mercredi 9 octobre 2013

مسودة مذكراتي : بقية الباب الأول : مرحلة التكوين..

مسودة مذكراتي بقية الباب الأول : مرحلة التكوين و تونس تناضل للتحرر من الاستعمار
. وكانت لي فرصة – تبينت لي أهميتها في ما بعد- مكنتني من متابعة يوم الجمعة 14 جانفي 1954 محاضرة مميزة بقي لها منها بعض الأثر في نفسي، و كان قد ألقاها الأستاذ" ريمون بار" -وهو مبرز في الأقتصاد السياسي- وذلك بنادي ما كان يسمى "بالصداقات التونسية" بمقر "معهد الآداب العربية الجميلة" نهج جامع الهوى بتونس. وكان موضوع المحاضرة تحليل معمق لوضع الاقتصاد التونسي وإشكالاته وآفاقه. وقد نشر نص هذه المحاضرة في العدد 65 من مجلة " أبلا" بتونس وفي "مجلة الاقتصاد السياسي" بباريس. وافتح "بار" محاضرته بالاستشهاد بفقرة من كتاب خير الدين يصف فيها الوضع الاقتصادي والاجتماعي في تونس ويشير إلى المخاطر المحدقة بوطننا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. ثم إنطلق في الإشارة بإيجاز إلى ما أنجزه الاستعمار في تونس منذ انتصاب الحماية في ما سماه "بتعصير وتنمية الاقتصاد التونسي" مستشهدا أساسا بمضاعفة عدد السكان و " بتقدم اقتصادي واجتماعي وثقافي يفسر طوق التونسيين إلى الاستقلال." ثم يركز تحليله على محورين : -تعلق المحور الأول بتحليل مرقم لخصائص الاقتصاد التونسي و هيكلتة مركزا على نقط الضعف ومستخلصا أن الإحصائيات تبرز أن الأجانب متواجدين بنسبة 12 في المئة في القطاع الفلاحي و41 في المئة في القطاع الصناعي و بنسبة 17 في المئة في قطاع الخدمات في الوقت الذي يتواجد 48 في المئة من التونسيين في القطاع الفلاحي أغلبهم يستغلون مساحات صغرى و13 في المئة في القطاع الصناعي التقليدي و 39 في المئة في قطاع الخدمات الصغرى. - وتعلق المحور الثاني على أهم إشكاليات الاقتصاد التونسي وعلى الخطوط الكبرى التي يتعين اعتمادها لفتح آفاق جديدة للتنمية الاقتصادية التونسية مستعرضا العوائق الأساسية من وجهة نظره والمتمثلة بالخصوص منذ تلك الفترة في التشتت العقاري وفي ضعف الإنتاجية وضعف مهارة اليد العاملة. ثم يقدم تصوراته الأولية لصياغة برنامج عمل تنموي في نطاق مخطط رباعي جديد يجعل النمو الاقتصادي في خدمة تحقيق أهداف تقدم اجتماعي.وضع بكل وضوح الأستاذ "ريمون بار" أمام مستمعيه السؤال التالي: هل يجب إعطاء الأولوية إلى التنمية الفلاحية أم إلى التنمية الصناعية في تونس؟ ثم يقر انه يتحتم في فترة أولى إعطاء الأولوية للتنمية الفلاحية شريطة أن يقع إحكام صياغة سياسة جديدة متعدد الجوانب وتعتمد بالخصوص على الميادين التالية: -1سياسة عقارية تكون العمود الفقري لهذه التنمية ويكون فيها إصلاح أراضي الأحباس محورا أساسي إلى جانب ضرورة تصور حلول جذرية للتجزئة الأراضي. -2 سياسة محكمة لتعبئة الموارد المائية -3 مجهود كبير لتطوير التكوين الفلاحي العصري و إرشاد الفلاحين عبر ضيعات مثالية تغطي كافة الأرياف. -4 مجهود تأقلم المنتوجات الفلاحية مع خصائص كل جهة ومع مساحة الأراضي المستغلة مع تكثيف إنتاج الأعلاف الضرورية لحماية وتطوير تربية الماشية. -5 تنظيم محكم لأسواق المنتجات الفلاحية لتحقيق توازن الأسعار وضمان دخل قار للفلاحين مع تشجيع التصدير بالنسبة لمنتوجات مثل زيت الزيتون. ثم يقول "بار" إن تعصير القطاع الفلاحي الحتمي في تونس سيؤدي تدريجيا إلى بروز إشكالية التشغيل متسائلا هل يمكن عندئذ أن يكون تطوير التصنيع هو الحل؟ ثم يجيب ان التصنيع وخاصة في مجال الصناعة الثقيلة لا يمكن أن ينجح إلا في نطاق تصور تكامل صناعي على مستوى كامل السوق المغاربية. وستكون دائما التنمية الفلاحية هي السباقة للتصنيع شريطة أن توفر في البلاد تنمية عالية للمداخيل تؤدي إلى رفع الطلب داخلي الضروري. ويختم" بار" محاضرته بالإشارة إلى ضرورة الابتعاد عن المنهج الفرنسي في التخطيط و تصور تنمية البلاد التونسية على المدى المتوسط و الطويل حتى تأخذ القرارات الصائبة في حينها. لم يتجاسر بالطبع الأستاذ ريمون بار في محاضرته الطولية على تناول الوضع الاجتماعي المأساوي الذي كان يتخبط فيه أكثر من نصف المواطنين التونسيين بعد أكثر من سعبين سنة من الاستعمار الفرنسي.وقد كان عدد السكان في وطننا في تلك الفترة حوالي ثلاثة ملايين و400 ألف و كان أكثر من نصفهم في حالة مجاعة و سوء تغذية وبؤس شديد وهم يسكنون الأكواخ من الطوب. وكان الفرنسي الجسور الطبيب الباحث الدكتور" اتيان بورني" قد أقر بنفسه أن "حوالي 54 في المأة من التونسيون كانوا في حالة مجاعة دائمة وبؤس فادح". وعلى كل فقد كانت فرصة استماعي لهذه المحاضرة استكمالا للدروس النظرية في الاقتصاد وخاصة في الاقتصاد السياسي التي تابعتها في المعهد بتونس وكنت قد تمكنت من جلب نسخة من دروس هذه المادة من كلية باريس. وقد استفدت كثيرا من تصور واقع الاقتصاد الوطني من طرف رجل مقتدر و نزيه كان و بقي يكن للتونسيين كامل التقدير و يجاهر منذ سنة 1953 بأنه يعتقد بأن التونسيين أصبحوا مؤهلين للتحكم في مصيرهم وأن مطالبتهم بالاستقلال أمر شرعي. أنهى الأستاذ " ريمون بار" تدريسه بتونس مع نهاية السنة الجامعية 1953-1954 و خسرناه في تونس إّذ انتقل إلى فرنسى أين أصدر كتابا للطلبة في الاقتصاد السياسي في جزأين كانت محاوره الأساسية الدروس التي ألقاها بتونس وكان لهذا الكتاب رواج كبير في أوساط الطلبة في فرنسا وفي البلدان المستعملة للغة الفرنسية مثل تونس. و اشتهر هذا الكتاب حتى انه أصبح يسمى ويعرف من طرف الطلبة باسم مؤلفه " البار".و يستحق هذا الرجل من وجهة نظري أن نطلق اسمه على شارع من شوارع عاصمتنا. بالاضافة الى تأثري الكبير بدروس الأستاذ ريمون بار كنت مولعا بكتب الأستاذ فرسوا بيرو François Perroux المتعلقة بالخصوص بتنمية الدول التي كانت مستعمرة وكذلك طالعت بشغف كبير كتب الأستاذ جان مرشال Jean Marchal وخاصة كتابه : دروس في الاقتصاد السياسي الصادر سنة 1950 وكتابه: الأشكاليات الاقتصادية الكبرى المعاصرة الصادر سنة 1948 وكتابه : ميكانسمات الأسعار وهيكلة الاقتصاد 1946 وكتابه: حول مردودية الأنظمة الجبائية ونظرية تأثير الآداءت 1942. وتابعت دراسة كتب جان مرشال بعد الدراسة وأنكببت على كتبه التالية: توزيع الدخل الوطني 1958 ثم الأنتعاش والركود 1963 ثم النقد والقروض 1964 وأخيرا النظام النقدي العالمي: من بيرتن ودس الى نظام الصرف العائم. خطاب منداس فرنس صباح 31 جويلية 1954 في قصر قرطاج كنت بمدينة المهدية يوم إلقاء منداس فرانس رئيس الحكومة الفرنسية خطابه التاريخي بين يدي الأمين باي بقصر قرطاج مصطحبا الجنرال "جوان".واستمعت مع جدي مصطفى عبر المذياع إلى فحوى الخطاب الدي أعلن بكل وضوح عن استعداد الحكومة الفرنسية الدخول في مفاوضات جدية مع حكومة تونسية صرفة للبلوغ إلى إستقلال تونس بمراحل موضوعية وعبر الحوار والتعاون النزيه.