية عقلانية للحوار مع المقيم العام الجديد الذي عبر بوضوح عن عزمه للاستجابة تدريجيا للطلبات الشرعية الدنيا التي تبناها الديوان السياسي.وبعد رجوع قادة الحزب بثلاثة أيام طلبوا مقابلة المقيم العام "قيون" لإجراء محادثات أولية وإطلاعه على الأوضاع في البلاد بعد أن كانوا قد تحدثوا إليه فرادى في الجنوب التونسي قبل عودتهم من المنفى وكان قد تم ذلك الحديث الأول بالنسبة لوالدي وللزعيم الحبيب بورقيبة في جزيرة جربة. وتم فعلا اللقاء الجماعي الأول مع المقيم العام بحضور كافة أعضاء الديوان السياسي. وكانت الانطباعات طيبة عموما، بالنسبة لكافة قادة الحزب في ما يتعلق بشعورهم بحسن نوايا ممثل السلطة الفرنسية. وتمت كذلك مقابلة مع الباي وكلف والدي بإعداد الكلمة التي سيلقيها رئيس الحزب أمام الباي باسم زملائه ولكن ويوم المقابلة وفي الوقت الذي كان ولدي يريد تسليم وثيقة الخطاب لمحمود الماطري إذ بالحبيب بورقيبة يكاد يقتلعها من يده للإطلاع على فحواها ثم أحتفظ بها وأمام الباي قام بنفسه إلقاء الكلمة. ولما طلب منه والدي،مستغربا، لماذا هذا السلوك وقد وقع الاتفاق بحضوره اختيار رئيس الحزب لإلقاء الكلمة أجابه بورقيبة " ما عليه أنا أم هو نفس الشيء" وحز في نفس والدي هذا السلوك الغير معتاد من طرف صديقه وروى القصة إلى جدي وأعطاها أهمية ربما أكثر مما تستحق حسب تعليق جدي. ويوم 10 جوان 1936 شارك والدي بمداخلات مكثفة في اجتماع مجلسا مليا للحزب- وهو هيكل يضاهي اللجنة المركزبة من حيث المشمولات- انعقد في منزل الدكتور محمود الماطري قصد إطلاع المجلس وإقناعه بفحوى "الحد الأدنى" من مشروع المطالب المقترح تقديمها إلى الحكومة الفرنسية.وكانت هذه المطالب تتضمن بالخصوص إنجاز إصلاحات في المجال السياسي والإداري و في التعليم والعدالة. وتمت أشغال المجلس الملي، في جو سليم وودي،وكانت المناقشات معمقة وحرة، و توجت بالمصادقة على مشروع وثيقة بإجماع الحاضرين مع إدخال عدد من التعديلات و أقر المجلس الملي تكليف الكاتب العام الحبيب بورقيبة بتقديم الطلبات إلى ممثل الحكومة الفرنسية بباريس "بيار فيانو". وتم تسليم نسخة رسمية من وثيقة هذه المطالب الى المقيم العام من طرف بقية أعضاء "الديوان السياسي". ورجع الحزب الحر الدستوري التونسي- بالرغم انه من الناحية القانونية الصرفة كان يعتبر منحلا- إلى نشاط مكثف على مختلف الأصعدة وأصبح واضح للجميع أنه رجع بقوة كحزب له وزن واضح وهام. وأذعر هذا النشاط ممثلي المستعمرين الفرنسيين الذين كانوا يتبعون خطب مناضلي الحزب في مختلف الاجتماعات ويهولون لدى المقيم العام بعض التصريحات والتحاليل التي يعتبرونها متناقضة مع ما سمي " بالحد الأدنى" ويلومون المقيم العام على الثقة التي منحها "للديوان السياسي" للحزب.
وحث والدي،في هذه الظروف، رئيس الحزب محمود الماطري على المبادرة بتصريح للصحافة الناطقة بالفرنسية لتوضيح الموقف الرسمي للحزب والرد ولو بصفة غير مباشرة عن مناورات المستعمرين. واختار فعلا محمود الماطري جريدة " البتي ماتان" وأجرى مع احد محرريها حديثا ضافيا بحضور البحري قيقة وصالح بن يوسف لخص فيه سياسة الحزب بالنسبة للفترة الراهنة وصدر فعلا الحديث في عدد الجريدة بتاريخ 19 جويلية 1936 وكان والدي مرتاح بصدق لما ورد في هذا التصريح. ودافع الطاهر صفر عن مضمونه لدى عدد من مناضلي الحزب الذين ابدوا بعض من الاحتراز. وكان من نتائج هذه المواقف المتزنة لرئيس الحزب أن ألغى المقيم العام ما كان يسمى " بالأوامر الجائرة" المكبلة للحريات والمانعة للاجتماعات و التي كان أصدرها زميله السابق "لوسيان سان". ولكن سرعان ما تحرك ممثلو المستعمرين نحو حكومتهم وأعضاء البرلمان الفرنسي للإطاحة بمساعي الحزب وأجبروا ممثل حكومة الجبهة الشعبية كاتب الدولة لدى وزير الخارجية المكلف بالشؤون التونسية " بيار فيانو" على التراجع و إصدار بيان في شهر نوفمبر 1936 مخيبا للآمال وللطموحات الدنيا التي عبر عنها الحزب. و يعلن البيان أن "انتصاب فرنسا في محمياتها يكتسي صبغة نهائية". وأصبح بالطبع المقيم العام "أرمان قيون" غير متحمس للسياسة الجديدة التي كان ينوي القيام بها خاصة في مجال الحقوق السياسية للتونسيين.




تمزق نفساني بين القانعات الشخصية والفكرية و ومقتضيات الالتزام والتضامن الحزبي.
1937*1942

واجتاحت البلاد التونسية سنة 1937 مجاعة كبيرة أضرت بجهات عديدة وتسببت في عدد من الحوادث الاجتماعية منها حوادث الملاسين بالعاصمة فوقع استغلالها من طرف المستعمرين لإجبار المقيم العام على التنكر للإصلاحات التي وعد بها الديوان السياسي للحزب الحر الدستوري الجديد.فهكذا وبعد حوالي عشرة أشهر من قدوم "قيون" إلى تونس لم ينجز أي إصلاح يذكر. وشارك ولدي في اجتماع "الديوان السياسي" الذي قرر إيفاد من جديد كاتبه العام إلى باريس في أوائل فيفري 1937 لتسليم مذكرة رسمية – ساهم والدي في تحريرها – إلى " بيار فيانو" للتنبيه بخطورة الأوضاع المتدهورة في البلاد وللمطالبة بالإسراع في إنجاز الإصلاحات. و كما هو معروف لم يستقبل " فيانو" الحبيب بورقيبة هذه المرة ولم يتمكن من تسليم المذكرة الصادرة عن "الديوان السياسي" إلا عن طريق النائب في البرلمان الفرنسي " برجوري". و يوم 20 فيفري 1937 كان "بيار فيانو" بتونس وبعد يومين من قدومه استقبل وفدا من "الديوان السياسي" كان فيه إلى جانب رئيس الحزب، الطاهر صفر والبحري قيقة وصالح بن يوسف وسليمان بن سليمان. وتولى أثناء هذا اللقاء رئيس الحزب تقديم من جديد مطالب الحزب المتفق عليها منذ اجتماع 10 جوان 1936 و واصل الكاتب العام لوزير الخارجية الفرنسية محادثاته ومناقشاته مع رئيس الحزب بحضور المقيم العام في جلسات متتالية. وكان محمود الماطري يعلم زملائه بكافة تفاصيل هذه المحادثات و يحيطهم علما بالأجواء التي كانت تدور فيها تلك المحادثات بكل أمانة. وقبل مغادرة تونس ألقى "فيانو" خطابه المعروف في غرة مارس 1937 أعلن فيه بالخصوص" أنه ينبغي إنجاز إصلاحات من شأنها مشاركة التونسيين مشاركة فعلية وصادقة في إدارة الشؤون العمومية للبلاد وأوضح أن بعض المصالح الخاصة بالجالية الفرنسية ليست بالضرورة مطابقة لمصلحة فرنسا". وثارت القوى الاستعمارية في تونس وفي فرنسا بعد هذه التصريحات وتعددت التهجمات العنيفة على حكومة الجبهة الشعبة بباريس. وتمكن المستعمرون المنعتون "بالمتفوقين" في تونس من تصعيد الأجواء وتسميمها مستغلين الاضرابات الاجتماعية والوطنية مثل إضراب عملة المناجم بالمتلوي وإضراب المظيلة بجهة قفصة ثم بالجريصة حتى تطورت إلى حوادث دامية وخطيرة ذهب ضحيتها عدد كبير من عمال المناجم. واستغل "المتفوقون" هذه الحوادث للقيام بمناورات تهدف إلى إفشال حوار الحزب الحر الدستوري الجديد مع المقيم العام و قد تزامن ذلك مع سقوط حكومة الجبهة الشعبية في باريس في جوان 1937 و كذلك مع قمع الحركات الوطنية بالمغرب وبالجزائر في صيف1937 ومع عودة الشيخ عبد العزيز الثعالبي باعث الحزب الحر الدستوري القديم بعد نفيه وبعد رحلته الطويلة في الشرق. واتفق "الديوان السياسي"بإجماع كافة أعضائه على استمالة الشيخ إليه سعيا وراء توحيد صفوف الحركة الوطنية وفي هذا الصدد نظم الحزب الدستوري الجديد للشيخ الثعالبي استقبالا جماهيريا كبيرا في ميناء تونس. وكان في مقدمة الجماهير كافة أعضاء الديوان السياسي وغاب عن الاستقبال قادة الحزب الدستوري القديم. ثم بعد ذلك نظم الديوان السياسي على شرف الشيخ الثعالبي اجتماعا عاما جماهري بحديقة "قنبطا"( بشارع محمد الخامس حاليا) حتى يتيقن من قوة الحزب الجديد. وكان خطاب الشيخ في هذا الاجتماع و كذلك كلمات أعضاء الديوان السياسي ومن بينهم والدي متناسقة مع بعض الفوارق الغير الجوهرية في الظاهر ودعا الثعالبي بكل وضوح إلى توحيد صفوف الحزبان. وكان محمود الماطري ووالدي يحبذان ويشجعان بصدق هذا التوجه. ولتحقيق هذا الهدف نظم محمود الماطري- باتفاق تام مع كافة زملائه أعضاء "الديوان السياسي"- عشاء عمل على شرف عبد العزيز الثعلبي في منزله الخاص و استدعى إليه بالإضافة إلى الشيخ كافة قادة الحزب الدستوري القديم وتم –حسب رواية والدي لجدي مصطفى- الحوار والنقاش في جو منشرح ويبعث على التفاؤل في ما يخص إمكانية إيجاد صيغة عملية لتوحيد الصف. ولكن تسارعت بعد هذا الاجتماع الأول الناجح الأحداث والمناورات المعاكسة للمنهج التوحيدي. ورجع الحزب القديم والحزب الجديد إلى التصادم وهاجمت من جديد جريدة الإرادة لسان الحزب القديم قادة "الديوان السياسي" وساهم والدي في واجب الرد عن الافتراءات المغرضة متأسفا عن المنحى الذي أخذه الصراع بين الأخوة. وأجهضت هكذا مساعي التوحيد والمسؤولية في هذا الإخفاق كانت تبدو مشتركة بين الحزبين. وكان والدي منشغل البال كثيرا بتطور الأحداث إذ في نفس الوقت برزت داخل الحزب الحر الدستوري الجديد مجموعة متشددة تريد التصعيد مع السلط الاستعمارية معتبرة أن تجربة الحوار قد دامت طويلا و قد فشلت. وكانت المزايدات تبدو للبعض غير موضوعية وربما تهدف لكسب الزعامة من طرف من لم ينله " شرف الاعتقال أو النفي أو السجن".وبرز بالوضوح لدى القواعد الحزبية اختلاف في الروية والسلوك داخل قيادة الحزب الدستوري الجديد بين مجموعتين: مجموعة نعتت "بالمعتدلة" تضم بالخصوص مؤسسي الحزب الجديد وهم محمود الماطري والطاهر صفر والبحري قيقة و مجموعة " تنادي بالمجابهة والمقاومة بمختلف أصنافها" وبقطع سياسة الحوار مع السلطة الاستعمارية و نعتت هذه المجموعة " بالمتشددة" أو حتى " بالثورية" وهي تضم بالخصوص الحبيب بورقيبة( وهو العضو الوحيد المؤسس للحزب الذي أراد أن يتزعم المتشددين عن قناعة منه أو لأنه أراد أن ينفرد نوعا ما بقيادة الحزب وهنا يأتي دور المؤرخين في التحقيق والتدقيق ) وسليمان بن سليمان وصالح بن يوسف والهادي نويرة وعلي بلهوان. وقد إنبنى هذا الاختلاف في الحقيقة على تقييم واستشراف متباين لمقتضيات المرحلة القادمة. و كان "الديوان السياسي" قد قرر ،بإجماع كافة أعضائه، و ذلك قبل عودة الشيخ عبد العزيز الثعالبي، تنظيم اجتماعا عاما كبيرا بحديقة "قنبطا" (بشارع محمد الخامس حاليا) في شهر ماي 1937 لتنبيه المناضلين وكافة الشعب التونسي وتحذيره من مناورات واستفزازات غلاة الاستعمار مع الدعوة للهدوء والتحكم في الأعصاب ريثما تنجح السياسة التي اقترحها الحزب على الحكومة الفرنسية. وتم هذا الاجتماع، (الذي شارك فيه والدي بمداخلة رصينة تخاطب العقول وتنبه إلى متطلبات المستقبل وتفسر ضرورة اجتناب الارتجال والتفكير في نضال طويل النفس يمتد على مدى عشرات السنين) بنجاح و أختتم بلائحة تحذر من الوقوع في الفخ بكل وضوح وبصراحة كاملة. ولم يرضي بالطبع هذا الموقف المتزن "للديوان السياسي" كل من كان يناهض سياسة التفاوض والحوار وتفاقمت المظاهرات بقيادة زعماء شق المتشددين مع إثارة المناوشات حتى اجبر المقيم العام بإصدار أمران يعيدان العمل بأحكام " الأوامر الجائرة" المقيدة للحريات العامة في البلاد. وكانت هذه الإجراءات مخيبة لظن جل مناضلي الحزب الحر الدستوري الجديد وخاصة الشبان. ففي هذا الجو انعقد المؤتمر الثاني للحزب الحر الدستوري بناديه في نهج" التريبونال" من 30 أكتوبر إلى2 نوفنبر1937 وكانت جلسة افتتاح المؤتمر مناسبة لرئيس الحزب محمود الماطري ليقدم في خطابه عرضا موضوعي لواقع الحزب ولنشاطه وندد بما "كان يقترفه المتفوقون" والمتواطئون معهم في صلب الإدارة الاستعمارية من تهجمات مغرضة ومن استفزازات ضد الحزب وكان يكرر تحذيره المناضلين من الوقوع في الفخ واجتناب التصريحات العنيفة والمظاهرات الغير المنظمة والمرتجلة. ثم أتى خطاب الحبيب بورقيبة ونعته الماطري نفسه في مذكراته " بالخطاب الجيد والواضح والواقعي غاية الواقعية ومحبوكا حبكا محكما وخال من تلك الثرثرة و الديماغوجية" وكان لوالدي نفس الانطباع الطيب عن خطاب صديقه. وبعد التحقيق في النيابات تشكلت ثلاث لجان عملت طوال ثلاثة أيام لم يشارك في أشغالها رئيس الحزب ولكن تابع والدي جل أعمالها وكانت المناقشات أحيانا حادة وبالخصوص في لجنة المالية وفي اللجنة السياسية. وقد تدخل والدي بكثافة في مناقشات اللجنة السياسية وكانت له مشادات مع عدد من المناضلين الذين كانوا يعبرون عن آراء ومقترحات كان يعتبرها متطرفة و "ديماغوجية" و تضر بمستقبل الحزب وبالقضية المقدسة التي من اجلها تأسس.و بين والدي بعد تحليل معمق للوضع الدولي العالمي والوضع داخل البلاد التونسية إن المناداة بالتصعيد عملية في غير وقتها من جميع الأوجه وان التصعيد سيعطي في تلك الظروف فرصة لأعداء الحزب للتخطيط للقضاء عليه وتوقيف نشاطه. وبين والدي باطناب إن النشاط السري، في حالة حل الحزب من جديد، سوف لن يكون مجدي من جميع الأوجه.ووضح أن الغيوم القادمة تتطلب بقاء الحزب يعمل في نطاق القانون ولو كان هذا القانون جائرا حتى يقوم بدوره ومسؤوليته في تأطير الجماهير وإنارة سبيلها ومواصلة الدفاع جهارا عن استغلاله ومعاناتها وحتى يفرض الحزب نفسه دوما كممثل حقيقي وشرعي للشعب التونسي داخل البلاد وخارجها وذلك بدون منازع إذا ما أتصف نشاطه بالحكمة والجد مع الابتعاد عن الارتجال والانفعال في مسار نضاله الذي سيكون حتما مسارا طويلا . و انحصرت في آخر النقاش الخلافات لصياغة اللائحة السياسية العامة في المجاهرة في المطالبة بالاستقلال وفي سحب الثقة من الحكومة الفرنسية و أساسا في النقط التالية: - فبالنسبة لكلمة الاستقلال التي وردت في الاءحة كان يفضل والدي استعمال كلمة التحرير مثل محمود الماطري، في تلك المرحلة على الأقل، لأنها من جهة تعني في النهاية في مفهوم التونسيين التتويج بالاستقلال بدون منازع ، ومن جهة أخرى، لأنها بالنسبة للفرنسيين التقدميين، بالخصوص ، لا يمكنهم رفضها بدون التنكر لمبادئهم. - وأما بالنسبة لسحب الثقة، كان والدي يعتبر أن التوقيت غير ملائم ومن الأفضل ترك الباب غير مغلق تماما من جهة الحزب وترك كامل مسؤولية التصعيد والقمع إن حدث على كاهل السلطة الاستعمارية وذلك بهدف المحافظة على كسب دعم الرأي العام النزيه في الداخل وفي الخارج.وكان الزعيم الحبيب بورقيبة قد ساند في النهاية الجانب المتشدد وقع تمرير ضمن اللائحة قرار الحزب لسحب الثقة وشن إضراب عام مساندة لضحيا القمع الاستعماري في المغرب والجزائر. فقرر أمام هذا الوضع الدكتور محمود الماطري تقديم استقالته من رئاسة الحزب في آخر سنة 1937ورغب والدي النسج على منواله ولكن صديقه الحبيب بورقيبة طلب منه من جهة إقناع الماطري بتعديل رسالة الاستقالة و بتعليلها "بحالته الصحية" ومن جهة أخرى ألح عليه بعدم الاستقالة من "الديوان السياسي" في نفس الوقت حتى لا يحدث ضرر بالحزب. واستجاب والدي لرغبة بورقيبة من مطلق نداء الواجب واتصل بالدكتور الماطري وأقنعه بتعديل رسالة الاستقالة وأرجأ استقالته من "الديوان السياسي" ولكنه خفض من نشاطه الاعتيادي لأنه لم يكن مقتنع بالمنحى الذي انطلق فيه البعض من رفاقه: وكان والدي بالأساس رجل فكر حر وتمثل قناعته الشخصية المحرك الأساسي لنشاطه.ولما انعقد المجلس الملي " الموسع" يومي 13و 14 مارس 1938 شارك والدي بمداخلات مكثفة مدافعا دائما على وجهة نظره وعندما عرض على المجلس موضوع تعويض الرئيس المستقيل الدكتور محمود الماطري نادى مجموع الحاضرين تلقائيا وبحماس بالطاهر صفر كرئيس بدون أن يكون ذلك باقتراح من الحبيب بورقيبة خلافا لما كتبه البعض في أواخر القرن العشرين. وفهم من ذلك الإجماع والدي في البداية أنه توفق نوعا ما إلى إقناع الأغلبية على اجتناب التصعيد وقبل تحمل المسؤولية حين ألح أعضاء المجلس الملي على ذلك.ولكنه فوجي بمجرد قبوله الرئاسة بصيغة ل مشروع لائحة سياسية تعرض على المجلس مباشرة من طرف الحبيب بورقيبة بدون أن يكون قد اطلع على فحواها مسبقا و كان مضمونها في عدد من الفقرات متناقضا مع الأفكار التي دافع عليها طيلة مختلف جلسات المجلس،فأنفعل والدي وهو الرجل الرصين الذي عود المناضلين بعدم الانفعال، لأنه شعر و كأنه وقع في فخ بطريقة غير لائقة لا تحترم الأساليب الديمقراطية التي أنبنى على أساسها الحزب. وكان هذا الأسلوب الديمقراطي في أخد القرارداخل الحزب الجديد قد ميزه عن أساليب عمل الحزب القديم التي شارك الطاهر صفر في انتقادها بكل ما أتي من قوة إقناع. وأعلن الطاهر صفر فورا عن تخليه عن الرئاسة التي كان قد قبلها منذ برهة قصيرة وغادر قاعة الاجتماع وهو يفكر في صيغة تقديم استقالته من "الديوان السياسي" ليبقى مناضلا قاعديا حرا.ولكن الزعيم الحبيب بورقيبة زاره في منزله بنهج البرتقال بباردو أسبوعا بعد انعقاد المجلس الملي وبعد محادثة طويلة على انفراد أقنعه لمصلحة الحزب أن يعدل عن الاستقالة من "الديوان السياسي" على أن يكون له الحق في التمسك بموقفه لدى الخاص والعام مشيرا بالخصوص إلى تواجد تيارات مختلفة في عديد الأحزاب الغربية الديمقراطية ما دام الهدف الأساسي يبقى واحد. وهذا الهدف هو بالطبع بالنسبة للحزب الحر الدستوري الجديد تحقيق تحرير البلاد على مراحل. وتمكن الزعيم الحبيب بورقيبة من إقناع صديقه على إرجاء استقالته على الأقل حتى انعقاد المؤتمر الثالث للحزب. وكان هذا اللقاء على انفراد مع بورقيبة مناسبة لوالدي لمحاولة أخيرة لإقناع صديقه من خلال تحليل معمق ودقيق للأوضاع العالمية التي تنبي باندلاع حرب متناهية الخطورة بأن طريقة التصعيد التي أختارها والتوقيت الذي اختاره تحت ضغط عدد من الرفقاء النزهاء والمندفعين بحماس صادق ولكنهم ناقصي التجربة ولم يعمقوا التفكير في المخاطر المحدقة بالحزب و ذهب والدي في حديثه مع بورقيبة حتى إلى اقتراح ضرورة انكباب الديوان السياسي على إعداد وثيقة تبرز موقف الحزب من الصراع الذي سيحدث ومن مختلف التيارات السياسية المتواجدة على الساحة العالمية وخاصة النازية ليوضح فيها الحزب بالخصوص تمسكه الواضح بالمبادىء السياسية التي تعمل بها وتحترمها أحزاب ما سمي في ما بعد بالعالم الحر ويستشهد بمثل هذه الوثيقة الحزب عندما تأتي الحاجة وبالخصوص توقيا من نزعات التشفي والتنكيل والإطاحة بالحزب المتزايدة في أوساط المستعمرين. وكانت هذه التوصيات والنصائح لا تلتقي مع الوضع النفساني الذي كان يحرك بورقيبة في تلك الأيام الملتهبة ولم يعرها حسب تصور والدي في تلك الأيام العناية الكافية....... و تسارعت الأحداث في الأسبوع الأول من أفريل وبدأت الاعتقالات في صفوف قادة الحزب وترأس والدي وفدا لمقابلة الباي يوم 6 أفريل في قصره بحمام الأنف مطالبا بتدخله العاجل لسراح المعتقلين ثم كانت انطلاقة حوادث 9 أفريل وقاد والدي في صباح ذلك اليوم المشهود وفدا إلى الوزير الأكبر بالقصبة مناشدا إطلاق سراح المعتقلين لتهدية الأجواء المنفجرة.ولكنه وجد نفسه يوم 22 أفريل "محشورا" مع بقية أعضاء الديوان السياسي للحزب في السجن العسكري بعد أن وقع إعلامه كتابيا من طرف السلطة الاستعمارية بقرارها بحل الحزب وغلق كافة نواديه في جميع أنحاء البلاد. وخلافا لما أورده البعض إن الأزمة النفسية والانهيار العصبي التي ألم بوالدي في السجن في المرحلة الأخيرة قبل الإفراج عليه لم يكن مرده الأساسي قسوة " قيران دي قيلا" حاكم التحقيق الفرنسي المشهور بدهاِِءه ولكن كان نتيجة همسات ومواقف ونعوت وتعاليق البعض من رفقائه في السجن ومن بينهم صديقه الحميم الحبيب بورقيبة بنفسه وذلك عندما تمسك والدي بحقه الشرعي في إبراز اعتداله ونبذه للعنف مها كان مأتاه وهو الذي كان مبهرا بمنهج غاندي في المقاومة.
ولما اطلعت على ما ورد في ص 138 من مذكرات المناضل النزيه سليمان بن سليمان ربطت ما ورد في تلك الصفحة بالنصيحة الأخيرة التي قدمها والدي لبورقيبة في لقاءه معه على انفراد في مارس 1938 .ويقول سليمان بن سليمان وهو يحدثنا عن ما خالج بورقيبة في السجن في فترة سبتمبر 1939:" في الأيام التي تبعت الإعلان عن الحرب وفي الصباح كنا نتجول في ساحة السجن إذ ببورقيبة يدعو صالح بن يوسف ويدعوني للقدوم إلى غرفته. وبمجرد بلوغنا الغرفة يصرح لنا بورقيبة بتأثر: أريد أن أنخرط في الجندية.فأجبناه بكل عفوية: هذا سلوك غير معقول...وانتهى الأمر هكذا بدون نقاش..." هل أنا على حق في تفكيري بأن بورقيبة بمجرد اندلاع الحرب تذكر توصية الطاهر صفر في ضرورة أخذ موقف مسبق واضح للحزب من النزاع العاتي القادم؟ يتعين ربما على الباحثين أن يتعمقوا في الأمر. وحتى يتم ذلك فلي قناعة في أن الرسالة الشهيرة التي بعث بها الزعيم الحبيب بورقيبة إلى الدكتور الحبيب ثامر في سنة 1942 كانت متأخرة وكانت تركز في مضمونها بالأساس على قرب انهزام الألمان فقط ولا على المبادئ والنظم السياسية و لم تتعرض للقيم المجتمعية التي سينبني عليها ولو ظاهريا ما سيعرف بعد الحرب "بالعالم الحر". ولم تكن الرسالة في توقيتها وفي صيغتها كافية لحماية الحزب والوطن من التفشي الفرنسي الذي ساد بعد دخول الحلفاء إلي تونس وهم منتصرين. والحقيقة التي يقر بها بورقيبة بنفسه و كذلك عدد من المحللين السياسيين المتصفين بالجد هي: " إن الفضل في إنقاذ بورقيبة والحزب" كان أساسا ذكاء وحنكة قنصل الولايات المتحدة " دوليتل" الذي تصرف بحنكة في استغلال الرسالة وفي تصريحات بورقيبة بعد الإفراج عنه. كان هذا الديبلوماسي الأمريكي حظ الزعيم الحبيب بورقيبة في تلك الفترة العصيبة. و ملحمة الزعيم المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة حبلى بالتضحيات ولكن فيها كذلك عدد من الأخطاء و قد ساعد الحظ كذلك الحبيب بورقيبة لحمايته من أخطاءه التي لا تنقص شيئا من بطولته وعبقريته وفضله على الوطن ومكانه المرموق في قيادة تحرير الوطن وبناء الدولة الحديثة. وقد حاولت مقارنة شخصية بورقيبة وشخصية والدي بشخصية سياسيين فرنسيين فوجدت أن شخصية " فرنسوا ميتران" تقترب من شخصية بورقيبة وشخصية والدي تقترب من شخصية " منداس فرانس".ولست أدري هل أني وفقت في هذه المقاربة المرتجلة بالطبع.
صورة للديوان السياسي المنبثق عن مؤتمر الحزب سنة 1937