صدق الرجل و شجاعته القوية لانهاء مصيبة حرب الهند- الصينية جعلت كافة أهالي المهدية فرحين و مقتنعين أن عهدا جديد فتح في ذلك اليوم سينسينا في الوعود السابقة التي لم يتبعها أي إنجاز. إنتبهت إلى جدي وقد أغرورقت عيناه بالدموع وقال : " الحمد الله عشت هذا اليوم الذي سينطلق فيه تحقيق كل ما ناضل من أجله وأفنى عمره مبكرا إبني الطاهر". في السنة الجامعية 1954-1955 تمكنت من التحصيل على عمل كقيم كامل الوقت في المعهد الثانوي المختلط بقرطاج وأتذكر بعض الأسماء للتلاميذ المتواجدين في هذا المعهد في تلك الفترة مثل الدالي الجازي( الذي سيصبح أستاذا جامعيا ثم وزيرا) و كلوديا كردينال ( التي ستصبح نجمة سينمائية مشهورة) ونجيب صفر ( الذي سيصبح طبيب مختص في العيون) و وخالد الطبربي و جودة غراب و الصادق خلاص وغيرهم. و أتذكر من بين القيمين الذين اشتغلوا معي في معهد قرطاج عبد الوهاب حروش ( الذي كان تلميذا معي في معهد صفاقس وقد تابع دراسته في السنة التحضيرية للصيدلة) و زركاء ( وهو يهودي له الجنسيتين التونسية والفرنسية وقد تابع دراسته في الحقوق) وماليس فييو ( وهو فرنسي ابن السيدة فييو التي كانت تملك وتدير النزل الذي كان في وسط قرية عين دراهم وقد تابع دراسته العليا في الجغرافية والتاريخ) ومن بين الأساتذة الذين كانوا يدرسون في المعهد أتذكر من بين التونسيين الأستاذ القدادي الذي كان يدرس اللغة الأنقليزية و الأستاذ الدرويش الذي كان يدرس اللغة العربية والأستاذ الصادق العايدي الذي كان يدرس الرياضيات وكان متزوجا بسيدة فرنسية فاضلة كانت تدرس نفس المادة وقد انجب طفلان سمى الأول فرحات والثاني حشاد. كنت أتابع من خلال تحاليل جريدة الصباح تطور المفاوضات المتعلقة بالاستقلال الداخلي التي كانت تقوم بها حكومة الطاهر بن عمار بمشاركة وزراء مستقلون: من بينهم محمد العزبز الجلولي والشادلي رحيم.. و وزراء دستوريون : المنجي سليم والهادي نويرة و محمد المصمودي و الصادق المقدم. كما تابعت المجهودات الكبيرة الذي بذلها عدد من الزعماء التونسيين في مقدمتهم أحمد التليلي لإقناع المقاومين التونسيين لتسليم سلاحهم وإيقاف الكفاح المسلح الذي تم في ديسمبر 1954 فا تحا الباب لانطلاق جدي في التفاوض عن مضموت الاستقلال الداخلي للوطننا. وأسقطت حكومة منداس فرنس في فيفري 1955 و من حسن حض تونس أن خلفه صديق لتونس كان قد عاش فوق أرضها كمحامي في فترة الحرب العالمية الثانية وهو"إدقار فور" .وبقيت متفائلا لمآل المفاوضات بالرغم من تعدد الصعاب و المناهضة الشديدة من طرف الاستعماريين في تونس وفي فرنسا. وتم تجاوز العقبات الأخيرة قبل إمضاء إتفاقيات ما مسمي بالاستقلال الداخلي بعد لقاء حاسم لبورقيبة بصفته رئيس الحزب الحر الدستوري مع رئيس الحكومة الفرنسية إدقار فور بقصر " ماتينيون". ثم كان يوم غرة جوان 1955 ذلك اليوم التاريخي المشهود الذي شعرت فيه – قبل الاعلان عن الاستقلال التام الذي لم أشك لحظة أنه آتي ولا ريب فيه-أن الشعب تونسي تحول من رعايا إلى موطنين أحرار. عندما أنطلقت المظاهرات الطلابية في مدينة تونس بعد إعتقال زعماء الحزب الحر الدستوري الجديد ابتداءا من 18 جانفي 1952 كان من بين من إستشهد بطلقات نيران قوات المستعمر على المتظاهرين العزل الطالب الزيتوني حمزة الدهماني أصيل مدينة المهدية وكان في مقدمة المظاهرة حاملا للعلم التونسي المفدى.و في الوثقة التي مصدرها الأصلي "جريدة العمل" والتي تروي لنا اجتماع ذكرى الشهداء بالمهدية يوم 18 مارس 1958 وردغلط مطبعي بالنسبة للتاريخ الاستشهاد. والصحيح هو يوم 15 مارس سنة 1952 عوضا عن سنة 1954 كما هو مذكور اسفله. بمجرد تحقيق الاستقلال الداخلي ابتعدت عن النشاط السياسي وانغمست في دراستي و وجهت مجهوداتي في مجال النشاط الكشفي لتحقيق توحيد الجمعيات الكشفية وهو ذلك الحلم الذي راود العديد من القادة منذ سنة 1945 وفي مقدمتهم المنجي بالي. وإستأت كثيرا- مثل العديد من شباب تونس في تلك الفترة- من طريقة فض النزاع البورقيبي- اليوسفي.كان هذا النزاع امتحانا للقادة السياسيين في بلادنا..كان الشعب بريء من ملابسات هذا الانشقاق الخطير...ويتحمل مسؤوليات انحرافات هذا النزاع كلا الطرفين و بالدرجة الأولى الزعيمان الحبيب بورقيبة و صالح بن يوسف.لو كان الزعيمان ديمقراطيان بحق لتمكنا بسهولة من الاتفاق منذ سنة 1955 وبدأ من نشوب الخلاف على خطة سلمية وسياسية بحق تتمثل في بروز حزب معارض يعبر بأسلوب سلمي على وجهة نضره ويحرم كلا الطرفان على أنفسهما استعمال العنف أللفضي والمادي والتناحر....فاتت فرصة ذهبية لإرساء التربية الديمقراطية في وطننا و زرعت بذرة خبيثة.....ستفسر مع الأسف بقية الصعاب التي ستتعرض لها تونس لفض التوترات الاجتماعية والسياسية طيلة المسار الوطني بعد الاستقلال. على مدى حوالي نصف قرن.... انتقلت بعد دراستي بمعهد الدراسات العليا بتونس إلى باريس في أكتوبر1958 لمواصلة التخصص في التقنيات الجنائية والمالية العمومية بالمعهد الوطني للأداءت التابع لوزارة المالية والاقتصاد الفرنسية وتابعت كذلك دروسا في التاريخ بكلية السربون. وكنت قبل انتقالي إلى باريس قد استجبت مع حوالي 100 طالب تونسي لنداء انتداب متفقدين صدر عن وزير المالية السيد الهادي نويرة الذي حاول المستعمر تعجيزه في مهامه الجديدة بالحث على المغادرة المفاجئة لعدد كبير من سامي الموظفين الفرنسيين العاملين بوزارة المالية وبالخصوص في مصلح الجباية والديوانة. وانتدبت فعلا مع زملائي يوم 7 جانفي 1957 بصفة متفقد تلميذ لتربص يدوم سنتين مع إمكانية مواصلة الدراسة في القانون والاقتصاد بالمعهد لمن يرغب في ذلك. وقضيت تربص في وزارة المالية بمصلحة الاداءات المباشرة المتواجدة في نهج الحبيب ثامر. وتابعت دروس مسائية في مبنى بورصة الشغل حرص الهادي نويرة على حسن تنظيمها ومتابعة مستواها العلمي بنفسه.وكانت هذه الدروس تتعلق بالخصوص بالقانون التجاري والقانون المدني والاقتصاد والمالية العمومية والقانون الإداري التونسي والمحاسبة العمومية و المحاسبة التجارية. واختارالهادي نويرة عدد من الحكام فرنسسين لالقاء دروس القانون وكان المرحوم على الزواوي التونسي الوحيد المتملك من المحاسبة التجارية في تلك الفترة و قد كلفه الهادي نويرة بتدريس هذه المادة لكافة المتفقدين المتربصين. وكان الأستاذ علي زواوي في تلك الفترة يتحمل أعباء ادارة التكوين التقني والمهني في وزارة التربية الوطنية وقد نجح في القاء دروسه وفي اعدادها مستعملا طرق بيداغوشية عصرية جعلت جل الحاضرين يقبلون على هذه المادة التي تبدو مضجرة ومنفرة من أول وهلة وقد توفق علي الزواوي برشاقته و وضوح تقديمه للدروس الى ما لم يتوفق غيره في هذه المادة وأدخلها في أدمغتنا وأكثر من ذلك فقد "حببها" لكل من كان يكرها. وفي سبتتبر 1958 اختار الهادي نويرة وزير المالية عددا من أحسن المتربصين وأرسلهم لباريس لاستكمال التخصص: فوج التحق بالمدرسة الفرنسية للقمارق والفوج الثاني التحق بالمدرسة الفرنسية للجباية التابعة لوزارة المالية الفرنسية. وكنت ضمن الفوج الثاني. والتحقنا بباريس في اكتوبر 1958. قضينا هناك السنة الجامعية 1958- 1959 وعدنا الى الوزارة المالية التونسي في شهر سبتنبر 1959. كان معي في مدرسة الآداءات في باريس بالخصوص الزملاء توفيق القلعي و صالح مباركة و محمد الخضراوي ومحمود بسباس وعبد العزيز المنيف وأعتقد كذلك ماهر القدادي وهو الأخ الأصغر للأستاذ القدادي الذي تعرفت عليه كأستاذ اللغة الانكليزية في معهد قرطاج ثم انتقل بعد الاستقلال الى العمل الديبلوماسي. كانت تلقى الدروس في معهد باريس صباح كل يوم ما عدى يوم الأحد في البناية المتواجدة في نهج "مومورنسي" مما سمح لي بمتابعة بعض الدروس بعد منتصف النهار بالسربون في التاريخ وبكلية الحقوق بالنسبة للحقوق والاقتصاد.وكانت مكتبة " سانت جنوفياف " في الحي اللاتيني مقري المحبذ عندما لا تكون لي دروس في الكلية. فكانت سنة مكرسة كلها للدراسة المكثفة ماعدى مساء السبت الذي سخرته لما كنت مولعا به: المسرح. صورة في حديقة اللكسنبرق بالحي اللاتيني ببارس يوم أحد من شهر ديسنبر 1958 وقد نزل الثلج غزيرا و يلاحظ من اليمين الى اليسار: توفيق القلعي- رشيد صفر- عبد العزيز المنيف- و محمد الخضراوي. صورة لرشيد صفرفي سنة 1954 مرحلة دراسته بتونس بمعهد الراسات العليا وكان المعهد في تلك الفترة تحت اشاراف جامعة السربون في باريس. أثناء الفترة, التي تواجدت فيها بالعاصمة التونسية لمواصلة تعليمي العالي من اكتوبر 1953 إلى سبتنبر 1958,نشطت بجمعية الكشافة الإسلامية التونسية وتحملت فيها العديد من المسؤوليات خاصة في قسم التجوال وشاركت مع عدد من القادة المنتمين إلى الحركات الكشفية من بينهم بالخصوص القائد العام عبد الله الزواغي في توحيد الجمعيات الكشفية التونسية بمجرد ما تحصلت تونس على استقلالها الداخلي و هكذا شاركت بنشاط مكثف في إعداد المؤتمر التأسيسي لبعت المنظمة الكشفية الموحدة: "الكشافة التونسية" وهي الجمعية التي بقيت تنشط حتى اليوم.وكان لي لقاء حاسم في قضية التوحيد مع رئيس الحزب الزعيم الحبيب بورقيبة حتى تم تحقيق انعقاد المؤتمر وكان بورقيبة في تلك الفترة يتحمل إلى جانب رئاسة الحزب رئاسة أول حكومة وطنية بعد الاستقلال بلادنا. وتمت المقابلة في المنزل الذي كان يسكنه بورقيبة في تلك الفترة ( جوان 1956) في مدينة سيدي بوسعيد في الضاحية الشمالية للعاصمة وذلك حوالي الساعة الثانية بعد الزوال واستقبلني برقيبة في بيت النوم وكان تجهيز البيت في نهاية التواضع وكان مذياع صغير فوق طاولة على يسار السرير وأجلسني على كرسي قرب فراشه. وبقي مستريحا فوق فراشه يستمع إلى عرضي بدون أن يقاطعني وتوفقت إلى إقناع بورقيبة بفوائد توحيد الجمعيات الكشفية في الوقت الذي كان فيه عدد من أعضاء الديوان السياسي للحزب يحبذون إبقاء تعددية الجمعيات الكشفية متعللين بأنها تحاكي الجمعيات الرياضية وتستفيد من المنافسة وذلك بعد أن وضحت" للمجاهد الأكبر" بحماس, (وسني لم يتجاوز22 سنة), الفرق الكبير الذي يميز بين مقتضيات التربية الكشفية و بين التدريب الرياضي الذي يعتمد أساسا المنافسة. وقدمت للزعيم الحبيب برقيبة نماذج واضحة من السلبيات التي لاحظتها شخصيا طيلة سنوات من جراء تعدد جمعيات كشفية كان جلها هزيل النشاط ما عدا المنظمة الكبرى و المنتشرة في كل أنحاء البلاد التونسية والتي كانت بدون منازع تتمثل في جمعية الكشافة الإسلامية التونسية التي كنت أنتمي إليها ونشطت فيها ابتداء من سنة 1950حتى انعقاد المؤتمر التوحيدي سنة 1956.كان الرئيس بورقيبة يتصور أني طلبت مقابلته عن طريق السيدة زوجته "ماتلد" لأني كنت أرغب تقديم مطلبا شخصيا. فعندما أنهيت الحديث معه و وعدني بأنه مقتنع بوجه نظري موضحا بأن التردد الذي حصل في الديوان السياسي في عملية التوحيد لا مبررله وان العملية ستتم. فرمت إلى توديعه شاكرا فقال لي :" وأنت ما هي طموحاتك ما عدى الكشافة؟" ابتسمت وقلت :" لم أكمل بعد دراستي العليا. و أعمل حاليا بكتابة الدولة للشباب والرياضة كمندوب للكشافة بصفة وقتية بعد أن اشتعلت كقيم في معهد قرطاج وأواصل في نفس الوقت دروسي في معهد الدراسات العليا وأريد الاختصاص في المالية العمومية والاقتصاد لأني أتصور أن حاجات البلاد ستكون هامة جدا في هذا المجال وعدد التونسيين الذين يختارون مواصلة الدراسة العليا في الاقتصاد قليل جدا. وإني حريص على الانطلاق في عملي المهني على أساس الاقتدار الكامل.» فشكرني على توجهي وتمنى لي النجاح وغادرت بيت نوم الرئيس مبتهجا بما توفقت إليه. كان هذا اللقاء الذي جمعني مع بورقيبة هو سادس لقاء من اللقاء التي أتذكرها منذ عهد الصبي: تحدث عن اللقاء الأول في الجزاء الأول من المذكرات وكان في منزل أبي في يوم أحد من شهر مارس 1938. أما اللقاء ثاني فكان بالمهدية في الأربعينيات بعد خروج بورقيبة من السجن وعودته من إيطالية إلى أرض الوطن وقد كلفتني هيئة نادي التعاون بالمهدية وأنا تلميذ بالمدرسة الابتدائية بإلقاء كلمة ترحيب حررتها بمفردي وتأثر كثيرا بالاستماع إليها. وكان اللقاء الثالث في صيف 1950عندما كلفت بقيادة فريق الطاهر صفر للجوالة الذي رافق بورقيبة طيلة زيارته وإقامته بالمهدية. وكان اللقاء الرابع يوم غرة جوان 1955 عند نزوله من الباخرة مدينة الجزائر وتقليدي له المنديل الكشفي. وأما اللقاء الخامس فكان في آخر جويلية 1955 بمناسبة تقديم المسرحية السنوية لإقليم تونس للكشافة الإسلامية التونسية بقاعة مقر الجمعيات بشارع باريس بالعاصمة وطلب مني قائد الإقليم الطاهر درغوث بضعة دقائق قبل قدوم الزعيم بارتجال كلمة الترحيب. أعلمت بفحوى هذا اللقاء السادس وبنتيجته فقط القائد العام للكشافة الإسلامية التونسية عبد الله الزواغي ولم أعلم كاتب الدولة للشباب والرياضة المناضل عزوز الرباعي حتى لا يحز ذلك في نفسه لأني تجاوزته في هذا الموضوع الذي كنت أعير له أهمية كبرى وكنت أعتقد راسخ الاعتقاد أن البلاد ستستفيد الكثير من التكوين التي ستوفره للشباب التونسي منظمة موحدة و عتيدة مثل "الكشافة التونسية". وتم فعلا انعقاد المؤتمر التوحيدي بعد هذا اللقاء مع "المجاهد الأكبر" في القاعة الكبرى بكتابة الدولة للشباب والرياضة بنهج باريس بالعاصمة وافتح المؤتمر الذي انبثقت عنه جمعية الكشافة التونسية المناضل عزوز الرباعي بحضور ممثلين عن الأربع جمعيات. وبهذه المناسبة إن الواجب يفرض أن أتقدم بتحية تقدير وإكبار لكل القادة من مختلف الجمعيات الذي وضعوا ثقتهم في وكانوا راضين كامل الرضا على ضبطي النهائي لقائمة المؤتمرين الممثلين لمختلف الجمعيات المتوحدة وأخص بالذكر منهم القائد عبد الله الزواغي ( الملقب بالماموت) والذي سيكون أول قائد عام للجمعية الجديدة الموحدة وللقائد محمود بالحاج صالح( الملقب بالورل) الذي تواصل عطاؤه السخي للحركة الكشفية خلال أكثر من نصف قرن وكان من بين القادة الذين أعانوني كثيرا في عملية الإعداد المادي للتوحيد إذ باتفاق مع قيادة الجمعيات المقدمة على التوحيد قد عهدت إليه مسؤولية التدقيق ثم التوقيف لحساباتها, وقام بهذا العمل على أحسن وجه, وأسندت له بعد انتهاء أشغال المؤتمر التوحيدي أمانة مال الجمعية الجديدة وذلك في مطلع صيف سنة 1956وقد قام بهذه المسؤولية الصعبة بحذق ومهنية عالية طيلة سنين عديدة "وكان دوما متنقلا بين المخيمات والملتقيات الكبيرة والصغيرة للتثبت من كل شيء..."وللقادة أمثال عبد الله الزواغي ومحمود بالحاج صالح والمنجي بالي و الهادي السافي وزكرياء بن مصطفى وسليم بن مصطفى ,احمد منصور وأحمد الشاوش وعبد المجيد شاكر والطاهر درغوث وتوفيق السلامي وعبد الحميد الأسود و محمد رشاد الباجي وغيرهم عديد – فضل كبير على الحركة الكشفية التونسية. تكونت على أيديهم أجيال من الشباب التونسي الذي أفاد الوطن. غادرنا الى دار الخلود عدد كبير منهم...ودعناهم واللوعة في قلوبنا..غادرنا القائد عبد الله الزواغي وسالت دموعنا في مكوب دفنه يمقبرة الجلاز بتونس وبقيت أتذكر أبياتا من قصيدة ألقاها القائد -المحبوب من طرف الجميع- الأستاذ البشير العريبي : " توليت- عبد الله- عنا إلى الأبد° وخلفت فينا لوعة الفقد..و الكأب" " توليت-عبد الله- غير مودع.. ° وخلفت كشافيك والأهل والولد " "أشاقك صحب أسرعوا نحوربه° فأسرعت نحوالبارىء الواحد الأحد" °°°° صورة للقائد العام عبد الله الزواغي. كنا في الجمعية الكشفية التي أنتمي اليها نفكر في سبل توحيد الجمعيات الكشفية بالخصوص منذ الاستقلال الداخلي وكنت من المتحمسين جدا لعملية التوحيد وكنت أتابع تطور المساعي كل يوم.بعد انعقاد مؤتمر تمهيدي للوحدة بمركز ببأر الباي في صيف 1955 مباشرة بعد انعقاد المؤتمر السنوي لجمعيتنا.. وكانت كذلك في مستوى الديوان السياسي للحزب الدستوري الأفكار متابائنة بالنسبة لمزايا التوحيد.....