ثم الدكتور من اليمين الي اليسار الحبيب بورقيبة
محمود الماطري ثم الطاهر صفر وفي الصف الثاني
سليمان بن سليمان فصالح بن يوسف ثم البحري قيقة.

الباب الثالث

ذكرياتي الخاصة عن والدي
الطاهر صفر

طفولة والدي ودراسته بمعهد الصاديقة ومعد كارنو.
1903*1922
إن جل ما بلغني عن طفولة والدي-كما بينته في الباب الثاني- هو حصيلة ما علمت به من بعد وفاته ـ وأنا طفل بين التاسعة والحادية عشر من عمري ـ أثناء أحاديث متعددة حضرتها عفويا وكان فيها المتحدث عن والدي إما جدي من الأب مصطفى صفر أو جدتي من الأب عائشة بنت حسن التركي أو عمي أحمد صفر أو والدتي صالحة بنت محمد صفر أو الشيخ محمد الفقيه سالم أو الشيخ محمد الكسراوي أو الشيخ محمد عبد السلام أو الشيخ عبد الحكيم خوجة برد الله ثراهم جميعا و كان يرتبط كل هؤلاء بعلاقات متينة مع جدي مصطفى ومع والدي وسوف اقتصر على ذكر ما أجمعوا عليه في رواياتهم.ويستنتج من كل ما سمعته أن المحيط الذي ترعرع فيه والدي لم يختلف كثيرا عن المحيط الذي نما و عاش فيه العديد من أطفال مدينة المهدية في العشرية الأولى من القرن العشرين و المنتمين إلى ما يسمى اليوم عادة بالطبقة الوسطى، ولقد زاول "الكتاب" في الحي الذي كان يسكن به وهو حي كان يسمى في الماضي البعيد بحي "الرمال" وهو يتمثل الآن بالخصوص في نهج "جان روس". وحفظ الطاهر صفربعض الأجزاء من القرآن عن والده مصطفى ثم عن عدد من المؤدبين من بينهم مؤدب كان يسكن في نفس الحي وهو المؤدب حسن فضة ثم التحق والدي في السنة السادسة من عمره بمدرسة ابتدائية كانت تسمى بمدرسة سيدي عيسى أو مدرسة زاوية سيدي عيسى بالمدينة الفاطمية وكان من بين معلميها الذين يدرٌسون بالخصو الشيخ محمد عبد السلام معلم اللغة العربية والتربية الإسلامية. ولم يبرز أي تميز لوالدي عن بقية رفاقه في الدراسة في هذه المرحلة الأولى من التعليم الابتدائي. ولكن ظهر فجأة نبوغ والدي وتفوقه الكبير عن أقرانه في الدراسة أثناء السنوات الأخيرة من دراسته بالمدرسة العربية الفرنسية لمدينة المهدية والمعروفة الآن بمدرسة "ابن رشد" واقترن هذا النبوغ بإقباله المنقطع النظير على المطالعة سواء باللغة العربية أو باللغة الفرنسية ويرجع الفضل في ذلك إلى نواة المكتبة التي وجدت بالمدرس في تك الفترة. ومن المتأكد أن دور معلميه كان حاسما ولكني لا أدري ولم أتمكن من التعرف على من كان له من بين مربيه أكبر الأثر في نحت شخصيته في تلك المرحلة التي يبحث فيها غالبا كل طفل عن من تتجسم فيه المثل العليا والصفات التي من الممكن أن يرسخ بعض منها في نفسه.
و كان جدي مصطفى صفر قد تتلمذ على الزيتونيين المحافظين وباشر خطة عدل إشهاد بالمهدية بمجرد انتهاء دراسته في جامع الزيتونة بالعاصمة وكان وقورا وكثير الاتزان في حديثه و سلوكه سواءا في المنزل أو مع الناس، في حياته العامة أو الخاصة، وكان محترما و معروفا من جل أهل المهدية بلقب ً مصطفى صفر الشاهد ً وكلمة الشاهد تدل على مهنته وفي نفس الوقت تعرف بعائلته لان عائلات صفر كثيرة خصوصا بالمهدية وغالبا ما يضاف اسم ثاني للتمييز، فهكذا أضيفت إلى اسم صفر كلمة "مانقو" أو " الشيبوني" أو "قندورة" أو " رجب" وغيرها كثير وذلك كما قلت للتمييز بين مختلف عائلات صفر التي هي من اصل تركي. وكانت حيات جدي مصطفى كلها مسخرة لعمله وتربية أبنائه ورعاية شؤون أسرته، كان لا يجلس في المقاهي ويعود مباشرة إلى بيته عندما ينتهي من عمله، يتجول يوم الجمعة بالسوق و يصلي بالجامع الفاطمي أو بأحد الجوامع القريبة منه. وبالرغم من تغلب النزعة المحافظة على تفكيره وتنظيم حياته ببيته كان يتعامل مع أبنائه الذكور، حسب رواية جدتي عائشة، وكأنه الأخ الكبير، يطيل ويتعمق في الحديث معهم في جل المواضيع ويتابع تربيتهم وتعليمهم ويساهم في هذا التكوين إن اقتضى الأمر، لا يحلو له الطعام إلا و أبنائه معه حول المائدة التقليدية في حين تلتف بناته بقرينة حياته الوحيدة عائشة في مائدة ثانية. كانت قراءته المفضلة هي القرآن وكتب التفسير وكانت مكتبته متواضعة لا تتجاوز حوالي مئة كتاب من مؤلفات دينية وأدبية عربية وكان مولعا، حسب رواية الشيخ عبد الحكيم خوجة، على سبيل المثال بمقامات الحريري وبكتاب الحيوان لكليلة ودمنة.وكان حريصا على تجنيب أبنائه اللعب في الشوارع ويراقب باستمرار ، من نافذة في الطابق العلوي لمنزله ،أوقات رجوعهم من الكتاب أو المدرسة ولقد بقيت هذه العادة و هذا الحرص حتى مع أبناء ابنه الصادق وكذلك معي لما أقمت ابتدءا من أكتوبر 1942 بالمهدية بعد وفاة والدي.وكان جدي مصطفى متحفظا عن تعليم البنات في المدرسة الجديدة التي بعثت من طرف السلط الاستعمارية الفرنسية بالمهدية و اكتفى بتعليم بناته الثلاث القرآن والتربية الدينية في المنزل.كان جدي يقر بأهمية دور المرأة في المجتمع ولكنه يحصر هذا الدور، حسب قناعته، في شؤون الأسرة والتربية الأساسية للأبناء.كانت الحياة العائلية في بيته تتسم بالهدوء وحسن المعاملات بين كل أفراد الأسرة وكذلك بنوع من البساطة وحتى بشيء من التقشف،ولقد علم جدي بالكلمة و بالمثال والممارسة أبناءه القيم الأخلاقية السليمة ومن بينها الصدق في القول والنهي على كل منكر وكذلك اجتناب التبذير و عدم التبجح والتكبر.فعلى سبيل المثال كانت من بين الحكم المكررة في دار جدي مصطفى: ً اعمل لدنياك وكأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا ً أو " ساويها بالتي هي أحسن" "لا إكراه في الدين" "إنما الأعمال بالنيات" ً المال هو وسخ الدنيا ً. كما كانت تكرر العديد من الآيات القرآنية بقي بعضها راسخا في الذاكرة مثل: " لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" " إن أكرمكم عند الله أتقاكم" "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن " " ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها". ولقد توفى والدي وجدي طاعن في السن وكانت وفاة والدي المفاجئة تشبه الكارثة بالنسبة لجدي بعد ما كان قد عانى نفسانيا من سجن ابنه بعد حوادث أفريل 1938 وقد أصابته نوع من الكآبة بعد وفاة والدي حتى أني لا أتذكر أني شاهدته يوما يضحك أو حتى يبتسم. ولقد قبل جدي امتحان الله بصبر ولكن، في نفس الوقت، بنوع من الحزن الدفين الذي لازمه حتى أن غادر "دار الشقاء" كما يقول البعض عن حياة الإنسان في هذه الدنيا. فلم يتمكن جدي من متابعة تربية أحفاده كما اعتنى بتربية أولاده.وبما أن والدتي كانت تحسن القراءة والكتابة باللغتين العربية والفرنسية وذات شخصية قوية نوعا ما فقد ترك لها مهمة تربية أبنائها كاملة. وكان جدي مصطفى قد أخطأ في منع والدتي من تمكين أختي زينب وأختي نجاة من الدراسة بمدرسة الفتيات بالمهدية.وبالرغم من صغر سني فقد حز في نفسي موقف جدي وتصلبه في هذا الموضوع الذي اعتبرته هاما.ولم يكن جدي يحدثني كثيرا عن والدي وعن حياته و إن جل ما علمت به كان عفويا و بالخصوص كلما سنحت لي الفرصة بسماع حديث بين جدي وبعض من زائريه- أمثال الشيخ الكسراوي أو الشيخ عبد الحكيم خوجة- الذين كانا يبادرانه الحديث بالتذكير وبالإشادة بخصال والدي ومناقبه. فالصور التي بقيت راسخة في ذهني بالنسبة لجدي مصطفي هي صورة رجل مسن، منطوي على نفسه، يقضي جل وقته منعزل مثل الرهبان في الطابق العلوي من منزله. يقضي ساعات يومه في تلاوة القرآن و في إعادة قراءة كتب مكتبته.ولم يتمكن من الاستماع إلى الإذاعة إلا عندما أهداه أبنه أحمد مذياعا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حوالي سنة 1947 .
وإن التألق و التفوق الكبير والمميز الذي أظهره والدي طيلة دراسته بالمدرسة الصادقية و معهد كارنوا و وكذلك نجاحه بامتياز في امتحانات انتهاء الدروس الصادقية و جزئي الباكالوريا الفرنسية دفع المدرسة الصادقية إلى أن تعلن عن استعدادها لتمكينه بمنحة تكفل نفقات مواصلة دراسته بفرنسا تشجيعا منها له.وفتحت له الصادقية إمكانية العمل بالمدرسة الصادقية كمدرب أو كقيم لمدة سنة أو سنتين قبل الالتحاق بباريس لمواصلة دراسته ( وذلك حسب ما أشار إليه بنفسه في مذكراته التي كتبها في منفاه بجرجيس) ولكن بمجرد انتهاء دراسته الثانوية عرض عليه في نفس الوقت و بإلحاح كبير من طرف السيد الطيب رضوان ـ العضو في مجلس إدارة الجمعية الخيرية الاسلامية بتونس التي تسير وتمول المدرسة الابتدائية العرفانية بالعاصمة ـ تحمل مسؤولية إدارة و إصلاح برامج هذه المدرسة كما ألح عليه صديقه السيد العربي مامي أصيل مدينة المرسى. فاحتار الطاهر صفر في أمره وكان ممزقا بين رغبتين : رغبة استكمال الدراسة في عاصمة النور ورغبة الاستجابة إلى اقتراح يجعله ينطلق فورا في خدمة بلاده والإسهام في تكوين أبناء وطنه حسب الأساليب الجديدة التي تملك بها. و قد رجح موقف جدي مصطفى - الذي أيد بقوة مقترح السيد الطيب رضوان - الكفة نحو حل البقاء في تونس وقبول مهمة إدارة المدرسة العرفانية. و هكذا تحمل والدي طيلة سنة ونصف تقريبا مسؤولية الإدارة المباشرة للمدرسة ثم التحق بباريس في أكتوبر 1925 بعد أن عين نائبا له للسهر على تسيير المدرسة وتألب عندئذ جانب من مجلس الجمعية الخيرية على هذا النائب فاستقال والدي من مسؤولياته وتفرغ تماما لمواصلة دراسته بباريس. وهكذا يتبين أن جدي كان في الحقيقة لا يرغب كثيرا في تنقل أبنائه إلى فرنسا وكان نوعا ما أمام الأمر المقضي بالنسبة إلى ابنه الطاهر: فنتائجه المميزة من جهة، والمنحة المفتوحة دائما لمواصلة الدراسة التي وفرتها الصادقية من جهة أخرى مع تحريض رفاقئه للالتحاق بباريس وخاصة من بينهم صديقه الحبيب بورقيبة. وان كانت النتائج المدرسية لأخي والدي أحمد حسنة جدا فلم تبلغ درجة التفوق والامتياز التي بلغتها نتائج والدي و بالتالي لم يتحصل عمي أحمد في تلك الفترة عن منحة لمواصلة الدروس في الخارج: كل ذلك جعل جدي مصطفى يستعمل كل سلطته على ابنه أحمد لكي يبقى في تونس. ويقول لي بعض الأهل انه كان يخشى أكثر على ابنه أحمد من التزوج بأجنبية إذا ما درس بالخارج. وقد أصدرت الجمعية الخيرية الإسلامية سنة 1926 كتاب تحت عنوان " صفحات بيضاء وصفحات سوداء" قدمت فيه تاريخ الجمعية والمدرسة التابعة لها وتعرضت إلى المجهودات الكبيرة التي بذلها السيد الطيب رضوان لتطوير مجالات تدخلها والى الإصلاحات التي أنجزها الطاهر صفر لتطوير مناهج المدرسة وتحسين مستوى التعليم فيها كما كشف الكتاب عن المناورات التي تعرض إليها كل من طيب رضوان ورفقائه في مجلس إدارة الجمعية والطاهر صفر مدير المدرسة لما عين خلفا له لم يرضي شقا من مجلس إدارة الجمعية. و ورد ابتداء من الصفحة 16 من الكتاب وصف لوضع المدرسة عند تسلم والدي المسؤولية ثم عرض لما أنجزه في فترة قصيرة وهذا مقتطف من الكتاب : " ...ولا بد لنا قبل أن نذكر الأعمال التي قام بها السيد الطاهر صفر في سبيل تنظيم المدرسة أن نأتي إنصافا للرجل على وصف المدرسة عند استلامه إدارتها:
أولا فانه وجد أن المعلمين غير أكفاء للتعليم لان الجمعية بسب ضيق مواردها وانصرافها إلى الأعمال الخيرية المادية كانت تختار هذا النوع من المعلمين لزهادة مرتباتهم وكان هذا سببا في انحطاط التعليم بالطبع...
وأما ثانيا فان إدارة المدرسة لم تكن منتظمة أقل تنظيم بل كان أمرها أقرب إلى الفوضى منه الى ما يسمى إدارة قائمة.لم يكن هنالك نظام في توزيع التلاميذ على الأقسام بحسب معلوماتهم العامة بل انك تجد التلميذ المتحصل على درجة معتبرة في النحو مثلا منحطا تماما في اللغة الفرنسية أو العكس... .
وأما ثالثا فلم يكن ما يمكن أن يسمى برنامج تعليم ولا مناهج يسير عليها المعلمون في التدريس فتراهم أحينا يوجهون عنايتهم إلى هذا العلم وأحيانا إلى ذاك وترى معلم هذا القسم يسير على منهج ومعلم ذلك القسم يسير على آخر بل يقع هذا الاختلاف حتى في القسم الواحد.....هذه الحالة التي وجد السيد الطاهر صفر المدرسة وذلك هو السبب في انعدام ظهور النتائج....وهذه الأدواء التي وجه همه ونشاطه وخبرته لمعالجتها فوق غاية التوفيق وتوالى ظهور النتائج السارة للمدرسة كما سنبينه فيما يلي:
كان أول إصلاح التفت إليه هو رفع مستوى المعلمين من حيث الكفاءة والأخلاق.....". وخصص الكتاب صفحات عديدة لوصف كافة الإنجازات والإصلاحات والنتائج التي تحققت في المدرسة حتى كادت تصبح مدرسة أنموذجية في تلك الفترة من تاريخ البلاد.
والدة مثالية ضحت بحياتها وفاءا لزوجها و لحماية أبنائها.

ولم تنقطع والدتي عن الحديث عن والدي طيلة حياتها التي سخرتها لتربية أبنائها و لإحياء الذكريات المرتبطة بحياتها القصيرة مع والدي. وكانت تتحاشى ونحن صغارا أو بالأحرى تتجنب عمدا التعرض لبعض التفاصيل التي كانت تتعلق باختلاف آرائه السياسية مع البعض من رفقائه في الكفاح التحرري. وهي تفاصيل من شأنها ـ حسب تصورها ـ أن تحدث اضطرابا في نفوسنا أو تنشى حقدا أو ضغينة ما على الآخرين و نحن مازلنا في المرحلة الأولى من سن المراهقة. فكانت تأقلم حديثها مع تقدمنا في السن.وصارحتنا بكل ما كانت تعلم به عندما أصبحنا كبارا وناضجي الفكر. كان حفل زفاف والدي و والدتي بالمرسى مناسبة لأول زيارة لوالدتي إلى العاصمة فكانت تصف لنا كل مراحل وتفاصيل حفل الزفاف في المنزل الذي وضعه على ذمة جدي مصطفى بمدينة المرسي صديق العائلة المرحوم العربي مامي. وأطنبت ولدتي في حديثها لنا على علاقاتها مع والدي وعلى كل ما وجدت من حسن معاملة ولطف و رعاية و حب قوي من زوجها. كما أطنبت في وصف خصاله كزوج وكأب وكمواطن. كانت ترى في والدي الرجل المثالي و تؤكد أنها تعلمت منه وعنه الكثير وكانت فعلا مبهرة ومعجبة و متعلقة بقوة بشخصية والدي وببعد نظره حتى أنها كانت تقول: كان يتنبأ ويتصور ما لا ينتبه إليه العديد من قرانه وكانت بالخصوص معجبة بتشبثه القوي بالمثل العليا قولا و ممارسة و بتواضعه وحسن معاملته لكل الناس على اختلاف إنتمآتهم وميولهم ومستوياتهم الاجتماعية و العلمية أو جنسياتهم. وكانت تعيب على والدي شيئا واحدا ألا وهو انغماسه المفرط- حسب تصورها- في المطالعة والاختلاء المطول بالكتب بالإضافة إلى اعتقادها الراسخ أن تعكر صحة زوجها و وفاته مرجعه الأساسي خيبة الأمل التي أصيب بها وتضرر منها نفسانيا بالخصوص أثناء إقامته بالسجن العسكري ثم المدني و حتى بعد خروجه من السجن في سنة 1939 بعد محنة أفريل1938. وكانت تؤكد أن والدي لم يعبر لها عن أي ضجر أو قلق أثناء محنته الأولى عندما أبعد إلى الجنوب سواء أثناء إقامته الجبرية بجرجيس أو أثناء سجنه في "برج البوف" المسمى اليوم ببرج بورقيبة. وتبين لي عندما تقدمت في السن أن والدي لم يكن يروى إلى والدتي كل تفاصيل وكامل جزئيات أو ملبسات أعماله المهنية و النضالية والسياسية خوفا من إزعاجها أو تكديرها و كان يسعى إلى إبعاد قدر المستطاع حياته العائلية عن مشاغل حياته السياسية وأغوارها.وهو ما يفسر أن والدتي لم تحدثنا عن كامل أسباب اختلاف وجهات النظر بين والدي وصديقه في الدراسة و النضال الزعيم الحبيب بورقيبة و ركزت والدتي بالخصوص على ذكريات تتعلق بتبادل الزيارات الودية والعائلية وكانت معجبة بالأخلاق العالية للزوجة الأولى للحبيب بورقيبة السيدة الفاضلة مفيدة ( ماتيلد) وكانت على غرارها تركز في الحديث عن علاقة والدي بالحبيب بورقيبة إلى جانب علاقات الزمالة والصداقة ولم تشأ إقحام خلافاتهما السياسية والفكرية في العلاقات العائلية التي بقيت في مختلف المراحل تتسم بالتقدير و الود والاحترام المتبادل بين اللأمرءتين وحرصت والدتي بعد وفاة زوجها أن تبقى وفية لهذا السلوك وحرصت كل الحرص على تلقيننا ذلك المنهج وترويضنا عليه.فكانت على غرار ما تعلمته في منزل والدها و على غرار ما تعلمته عن زوجها لا تتحدث عن أحد بسوء وتتجنب ـ ما كان ولا يزال يروق للكثير من الناس ـ الحديث في أعراض الناس حتى أصبح هذا السلوك من طباعها الراسخة وميزة من ميزات شخصيتها.


عقد قران بالمهدية وحفل زفاف بالمرسى بدار مامي في صيف سنة 1929








صورة لوالدتي جالسة مع أختي زينب صحبة زوجة السيد العربي مامي وهي واقفة مع ابنتها فاطمة. المرسى سنة 1931





إنهاء دراسة والدي بباريس ومباشرته مهنة المحامات ونضاله بتونس:

وأثناء الثلاث سنوات التي قضاها بباريس أعطى الطاهر صفر الأولوية للدراسة والتملك بالمعرفة في المجالات التي اختارها وهي الحقوق والاقتصاد السياسي والآداب والفلسفة ووجد في المكتبات الباريسية و خاصة مكتبة "سانت جنفياف " بالحي اللاتيني ما يشفي غليله في المطالعة سواء بالنسبة للمؤلفات ذات العلاقة ببرامج دراساته أو تلك التي تلتقي باهتماماته الخاصة. ولكن انغماسه في الدراسة لم يمنعه من الاهتمام بالحياة الثقافية و السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمحيط الجديد الذي أصبح يعيش فيه.ولاحظ من البداية الصعوبات التي كان يتعرض إليها الطلبة التونسيون,على قلة عددهم, لمواصلة دراساتهم بالعاصمة الفرنسية مقارنة بالتسهيلات المتوفرة لعدد وافر من الطلبة الأجانب الموجودين آنذاك بباريس ولاحظ أن دولة صغيرة كبلجيكا وفرت لطلبتها دارا للإقامة فيها كل المرافق التي تسهل للطالب الدراسة. فكان قد بعث من باريس رسائل عديدة إلى وطنه وبالخصوص إلى الشخصيات التونسية التي كانت ساهرة على الجمعية الخيرية يحثهم فيها على التفكير في جمع التبرعات لبناء دار للطلبة التونسيين بباريس. وكان غالبا ما يلتقي أيام الأحد من كل أسبوع مع عدد من رفقائه التونسيين في الدراسة وبالخصوص مع الحبيب بورقيبة والبحري قيقة وكانت أحاديثهم تتناول مختلف القضايا ولكن بالخصوص الأوضاع السياسية والاجتماعية في تونس وهو ما كان يشغلهم بالدرجة الأولى.
وكانت نتائج والدي في مختلف مجالات دراساته بباريس مميزة وكان غالبا ما يتفوق على جل زملائه في الدراسة وهم من مختلف الجنسيات. وشارك في مناظرة في مادة الاقتصاد السياسي وتحصل على الجائزة الأولى.وقد اعترف " ادكار فور" الوزير الأول الفرنسي في "مذكراته" في أول حوار مع بورقيبة بتفوق الطاهر صفر عليه في مرحلة الدراسة في كلية الحقوق بباريس.إذ كتب "فور":
“Notre conversation trouva d’emblée son point d’harmonie: nous avions,l’un et l’autre, fréquenté à la même époque la faculté de droit de Paris,..Nous nous souvenions des mêmes professeurs. Je lui parlai de son compatriote Tahar Sfar qui collectionnait les prix dans les concours de fin d’année où je récoltais d’honorables accessits.” Edgar Faure, Memoires Tome 2 p 192 E. Plon.
باشر والدي مهنة المحاماة بمجرد عودته من باريس إلى تونس وأجرى تربصه في مكتب المحامي والعضو في اللجنة التنفيذية للحرب الحر الدستوري السيد صالح فرحات. ثم باشر بمفرده مهنته في مكتب بنهج أنقلترة بالعاصمة ثم انتقل بعد رجوعه من المنفى في "برج البوف"، وكانت أوضاعه المالية متدهورة، إلى مكتب بنهج الباشا في مبنى تملكه عائلة من عائلات "دار لخوة" العريقة في العاصمة وضع على ذمته بثمن معقول وبقي هذا المكتب تحت تصرفه حتى وفاته سنة 1942.بقيت في ذاكرتي الصعوبات المادية والإدارية التي واجهها والدي في صمت لإرجاع مكتبه تدريجيا إلى سالف نشاطه بعد خروجه من السجن .
وأتذكر اليوم الذي أرجع فيه الهاتف إلى مكتبه وتنفس الصعداء بعد انتظار طويل دام أكثر من سنة وقد عادت الابتسامة على ملامح الكاتب والمحامي المتربص. وكان في تلك الفترة المحامي المتربص الذي يعمل بمكتب والدي هو السيد إبراهيم بن حميدة نجل الحاكم المعروف الشيخ أحمد بن حميدة المتزوج من امرأة أصيلة مدينة المهدية و لها قرابة من والدتي وكان الكاتب القار للمكتب السيد محمد معرف أصيل المهدية وكان للرجلين فضل كبير إذ تمكنا بصعوبة من إبقاء مكتب والدي مفتوحا طيلة إقامته بالسجن العسكري ثم المدني بعد أحداث 1938 وذلك بإمكانيات مالية زهيدة خاصة وأن والدي كان مطالبا بدفع أقساط من ثمن المنزل الذي كان قد اشتراه في باردو.
و كان والدي يتقن مهنته أيما إتقان. وكان شديد التعلق بشرف المهنة, فبصرف النظر عن تطوعه الطبيعي والتلقائي للمرافعة والدفاع عن مناضلي الحزب أمام القضاء الفرنسي عندما يكون في حالة سراح, كان يعطي نفس الأهمية للتعمق في دراسة وإعداد المرافعات لكل القضايا التي كان يتعهد متابعتها. وكان غالبا لا يتقاضى أي أجر من ضعاف الحال.وسمعت مرارا، على سبيل المثال، الشاعر سعيد أبوبكر يعدد هذه الخصال في أحاديثه مع عمي أحمد لما كان يزوره في مقر إقامته في صفاقس. وكان والدي على غرار الدكتور محمود الماطري حريصا كلٌ الحرص عل أن يكون نضاله السياسي عملا تطوٌعيا بأتمٌ معنى الكلمة و في كلٌ جوانبه وأن يتحمل تبعاته كلها ونفقاته المادية بدون قبول أي إعانة مالية أو تعويض من مالية الحزب بالرغم من تواضع موارده وقد التجأ عند ما كان في المنفى إلي الاستعانة بوالده وبعائلته التي لم تكن -خلافا لما يتصوره الكثير- من العائلات الميسورة.
وقد قال "فيليسيان شالي" المفكر الاشتراكي الفرنسي الذي تابع بالخصوص السنوات الأولى لنشاط الدستور الجديد في مؤلفه بعنوان "الكتاب الأسود عن الاستعمار" الذي أعيد طبعه سنة 1999 بباريس بدار النشر " الأيام الحمراء" متحدثا عن زعماء الحزب الحر الدستوري الجديد بص 130 :
« les dirigeants du néo-Destour sont des hommes d’une haute valeur intellectuelle et morale, tous ayant reçu une sérieuse culture française, tous pénétrés d’esprit démocratique français : le président du parti, le docteur Materi, au frais visage grisonnant, énergique, réfléchi,volontiers silencieux ;Me Habib Bourguiba, jeune avocat, infatigable sous une frêle apparence,orateur émouvant, au geste vif, à la parole entraînante ; Me Tahar Sfar, penseur combinant une double culture philosophique européenne et arabe, orateur précis, s’adressant surtout à l’intelligence ; Me Bahri Guiga, jeune avocat élégant et fin »
والدي كان رجلا متعلقا بقوة بالقيم الإنسانية العليا و كان رجل قناعات أخلاقية وسياسية واجتماعية راسخة وثابتة. فكان يعتبر- على سبيل المثال- أنه يجب إخضاع العمل السياسي إلى تحكيم العقل وتعميق التفكير والإحاطة بكلٌ المعطيات وعدم الاقتصار على المدى القصير وكل ذلك مع التحلي بحدٌ أدنى من القواعد الأخلاقية ولو أن الكثير، مع الأسف، لا يؤمن بالأخلاق في السياسة. وكان والدي يعتقد أن تقدٌم الشعوب و تقدم الإنسانية جمعاء هو رهين عديد الشروط ومن بينها الإقلاع عن التصور "المكيافلي" للعمل السياسي وتوخي تصور وسلوك يتماشى مع المبادئ النبيلة التي ينادي بها الخطاب السياسي الرشيد. وكان الطاهر صفر مقتنعا بالنظريات الفكرية والفلسفية التي تنادي وتؤمن بعدم تبرير واستعمال كل الوسائل بما فيها الرذيلة أو ذات الطابع الإجرامي لتحقيق الغايات مهما كان نبلها. كان والدي رجلا يريد تدريب و تعويد الشعب التونسي على النضال المستمر العقلاني لتحقيق ما يبتغيه من تقدم وحرية ولكن باستعمال الوسائل السلمية ومع احترام القانون السائد الذي لا يعني نفي النضال لتغييره بعمل متبصر و طويل النفس إذا كان القانون جائرا. وكان الطاهر صفر شديد التعلق ال العميق والصادق بالفلسفة "الغاندية" في ما يخص وسائل النضال الوطني للتحرر من المستعمر. وهذا ما تكتشفه عندما تبحث وتتعمق في فهم مواقفه السياسية المتباينة أحيانا مع مواقف و قناعة صديقه الحبيب بورقيبة وقد تبين ذلك بوضوح بالخصوص في محنتي 1934 و 1938. ففي أزمة سبتمبر 1934عندما نفي الحبيب بورقيبة ومحمود الماطري وجد الطاهر صفر نفسه أمام وضع يملي عليه تحمل المسؤولية كاملة فكان أمام خيارين: فإما أن يعمل بأفكار الحبيب بورقيبة وكان يعرفها مليا- كان بورقيبة لم يتوانى عن تأكيدها من منفاه- أو أن يعمل حسب قناعاته التي كان رئيس الحزب آنذاك محمود الماطري موافقا عليها. فتشاور والدي مع رفقاء له بقوا أحرارا معه في العاصمة وهم بالخصوص البحري قيقة وصالح بن يوسف. وتم هذا التشاور في منزل البحري قيقة بالضاحية الشمالية بالكرم، حسب رواية عمي أحمد، وعرض الطاهر صفر وجهة نظره بكلٌ نزاهة وقال لرفقائه نحن أمام خيارين : الخيار الأول: هو أن نواصل عقد اجتماعات احتجاجية ندعو فيها المناضلين والجماهير إلى التصعيد والتظاهر المستمر وتنظيم الإضراب تلو الإضراب والصدام مع قوى الأمن على غرار ما حصل في المكنين وتسيل الدماء وفي بضعة أيام يلقى القبض على كل ما تبقى من المناضلين من مختلف المستويات ويقضى على الحزب والحركة،و أما الخيار الثاني: فيتمثل في مواصلة نضال أعتبره أنجع و يتمثل في مواصلة تعبئة المناضلين حول المطالبة برجوع رفقائنا وفي نفس الوقت نعمق ونوسع التعريف بشرعية مطالبنا ورصانتها وجدية حزبنا في تبنيه أسلوب الحوار والمفاوضة وفي نفس الوقت نواصل الكشف عن مظالم المستعمر مع عدم إعطاء الفرصة للخصم للادعاء بأن الحزب هو المتسبب في العنف وتفشى الفوضى. و وافق عن قناعة كل من البحري قيقة وصالح بن يوسف على الحل الثاني.
فسار العمل من سبتمبر 1934 إلى جانفي 1935 على أساس هذا المنهج مع المناداة بمقاطعة السجائر وعدد من البضائع المستوردة وذلك عندما تبين أنٌ المقيم العام الفرنسي غير ملتزم بوعوده و اعتبر الزعيم بورقيبة من منفاه كما يعرف الجميع أنٌ هذا المنهج غير حازم ولام رفقائه في الكفاح على هذا التوجه ودعا إلى تصعيد المقاومة. كان والدي حريصا على التأكيد على أن الحزب الحر الدستوري الجديد يعتمد في تنظيماته و نشاطه على نفس الأساليب التي تعمل بها في نطاق الشرعية الأحزاب العصرية والديمقراطية في فرنسا نفسها حسب رواية المناضل الشيخ محمد الكسراوي زوج عمتي الشاذلية. ثم إن والدي تحادث مطولا مع جدي مصطفى بالمهدية عندما قدم إليها في مناسبتين على الأقل في الفترة المتراوحة بين سبتمبر و ديسمبر من سنة 1934. ودار الحديث حول المنهجية التي أقرها ولدي مع البحري قيقة وصالح بن يوسف وبعد موافقة رئيس الحزب المبعد الزعيم محمود الماطري بالخصوص لمواجهة الوضع الناجم عن نفي جل رفاقه. وكان يعتقد جدي أن ابنه اتخذ طريق الصواب وبقي وفيا للمنهجية المتفق عليها في مؤتمر قصر هلال. كان عمي أحمد في تلك الفترة يعمل كمعلم في الوطن القبلي وتبادل الحديث مع والدي في شأن ملابسات تلك الفترة عندما زار مدن وقرى الوطن القبلي وعقد العديد من الاجتماعات فيها. وأكد لي عمي أحمد أن جلٌ مناضلي الحزب في الوطن القبلي كانوا متجاوبين و منسجمين مع توصيات وتوجيهات الطاهر صفر والبحري قيقية. كما كان ذلك بارز في عديد من الجهات في التراب التونسي مثل جهة تونس و صفاقس وعدد كبير من مدن الساحل وغيرها وكان تقاسم الأدوار بين المسؤولين على المستوى الوطني وبين المسؤولين على المستوى المحلي محكما ومتناسقا في تلك الفترة العسيرة خلافا لما ورد في بعض من الروايات. و انطلاقا من أواخر سنة1937بادر جدي مصطفى في بعض المناسبات التي زار فيها ابنه في تونس بالحديث عن مضمون بعض الخطب للزعيم الحبيب بورقيبة التي استمع إليها بنفسه في ضواحي العاصمة و أتذكر، في هذا الصدد، أن عمي أحمد أكد لي أن جدي ما فتىء يقول لابنه الطاهر :" إن الزعيم الحبيب بورقيبة تغير كثيرا عما كنت ألمسه فيه من تعقل و رصانة و تحكيم للعقل عندما كان طالبا في باريس ويزورنا في الصيف في المهدية. يبدو لي أنٌ حماسه في خطبه أصبح يطغى عليه وهو كثيرا ما يحرك عاطفة المستمعين إليه أكثر من مخاطبة عقولهم. وكأن المنهجية التي اتفقتم عليها في قصر هلال تغيرت وأصبحتم تدعون على لسان الأمين العام للحزب إلى الثورة جهارا. ولو فرضنا أنكم قررتم ذلك بعد التداول والنظر إلى كل العواقب فهل من المعقول أن تجاهروا في اجتماعات عمومية بمثل هذا التحول؟" وكان والدي دائما حسب رواية عمي أحمد يهدي من روعة جدٌي مدافعا عن بورقيبة وموضحا أنٌ لهجة الخطب في كل الأحزاب تختلف من زعيم إلى آخر في الحزب الواحد حسب مزاج وشخصية كلٌ زعيم و إن المرجع الأساسي يبقى في مستوى لوائح الحزب المصادق عليها في المؤتمر. و لم يقتنع والدي بصحة تحليل جدٌي إلا بعد أن أخبره رئيس الحزب محمود الماطري بالأسباب الحقيقية التي جعلته يفكر في طلب الاستقالة من رئاسة الحزب. و قد ازدادت هذه القناعة أو لنقل إنها اكتملت بعد الأجواء التي سادت اجتماع المجلس الملي للحزب في مارس سنة 1938وكان والدي عازما على الاستقالة من الديوان السياسي بعد خروجه من هذا الاجتماع وهو غير راض عن سير الأشغال وعن الطريقة التي استعملت لإعداد اللائحة السياسية بالخصوص. ولم يعدل عن الاستقالة إلا بعد حديث مستفيض وعلى انفراد مع الزعيم الحبيب بورقيبة في الأسبوع الموالي لاجتماع المجلس الملي والذي سبق لي أن أشرت إليه.
وكانت والدتي تزور دوريا والدي عندما أنتقل من السجن العسكري إلى السجن المدني وكان يصحبها بالخصوص تارة عمي أحمد وتارة المحامي المتربص بمكتب والدي المرحوم إبراهيم بن حميدة ورافقتها مرة لزيارة والدي وعاتبها بلطف والدي على ذلك نظرا لصغر سني ( خمس سنوات).
ولقد استغرب والدي من إيقافه ومن إيداعه في السجن العسكري بعد حوادث أفريل1938 إذ كانت له مواقف سياسية واضحة وعلنية معروفة من طرف الجميع: من طرف مناضلي الحزب وقادته ومن طرف سلط الحماية التي كانت لها مخابراها حتى داخل الاجتماعات الحزبية المختلفة. وهي نفس المواقف التي اتخذها الدكتور محمود الماطري رئيس الحزب قبل استقالته من الرئاسة وبعدها. ولم يقع إيقاف الدكتور محمود الماطري. فلماذا وقع إيقاف الطاهر صفر والبحري قيقة وكليهما له نفس المواقف التي اتخذها الدكتور محمود الماطري. ومن هذا المنطلق كان يقول الطاهر صفر لوالدتي- أثناء زيارتها الأولى- " إن إقامتي في السجن سوف لن تطول وأعتبر وجودي في السجن غلطا وسأدافع عن سلامة مواقفي أمام قاضي التحقيق بالرغم من شراسته وتألبه علينا" ولكن الطاهر صفر قال لأخيه أحمد -في ما بعد- أنه يتصور أن اعتقاله سيدوم وربما تدركه حتى المنية وهو في السجن وأعطاه تعليمات شفاهية واضحة ثم أردفها بوصيات كتابية- (ضمن رسالة حررها في السجن ومدني بها عمي بعد وفاة والدي)- للبدء في أخذ التدابير لغلق مكتبه بنهج الباشا بتونس واهداه في التوصية مكتبته. ولما خرج الطاهر صفر من السجن بعد مدة أرهقته كثيرا نفسانيا من جراء سلوك قاضي التحقيق نحوه بالأساس وكذلك ومن جراء سوء فهم مواقفه وسوء تأويل هذه المواقف- عمدا حسب تقديره- من بعض رفاقه في النضال. إن الجو الذي جابهه داخل السجن المدني حز في نفسه كثيرا وكان السبب الرئيسي في تدهور صحته البدنية والنفسية. وأريد في هذا المجال أن أكون محترما لإرادة والدي عندما أمر والدتي بحرق العديد من الأوراق التي حبرها بعد خروجه من السجن وسجل فيها بالخصوص نظرته إلى ملابسات حوادث 9 أفريل 1938 والجو الذي ساد في الفترة التي قضاه في السجن العسكري ثم في السجن المدني. وأكتف في هذا المجال بما أشرت إليه. ولم تذكر لنا والدتي أسبابا محددة لوفاة والدي:لقد لاحظت مثلا أنه فقد ابتسامته بعد خروجه من السجن، تلك الابتسامة التي كانت لا تفارقه، كما لاحظت نوع من الكآبة النفسية التي ربما ساهمت في إضعاف مناعته. ثم إن الطبيب الفرنسي الذي عالجه في الأيام الأولى من توعك صحته لم يتفطن إلى خطورة مرضه وأضاع الوقت ولما نقل والدي إلى المستشفى توفي قبل أن تنتهي الفحوص التي برمجت له. وبقينا هكذا لا نعرف بدقة نوع المرض الذي كان سببا في رحيله إلى الرفيق الأعلى ما عدى الأوجاع التي كان يشير إليها في مستوى المعدة وانهيار قواه البدنية. وبعد خروج والدي من السجن تعرض لصعوبات جمة لإعادة مكتبه إلى نشاطه العادي ولم يتحصل على إرجاع خط الهاتف لمكتبه إلا بعد مدة طويلة مضنية - وأسوق هذا على سبيل المثال- وكان والدي يخفي عن والدتي توعك صحته وكان يقضى وقته أساسا بين عمله في المكتب وبين الكتابة في منزله بباردو مخصصا وقتا لمتابعة دراسة أختي الكبرى زينب في المدرسة الفرنسية للبنات في باردو و انطلاق دراستي بالمدرسة الفرنسية العربية بباردو للذكور وكان لديه شعور بأنٌ نشاطه السياسي السابق كان على حساب واجباته العائلية. وفي صيف سنة 1942لازم والدي الفراش لمدة أسبوع تقريبا وكان طبيب الصحة العامة الفرنسي الموجود بباردو يزوره يوميا وكان يقول لوالدتي في الأيام الأولى إنٌ الأوجاع التي يشتكي منها والدي في مستوى المعدة وارتفاع الحرارة ناتجتان عن تعفن بسيط في المعدة. ولكن استفحل المرض وأعلم عمي أحمد الدكتور محمود الماطري بحالة والدي فأسرع لزيارته وكنت مع أختي زينب عند قدومه وبقيت أتذكر ابتسامته وهو يخاطب والدتي بلطفه المعهود وهو يحاول تخفيف الأمر في بهو المنزل قبل الدخول إلى غرفة الوالد. ثم دخل الغرفة قائلا ما مفهومه " يا سي الطاهر كنت أنوي أن أزورك عن قريب لنتبادل الآراء حول نوايا سيدي المنصف بالنسبة لتشكيل حكومة جديدة خاصة وأنه ذكركم بكل تقدير ولم أتصور قطٌ أن أجدك في الفراش" ثم أغلق الباب وطال انتظارنا ولما فتح الباب استدعى الدكتور الماطري والدتي للدخول وقال لها " يجب أن ينقل سي الطاهر في أقرب وقت إلى مستشفى عزيزة عثمانة إذ يتعين إجراء فحوص معمقة." وأضاف الدكتور الماطري" إني سأتصل بالمستشفى للاستعداد لقبوله". وبمجرد ما غادر الدكتور الماطري طلب والدي من والدتي أن تخرج من مكتبه في غرفة الاستقبال كلٌ ما حبره فوق أوراق مصفرٌة اللون مند خروجه من السجن وإتلافها حرقا حتى -لا قدر الله- لا تتواجد في أياد مغرضة تريد الإساءة للحركة الوطنية وبلادنا ستدخل بدون شك في دوامة الحرب وتبعيتها الخطيرة. واستجابت بالطبع والدتي لطلب والدي وبقيت مع أختي زينب أتذكر لهيب النار -تحت المدرج الذي يؤدي إلى سطح الدار- وهو يلتهم شيئا فشيئا حوالي مجلدين من الأوراق المحبرة بخطٌ والدي بحبر من لون بنفسجي. و هكذا اضمحلت إلى الأبد "حقيقة الطاهر الصفر ومستندات مواقفه السياسية ومعاناته والملبسات التي تفاعل معها بالخصوص في فترات حاسمة مثل فترة 1937-1940وتلك كانت إرادته النابعة عن بعد نظر وعن إعطاء الأولوية لمصلحة الوطن العليا قبل الدفاع عن شرعية وسلامة آرائه الخاصة. وبعد الظهر من نفس اليوم -6أوت 1942 رافقت والدتي وعمي أحمد والدي إلى المستشفى وعند صعوده إلى العربة" الكاليس" التي ستنقله إلى المستشفى انزلقت رجله من المدرج وقالت لنا الوالدة في ما بعد أنه أخفى عليها ضعف حتى بصره خوفا من إزعاجها.وقد توفى والدي بالمستشفى يوم 8أوت بعد الظهر قبل أن تكتمل الفحوص وهكذا لم يعرف بدقة نوع المرض الذي كان سببا في موته. واجتنابا لتعقد إجراءات إخراجه من المستشفى وهو متوفى نقل في سيارة أجرة على جناح السرعة إلى المهدية مصحوبا بوالدتي وعمي أحمد على أساس أنه مريض وصل الجثمان إلى المهدية في الليل وسجل كأنه توفى بالمهدية يوم 9 أوت 1942 ودفن في نفس اليوم وكان يوما شديد الحرارة وبالتالي لا يمكن إرجاء الدفن إلى اليوم الموالي. هذا ولم تتحرك شعبة المهدية في موكب الدفن ولست أدري من كانوا المسئولين عن نشاطها في تلك الفترة الحرجة التي كانت فيها هياكل الحزب لا يمكن أن تعمل وتنشط إلا في نطاق السرية.
قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى في مستشفى عزيعة عثمانة بالعاصمة أكد والدي على توصيتان: توصية لوالدتي يأكد فيها على حسن تربية ابنائه وتغذءة ضمائرهم بالوطنية السليمة وابعادهم قدر المستطاع عن مغامرات العمل السياسي البحث. وأما التوصية الثانية فكانت لعمي أحمد وكانت تتضمن جانبان, جانب أول موجه لعمي إذ طلب منه أن يسخر كل مجهوداته للتوسع في تعليم الطفولة التونسية والرفع من مستوى التعليم الابتدائي باستعمال القواعد البيداغوجية العصرية, وجانب ثاني يتعلق بتذكير الدكتور محمود الماطري بتوصيته التي أفصح له بها وهو مريض مضطجع في فراشه في منزله بباردو عندما زاره الدكتور قبل نقله الى المستشفى وهي توصية تتعلق ببذل قصار الجهد لدى ما تبقى من الرفقاء والزملاء و حتى لدى ملك البلاد المنصف باي حتى لا تنزلق ولا تتورط الحركة الوطنية ولا ينزلق الشعب التونسي في التعاون مع قوى المحور والابتعاد عن مغريات الدعاية النازية والفاشية.....
وقد أقر لي الزعيم الحبيب بورقيبة في أواخر شهر أوت من سنة 1986أثناء عشاء معه على انفراد بقصر صقانس بالمنستير أنه يشعر بمرور الزمن بقساوة الموقف الذي أخذه ضد والدي قبل خروجه من السجن في 1939 مأكدا أنه كان يعتقد، مع رفقاء آخرين، أن مقتضيات النضال السياسي كانت تتطلب مثل ذلك الموقف بالنسبة لكل دستوري يخالف التوجه المتشدد الذي أتخذه الحزب وأضاف برقيبة:" كان علينا على الأقل أن نستثني الطاهر صفر ومحمود الماطري من الموقف السياسي الذي اتخذناه". ولكني أعتقد أن بورقيبة فهم بالخصوص لما كان في سجن "فور سان نكولى" عندما بلغه خبر موت والدي أن موقفه كان في غير محله وقد أرسل برقية تعزية إلى جدٌي مصطفى كان مضمونها يفهم منه ذلك. وهذا ما أكده لي جدٌي بنفسه وكذلك عمي أحمد وقد لمت الجد والعم عن عدم الاحتفاظ بهذه البرقية. ولقد كان جدٌي قد تقدم في السن وانطوى على نفسه عندما تقدمت في السن وأصبحت أتساءل عن كثير من المواضيع المتعلقة بمسيرة والدي.وفي الحقيقة إن العديد من المعطيات و من المعلومات المتعلقة بمسيرة والدي تحصلت عليها من عمي أحمد الذي بحكم تواجده في تونس العاصمة حتى بعد الحرب العالمية الثانية بقي باتصال دائم مع الزعيم الحبيب بورقيبة وخاصة مع زوجته الأولى مفيدة بورقيبة "ماتيلد.» وما أعرفه عن جدي في هذا المجال -نقلا عما قاله لي عمي أحمد- أنه أصبح غير مرتاح بعد أن تسنى له أن يستمع إلى بعض الخطب للزعيم بورقيبة في سنة 1937 وكان جدي يصارح والدي بإحترازاته وقلقه عند ما يقول له على سبيل المثال ما مفهومه " لقد تغير بورقيبة وأصبح لا يحكم العقل في خطبه المرتجلة. فكيف يعقل أن ينادي جهارا بورقيبة في الاجتماعات العامة- أمام البوليس- بالمقاومة العنيفة وبسيلان الدماء في الوقت الذي يلاحظ أن حتى الأحزاب الثورية لا تجاهر بذلك حتى لا تترك للخصم حججا لتصفيتها وقمعها" وتأكدت مخاوف جدي بعد حوادث أفريل1938 ولكن لم يبلغ به الأمر حتى يضمر الحقد على الزعيم الحبيب بورقيبة وقد قبل اقتراح شعبة المهدية في أوت 1950 أن يستقبل الزعيم بورقيبة عند زيارته المهدية وحضر جدٌي فعلا الاجتماع الكبير الذي انعقد في ساحة الجامع الفاطمي بمدينة المهدية. وتأكد لي ذلك عندما أعلمني عمي أحمد أن والدي اجتنب مزيد تكدير مشاعر جدي فأخفى عنه وعن والدتي كذلك الكثير من الملابسات و المعاناة النفسية التي قاساها في السجن العسكري ثم في السجن المدني بتونس سنة 1938وسنة 1939 وذلك لا من شدة ظروف السجن العسكري ثم المدني ولكن من جراء عدد من تصرفات وسلوك وأقاويل و"توعدات" صدرت من عدد من زملائه وربما من بورقيبة نفسه. ولم يحدثني لا عمي ولا جدي الكثير عن المحنة الأولى محنة "برج البوف" ويقول لي عمي إن جدي تقبلها بصبر كبير وكان راضيا كل الرضي على ابنه في ما سمي " بحملة التهدئة". وزار جدٌي ابنه مرة واحدة عندما نفي في جرجيس صحبة ابنه الطيب ولكنه لم يتمكن من زيارته عندما زج به في السجن العسكري الصحراوي المعروف "ببرج البوف" برج بورقيبة اليوم.كما أكد لي عمي أن والدي كان مرتاح الضمير لكل ما قام به في الفترة المتراوحة بين سبتمبر 1934 جانفي 1935 تاريخ نفيه بجرجيس.وتعامل والدي مع الأوضاع الصعبة حسب ما أملاه ضميره و اعتمادا على ثوابت للعمل السياسي العصري الرصين التي يِؤمن بها والتي كان يريد تدريب الشعب التونسي عليها: تحرك باتفاق تام مع زميله البحري قيقة عضو الديوان السياسي الذي لم ينف في سبتمبر 34 وضمٌ صالح بن يوسف إلى الديوان السياسي المبتور المتبقي وقام الثالوث بالواجب بكل مسؤولية وجدٌ.والوثائق المتعلقة بتحركات وبالنشاط المكثف للطاهر صفر ولرفاقه البحري قيقة وصالح بن يوسف في هذه الفترة متوفرة لكل مؤرخ يريد البحث والتوفق إلى قراءة موضوعية للأحداث والمواقف.ففي فترة وجيزة دامت ثلاثة أشهر فقط طاف الطاهر صفر ورفاقه جل مناطق البلاد مفسرين للتونسيين أن الحزب متمسك بثوابته ومطالبه ويريد أن يقيم الحجة على النوايا الحقيقية للمقيم العام وإعطائه المهلة المطلوبة للإيفاء بوعوده لهم. وفي الأثناء كانوا يوصون بإعداد العدٌة لمواصلة النضال في صورة عدم إيفاء المقيم العام بوعده المتعلق برجوع المنفيين إلى ديارهم. وكانت هذه الفترة مناسبة حاول فيها الطاهر صفر إرساء علاقات طبيعية للتعاون مع الحزب القديم ولم الشمل وتوفق إلى حد ما في ذالك: وتمت فعلا المظاهرة الكبيرة التي قادها من تونس إلى المرسى مقر إقامة الباي بمشاركة جميع الوطنيين التونسيين وحاول الطاهر صفر تدريب الشعب التونسي على المقاومة غير العنيفة عبر "مقاطعة المواد المستوردة والسجائر" واستنتج أن الحزب مازال غير قادر لتعبئة الشعب بمختلف شرائحه لإنجاح مثل هذا الأسلوب الحضاري والراقي في التعبير القوي عن غضبه. كما استنتج أن على الحزب أن يقوم مدة سنوات أخرى بعمل دؤوب لتثقيف الشعب سياسيا و "تأهيله" وتأطير جميع شرائحه بمنظمات مختصة تتعاون مع الحزب وتآزره.... إلى غير ذلك من الاستنتاجات الأخرى التي تبرز بجلاء في المحن.وخلافا لما وقع في محنة 1938 التي وجد الحزب الجديد نفسه نسبيا وحيدا أمام القمع فإنٌ محنة1934أبرزت بداية نواة تضامنية متواضعة من خارج الحزب من طرف حزب الدستور القديم في الداخل ومن بعض الشخصيات في فرنسا نفسها. و خلافا لما روجه البعض لم أسمع أبدا عن ضغوط من العائلة أو بالأحرى من طرف جدٌي على والدي لكي "يضعف". فرجل في حجم الطاهر صفر وبعد التجربة التي اكتسبها في النضال كان قادرا على تحمل مسؤولية مواقفه بمفرده. ولكن ما علمته من مصادر مختلفة( عمي أحمد، سعيد أبوبكر، المحامي القلاتي) هو أن والدي تألم كثيرا من جراء ما أعتبره عدم التروٌي والتبصر لعدد من رفاقه في محنة 38 وتألم والدي خاصة من تنكر البعض من رفاقه في الكفاح لمبدأ الحق في الاختلاف في الرأي و من تنكر البعض الآخر للاتفاق الأساسي المتعلق بحق كل طرف في الاستناد إلى قناعاته ومواقفه العلنية. وهو أساس العمل السياسي الديمقراطي الذي تأسس أو" انبنى من جديد" عليه الحزب في قصر هلال سنة 1934. وقد أعتبر الطاهر صفر في تلك الفترة أن الدعوة إلى « تلبيس جبة الخيانة" إلى كلٌ من يختلف في الرأي أو حتى في اختيار توقيت التصعيد انحراف خطير وسابقة خطيرة تكون عواقبها أخطر على المدى البعيد خصوصا بالنسبة لتقاليد ومنهجيات العمل السياسي في البلاد بعد الاستقلال الآتي بدون شك طال الزمان أو قصر.. فهل يمكن استخلاص مما سبق أن الحزب الحر الدستوري الجديد بدأ انزلاقه في منهج الحزب الغير الديمقراطي انطلاقا من انعقاد اجتماع المجلس الملي في شهر مارس سنة 1938؟
لا أستطيع الجواب على مثل هذا السؤال وعن أسئلة أخرى عديدة وهامة تبادر ذهن العديد من التونسيين في ما يتعلق بالخصوص في أساليب أخد القرار طيلة مسيرة الحزب الطويلة وتأثير ذلك على مجرى الأحداث وعلى سلوكيات النشاط السياسي في بلادنا وذلك قبل الاستقلال وطننا وبعده. وإن الجواب على مثل هذه الأسئلة هام جدا وهو أساسا من مشمولات الباحثين والمختصين في التاريخ وفي المقارنة بين مناهج مختلف حركات التحرير في العالم وفي المغرب العربي.وبدون إطالة في هذا الموضوع أعود إلى ذكرياتي عن والدي مضيفا أن علاقات والدي بأخيه أحمد كانت علاقات تقليدية وطبيعية بين الأخ الكبير والأخ الأصغر وزادها نضال الطاهرصفر وتحمله المسؤوليات القيادية في الحركة الوطنية قوة وبعدا خاصا.كان والدي يروم للحديث المفصل في القضايا الوطنية والحزبية مع أخيه أحمد وكثيرا ما يقترح عليه مرافقته عند ما يقوم بزيارات أو لقاءات خاصة إلى بورقيبة وهكذا تكونت علاقة ودية بين بورقيبة وأحمد صفر تواصلت حتى بعد وفاة والدي. وحافظ بورقيبة على هذه العلاقة الخاصة مع أحمد صفر حتى في الفترة التي أصبح فيها رئيسا للجمهورية. بالطبع كان أحمد صفر يتجاوب مع تحاليل و مواقف أخيه وكان الطاهر صفر له تأثير كبير على أخيه أحمد. فعلى سبيل المثال أتذكر أن عمي أحمد كان متردٌدا كثيرا للمشاركة في مناظرة انتداب متفقد لتعليم العربية من طرف إدارة العلوم والمعارف وكانت مناظرة صعبة في مرحلتي الكتابي والشفاهي وكانت مفتوحة لانتداب متفقد واحد وعدد المرشحين كان وافر نسبيا ولكن استطاع الطاهر صفر بعد حديث مطول إقناع أخيه للإقدام على المشاركة بثقة في النفس خاصة لما أكد له أنه مستعد لإعانته على إعداد نفسه وضع مكتبته على ذمته مبينا أن فترة الستة أشهر المخصصة للاستعداد كافية لمراجعة المواد المدرجة ببرنامج المناظرة بما فيها المواد البيداغوجية التي كان والدي مولعا بها. وفعلا تم ذلك وفاز أحمد صفر بامتياز في المناظرة وأصبح هكذا ثاني متفقد التعليم العربي في البلاد التونسية مع الأستاذ الصادق السبعي الذي سبقه في هذه الخطة بعدد من السنوات.
ولا أتذكر كلٌ الزوار الذين توافدوا على والدي بعد خروجه من السجن خاصة وأنه معتاد أن يستقبل زواره بمكتبه و لا يستقبل عادة في المنزل إلا أفراد العائلة وزملائه أعضاء الديوان السياسي.و كان يتبادل الزيارات في المنزل مع رفقائه مثل محمود الماطري والحبيب بورقيبة والبحري قيقة وصالح بن يوسف و وكل ذلك قبل حوادث أفريل 1938. وبعد خروجه من السجن في أفريل 1939 اهتمٌ والدي أولا بإعادة مكتبه لنشاطه العادي وكان في ضائقة مالية وثقلت عليه مبالغ الأقساط المالية المتعلقة بالمنزل الذي اشتراه بباردو قبل دخوله للسجن واضطرٌ إلى بيعه سنة 1940 واقتناء مسكن أصغر ومتواضع جدا وأبعد من مزله الأول في منطقة باردو. وهو المسكن الذي خرج منه لمستشفى "عزيزعة عثمانة" بعد أن فحصه الدكتور محمود الماطري كما ذكرت ذلك. ولقد قدمني لأول مرة أثناء اجتماع دستوري بعد الاستقلال المناضل المرحوم محمد صالح بالحاج (وكان معي عضوا باللجنة العليا للشبيبة الدستورية) إلى الزعيم علي البلهوان فعانقني بحرارة كبيرة وقال لي بتأثر كبير ما مفهومه " أنا أعترف إني أخطأت في فهم بعض المواقف للراحل العظيم والدكم سي الطاهر...ولكني من بعد وفي السجون فهمت كل شيء ولو كان حيا لاعتذرت إليه.." وأضاف " وان شاء الله في متسع من الوقت أحدثك عن عديد المواضيع" ولكن توفي المرحوم الزعيم علي البلهوان بعد بضعة اشهر. و قرأت في هذه السنوات كتابا قيما للدكتور زهير الذوٌادي بعنوان:
" الوطن والحرية:مقدمة في الكتابات السياسية لعلي البلهوان-" ولفتت انتباهي بالخصوص فقرة من تحرير الزعيم علي البلهوان بالصفحة 143و144 من الكتاب أنقلها للقاري كاملة نظرا لأهميتها. وقد حبرها الزعيم علي البلهوان في أواسط الخمسينيات:
" ...وجد قادة الحركة الوطنية مجالا من الوقت-مدة خمس سنوات متوالية سجنا-للتفكير وإعمال الروية ومراجعة أنفسهم في الأحداث التي مرت بهم والمعارك التي خاضوها والنكبات التي لحقت بتونس، وتناولوا بالبحث السياسة الاستعمارية الفرنسية وطرقها، وخاصة بريطانية، وتصفحوا تاريخ الأمم التي كانت مغلوبة على أمرها وتحررت من العبودية والرق، فخرجوا من تلك الأبحاث المتكررة، والمحادثات الطويلة بأفكار تبلورت وتعمقت وقرأت للواقع حسابه وآراء مقامة على معرفة شعبهم ونفسية الخصم وطبيعته و ضعوا خطة سياسية طويلة النفس صعبة التنفيذ، فيها المغامرة والمخاطرة وفيها أيضا التعقل والحكمة، وعلموا أن الارتجال في قيادة الشعب يجر الخذلان والمهالك، كما أن السير الثابت في طريق معينة مضبوطة وخطة واحدة قد توضحت مبادئها العامة وتناسقت أجزائها وتكاملت، وارتبط بعضها ببعض، ضمان النجاح والنصر إذا كانت لها المؤنة الكافية، وأمكنها مسايرة الظروف والتقلبات العالمية والداخلية".
قلت في نفسي عندما قرأت هذه الفقرة وكأنه الطاهر صفر يتكلم قبل حوادث أفريل 38.
كنت قد زرت الزعيم المنجي سليم في مقر إقامته كسفير بواشنطن ضمن وفد متركب من ثلاثة ممثلين لمنظمات الشباب: محمد إدريس يمثل الشبيبة الدستورية ومحمد عبد المولى يمثل الشبيبة المدرسية وعبدكم يمثل الكشافة التونسية.كان الوفد مدعو إلى المشاركة في ندوة دولية لحركة نشطة في تلك الفترة في الولايات المتحدة تحت اسم "التسلح الأخلاقي العالمي".واصطحبنا الزعيم المنجي السليم بتواضعه المعروف في سيارته حتى مدينة نيويورك وتحدثنا في جلٌ المسائل ولم يذكر ولو مرة الطاهر صفر ولم يسأل حتى عن أوضاع العائلة.
و نفس الشيء بالنسبة لكلٌ من الزعيم البحري قيقة و الزعيم الباهي الأدغم:فقد التقيت بهما عديد المرات ولم يحدثاني عن والدي البتة.
أما الدكتور محمود الماطري فقد بقي باتصال بعمي أحمد بعد وفاة والدي وكان غالبا عندما ألتقي به ما يكرر " والدك المرحوم سي الطاهر كان مفكر كبيرا وزعيما فذ وهو من أعز الرفقاء..الله يرحمو وينعمو.."
وتعرفت على المناضل البشير زرق العيون لما توليت إدارة وكالة التبغ بالوردية ولم يحدثني قط في تلك الفترة عن والدي ولكن عندما تقدم في السن وكنت في الوزارة الأولى قالي لي في إحدى المقابلات " كانت صحة ولدكم متدهورة جدا عندما أخرج من السجن العسكري إلى السجن المدني بتونس وكانت "زنزانته" بجواري وكنت أسمع طوال الليل أنينه وحتى صراخا كبيرا وأبلغت بذلك الحبيب بورقيبة قائلا: " راهو سي الطاهر عندو مرض كبير" فأجابني الزعيم" ربما يكون ذلك تمارضا". ولم أفهم حتى اليوم دوافع هذا الخبر في قالب سرٌ باح به إلي المناضل البشير زرق العيون والبلاد آنذاك تعيش ظروفا صعبة وخطيرة.
وكان المرحوم المناضل الصادق المقدم من المعجبين بالطاهر صفر و يقول لي لقد حاولت أن أتعلم منه الكثير ولكن فقدناه مبكرا قبل أن ينتهي تتلمذنا علية. والمناضل البشير بوعلي يطنب كذلك في ذكر خصال والدي كلما التقيت به. وغيرهم كثير من جميع جهات الوطن.فيوسف الرويسي وموسى الرويسي كانا كذلك يكنان كل التقدير لوالدي.وكان كذلك الزعيم الكبير والشهيد الهادي شاكر شديد التعلق بشخصية ولدي وأكد المحامي حسن القلاتي لي ولعمي أحمد صفر وهو الذي باشر متابعة استنطاق " دي كايلا" لوالدي ولعدد من زعماء الحزب بعد اعتقالهم: "إن المرحوم الشهيد الهادي شاكر -وهو سجين- كان من بين الزعماء القلائل الذين عبروا عن سرورهم عند خروج الطاهر صفر من السجن و قد جاهر برأيه منتقدا كل من أراد التشكيك في إخلاص الطاهر صفر للقضية الوطنية."