وكان البعض يفضل التعددية التي تكون حسب تصوراتهم تشجع على المناقسة التي ينجر عنها تحسين التكوين...ولكن في الحقيقة كانت هنالك اعتبارات اخرى تعرقل عملية التوحيد التي شهدت في الأربعينيات محاولات فاشلة أبقت آثارها...وصممت على بذل كل المساعي حتى أساند تيار التوحيد...وعندما بلغتني بعض الاخبار من طرف الرفقاء القادة تفيد بالتردد من طرف جمعية معينة نشرت قبل إنعقاد المؤتمر الخامس للحزب الحر الدستوري بصفاقس ( 15-19 نوفنبر 1955 ) في عدد أكتوبر- نوفنير 1955 من مجلة الجمعية "السبيل" تحت باب " إننا نطالب" مقالا عنوانه " إننا نطالب بالوحدة الكشفي على أسس صحيحة" ويجد القاري نسخة مصورة لجزء من هذا المقال . أتذكر مليا أني بعد أن أنهيت عمليات تسجيلي للانطلاق في الدراسة بمعهد الدراسات العليا بالعاصمة وبعد أن تسلمت البيت الذي سأقيم به في معهد"كارنوا" كقيم اتجهت مباشرة إلى نادي جمعية الكشافة الإسلامية التونسية في نهج بوخريص بالعاصمة و وجدت القائد عبد الله الزواغي في مكتبه فاستقبلني بلطفه المعهود وتمنى لي النجاح في المرحلة الجديدة من دراستي ثم قال: "و لا أشك انك ستواصل العمل معنا من الآن في العاصمة، نشاطك المتقطع مع فريق المهدية لا يكفي الآن، وفي المهدية لك من المساعدين الأكفاء الذين يستطيعون مواصلة العمل باقتدار. وأما هنا فلنا عديد من الشغورات التي يتعين عليا بالخصوص الإسراع بإيجاد لها القادة الأكفاء. فمثلا بالنسبة لإقليم العاصمة، المتمركز حاليا بهذا النادي بصفة وقتية،فإن قائد الإقليم الأخ الطاهر درغوث في حاجة أكيدة لإعادة هيكلة قسم التجوال في الإقليم حتىنرفع في نسق تكوين فرق الجوالة بالعاصمة ومتابعة نشاطهم وتكثيف تكوين القادة.". وكنت قد سمعت عن القائد الطاهر درغوث وعن حسن أخلاقه الكثير1قيل اقامتي بالعاصمة ولم أكن أعرفه عن كثب ولكني قلت للقائد عبد الله الزواغي بدون تردد:" إني دائما مستعد لتسخير كامل أوقات فراغي للنشاط الكشفي وأتصور أني سأستطيع التوفيق بين الدراسة والعمل كقيم نصف الوقت في معهد "كارنو" و النشاط الكشفي.إني لا أعرف القائد درغوث معرفة مباشرة ولكن لم أسمع عليه إلا الجميل والإشادة بخصاله فان رأيتم أني أستطيع إعانته فمرحبا بالمقترح." فقال القائد عبد الله :" نلتقي غدا مع الأخ الطاهر وسيكون فرحا باحتضانك معه في هيئة الإقليم". وكان هكذا هذا اللقاء العفوي مع القائد عبد الله الزواغي بداية عمل كشفي منعش في إقليم تونس دام حتى نالت تونس استقلالها واقترن بمسؤوليات قومية في الجمعية ابتدءا من سنة 1955حيث انضممت إلى القسم الوطني للتجوال بقيادة القائد التيجاني الكتاري وكذلك إلى الدورية المكلفة بإعداد وإصدار مجلة الجمعية مجلة " السبيل". انموذج من قادة الكشافة الميثاليين: الاستاذ الطاهر درغوث صورة للقائد الطاهر درغوث يقود استعراضا كشفي بالعاصمة سنة 1954. صورة للأستاذ الطاهر درغوث وزوجته ليليا ولدت جمعة أريد إفراد القائد الطاهر درغوث بفقرة خاصة في مذكراتي - لا لأنه فقط من أفضل القادة في الجمعية الكشفية " الكشافة الإسلامية التونسية (وكان عددهم كبير في تلك الفترة وهذا من حظ تونس وبفضل مجهود الرواد الأولون وفي مقدمتهم القائد الفذ المنجي بالي) التي كانت تزخر بقادة ممتازين تعلمت عليهم الكثير مثل القائد توفيق السلامي و القائد التيجاني الكتاري و القائد الهادي السافي و القائدعبد الله الزواغي و القائد عبد المجيد شاكر و القائد زكرياء بن مصطفى والقائد محمد الصيد وغيرهم عديد وبقيت مدين لهم بما تحصلت عليه من تكوين كشفي صحيح وسليم,- ولكن لأني وجدت في الطاهر درغوث -بالإضافة إلى خصاله وتفانيه كقائد كشفي مقتدر- كثير من الخصال التي عرفتها في والدي وبالخصوص تواضعه الكبير وتفانيه الطبيعي في خدمة الآخر وإنسانيته العالية والصادقة وفلسفة في الحيات تشبه تلك التي غذت مشاعر وأحاسيس والدي بالرغم من التباين في التكوين, إذ كان الطاهر درغوث أستاذا في الرياضيات, ولكن سلوكه كان سلوك الفيلسوف الزاهد في الحياة والمسخر نفسه لخدمة الغير على الدوام. فكان سي الطاهر يمثل المناضل المثالي الحق. والقائد الطاهر درغوث من عائلة عريقة في النضال، جده الشاذلي درغوث ناضل من بداية انطلاق الحركة الوطنية وذلك قبل الحرب العالمية الأولى و أما والده علي درغوث فقد ناضل في صفوف الحزب الحر الدستوري الجديدة من البداية وكانت له علاقة وطيدة مع والدي بالرغم من الاختلاف في بعض الآراء والمواقف خاصة يوم 9أفريل 1938. ولد الطاهر درغوث سنة 1917 وتوفي سنة 1989 وكنت في تلك السنة مقيما بمدينة "بروكسال" ولم أعلم بوفاته إلى بعد عودتي النهائية إلى تونس.الطاهر درغوث له تقريبا نفس سن المناضل رشيد ادريس وعاشا الرجلان في نفس الحي في المدينة بالعاصمة قرب نهج السيدة عجولة. ولكن لم يتعرف الرشيد ادريس على الطاهر درغوث إلا في فترة اعتقال والده اثر محنة أحداث 9 أفريل 1938وذلك بمجرد عودته من باريس بعد إتمام دراسته في الرياضيات. فساهم هكذا الطاهر درغوث في تدريب فرقة الكشافة التي كانت تابعة لجمعية الشبان المسلمين وتعرف رشيد إدريس في تلك الفترة بمناضل سيكون له شأن محوري في المقاومة السرية في العاصمة ألا وهو المناضل سليمان آغة. وشارك الطاهر درغوث في الأربعينيات في الإعداد لبعض العمليات النضالية السرية التي كادت تؤدي بحياته وذلك في صمت حتى بعد تحقيق الاستقلال. وهو رجل يكره طبعه التظاهر والتبجح بالقيام بالواجب وهي خصال من شيم الكشاف العصامي. تزوج الطاهر درغوث بامرأة فاضلة وذات لطف متناهي وهي السيدة ليليا جمعة. وتفانت ليليا في إعانته على نضاله وكانت القرينة المخلصة والمساندة لكافة مبادراته والمتحملة بصبر وتجلد كافة الصعاب. أهم المسؤوليات الكشفية التي تقلدها الأستاذ الطاهر درغوث تمثلت في قيادة إقليم صفاقس للكشاف المسلم التونسي ابتدءا من سنة 1945 حيث كان يدرس الرياضيات في معهد صفاقس وذلك قبل قدومي إلى هذه المدينة للالتحاق بمعهدها بحوالي سنتين وكان القائد التيجاني الكتاري مساعدا له في تلك الفترة بصفة نائبا لقائد الإقليم في صفاقس وكان كذلك في تلك الفترة حول الطاهر درغوث التلميذ حامد الزغل كقائد قسم الكشافة و التلميذعبد المجيد شاكر كقائد قسم التجوال والتلميذ عبد المجيد بعبع كقائد قسم الأشبال.ثم تقلد الطاهر درغوث قيادة إقليم العاصمة من بداية الخمسينيات عندما غادر صفاقس و أصبح يدرس في المعهد الفني " ايميل لوبي". وجدت في العاصمة من القائد الطاهر درغوث كامل العون والتدعيم أثناء تحملي معه توسيع وتطوير نشاط قسم التجوال في إقليم تونس وكنت دخيلا, نوعا ما ,على إقليم لم أعمل فيه من قبل ولكن ثقة القائد الطاهر ونصائحه وخصال القادة و الجوالة المنتمين لجمعية الكشافة الإسلامية التونسية في العاصمة سهلت عليا المهمة التي بدت لي صعبة في البداية. و لكني تمكنت من رفع الرهان بفضل معونة ناجعة لمجموعة من القادة الذين التفوا حولي وانسجموا معي أمثال الهادي التميمي و مصطفى كانون ومصطفى العلاني وعبد الستار العجمي والمنجي رزوقة وحسين الزغل ( الأخ الصغير للقائد حامد الزغل) ورؤوف الصنهاجي والتهامي الدخلية.... وغيرهم. وبلغ عدد فرق الجوالة في إقليم تونس والتابعين للكشافة الإسلامية التونسية في تلك الفترة ثمانية عشر فريقا سنة 1954. وكان الفريق الثامن عشر من أشهرهم ومن أنجعهم في المهام الدقيقة والمخاطر الصعبة.نظمت مع دورية القيادة التي كانت حولي عددا كبيرا من مخيمات التدريب في العطل المدرسية بمركز "بئر الباي" بالضاحية الجنوبية كما نظمنا عديد من الحصص التدريبية القصيرة لقادة ومساعدي قادة الفرق في راحة آخر الأسبوع بالخصوص في جبل "بوقرنين" وجبل " سيدي بوسعيد" أين حصل لنا حادث كاد يأتي بحياة القائد المنجي الرزوقة: إذ في عملية تدريب على الإنقاذ انزلق المنجي من أعلى الجبل نحو البحر على نحو عشرين مترا ولم تحميه من السقوط على صخور البحر إلا شجرة صغيرة وبقي في وضع خطير مدة ربع ساعة وقد طلبنا النجدة من مصلحة ألمطافي و في الأثناء حاولنا إنقاذه بربطه بالحبال وأقدم القائد مصطفى العلاني على عملية النزول والاقتراب منه وهو مربوط بحبال مجذوبة من طرف كافة الجوالة. وكان المنجي يصيح ألما من الكسور التي حدثت له. والحمد الله توفقنا قبل قدوم سيارة الحماية المدنية من رفعه إلى سطح الجبل و قمنا بالإسعافات الأولية ثم حمل إلى المستشفى وكانت الكسور خطيرة وبقي يعالج أشهر عديدة. بقيت هذه الفاجعة ثابتة في مخيلتي: ولو ألطاف الله لتحولت عملية تدريب على الإنقاذ إلى مصاب في أخ عزيز. في الفترة التي تحملت فيها قيادة قسم التجوال في إقليم تونس تحت أشراف قائد الإقليم الطاهر درغوث توفقت إلى تطوير نشاط كافة فرق الجوالة بالاقليم الذين كانوا يضمون مجتمعين حوالي ألف جوال. و بقيت لي ذكريات طيبة عن قادة هذه الفرق الذين قاموا بوجباتهم على أحسن وجه بإمكانيات جد متواضعة ولكن بحماس فياض وبتفاني وإخلاص متناهي للوطن. أتذكر منهم التهامي ماشطا ( وقد أصبح في ما بعد المسؤول عن سلاح الجو في وزارة الدفاع الوطني) و نورالدين المجدوب ( وقد أصبح سفرا ثم كاتب دولة في الخارجية) و روؤف الصنهاجي ( الذي اصبح رئيس مدير عام لشركة الأسمنت في تونس بعد تأميمها ثم ترأس مكتبا خاص للمحاسبات والتدقيق) وصلاح الدين المهبولي.. والتهامي دخلية..ومحمد صالح بوجلبية وعبد الستار العجمي ومحمد الصحراوي والقائمة طويلة والذاكرة عندي لا تحفظ الأسماء بقدر ما تحفظ ملامح الوجوه..... وكلهم كشافون مميزون خدموا تونس في صمت وبإخلاص متناهي متغذين بروح المواطنة العالية و مبتعدين عن إضاعة الوقت الثمين في السفاسف والسخافات ونابذين التكتلات المسترابة و السلوكيات المضرة بمصلحة الوطن. ولن ننسى يوم غرة جوان 1955 حيث كلفت من طرف الجمعية صحبة القائدة راضية بالخوجة بقيادة فريق الشرف المكون من فتيان و فتيات لاستقبال الزعيم الحبيب بورقيبة على رصيف ميناء مدينة حلق الواد يوم عوده المضفرة إلى ارض الوطن على الباخرة " مدينة الجزائر". وكان يوما مشهودا بحق وقلدت معي القائدة راضية بالخوجة « المجاهد الأكبر" بالمنديل الكشفي بمجرد نزوله من الباخرة، ذلك المنديل الذي تجول به رئيس الحزب كامل صباح اليوم التاريخي الذي التف حوله الشعب التونسي وبايعه بكل فئاته بتلقائية منقطعة النظير، وبقي نفس المنديل الكشفي في عنقه حتى بلغ منزله في "رحبة الغنم" " رحبة الزعيم" اليوم.كنت أملك دراجة نارية اشترتها بقرض للتنقل بسهولة من المعهد الثانوي بقرطاج- أين كنت أعمل كقيم- إلى معهد الدراسات العليا بتونس حيث أتابع دراستي في الحقوق والاقتصاد والتاريخ.فتمكنت هكذا -بعد استقبال الرئيس وهو ينزل من الباخرة وبعد الاستماع إلى الخطاب الذي ألقاه في قاعة كبرى أعددت خصيصا في الميناء_من مرافقة ركبه وأنا على الدراجة من نوع " لمبريتى" وذلك حتى أن وصل الركب إلى مدخل العاصمة. وكنت أشعر -وأنا وسط الجماهير و بعيدا عن كل ما كان يدور في الكواليس السياسية- بأن فجرا جديدا وعهدا جديد أنطلق منذ تلك اللحظات في تونس الخالدة...فجر الحرية...فجر الإنعتاق....فجر شعب قد أفتك مقومات نحت مصيره....كنت أشعر بأن بورقيبة الذي أكتسب شرعية قيادة الحركة التحريرية بتضحياته الجسيمة قد اكتسب من طرف شعبه يوم غرة جوان 1955 الشرعية التاريخية كرجل دولة مسبقا وقبل التعيينات الرسمية. وكنت أشعر بأن نظام الحماية ونظام "البايات" قد ولى وانتهى منذ تلك اللحظات التي بقيت حتى اليوم تهز مشاعري، كلما تذكرتها،وذلك بنفس القوة والعفوية وكأنها غريزية أو عاطفة صافية نقية لا دخل فيها للمنطق و لا للتنظير والتفلسف السياسي والتحاليل الأكاديمية. وخلافا لما ربما يتصوره البعض لم تكن في تصوري القضية تتعلق بالشخصنة ( و بداية ما يسمى بالفرنسية:le culte de la personnalité (إذ في تصوري يوم غرة جوان كان وسيبقى يوم فرحة الشعب التونسي الكبرى, يوم شعوره بتحرره من المستعمر قبل أن يكون يوم الانتصار النهائي للزعيم بورقيبة... وذلك بالرغم عن ملبسات الخلاف الخطير التي سيعكر صفو الأجواء في ما بعد. كان يوم غرة جوان يوم فرحة شعب لم تضاهها فرحته عند الإعلان الرسمي عن الاستقلال التام في 20 مارس 1956 و قد عشت كل تلك الأيام في العاصمة وساهمت في كافة التظاهرات الشعبية والشبابية وقارنت الأحاسيس والمشاعر والسلوكيات..... كان ذلك اليوم بالنسبة لي في حياتي الجامعية يوم امتحان في السنة الأولى من الإيجازة بعد نجاحي في السنة الماضية في شهادة السنة التحضيرية آداب عصرية ( Propédeutique : Certificat de littérature générale moderne ). وحاولت مع عدد من الطلبة الاتصال مسبقا بإدارة المعهد لتغيير تاريخ الامتحان ولكن لم أفلح. وخيرت التغيب عن الامتحان لأعيش مع الشعب يوما ,كنت من البداية, أشعر من الأعماق أنه سيكون وسيبقى على الإطلاق يوما تاريخيا على مدى العصور. وتقدمت إلى الامتحان في دورة سبتمبر ونجحت , فكانت في تلك السنة فرحتي مضاعفة.ولم يخامرني أي شك,مثل الأغلبية الساحقة لرفقائي الطلبة والكشافين, في سلامة المنهج المنطقي الذي توخاه بورقيبة في تلك الفترة الحاسمة. وكان أسف الجميع شديد لعدم توفق المجهودات المتعددة للتوفيق بين الزعيمين الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف وكانت الأغلبية الساحقة للكشافين تساند منهج الزعيم الحبيب بورقيبة بقناعة قوية وعن روية ودراية وبعد تحليل سليم للأوضاع الداخلية والخارجية ولم تكن هذه المساندة نتيجة تبعية أو ولاء لشخص مهما كانت مكانته أونتيجة طاعة عمياء. وأول مؤتمر للحزب الحر الدستوري الجديد أشارك في افتتاحه كملاحظ كان مؤتمر صفاقس. وذلك ضمن وفد لجمعية الكشافة الإسلامية يتركب من مجموعة ستة من القادة منهم القائد العام عبد الله الزواغي وكان رئيسا للوفد ومحمد التريكي وآخرون لا أتذكر أسماءهم. انتقلنا إلى صفاقس من تونس على الساعة الرابعة صباحا على متن سيارة الجمعية، سيارة من نوع "لندروفر". وكنت أعمل كقيما بمعهد قرطاج وأتتني السيارة إلى المعهد حسب الاتفاق وكنت قد هرولت بسرعة كبيرة نحوها لما قدمت فانزلقت رجلي وسقطت على الأرض وأحست بألم كبير في ركبتي اليسرى لكني وقفت وركبت في السيارة وسلمت على الرفقاء وقضيت كامل السفرة و أنا أتوجع في صمت. وانتفخت ركبتي انتفاخا بسيطا وخفت أوجاعي برجلي عند دخولنا إلى فضاء جلسة الافتتاح. وجلسنا في الأماكن التي خصصت لنا وترأس الجلسة الأولى السيد علولو وهو من كبار مناضلي الحزب في صفاقس واستمعنا إلى كافة الكلمات ومنها كلمة للوزير المصري وزير الأوقاف الذي كان خطابه قابل للتـاوليلات بالنسبة للخلاف الذي نشب بين بورقيبة وصالح بن يوسف. و كان بدون منازع بالنسبة لنا -أعضاء الوفد الكشفي- خطاب بورقيبة خطابا منطقيا وموضوعيا وكأن " ديكارت يتكلم" والتقينا مع كافة مضامينه بصفة طبيعية و ذلك ما كنا ننتظره. وانتهى دورنا في جلسة الافتتاح التي كانت على غاية من حسن التنظيم وقفلنا راجعين إلى تونس مطمئنين على سير أعمال المؤتمر