أما بالنسبة للمجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة كانت جلٌ اللقاءات معه مهنية والوقت ثمين والمواضيع معقدة والجهد مخصص للعمل لا لتبادل الخواطر على الماضي ما عدا عدد قليل من الأحاديث التي انفردت معه فيها بالخصوص بالمنستير حول مائدة العشاء. فكان بعد أن يستمع إلى الأخبار والتلفاز أمامه يتجاذب معي أطراف الحديث حول المواضيع العائلية التي تشغل باله وعندها أحيانا يجره الكلام إلى والدي فكأنه يعتبره من عائلته فهو بالنسبة إليه أكثر من صديق عادي..كنت أحيانا أشعر عند ما يتكلم عن الطاهر صفر بانفراد معي وكأنه أخوه الكبير وان كانت تتغير تعاليقه من مناسبة إلى أخرى حسب ظروفه النفسية إلا أنه يقر دائما أن الطاهر صفر ترك فراغا في الحزب وانه شعر في كثير من القضايا المصيرية بحاجة ملحة للاستماع إلى آرائه. وقدعلم بورقيبة بوفاة والدي وهو في السجن وعبر لي عن نوع من الندم عن الموقف الذي أخذه ضد والدي في السجن بعد حوادث أفريل 1938 . ولم يتعرٌض ولو مرة في انفراد معي إلى ما قاله عن الطاهر صفر ومحمود الماطري في "محاضراته التاريخية "عن الحركة الوطنية وهو رئيسا للجمهورية التونسية. بقي بورقيبة من فترة رجوعه من السجن من فرنسا عبر إطالية باتصال شخصي مع عمي أحمد صفر الذي كان يسكن حمام الأنف وقت الحرب ثم انتقل إلى منزل يوجد في نهج بوخريص بالعاصمة وأقام به حتى انتقاله إلى صفاقس في النصف الثاني من الأربعينيات وكان يزوره بورقيبة في هذا المنزل. كان في تلك الفترة المدير الفرنسي للعلوم والمعارف اسمه " جورج قستون" وأتى بعده" لوسيان باي" الذي نادينا بسقوطه كل مرة تظاهرنا كتلاميذ ابتداء من أحداث جانفي 1952. كان عمي يقول لي أن "قستون" خلافا " لباي" وجده متفتحا ومتفهما لتربية وطنية سليمة في المدارس و قد نظم له لقاء خاص حول مائدة الطعام مع بورقيبة في نهج بوخريص وكان "قسطون" قد أعجب بالثقافة العالية لبورقيبة لما لمس فيه من عمق في التحليل ومن اعتدال إثناء الحديث معه وخرج من اللقاء بانطباع طيب عن رجالات الحزب مغايرة تماما لما كان يروجه غلاة الاستعمار عن زعماء الحزب من أباطيل. وقال لي عمي: لما عرضت على "قسطون" البعض من مقالات أخي الطاهر بالفرنسية أعجب بها وخاصة مقال تحت عنوان " ما هي الحضارة؟ " ومقال تحت عنوان " العلوم والتقنيات" وقال "قسطون": " أخاك كان عبقري يضاهي كبار مفكرينا" وواصل بورقيبة هذه العلاقات الشخصية الودية مع أخ صديقه الطاهر صفر حتى وفاة عمي. وكان وهو رئيسا للجمهورية يتجنب تماما الحديث في شؤون الدولة مع أصدقائه الشخصيين ويخصص الحديث معهم في بعض من أوقات فراغه في آخر الأسبوع لذكريات الشباب وللأدب والمعرفة. ولكن المهم الإشارة إليه أن بورقيبة كان في كل لقاء يطلب من عمي أن يبحث على المخطوطات التي تركها والدي و لا بد أن يكون قد حبرها بالخصوص بعد خروجه من السجن في سنة 1939. و كان عمي يعلم أن والدي فعلا كتب الكثير ولكنه أمر بحرق جل ما كتب قبل انتقاله إلى المستشفى و وفاته فيه قائلا لوالدتي: " إن ما كتبته كان للتاريخ والتاريخ يكتب بعد وقت طويل و الظروف الحالية خطرة و العالم في حرب ضروس ولست أدري في أي أيدي تقع هذه الوثائق فتستعمل ضد حركتنا الوطنية بسوء نية" وأحرقت والدي المذكرات الثانية والأخيرة للطاهر صفر. ولم يرى عمي فائدة في إعلام بورقيبة بهذا الموضوع وبقي بورقيبة يتصور أن العائلة محتفظة بما حبره الطاهر صفر بعد خروجه من السجن.
وبقيت مع عائلة عمي أحمد أزور من حين إلى آخر السيدة الفاضلة " مفيدة بورقيبة" خاصة بعد الطلاق ولما أصدرنا "يوميات المنفي" التي كتبها والدي بجرجيس في منفاه سنة 1935 أهديت الرئيس بورقيبة نسخة وسلمتها عن طريق زوجته الأولى التي كانت تقطن في ذلك الوقت بمنزل منعزل في حديقة "البلفدير" بتونس العاصمة. وكان الرئيس بورقيبة يزورها بكل انتظام كل يوم أحد ويتناول الفطور معها ثم يأخذ شيئا من الراحة قبل مغادرتها. ولما عدنا لزيارة السيدة مفيدة من جديد بعد بضعة أشهر قالت لنا في سياق الحديث: " لقد سلمت كتاب سي الطاهر لسي الحبيب ولأول مرة لم يأخذ راحته المعتادة بعد الفطور بل انطلق في قراءة الكتاب بلهفة كبيرة ولم يغادر المنزل إلا بعد الانتهاء من الإطلاع عليه وكانت في النهاية بعض الدموع تغمر عينيه" وقال لها " أنا أقراء الكتاب و يتراء لي و كأنٌ سي الطاهر حاضر معي".
ويتسائل البعض عن سبب تعدد كتابات والدي باللغة الفرنسية وندرتها النسبية باللغة العربية وشعرت كأن وراء هذا التساؤل تصور مخطئ عن انبهار الطاهر صفر باللغة الفرنسية واحتقار اللغة العربية. فمن المفيد أن يطلع القاري الكريم على دفاع الطاهر صفر عن اللغة العربية باللغة الفرنسية. فهذا جزء وافر من مقال لوالدي صدر في العدد 40 من جريدة ناطقة بالفرنسية اسمها "تونس الجديدة" بتاريخ 24 ماي 1928 تحت عنوان " مستقبل اللغة العربية" وهذا هو المقتطف من المقال:
« La Tunisie Nouvelle » N° 40 24 mai 1928, « l’avenir de la langue arabe,à propos d’une conférence à l’Association Ettaquafa- al- Arabia » par Tahar Sfar.
« L’association pour le progrès de la langue arabe : Ettaquafa-al-Arabia a eu l’heureuse idée d’inviter M. Massignon, le sympathique professeur du Collège de France, à faire une conférence, à son local sis au palais des sociétés savantes. Le sujet de la conférence était le suivant « l’avenir de la langue arabe et le rôle des étudiants orientaux » .Inutile de dire que le sujet a été traité d’une manière magistrale par l’éminent orientaliste, dont les idées nettes et précises, l’analyse serrée et la vigoureuse expression ont produit le meilleur effet sur un auditoire choisi.Mon but ici n’est pas de rapporter les paroles de M. Massignon, ce serait pour moi une tâche bien difficile, je me propose seulement de mettre en lumière certaines idées qu’il a développés et de faire la critique d’une ou de deux de ces idées qui m’ont paru discutables, tout au moins quand on leur donne un expression trop absolue. M.Massignon a commencé par développer trois traits principaux dont il a fait les traits caractéristiques de la langue, sa « Khassia » de sorte qu’on doive faire évoluer l’Arabe en les respectant. Quels sont ces trois traits ? Je commence par celui qui me paraît discutable et que M. Massignon a indiqué en dernier lieu. L’Arabe, d’après l’éminent orientaliste, a une composition de phrases qui exprime la pensée brusquement, d’un seul coup, en commençant par l’argument le plus fort, le plus saillant au lieu de s’y exprimer progressivement et par echelon en procédant par contraste et opposition comme dans les langues aryennes.
Je crois qu’il y a là une erreur : La langue arabe est une langue qui s’est développée régulièrement à travers les siècles, qui, ayant sans cesse à exprimer des idées nouvelles, s’est modelée sur ces idées,loin d’être un monde rigide, elle a été une alvéole de cire que les mains habiles des écrivains et poètes qui s’en sont servie ont assouplie de diverses façons et ce travail d’assouplissement continue sous nos yeux, grâce aux efforts des Egyptiens et des Syriens, et c’est pour cela d’ailleurs qu’ont peut affirmer que la langue arabe n’est pas une langue morte comme le grec ou le latin qui eux se sont fixés en des moules définitifs parce qu’ils ont cessé d’être des véhicules de la pensée.La langue arabe est donc une langue qui a une histoire, et s’il est vrai que le trait signalé par M Massignon a caractérisée l’esprit de cette langue à un moment donné, lors d’une phase de son histoire, cela a cessé d’être par la suite.
Il est vrai qu’avant l’Islam et même pendant les premiers siècles de l’Islam, ce que l’on recherchait surtout quand on s’exprimait en arabe, c’était « El Ijaz oual ihàjaz », mais cette tendance s’expliquait, à mon sens, par des faits d’ordre social et non par des phénomènes linguistiques, on se servait de l’arabe au cours de cette période pour composer des vers ou pour faire des sermons ou des discours politiques : dans les deux cas, on cherchait uniquement à frapper l’esprit de l’auditeur, on s’adressait à sa sensibilité, on exprimait des idées qui se prolongeaient en quelque sorte dans son esprit, des idées avec lesquelles il était familiarisé, mais auxquelles il fallait seulement donner le ton qui frappe, la forme saisissante, par conséquent, point besoin des longs développements qui font traîner en longueur et risquent de lui faire perdre sa vigueur en chemin ; une antithèse, une expression heureuse, un mot bien choisi suffisent le plus souvent pour frapper l’attention de l’auditeur, éveiller sa superstition ou ébranler dans son esprit tout un monde de pensées, c’était la « chiquenaude » qu’il fallait, c’est ainsi que l’orateur « Kiss Ibn Saïda » dira : « celui qui vit est sujet à la mort, qui meurt passe, donc advienne que pourra. »
Ces trois propositions courtes constituent un syllogisme mais l’idée étant banale et à la portée de tout le monde, point besoin des longs développements : c’est la présentation qui est tout. Mais quand on est venu à exprimer ,non plus des lieux communs, mais des systèmes philosophiques, quand on est venu à discuter des sujets de techniques juridiques ou théologiques, des problèmes de subtile psychologie, alors la méthode de « Ijaz et Ihâzaz » s’avéra insuffisante et il fallut expliquer tout au long un système dans ses moindres détails, développer des idées, tellement hors du commerce, qu’il fallut pour l e faire accepter de mettre en lumière leurs moindres nuances ;c’est ainsi que nous avons vu des philosophes comme Avicenne et Farabi, peu habiles à manier la langue arabe, mais tenant coûte que coûte à exprimer toute leur pensée écrire lourdement dans un style chargé d’expression grecques et latines,d’autres écrivains, maîtres, ceux-là, de leur instrument, ont réussi à agir sur lui, l’assouplir, c’était Ibn Mokaffaâ ; c’était surtout Jahiz et Ghazali et d’autres encore. Chez tous on vit s’introduire la manière dont M. Massignon semble faire l’apanage des langues aryennes, c’est à dire l’art de conduire l’idée progressivement, d’ailleurs ils y étaient forcés, leurs systèmes philosophiques,leurs développement de théologie auraient été incompressibilités sans cela, de même pourrait –on concevoir un philosophe moderne comme Bergson, par exemple, présentant son système avec les procédés de composition par contrastes et oppositions qui d’après M. Massignon seraient spécifiquement sémitiques ?
Donc, au cours de cette période et de celle qui l’a précédée la langue loin d’asservir la pensée s’est moulée sur elle, elle a été un instrument docile entre les mains des maîtres qui s’e sont servi.
Les poètes seuls ont continué à adopter la vielle méthode mais les idées poétiques ne sont point de celles qu’on a besoin d’exprimer dans leurs détails, en les développant progressivement.Certains poètes néanmoins,Abou Ala El Maari en particulier, ont su se montrer novateur quant aux procédés de composition dans un grand nombre de leurs poèmes.
Quand nous arrivons à l’arabe moderne, nous voyons, grâce aux Egyptiens et aux Syriens, la phrase arabe s’assouplir encore plus, au point d’être expressive des idées les plus subtiles, la méthode aryenne s’installe en maîtresse, plus de proverbes, des maximes concises, de traits saillants, de jeux de mots, mais des développements où la pensée s’étage, où l’idée s’exprime par échelons successifs.On observe ce phénomène, d’une manière en quelque sorte matérielle à la facilité avec laquelle on peut traduire en une langue européenne un écrivain comme El-manfalouti,(Je cite à dessein un auteur aimé par les plus conservateurs d’entre les lettrés et sur la beauté du style duquel tout le monde est d’accord)
Bien plus les poètes syriens en sont arrivés à réformer même la poésie restée jusque là réfractaire dans une certaine mesure seulement à la nouvelle méthode d’expression de la pensée. C’est ainsi que l’école américaine s’est évertuée à composer de petits chef-d’œuvres de poésie où une seule idée progresse et évolue petit à petit.Je cite comme exemple le poème de Michael Noaïma intitulé « Le Fleuve Glacé » où la pensée évolue en quatre étapes. 1e étape : description du fleuve glacé, tristesse de la nature, 2e étape : au printemps la glace fond, le fleuve se remet à couler ;3e étape : l’âme du poète ressemble au fleuve immobilisé par la glace ;4e étape : seulement la différence c’est que l’âme du poète ne peut guère échapper à ses chaînes, tandis que le fleuve recouvre de temps en temps sa liberté. On voit dans ce morceau, une idée romantique se développant par échelons donnant au poème une saisissante unité, on très loin des vers indépendants, sous forme de sentences qui caractérisaient le vieux poème arabe, poème qui dans une certaine mesure est demeuré en honneur en Egypte quant à la forme…….
Qu’on ne vienne pas nous dire : cela, c’est le génie aryen qui par imitation a influé sur la langue arabe, car nous avons montré que cette évolution a commencé avec les premiers prosateurs arabes ( tel Jahiz et d’autres) sous le coup des nécessités d’expression qui s’étaient fait sentir, et d’autre part, si nous lisons actuellement avec plaisir ce qui s’écrit de vigoureux et de sain en Egypte et en Syrie, si bien qu’habitués à l’arabe classique, nous ne sommes pas choqués par toutes les transformations apportées dans l’art de la composition qu’est-ce à dire sinon que ces transformations ont tenu compte du génie de la langue, de son esprit, et que la véritable caractéristique de l’arabe, il faut la chercher ailleurs que dans l’inaptitude de cette langue à développer progressivement des idées, une telle inaptitude si elle était réelle, aurait conduit les nations qui parlent l’arabe, à l’incapacité de réaliser des œuvres tant soit peu fortes et de longue haleine ;elle aurait constitué une irrémédiable infériorité surtout à une époque où la civilisation va de plus en plus se compliquant, s’enrichissant d’éléments scientifiques et philosophiques qui nécessitent des développements progressifs et étendus.Heureusement que ce trait saillant dont M. Massignon a signalé l’importance a cessé d’exister.M. Massignon me paraît avoir considéré l’arabe à l’état statique lors d’une période déterminé, au moment de ses balbutiements puis de ses premiers essais,au lieu de l’envisager dans son état dynamique, dans sa continuelle et incessante évolution ; évolution qui est celle de tout organisme qui vit.
Est-ce à dire que tout change dans une langue et qu’en arabe il n’y a pas de traits caractéristiques pour ainsi dire permanents, se retrouvant à toutes les époques et servant à marquer l’esprit de cette langue ?
Non certes ; et M. Massignon a lui même indiqué deux de ces traits : c’est d’une part, la rigidité des racines en arabe, rigidité qui fait qu’on peut les retrouver aisément et dont le seul danger, contre lequel les générations actuelles essaient de se prévenir, c’est de permettre la prose rimé et les jeux de mots que certains ont pris et continuent à prendre pour des manifestations d’un génie littéraire, alors qu’ils constituent tout au plus que des tours de force, qu’une acrobatie rendue possible par les éléments matériels de la langue arabe.C’est d’autre part- et c’est le second trait signalé par M. Massignon, et indiquant à lui seul la profondeur de la pensée de l’éminent orientaliste- qu’en arabe on exprime le temps plutôt par rapport à l’action, que par rapport à l’agent. Mais toute la question c’est de savoir, si ce sont là seulement les traits caractéristiques de la langue arabe, si on ne peut pas trouver d’autres aussi importants et si de tout ces traits on ne peut remonter à une idée plus générale dont ces différents traits ne seraient en somme que les applications particulières. Je ne peux poser ici qu’un point d’interrogation, n’ayant pas du tout la compétence nécessaire pour aborder un problème dont je ne fais qu’entrevoir et signaler la difficulté…….. » Tahar Sfar, membre tunisien du comité de l’Association pour le Progrès de la Culture Arabe à Paris.