ما عدى القائد عبد الله الزواغي الذي واصل الإقامة بصفاقس و كانت له إنابة لمتابعة كافة أشغال المؤتمر وكانت له مشاركة جدية في صياغة اللائحة المتعلقة بالشباب. وستكون بالنسبة لي مشاركة ثانية في إفتاح أشغال مؤتمر للحزب الدستوري المنعقد بمدينة بنزرت الذي تغير فيه اسم الحزب وأصبح الحرب الاشتراكي الدستوري. وأقرت في هذا المؤتمر بكل دقة ضمن لوائح واضحة مبادئ وسبل تجسيم منهج تنموي أطلق عليه اسم "الاشتراكية الدستورية" ذات البعد الإنساني التحرري. وتعتمد تنمية البلاد حسب هذه المنهجية على مخططات إطارية توجيهية متتالية و في نطاق احترام كامل لتواجد وتعايش القطاعات الثلاث: القطاع العمومي والقطاع الخاص والقطاع التعاضدي. وكانت جل النخب والقواعد الحزبية العريضة،التي ساهمت بحماس في أشغال هذا المؤتمر الذي أسس لمنوال ذكي وملائم للتنمية البلاد بالنسبة لتلك الفترة،وكانت لوائح المؤتمر برية كل البرآة من الانحرافات التي ستحدث في ما بعد والتي تتحملها القيادة العليا للحزب بأكملها لا شخص واحد ذهب كبش الفداء لانزلاق خطير كان بالامكان تجنبه. إذ كان من البديهي أن اللجنة المركزية التي أقرت في ما بعد تعميم التعاضد لم تكن لها الصلاحيات لأخذ قرار في هذا الحجم من الخطورة يغير جوهر منوال التنمية في البلاد بدون الرجوع إلى القاعدة وعقد مؤتمر استثنائي.لم أكن عضوا في اللجنة المركزية في تلك الفترة وأقتصرنشاطي في الحرب في تلك الفترة الحاسمة في المشاركة في لجنة الدراسات الاقتصادية التي كانت تجتمع أسبوعيا في نهج رومة بالعاصمة وكان يشرف على نشاطها كل من أحمد ين صالح والهادي نويرة. وكنت أعتبر نشاطي في هذه اللجنة ليس بالعمل السياسي بل نشاطا فني و تقني. ولكني عندما أخذ قرار تعميم التعاضد الأحمق قمت صحبة زميلي مدير الميزانية في تلك الفترة المنصف بالحاج عمر بزيارة إلى خاصة إلى أحمد بن صالح وبينا له مخاطر القرار الاقتصادية والسياسية فأجابنا بلهجة بدت لنا صادقة أن القرار كان أساسا من طرف الرئيس الحبيب بورقيبة الذي قد قال له بالحرف الواحد" نسرع بهذا التعميم لأنكم لن تستطيعوا تحقيق مثل هذا الإصلاح العملاق إلا وأنا معكم على قيد الحياة". واندهشنا من هذا الجواب ومن عمق الانحراف بالنسبة لاختيارات مؤتمر بنزرت صاحب القرار. ولم نكن على علم بما جري في كواليس النظام ولا كواليس اللجنة المركزية وكنت مع زميلي بعيدا كل البعد عن العمل السياسي. كما لن أنسى الاستعراضات التي نظمناها في نطاق النشاط الكشفي في العاصمة في الليل والنهار وفي معلب "الشاذلي زويتن" للاحتفاء بعيد الاستقلال وعيد الشباب: كانت روعة وكانت نخوة واعتزاز لا يستطيع الإنسان التعبير عن ما كان يحركنا جميعا من عميق المشاعر... "كنا جماهير وكنا كالرجل الواحد".كنا نستنشق هواء الحرية لأول مرة في حياتنا. كنا عبيدا فأصبحنا أحرارا. وهو شعور يتغذى به و يرسخ بعمق كقيمه أساسية في نفوس جيل كامل من الشباب في حياة كل أمة تتحرر وتكسر القيود.وبالنسبة لتونس كان جيلي من الشباب قد ضحى وتألم ولكنه أصبح جيلا نفسانيا محضوضا لان نخوة الشعور بسعادة الحرية المكتسبة لا يماثله أي شعور آخر. ستة أشهر من العمل الدؤوب مع زعيم الشباب الثاني المناضل عزوز الرباعي بأول كتابة دولة للشباب والرياضة بعد الاعلان عن استقلال الوطن: الاسهام في توحيد الجمعيات الكشفية و ضع اللبنات الأولى لسياسة تأطير الشباب و المشاركة في المعسكر العربي الثاني بالاسكندرية.: ماي 1956 أكتوبر 1956. كنت أسمع الكثير عن خصال زعماء الحزب الحر الدستوري في نهاية أربعينيات القرن العشرين مثل العديد من شبان المهدية و تلاميذ المعهد الثانوي بصفاقس و في مقدمتهم كان بالطبع الحبيب بورقيبة و صالح بن يوسف وكذلك المنجي سليم و على بلهوان و تلميذه وخليفته في زعامة الشباب المناضل والخطيب الموهوب عزوز الرباعي. أتذكر مليا أول لقاء جمعني بالمرحوم سي عزوز وكان ذلك بمدينة المهدية في صيف سنة 1950. وقد قدم عزوز الرباعي موفودا من الحزب أياما قليلة قبل زيارة رئيس الحزب الحبيب بورقية إلى جهة المهدية للتأكد من الترتبات المتخذة من طرف شعبة المهدية لانجاح الجولة التعبوية الكبيرة التي قام بها المجاهد الأكبر طيلة حوالي أسبوع وهو يقيم في مدينة المهدية بشقة موجودة في الشارع الذي يحمل اليوم اسمه كانت على ملك الطيب ساسي. و بعد اليوم الأول الذي خصصه لمدينة المهدية تجول الزعيم الحبيب برقيبة إنطلاقا من مقره في المهدية في مختلف مدن و قرى الجهة....قصور الساف , الشابة, اللجم, السوسي, شربان..... وكانت من الزيارات التارخية الكبرى الناجحة التي جسمت منهجية الاتصال المباشر بالشعب..قدمني إلى عزوز الرباعي قائد فوج الكشافة الاسلامية التونسية المرحوم ساسي رجب و كنت في تلك الفترة قد كلفت بقيادة فريق الجوالة التابع للفوج والذي كان يحمل اسم والدي " الطاهر صفر" وهو الفريق الذي أوكلت له مهمة مرافقة المجاهد الأكبر في جولته بالجهة . قبلني سي عزوز بحرارة كبيرة وقال لي بنبرة بدت لي صادقة : "الله يرحم سي الطاهر فيلسوفنا الكبير...خسرناه....إنشاء الله تخلفه....". كان الرجل يتقد حماسا وله قدرة كبيرة على تمرير حماسه إلى مستمعيه.. وسرعان ما تحول الحديث إلى جوهر الموضوع إنجاح زيارة المجاهد الاكبر..... إنطلقت احداث المرحلة الحاسمة بداية من 18 جانفي 1952 وعلمت كبقية رفقائي بالاعتقالات الممتتالية للزعماء والتي طالت مع آلاف المناضلين الدستوريين سي عزوز...ولم ألتقي به من جديد إلا بعد قدوم "مادس فرنس" إلى تونس وخطابه الشهير أمام الباي..وكان ذلك اللقاء الثاني في مكتب القائد العام لجمعية الكشافة الاسلامية التونسية المرحوم عبد الله الزواغي بنهج بوخريص في العاصمة...كنت أعمل كقيم بمعهد " كارنو" و أواصل دراستي في القانون والاقتصاد والتاريخ بمعهد الدراسات العايا متحملا في المنظمة الكشفية مسوؤليتان: كنت عضوا في دورية تحرير مجلة "السبيل" مع عدد من القادة منهم المرحوم الهادي التميمي و القائدة لقسم الفتيات راضية بلخوجة و برئاسة التيجاني الكتاري قائد قسم التجوال. و كنت مسؤولا في نفس الوقت عن دورية قسم التجوال في إقليم تونس الذي كان يقوده بإقتدار و بمثالية نادرة المرحوم الطاهر درغوت... كان الحديث مع الأخ عزوز في هذا اللقاء الثاني مركزا على مستقبل حركات الشباب ودورها الطلائعي في تونس الجديدة المتحررة التي بدأنا نستشرف آفاقها....و تناول الحديث بالطبع ضرورة تجسيم في أول مناسبة حلم جل الكشافين: توحيد الجمعيات الذي سعى إليه المرحوم المنجي بالي و رفاقه منذ الأربعينيات بدون نجاح لان السلط الاستعمارية كانت دوما تعمل لاخفاقه....بعد هذا اللقاء الثاني كانت لي مع سي عزوز لقاءات عديدة خصوصا بمناسبة دعوته لالقاء محاضرات في التربية الوطنية و في تاريخ الحركة الوطنية بمناسبة تنظيم ملتقيات تدريب قادة الجوالة لاقليم تونس في مركز بئر الباي.... كانت دورية مجلة السبيل مركزة في عملها أساسا على النشاط الكشفي ولكنها كانت تتابع كجل التونسيين تطور الأحداث المتسارعة في البلاد... وقبل إنتهاء المفاوضات التي أدت إلى الاستقلال التام للوطن أصدرنا عددا مميزا لمجلة السبيل مخصص للبحث في أفضل السبل والمناهج لتأطير و إعداد الشبات حتى يتحلى بضفات المواطن الصالح لمواجهة تحديات البناء والتقدم بالمجتمع و في مقال من مقالات هذا العدد أبرزنا بحروف كبيرة إننا " نطالب ببعث كتابة دولة للشباب" تعوض المصلحة التي كانت في تلك الفترة تهتم بشؤون الشباب والرياضة و كان يشرف عليها الفرنسي " بو رنيكال" المنبوذ من جل المنخرطين في منظمات الشباب. و أعلمني القائد العام عبد الله الزواغي بعد صدور هذا العدد أن عضوا من الديوان السياسي للحزب- لم يرد ذكر اسمه- قد عاتبه عن لهجة المقال و عن طريقة " المطالبة" التي يعتبرها سابقة غير صالحة....ولكن سررنا عند تشكيل الوزارة الأولى بعد الاعلان عن الاستقلال في أفريل 1956 بتلبية مقترحنا من طرف الزعيم الحبيب بورقيبة و قد بعثت فعلا إلى جانب مختلف الوزارات أول كتابة دولة للشباب والرياضة وعين على رأسها المناضل عزوز الرباعي. وكان جل المنخرطين في جمعيتنا الكشفية التي كنت متصلا بهم في تلك الفترة قد رحبوا بذلك الاختيار و رأو فيه حقا تجسيم تلك الكلمة المعروفة: "الرجل المناسب في المكان المناسب في الوقت المناسب" و يرجع كل ذلك للخصال و للشعبية التي كان المرحوم معزوز الرباعي يحضى بها لدى شرائح عديدة من الشباب التونسي. طلب مني سي عزوز بمجرد تقلده مسؤوليته الجديدة أن أتصل به و كان ذلك عن طريق القائد العام عبد الله الزواغي. ولما دخلت إلى مكتبه وجدت معه السيد حسيب بن عمار والسيد هنية وكنت لا أعرفهما من قبل فبادر سي عزوز بتقديمهم و بتعداد خصالهم و أضاف :" قد وافق بعد سي حسيب أن يعينني بصفته مندوب عام للرياضة و وافق سي هنية بأن يلحق بكتابة الدولة الجديدة ليتحمل مسؤولية الادارة المالية و شؤون الموظفين والعملة أما انت فأكون سعيدا إذا كنت مستعد للالتحاق بنا لتتحمل معنا مسؤولية المندوب العام للشباب حتى تكتمل النواة الاولى من الفريق الذي سيعاضدني في هذا المسؤولية التي أقدر جسامتها.." كان سي عزوز يخاطبني بكل لطف و كأنه الأخ الكبير ولم يغريه " التوزير" ولم يغير شيئا من تواضعه العفوي.و اسلوبه الحميمي في التخاطب...طلبت منه أن يفسر لي ما كان ينتظر مني أن افعل في الاشهر الأولى... فوضع سي عزوز في المقدمة إعادة هيكلة مركز التكوين بئر الباي بالضاحية الجنوبية للعاصمة والتركيز على العمل للاستجابة لحاجيات انتشار و توسع نشاط مختلف منظمات الشباب من كشافة و مصائف و مضائف و شبيبة مدرسية و شباب دستوري ملحا على ضرورة تكثيف التشاور مع المسؤولين على هذه المنظمات والاصغاء إلى مقترحاتهم قبل إعداد برنامج عمل كتابة الدولة. شكرت سي عزوز على الثقة التي وضعها في شخصي بالرغم من قلة خبرتي وصغر سني وقلت له هنالك قادة في الكشافة أكثر مني تجربة و كفاءة مثل القائد عبد الله والقادة التيجاني الكتاري و توفيق السلامي و الهادي السافي والهادي التميمي وغيرهم كثر والحمد الله. وأضفت إني أعمل الآن كقيم و لم تكتمل بعد دراستي و أنا عازم على استكمال الايجازة في الحقوق والاقتصاد وفي التاريخ.. فقال سي عزوز : " القائد عبد الله هو اول من فكرت فيه ولكنه أقنعني أنه في هذه المرحلة يفيد أكثر على رأس أكبر جمعية كشفية.. اما تيجاني الكتاري و توفيق السلامي فتنظرهما مسؤوليات هامة في الأمن و أما الهادي السافي فقد فكرت فيه لادارة ذلك المركز المحوري, مركز "بئر الباى" وأنت تعرف جيدا أهمية هذا المركز و ستجد من سي الهادي السافي كل الدعم والنصح في خطتك إذا قبلت المسؤولية."...و أضاف سي عزوز:" قد لحظت جيدا عملك الجاد في السنة الماضية في إقليم تونس التابع للكشافة الاسلامية التونسية..فلا تنقص من كفائتك ونحن في حاجة إلى جديتك في هذه المرحلة الأولى..و أما دراستك العليا فستكون في وضع سي حسيب إذ أنه ايضا لم يكمل دراسته و بقيت له سنة سيواصلها بالتوازي مع تحمله المسؤولية..و اني مستعد لتمكينك من حضور الدروس التي يتعين عليك حضورها حتى في أوقات العمل..." شكرت سي عزوز و قبلت بكل اعتزاز المسؤولية مذكرا سي عزوز بضرورة الانطلاق الفوري في الاعداد لتوحيد الجمعيات الكشفية و كان جوابه واضحا بدون لبس : " أنت تعرف مدى تحمسي لفكرة التوحيد..فالتكن مهمتك الأولى توحيد الحركة الكشفية و بادر بالحديث مع كافة المسؤولين على الجمعيات...هكذا كانت انطلاقة العمل مع سي عزوز....لم تطل المدة ولكن كانت ستة أشهر كلها عمل دؤوب و منجزات ثابتة...أستسمحكم استحضار البعض منها على سبيل المثال... قد مت استقلاتي من مهمة قيم و التحقت بكتابة الدولة الفتية بداية من غرة ماي 1956 وأخذت مكتبي في البناية المحترمة المتواجدة في شارع باريس والتي تمكن المرحوم عزوز الرباعي من الضفر بها عوضا عن مقر المصلحة الاستعمارية للشباب التي كانت في نهج سيدي بة منديل... ومكنتني فعلا هذه المهمة من الإسهام الفاعل مع عدد من القادة و في مقدمتهم القائد عبد الله الزواغي من تحقيق ما كنا نصبو إليه من توحيد لكافة الجمعيات الكشفية التونسية وهي أربع جمعيات: كشاف الرجاء , كشاف تونس ,الاتحاد الكشافي الإسلامي والكشافة الإسلامية التونسية. وكانت بدون منازع الكشافة الإسلامية التونسية أكبر جمعية من حيث عدد المنخرطين والإشعاع والتواجد في مختلف مدن البلاد والاسهام في المرحلة الحاسمة لتحرير تونس.كنت أتصور وأعتقد أن منظمة كشفية عتيدة ومستقلة عن الأحزاب السياسية سيكون لها دور كبير ومصيري لإعداد أطفالنا و شبابنا حتى يكونوا المواطنين النموذجيين لبناء مستقبل مشرق لوطننا. مؤتمر الوحدة الكشفية التونسية: منظر من الجلسة العامة في قاعة مقر كتابة الدولة للشباب والرياضة بشارع الحرية يوم غرة جويلية 1956 إفتتح الجلسة السيد عزوز الرباعي. هذه صورة للمشاركين المبتسمين في الجلسة العامة للمؤتمر التوحيدي للجمعيات الكشفية التونسية يوم غرة جويلية 1956 في القاعة الكبرى للاجتماعات بمقر أول كتابة دولة للشباب والرياضة. ولا تظهر في الصورة المنصة التي تواجد فوقها المشرفون على الجلسة يتقدمهم المنضال عزوز الرباعي- أول وكيل كاتب دولة للشباب والرياضة في أول حكومة تونسية بعد إمضاء إتفاقية الاستقلال- وهو الذي افتتح المؤتمر وأعطى توصيات الحكومة وتصوراتها المستقبلية لدفع حركات تـاطير وتكوين الشباب لاعداده حتى يكون مواطنا صالحا فاعلا في المجتمع ثم غادر السيد عزوز الرباعي القاعة تاركا للمؤتمرين كامل الحرية للقول الفصل لتجسيم عملية التوحيد التي تمت في اجواء أخوية منعشة. أول مشاركة كشفية تونسية رسمية في ملتقى كشفي عربي كبير بمصر في ضا حية مدينة الاسكندرية: أبو قير. هذا وكنت قد كلفت بمجرد الانتهاء من عملية توحيد الحركة الكشفية بقيادة أول مشاركة لجمعية الكشافة التونسية في المعسكر الكشفي العربي الثاني "بأبوقير" في ضاحية مدينة الإسكندرية المصرية في جولية 1956. { كلمة "معسكر" تستعمل في الشرق في الوقت الذي كنا في تونس نستعمل مصطلح أكثر ملائمة : الملتقى الكشفي} وكان الوفد الكشفي التونسي أول وفد يصل المعسكر على متن حافلتين انطلقتا من تونس العاصمة عبر التراب الليبي وقد دشن هذا المعسكر الكشفي العربي الرئيس جمال عبد الناصر بنفسه اسبوعا بعد إنطلاق اشغاله وألقيت كلمة تونس أمامه بعد أن أحرز الوفد التونسي على نجاح مرموق خاصة أثناء الاستعراض الرسمي لجميع الفرق المشاركة وقد حضر هذا الاستعراض السيد عزوز الرباعي بصفته كاتب دولة للشباب في الحكومة التونسية مع عدد من وزراء الشباب في الدول العربية المشاركة. وكان الجو غير ملائم بالنسبة إلى صورة تونس في تلك الفترة في مصر و في عدد من الدول العربية من جراء الدعاية اليوسوفية التي قدمت معطيات مغلوطة عن الأوضاع في تونس. و كان السيد الصادق المقدم أول سفير لتونس المستقلة بالقاهرة قد وصل إلى القاهرة منذ اسابيع و لا يزال يسكن في النزل في انتظار اعداد مقر السفارة و كانت الصحافة المصرية غير منصفة في تعليقاتها على ما يدور في تونس حتى أني اتذكر أننا اقتنينا مجلة مصرية اجرت حديثا مطولا مع الصادق المقدم تناول جل مواضيع الساعة ولكن اختارت المجلة ابراز في صفحتها الأولى بتهكم جواب للسفير عن سؤآل هامشي يتعلق بالطعام المفضل للسفير فكتبت بحروف بارزة ' السفير التونسي يحب الملوخية بالافراخ"....