وأريد ختم هذه الذكريات عن والدي بمقتطفات من مقال نشره والدي بعد خروجه من السجن في شهر ديسمبر 1939 في المجلة النسائية " ليلا" الصادرة في تلك الفترة بتونس باللغة الفرنسية منبها بصفة مبكرة عن مخاطر النازية على الإنسانية بأسرها. والمقال كان تحت عنوان " المفاهيم العنصرية عند هتلر واندحار الأمة الجرمانية" وقد عرب ونشر مشكورا هذا المقال بأكمله مع التعليق عليه الأستاذ الجامعي المختص في التاريخ المعاصر محمد الحبيب العزيزي وهوالذي لم يحصل لي شرف التعرف عليه حتى اليوم. ونشر المقال في مجلة " حقائق" العدد 89 بتاريخ 31 ماي 2009 بعنوان بارز : " الطاهر صفر المناضل الذي سبق بورقيبة في التنبؤ بانهزام النازية".
يقول الطاهر صفر في مقاله الذي حرره بالفرنسية في آخر سنة 1939:
" ليس الأمر متعلقا هنا بفكرة العائلة الجرمانية القديمة بل بالحلم الهيمني الذي يطمح هتلر إلى تحقيقه. فالفكرة الهتليرية تنطلق من مقولة أن الجنس الألماني هو الجنس الأعلى الدي يجب تنقيته وتخليصه من الخلط مع الأجناس الوضيعة حتى يحافظ على صفائه الأصلي. وقد وصل الأمر بهتلر إلى حد استخدام البحوث البيولوجية الأكثر غرابة في النظريات الاجتماعية المشكوك في صحتها للتدليل على صحة مزاعمه. لقد حاول أن يجعل من العلم والتكنولوجية وسيلة في خدمة نظريته الخرقاء. وإنه لأول مرة في التاريخ تقوم حركة سياسية لحزب بعزل أمة كاملة ومنع كل اختلاط بينها وبين الأجناس الأخرى التي تعمر الكون. وهي بدلك تغذي أملا زائفا في ان تجعل الخصائص المميزة للجنس الآري تتجمع وتنصهر في نقاوة فريدة من نوعها لا يشوبها أي خلط. جنس نقي مهيأ لتسيير العالم وقادر على إخضاعه لرغبته. فالعالم حسب زعمهم قد كثرت حروبه و تناقضاته وهو لا يستقيم له أمر إلا متى تحكم فيه الجنس الأرفع....
وهذا هوس وأضغات أحلام تنم على تعال غير مبرر وشطحات تخرج عن المألوف.
والحقيقة انه على عكس ما تدعيه النظرية الهتليرية فان العلم يفيدنا ان التزاوج داخل الأقارب هو مفسد للنسل وقد يفضي إلى تشويهات غير مرغوب فيها لأن النقائص والهنات في هذه الحالة تجتمع مع بعضها البعض وتتضاعف. وعلى صعيد آخر فإن فكرة الجنس النقي الني يتغنى بها هتلر هي مخالفة في أصلها للطبيعة ذاتها.....ولنتصفح كتاب " كفاحي" الذي صدر عن أدولف هتلر نفسه لنكتشف حقيقة النوايا....."
ويختم والدي تحاليله المثبتة و الهامة والخطيرة بقوله : "... يمكننا أن نتنبأ بكل ثقة ودون ادني شك بسقوط النازية وانحلالها. ذلك إن الإنسانية تتبع خطا من التقدم متواصلا لا يمكن لأي قوة في العالم أن تغير مجراه. وكل المشاريع التي تظهر مثل مشروع الأمة الجرمانية أو العائلة الجرمانية التي يتغنى بها "هتلر" اليوم ستؤول حتما إلى زوال مؤكد و وشيك."

























طالب معرفة في مدينة الأنوار باريس ثم مناضال لتحرير وطنه من جبروت الأستعمار.
1925*1942

و عندما التحق والدي بباريس كان في البداية يميل أكثر إلى مواصلة دراسته في الآداب والفلسفة إذ كان مولعا بمهنة التدريس ولكن من المحتمل جدا أن يكون قد دفعه شعوره بأن قضية تحرير بلاده تتطلب رجالا متضلعين في القانون والعلوم السياسية لمتابعة دراساته العليا في كل من كلية الآداب و كلية الحقوق و كذلك في المدرسة الحرة للعلوم السياسية. وتابع دروسه في كل هذه الكليات مركزا أساسا على كلية الحقوق بعد أن استقر رأيه على ممارسة مهنة المحاماة.
و لما عاد والدي من باريس باشر مهنة المحاماة كمحامي متربص في مكتب المحامي المعروف عضو اللجنة التنفيذية لحزب الدستور صالح فرحات بتونس العاصمة. وفي نفس الفترة أعلمه أخوه أحمد وهو يعمل كمعلم متربص بمدينة سليمان في الوطن القبلي أنه ينوي التزوج من حبيبة صفر ابنة الشاهد العدل محمد صفر وهو صديق وجليس عمل والده مصطفى، فخامرت والدي فكرة التزوج كذلك من أخت خطيبة أخيه وهي صالحة صفر و أكبر من أختها بسنتين وكان قد تعرف عليها أبي قبل ذهابه إلى باريس أثناء زيارات ودية كان يصحب فيها والده إلى منزل محمد صفر ببرج الرأس بالمدينة العتيقة في مدينة المهدية. وكان والدي يكن صداقة كبيرة لابن محمد صفر البشير صفر وهو الذي كان من أول التونسيين الذين تمكنوا من تقلد خطة قابض مالية في عدد من المدن التونسية وهي خطة كانت محتكرة من طرف الفرنسيين. فربما كان لهذه الصداقة القوية تأثير ودافع إضافي لتزوج والدي بأخت البشير صفر. وكان قد تقدم ابن عمها المعلم الجيلاني صفر لخطبة والدتي ولكنها لم تستجب بعد إلى هذه الخطبة فلما أعلمها والدها برغبة الطاهر صفر وترك لها الخيار استجابت بدون تردد إلى خطبة والدي. وتم عقد قران الأخوان الطاهر وأحمد في نفس اليوم بالمهدية وأما حفل الزفاف فقد انتظم بمدينة المرسى( بضاحية العاصمة) بدار وضعها خصيصا السيد العربي مامي على ذمة جدي مصطفى. وكان السيد العربي مامي شخصية معروفة في العاصمة و بالمرسى مقر إقامته وكان تعرف على والدي أثناء دراسته بالمدرسة الصادقية ونشأت بينهما صداقة كبيرة نابعة عن تجاذب في الآراء وإعجاب العربي مامي بأفكار الطاهر صفر حتى أصبحا يتبادلان الزيارات تارة في المهدية وتارة في المرسى وتعرفت هكذا عائلة جدي مصطفى على عائلة العربي مامي وتكونت صداقة واحترام وود متبادل. وقد أقنع السيد العربي مامي جدي مصطفى بتنظيم حفل الزفاف لابنيه بالمرسى تتويجا للعلاقة المتينة التي تكونت بين العائلتين وكذلك نظرا للقرابة الموجودة بين صهره وجليسه في العمل محمد صفر و المرحوم محمد البشير صفر الوطني و المصلح وأحد بناة النهضة الفكرية التونسية في آخر القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين و المتوفى سنة 1917 و قد بقيت مجالس العاصمة ومجالس المرسى تشيد بمناقبه ومناقب جماعته. فكان، حسب اعتقادي، في تصور العربي مامي لتنظيم حفل زفاف الطاهر صفر بالمرسى معاني كثيرة منها رموز وإشارات وتمنيات حتى يأخذ الطاهر صفر المشعل ويسهم في مواصلة وتجديد نضال الفقيد محمد البشير صفر ورفاقه. وإن الذكريات التي بقيت راسخة في ذهني من عهدي الصبى كثيرة خاصة لما بلغت الخامسة أو السادسة من عمري. فأتذكر، على سبيل المثال، كيف كنت أصطحب والدي إلى سوق "باردو" أيام الأحد في بداية الأربعينيات وأنا أحمل "القفة" وهي فارغة ثم يأخذها مني أبي عندما تمتلئ و كيف كان والدي يتحدث مع الباعة بكل أريحية ويسألهم عن أحوالهم و شؤونهم وكيف كان يفسر لي فوائد مختلف أنواع الخضر والغلال، كما أتذكر الأيام التي كنت أركب فيها ً الترامواي ً مع والدي من المنزل بنهج البرتقال(حي بوشوشة الآن) باردو إلى باب سويقة ثم نقطع مترجلين المسافة من المحطة إلى مكتب والدي بنهج الباشا. وكان غالبا يتركني في مكتبه أتصفح كتبا ضخمة الحجم لا أفهم منها شيئا ولكني أتمعن في صورها و والدي منغمس في أعماله إلى درجة أنه أحيانا ينسى أنه قد اصطحبني معه. وفعلا ذات يوم كنا نمشي في شارع الحلفوين والازدحام كبير و والدي غارق في تفكيره وهو يسير بسرعة لم أكن قادرا على مواكبتها فغاب عني ولم يتفطن إلى ذلك إلا عندما نبهه أحد المارة الذي كان يعرف والدي و يعرفني وشاءت الأقدار أن التقيت يوما من الأيام في سنة 1994 برجل مسن في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة وبعد التحية قال لي أنا الذي نبهت المرحوم والدكم سي الطاهر عندما ضعت عنه في الحلفاوين وكان ذلك في أواخر الثلاثينيات حسب قوله. و أتذكر والدي وهو يرتدي زي المحاماة وكنت أصحبه أحيانا ابتدءا من سنة 1940 إلى قصر العدالة ثم يتركني في البهو الكبير وفي ضجيجه ويوصيني بالانتظار في مكان معين ثم يدخل قاعة من قاعات الجلسات للمرافعة و يخرج تارة مبتسما ومنشرحا وتارة أخرى و عدم الرضى واضح على ملامحه، وقد ورثت عنه عدم القدرة على إخفاء مشاعري على ملامحي عندما أتحاور في موضوع هام. وكما أتذكر بعض الاجتماعات السياسية التي كان يعقدها في العاصمة سنة 1937 وأغلبها في بهو بعض المنازل في حي باب سويقة وكنت أستمع إلى خطب لا أفهم مغازيها فطلبت منه يوما لماذا تهدف هذه الاجتماعات و ما هي رغبة هؤلاء الناس الملتفين حوله. فقال لي ما زلت صغيرا لتفهم كل شيء ثم أشار إلى بناية في الشارع كان فوق بابها الكبير العلم التونسي محاطا بعلمين فرنسيين وقال ً تشاهد العلم التونسي الأحمر الذي يرمز إلى بلدنا كأنه سجين إذ هو محاط بعلمين أجنبيين فالاجتماعات التي شاهدتها ترمي إلى أهداف كثيرة منها، إزالة الأعلام الأجنبية من حول العلم التونسي حتى يصبح يرفرف طليقا فوق رؤوسنا ً. وأتذكر أول زيارة اصطحبت فيها والدي لمتحف باردو و قد خرجت منه ،رغم صغر سني، بنوع من الاعتزاز و الفخر بتاريخ وطني وفي نفس الوقت بنوع من الرهبة والخوف جعلني أقضي الليلة الموالية للزيارة في دوامة من الأحلام المزعجة تتحرك وتتكلم فيه التماثيل والأصنام التي شاهدتها بالمتحف. وأتذكرالسفرات التي كنا نقوم بها في الصيف من تونس إلى المهدية على متن سيارة الأجرة كما بقيت لي ذكريات متفرقة عن بعض الزيارات العائلية إلى منزل الدكتور محمود الماطري أو إلى إقامة الحبيب بورقيبة.










صورة للحبيب بورقيبة والطاهر صفر وأحمد صفر والعربي مامي والشادلي قلالة وعدد آخر من الأصدقاء في الصيف بالمنستير.










صورة من وثيقة بخط الطاهرصفر يتحدث فيها عن نشاط جمعية قدماء الصادقية في فترة ترأسها من طرف السيد محمد علي العنابيومشاركته في ذلك النشاط










مارس 1938 حوار مصيري بين زعيمان تربطهم صداقة حميمة.
ولكن بقيت أتذكر بالتفصيل إذ رسخت في ذهني بقوة زيارة أداها الحبيب بورقيبة لمنزل والدي في نهج البرتقال بمنطقة كانت تسمى في ذلك الوقت ًسانت أنريً بباردو وذلك في يوم من أيام الأحد من أواخر شهر مارس لسنة 1938،قد يكون يوم 20مارس 1938 أو يوم 27 مارس1938 كنت في الخامسة من عمري وباشرت الدراسة في السنة التحضيرية للمدرسة الفرنسية الابتدائية بباردو. وكان اليوم يوم الراحة الأسبوعية وأختي الكبيرة زينب طريحة الفراش إذ كانت تشكو من زكام وقد أعطتني أمي في صباح ذلك اليوم نقودا و ورقة كتبت عليها بالفرنسية اسم الحلويات التي طلبت مني أن أقتنيها من بائع الحلويات الإيطالي الموجود آنذاك قرب منزلنا. وقالت لي : "والدك سيستقبل سي الحبيب هذا الصباح ً. وفعلا أتى الحبيب بورقيبة ومعه ابنه الحبيب. واستقبلهما والدي و والدتي في بهو الدار ثم دخلنا جميعا إلى بيت الاستقبال وبعد تبادل الحديث العادي عن أحوال الأهل و العائلات خرجت والدتي من القاعة لإعداد بعض المشروبات وطلب والدي مني ومن الحبيب الابن الخروج من القاعة للعب في الحديقة حتى نتركهما لشغلهما. كان الحبيب الابن أكبر مني بخمس سنوات تقريبا ولم نكن نعرف بعضنا كثيرا ولم يكن متحمسا للعب مع طفل في سني، فبقينا صامتين نتجول تارة في الحديقة وتارة في بهو خلف المنزل يطل على الحديقة ولم يبق في ذهني شيئا كان قد قاله لي الحبيب الابن ولكن بقيت أتذكر طول الانتظار ونوع من الملل كنت أشعر به وكان كذلك بائنا على ملامح الحبيب الابن، وكلانا بالطبع لا يعرف شيئا عن الموضوع الذي يشغل والدينا. وتنفسنا الصعداء عندما استمعنا والدي ينادينا بعد فترة طالت علينا قضيناها وكأننا ننتظر من حيث لا ندري نتائج امتحان عسير أو أمر هام جدا. ولم أعلم شيئا عن فحوى الحديث الذي دار بين الرجلين إلا سنوات عديدة من بعد هذا اللقاء. ولكن بالرغم من صغر سني بقيت الجوانب الهامشية التي شاهدتها من هذا اللقاء مثل الاستقبال في البهو والجلوس في قاعة الاستقبال ثم التوديع راسخة في ذهني و كأنها شريط سينمائي.وأول من حدثني باختصار كبير عن فحوى هذا اللقاء بين والدي والزعيم الحبيب بورقيبة كانت والدتي وذلك قبل سفري من المهدية إلى صفاقس لمواصلة تعليمي بالمعهد الثانوي في اكتوبر 1946 وكان ذلك ضمن تذكيرها لي بتوصية والدي قبل وفاته بضرورة الحرص كل الحرص على حسن تربية أبنائها حاثا إياها أن تحاول قدر الإمكان تجنيب أبنائها وحمايتهم من ملابسات وإشكال النشاط السياسي متعمقا في تفسير الفرق الكبير بين التربية الوطنية والعمل الوطني- وهو واجب وفرض على كل تونسي في تصوره- والاحتراف في العمل السياسي ومستلزماته و ما يحدثه أحيانا من تمزق في الفرد ذا الشخصية المرهفة. و لخصت لي الوالدة ما قال لها والدي عن فحوى حديثه بمنزله "بباردو" مع الحبيب بورقيبة في يوم من أيام آخر شهر مارس 1938 مشيرة إلى أن الحديث تناول أساسا تبادل وجهات النظر حول وقائع و ملابسات انعقاد المجلس الملي الموسع للحزب الحر الدستوري الجديد المنعقد يومي السبت والأحد 12 و 13 مارس من نفس السنة، ذلك المجلس الذي رفض فيه والدي رئاسة الحزب التي اقترحت عليه بإجماع الحاضرين وذلك لسد الشغور الذي أحدثته استقالة الرئيس محمود الماطري وذلك بعد أن كان والدي قد قبل هذه المسؤولية لبرهة زمن وجيزة قبل أن تفاجئه بعض الفقرات من مشروع اللائحة السياسية التي تليت على الحضور مباشرة بعد انتخابه كرئيس للحزب. كما انشغل والدي من مداخلة بورقيبة وتحاليله بعد الانتهاء من تلاوة اللائحة وأدخلت في نفسه كثيرا من الامتعاض عن طريقة تسيير الاجتماع والمزايدات في التشدد والتصلب وغادر والدي قاعة الاجتماع منفعلا وهو الذي عود المناضلين بسعت الصدر. وكان والدي غير راض عن مجرى الأحداث وغير مقتنع بخطة التصعيد في تلك المرحلة وبالخصوص بعض ما تضمنته في هذا الاتجاه اللائحة السياسية التي فوجئ بمحتوى بعض فقراتها عندما وقع التسرع بتلاوتها على الحضور دون مناقشة و مصادقة مسبقة من كافة أعضاء الديوان السياسي كما جرت العادة. و ربطت والدتي كلامها عن لقاء ولدي مع الحبيب بورقيبة "بباردو" والحديث الذي دار بين الصديقين بالملابسات التي واجهها من بعد ذلك والدي في السجن بعد أحداث أفريل 1938 و خاصة أثناء التحقيق الذي أجراه الحاكم العسكري الفرنسي ٌ دي قيران دي كيلا ٌ والأجواء المضنية التي عاشها في السجن. هذا و قد تناول الحديث الذي دار في "باردو" بين والدي والزعيم الحبيب بورقيبة بعد اجتماع المجلس الملي ـ حسب رواية والدتي ـ بالخصوص موضوع تفكير والدي في الاستقالة من الديوان السياسي للحزب مع إصدارتوضيح للعموم عن أسباب هذه الاستقالة. و بعد نقاش صريح و معمق بين الزعيمين تم الاتفاق، مراعاة لمصلحة الوطن و حفاظا على هيبة الحزب وإشعاعه، على العدول عن الإعلان عن الاستقالة أو إرجائها على الأقل إلى المؤتمر المقبل للحزب مع إقرار حق تمسك كل طرف بآرائه و بمواقفه السياسية وحق كل طرف في الاستناد علنا على مواقفه كلما اقتضت الحاجة. وذلك على غرار ما هو معمول به في كثير من الأحزاب الكبيرة والعريقة في الديمقراطية والتي تقبل بوجود تعددية فكرية داخلها لا تمس من جوهر القضايا التي تناضل من أجلها ولا من الأهداف الأساسية التي تسعى إلى تحقيقها. وقد استدل الزعيم الحبيب بورقيبة في مساعيه لإقناع والدي بعدم الإعلان عن استقالته بسابقة التباين الذي حصل سنة 1934 بعد نفي الزعيم الحبيب بورقيبة و الزعيم محمود الماطري إلى الجنوب التونسي وتبني والدي بمعية البحري قيقة وصالح بن يوسف وبموافقة رئيس الحزب محمود الماطري سياسة "مواصلة الحوار المشروط مع السلطة للإفراج عن المنفيين و الدعوة إلى ضبط النفس لفترة زمنية" في الوقت الذي نادى فيه الحبيب بورقيبة من منفاه بتكثيف المظاهرات الاحتجاجية و المقاومة بما في ذلك العصيان المدني. وأمدني عمي أحمد صفر بعد نجاحي في الجزء الأول من الباكالوريا في شهر جويلية 1952 بتفاصيل أكثر دقة عن الحوار الذي دار بين والدي والزعيم بورقيبة في ما يتعلق برغبة والدي في الاستقالة من عضوية الديوان السياسي للحزب في أواخر مارس 1938 مع البقاء كمناضل في الحزب و فسر لي عمي أحمد كل ما يتعلق بالتباين بين الزعيمين في التصورات والتحاليل وتقييم الأوضاع الداخلية والدولية الراهنة في تلك الفترة.وأتذكر ملياٌ أن عمي أحمد أشار بإطناب إلي موضوع لم أعره أهمية كبيرة في ذلك الوقت ولكن فهمت أبعاده في ما بعد أثناء مرحلة تعليمي العالي وبالخصوص لما تتبعت الدروس القيمة التي كان يلقيها الأستاذ في مادة الفلسفة "فرنسوى شتلي" بمدرج "وليام مرسي"بمعهد الدراسات العليا بتونس. ويتعلق هذا الموضوع بمفهوم الحداثة عند والدي الطاهر صفر: قال لي عمي أحمد ما مفاده " لقد كان لأخي الطاهر مفهوم وتعريف يكاد ينفرد به بالنسبة لموضوع مصيري لوطننا بصفة خاصة وللوطن العربي بصفة عامة ألا وهو موضوع تحديث المجتمع التونسي.
كان يقول لي عمي:" الحداثة عند الطاهر صفر ليست وليدة لإنجازات الغرب وهيمنته على عدد من الشعوب وليست الحداثة انتصارا لقيم ابتدعها الغرب من عدم بل الحداثة عند الطاهر صفر هي ملك الإنسانية جمعاء وهي وليدة تلا قح عميق لكل الثقافات وكل الحضارات شرقيها و غربيها. ويفرق الطاهر صفر بين القوة المادية والعسكرية والصناعية والتفوق العلمي المميز للغرب في تلك الفترة والفكر" الحداثي" أو "التحديثي" والسعي إلى الحداثة الحقيقية المجسمة في تيار وحركة فكرية متوفر في جل النخب وإن بتفاوت من شعب إلى آخر وذلك منذ بداية القرن التاسع عشر وهي حركة تجمع في سعيها للنهوض بالشعوب وبالدول بين المناداة بالتملك بناصية المعرفة والعلوم بمختلف أصنافها وبين السعي لترسيخ القيم الإنسانية السامية والتي بدون تجذرها في الشعوب تنقلب الحداثة إلى غطرسة وظلم فتقهقر وتخلف فكري يؤدي إلى ضعف هيكلي في المجتمع. كما بين لي عمي أحمد أن التباين في آراء الطاهر صفر والحبيب بورقيبة في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية كان يشمل نفس التباين الذي برز بين الحبيب بورقيبة و محمود الماطري ولكن يضاف إليه بالخصوص تباين في تقييم الرجلين لوضع وطريقة تسيير الحزب وتباين في تقييم الوضع الدولي الراهن والذي كان الطاهر صفر يحلله لصديقه و زميله بنظرة تنبئية ثاقبة أثبتتها الأحداث في ما بعد: و في هذا الصدد أكد والدي الطاهر صفر للحبيب بورقيبة قناعته بأن الوضع العالمي والسحب المتراكمة على العالم الغربي غير ملائمة تماما لعمليات التصعيد والصدام مع السلطة الفرنسية مأكدا على أن الحزب سوف يتعرض لعمليات قمع خطيرة يمكن أن تقضي عليه دون أن يحرك أيا كان له وزن من أصدقاء الحزب في الدولة الاستعمارية إذا ما استثنينا عدد قليل من المتعاطفين. و أوضح والدي اٌن المستعمرين المتطرفين سيستغلون الفرصة لتكثيف الدعاية في الخارج للترويج لمقولتهم بأن الحزب هو مكون من مهرجين ثوريين تحركهم أيادي أجنبية إما فاشية أو شوعية ولن نجد من يرد عليهم وينفي الدعايات المغرضة خصوصا في العاصمة الفرنسية.
وكان والدي يخشى أن يغيب الحزب من الساحة السياسية العلنية في ظرف دقيق يحتم عليه أن يتتبع الأحداث ويتأقلم مع تطور الأوضاع بحكمة فائقة وأن يعلن بوضوح عن موقفه من القضايا العالمية التي تهم مستقبل الإنسانية جمعاء مثل خطر النازية والفاشية. وفي ما يتعلق بوضع الحزب الداخلي نفسه كان الطاهر صفر يقول للزعيم بورقيبة إن الحزب بالرغم من التوسع والتواجد الملحوظ في مختلف جهات البلاد لم يبلغ بعد القوة السياسية الكافية للدخول في مواجهة طويلة النفس . وكان والدي يلاحظ قائلا : "لم نعد أي عدة وأي خطة عملية ومفصلة لذالك ولا تنفع المزايدات بين المناضلين ولا يفيد الانسياق فقط مع العاطفة والارتجال في النضال." كان الطاهر صفر يعتقد، بالنسبة لتلك المرحلة و للظروف المحيطة بها، أن منهجية النضال تفرض حل وسط بين سبات الحزب الدستوري القديم وابتعاده عن إعداد الجماهير وبين سلوك التصعيد بدفع الحماس في الجماهير بخطب نارية والمناداة بالكفاح العنيف وسيلان الدماء. ويكمن الحل الوسط التي كان والدي ينادي به لتلك الفترة بالتمسك بالمبادي والدفاع عنها بالوسائل القانونية المتاحة مع القيام بالتوازي بعمل تكويني وتوعوي عميق لإطارات ومنخرطي الحزب في جميع المجالات وبالخصوص في ما يتعلق بالقدرة على التحليل الصحيح للأوضاع السياسية العالمية وموازين القوى المتطورة. وهو عمل يجب أن يكون منتظما بإحكام و وعن طريق برنامج مفصل بغطي المدى المتوسط. كان الطاهر صفر يكرر بإلحاح على سبيل المثال لبورقيبة في اجتماعاته الخاصة عددا من التساؤلات والمقترحات المتعلقة بالخصوص بضرورة مزيد تنظيم الحزب و بمحتوى نشاطه و تدقيق منهجيته واستراتيجيته وصياغة برنامجه الاقتصادي والسياسي. وكان الطاهر صفر يفضل بالخصوص أساليب النضال والمقاومة المستوحاة من تجربة "غاندي" في الهند، وهي أساليب تبتعد عن المبادرة بالعنف و تمتحن قدرة الحزب على تعبئة الشعب للصمود في مقاطعة البضائع المستوردة و هو السبيل لأمثل لإحراج المستعمر دون الانزلاق في تحميل الحزب مسؤولية المبادرة بالعنف والخروج العلني عن القانون. وكان والدي يلح على ضرورة التمرس على النضال السلمي لتحقيق الأهداف المنشودة لأن في ذلك ضمانا للمستقبل و خاصة لترسيخ المنهج الديمقراطي للحياة السياسية بعد استقلال البلاد.
وكان والدي يعتقد، حسب رواية عمي أحمد، أنه بالإمكان إثبات قوة الحزب بدون منازع عندما يصبح الحزب على سبيل المثال قادرا على إنجاح حملات مقاطعة لقائمة من البضائع المستوردة تدوم اشهرا متتالية وهو ما سعى إليه سنة 1934 ولم ينجح لأن الحزب ما زال فتيا. و كان لا يزال يصركذلك على نفس القناعة حتى في سنة 1938 بالرغم من تزايد عدد الشعب الدستورية في كافة انحاء الوطن.
فكان والدي يتساءل أمام بورقيبة بمثل هذه الأسئلة:
- أين هي أعمال اللجان التي أقرها المؤتمر الأخير للحزب؟
- أين هي الإطارات التي يتحتم علينا تكوينها لتغذية النشاط الفكري للحزب في مختلف الجهات بالبلاد؟ -أين هي الإطارات الكافية والمقتدرة التي ستحيط بالشعب بمختلف فئاته حتى يصمد ويستجيب على سبيل المثال لقرارات الحزب بمقاطعة كلية لاستهلاك المواد الموردة عند ما تقتضي الحاجة الى ذلك؟ "
ويشير في هذا المجال إلى فشل تجربته عندما نادى بمقاطعة السقائر وبعض المواد المستوردة البسيطة سنة 1935 وكان الزعيم الحبيب بورقيبة يقول للطاهر صفر، دائما حسب رواية عمي أحمد: "إن الحزب أصبح قويا أكثر مما تتصور ولا بد أن يفرض وجوده ولا بد من الاستشهاد لكسب الثقة والمصداقية في الكفاح لدى كل فئات الشعب ولدى المستعمر نفسه". ويؤكد الزعيم الحبيب بورقيبة أن لديه خطة تتطور مع المتغيرات وسوف لن يترك لأحد فرصة المزايدة عليه في الكفاح ويؤكد بورقيبة أنه لو اكتفى بالطريقة التي ينادي بها صديقه الطاهر صفر لانفلت الحزب من يده ولفقد مصداقيته كزعيم وضعفت قدرته على القيادة. ثم يضيف ما معناه "إن المستعمر لن يرضخ ولن يستجيب إلا إذا اقتنع بأن المناضلين في الحزب مستعدون فعلا للاستشهاد في سبيل تحرير البلاد"

و وبمرور الزمن يبدو للمتأمل في مسار الحركة الوطنية في بلادنا أن الخلاف في وجهة النظر وتباين الرواء بين الزعيمين الطاهر صفر والحبيب بورقيبة في مارس 1938 كان خلافا وليد تباين في تحليل الظروف الراهنة في فترة تاريخية هامة بالنسبة للإنسانية جمعاء. و لكن بالرغم من عمق الخلاف و بالرغم من التباين في مزاج الشخصيتين قد أثبت التاريخ صحة وجهة نظر كل من الصديقين في مجالين مصيريين بالنسبة لمستقبل البلاد: فتنبئ الطاهر صفر بضرورة مزيد إحكام تنظيم الحزب وتعميق تكوين إطاراته وتدعيمه بمنظمات مهنية قوية تكون بمثابة الأجنحة المساند له وإعداد الخطوط الكبرى لبرنامج اقتصادي إفتقدناه سنة 1955، ثم كان إلحاحه على ضرورة أخذ الحزب موقف مبكر واضح ومبدئي مسجل كتابيا من النازية والفاشية وحرصه على أهمية تسيير الحزب من البداية بمنهج ديمقراطي عقلاني سليم،كانت كلها توصيات تمكننا اليوم، حسب تصوري، من تحليل موضوعي ومن قراءة عميقة لفترة نشاط الحزب في فترة الحرب و ما بعد الحرب العالمية الثانية وكذلك المرحلة الحاسمة بالنسبة لتحقيق تحرير البلاد : مرحلة 1952 -1955 ونفس الشيء بالنسبة لأبرز أحداث بناء الدولة المستقلة.
وكان تنبئ الزعيم الحبيب بورقيبة منهجية مساندة النضال السياسي التقليدي بالكفاح المسلح والمقاومة المسلحة لإجبار الاستعمار الفرنسي على الرضوخ لتحرير تونس قد مثل منهجية أثبتتها كذلك بصفة جلية المرحلة الحاسمة لتحرير الوطن. و أعتقد أن هذا التكامل بين رؤية كل من الرفقين في الكفاح ضد المسعتمر لبلادنا هو الذي جعل الزعيم بورقيبة يقر لي في آخر سنة 1986 بأنه كان يشعرفي عديد القضايا الهامة بتكامل فكري بينه وبين رفيقه الطاهر صفر بالرغم من اختلاف وجهات النظر التي أشرت إليها.