هذا يعطي فكرة عن الجو الذي واجهه بكل حنكة و اقتدار كل من المناضل عزوز الباعي بصفته الرسمية ككاتب دولة للشاب سواءا في لقاءه مع الرئيس عبد الناصر او مع نظيره المصري أو مع زملائه في الدول العربية المشاركة في الملتقى...كما واجه هذا الجو بذكاء كبير و بلباقة كافة الكشافة و الجوالة التونسيون الذين كانوا بتلقائية وبغيرة فائق على وطنهم يطيلون الحديث الهادي والموضوعي مع الكشافين العرب حتى تغيرت الصورة عن تونس في آخر مدة الملتقى و كان للنشاط الكشفي المكثف و المثالي الأثر الكبير لتغيير نظرة كافة المشاركين إلى تونس من خلال سلوك أبنائها و شبابها الكشفي إلى درجة أن في آخر الملتقى تقرر أن ينظم المعسكر الكشفي العربي الموالي أي المعسكر العري الثالث في تونس العربية المسلمة. وقد استعنت لاعداد ولانجاح المشاركة التونسية في هذا اللقاء الكشفي العربي الكبير - بصفتي قائد عام لكامل البعثة التونسية - بالخصوص بالقادة المقتدرين الأجلاء: الهادي التميمي( كان قائد فريق الجوالة في البعثة) ومحمد الشاوش( كان قائد الفرقة الكشفية بمساعدة القائد الطيب نويرة) وعبد العزيز التريكي( أمين مال البعثة) وساسي رجب( المسؤول عن العمل التطبيقي الالكتروني) والقائدة راضية بالخوجة (المسؤولة عن فرقة الفتيات بالبعثة التونسية) . كان المناضل الصادق المقدم في تلك الفترة يتحمل مهام أول سفير لتونس المستقلة في القاهرة وكان يوم قدومنا الى مصر لا يزال يقيم بالنزل في انتظار إعداد دارإقامة السفارة التونسية. 2 أنموذج من بطاقة بعثة الكشافة التونسية إلي المعسكر الكشفي العربي الثاني صيف 1956 صورة لمدخل( منارة مصغرة لجامع القيروان صنعناها من الخشب ) مخيم البعثة الكشفية التونسية في معسكر أبوقير بالاسكندرية جولية 1956 قمنا بإعداد جيد ومنتقن للمشاركة في هذا الملتقى العربي بدأ بحسن اختيار القادة وكافة أعضاء البعثة ثم بتنظيم مخيم تمهيدي بمركز "بئر الباي" وأشرفت بنفسي على كافة الترتيبات قبل السفر الذي سخرت له الحافلتان التي كانت ورثتهما كتابة الدولة للشباب والرياضة عن مصلحة الشباب والرياضة في عهد الاستعمار واستعرت من وزارة الفلاحة - بمساندة من القائد التيجاني الكتاري الذي كان وقتها يعمل بها كمهندس رئيس مصلحة- شاحنة كبرى من نوع مرسديس خصصت لحمل الأجهزة والأمتعة. وسخرت سيارة الجمعية الكشفية من نوع لندروفر واستعرت من مصلحة الصناعات التقليدية "خيمة شعر" كبيرة للاستقبلات مع كافة اللوازم من زرابي ومقاعد و موائد من الصناعة التقليدية التونسية بالإضافة إلى صنع مدخل من الخشب يمثل منارة جامع القيروان المعمور. واحطياطا من حرارة الشمس في مصر اخترت لكافة أعضاء البعثة " المضلة القابسية" الجيدة الصنع وجهزت كافة أعضاء الوفد بفراش فردي من نوع جديد خفيف الحمل إطاره مكون من الاليمينيوم الذي يطوى بسهولة ويجد فيه الإنسان الراحة الكافية لنوم هادي يسترجع به قواه.انطلقنا من العاصمة وكانت المحطة الأولى بقابس ثم كانت المحطة الثانية بطرابلس أين استقبلنا بحرارة كبيرة مع حسن الضيافة القائد العام للكشافة الليبية علي خليفة الزائدي مصحوبا بكوكبة من القادة الأشقاء. قضينا ليلة بطرابلس تبادلنا فيها الآراء مع قادة الكشافة الليبية حول تطوير المناهج التربوية الكشفية على ضوء مقتضيات المراحل الجديدة التي تعيشها الدول العربية. وكانت المحطة الثالثة بمدينة بنغازي أين استقبلنا بحفاوة وترحاب من طرف كوكبة من الأساتذة الجامعيين كانت لنا معهم في الليل مسامرات وحوارات مفيدة حول النظام التربوي والجامعي الليبي وحول المستقبل المشترك للمغرب العربي وسبل عمل الحركات الشبابية للاسهام في بناءه.قصر إقامتنا بليبيا لم يمكنتا من التعرف بعمق عن تركيبة المجتمع الليبي وعن الوضعالحقيقي في البلاد وكانت الكشافة الليبية في تلك الفترة نخبوية فلم نتعرف على مختلف شراءح المجتمع.وكانت المحطة الرابعة من الرحلة صعبة نوعا ما: إذ وصلنا إلى الحدود المصرية ( مرسى المطروح )مع غروب الشمس ولم نجد أحدا من ممثلي الكشافة المصرية في انتظارنا وقال لنا عون القمارق المصري إن مكاتب مصلحة عبور الحدود قد أغلقت منذ ساعة ولا يمكن القيام بالاجرآت القمروقية إلا في صباح الغد. ولم يبقى لنا أي خيار إلا النوم جالسين على المقاعد في الحافلات مع أكل لمجة خفيفة... واجهنا طبعا هذا الوضع بتبادل النكت وبالأناشيد حتى رمنا إلى النوم. وفي الصباح طلبت مقابلة رئيس المركز فوجدته خالي العلم بقدوم الوفد التونسي ولكنه خاطب بالهاتف رؤسائه بالقاهرة وأعطوه فورا التعليمات للسماح لنا بالدخول الى التراب المصري والتوجه مباشرة الى مقر المعسكر بأبوقير على أن يقع النظر في جوازات السفر في ما بعد في مصالح الإسكندرية بعد أن نستقر في المعسكر. وانطلقت القافلة إلى مقر المخيم الذي كان غير بعيد عن شاطي البحر. وكان الوفد التونسي من أول الوفود التي كانت قد أتت إلى مقر المخيم في الموعد المحدد. نزلت من السيارة وطلبت من الزملاء القادة الإشراف على عملية إنزال الجرابات من فوق الحافلات حتى نستعد للدخول مصطفين منشدين كل منا حاملا جرابه على ظهره. ودخلت المعسكر طالبا من الحراس تمكيني من مقابلة قائد المعسكر او من ينوب عنه. رافقني أحد الحراس الى مكتب قائد المعسكر الذي رحب بي ودعاني مباشرة إلى التعرف على المكان الذي خصص للوفد التونسي. واصطحبته وسرنا مترجلين حتى بلغنا آخر تقسيم في الأرض التي خصصت للمعسكر وقال لي القائد المصري وقد نسيت اسمه : هذا هو المكان الذي خصص لكم... فكان جوابي ورد فعلي كالبرق:" هذا غير معقول.....الوفد التونسي ينضبط ويأتيكم من بعيد برا محترما الأوقات الرسمية....وتحشرونه في آخر مكان في المعسكر...فهذا غير معقول....قدومنا في الوقت المحدد يعطينا منطقيا حق اختيار المكان الذي يتماشى مع حجم الوفد وعتاده.." وقفلت راجعا مسرعا نحو الحافلات والقائد المصري يهرول وراءى محاولا تفسير نظام المعسكر وطريق توسيع التقاسيم..حتى وصلنا الى الحافلات التونسية. وجدت الجرابات قد أنزلت من فوق الحافلات فصحت : " أرجعوا الأمتعة فوق الحافلات نحن عائدون.." فأقترب مني القائد المصري وهمس في اذني: " ما تزعلش يا أستاذ. أقترح عليك أن نتجول في المعسكر مع زملائك قادة البعثة واختاروا المكان الذي يرضيكم.." فأجبته بسوط عالي حتى يسمعني الجميع:" على هذا الأساس أهلا وسهلا نشكرك على هذا الاقتراح العادل " وطلبت من القائد الهادي التميمي ومن القائد أحمد الشاوش أن يصطحبوا القائد المصري وأن يختاروا المكان الذي يتلاءم أكثر مع تركيبة الوفد والأمتعة التي أتينا بها. وبعد برهة قصيرة عاد القائد التميمي وقال لنا: اخترنا أول مكان لتركيز المخيم في مدخل المعسكر على اليمين. إقترحت على القائد العام المصري ليحضر معنا تحية العلم التونسي الذي سنعمل على رفعه صباح الغد في الوقت الرسمي المخصص مسبقا لافتتاح المعسكر وإستجاب للمقترح. وصاح الكاشفون والجوالة صيحة الاستحسان مردين :" مرحى..مرحى..بارك لله فيك..." وأسرع الجميع كخلية النحل...يقوم كل فرد بالعمل الذي يتعين القيام به. وبرهن كافة القادة الذين اصطحبوني وشاركوني في تأطير البعثة و كذلك كافة أعضاء البعثة بكفاءة عالية و في جو منعش من البهجة والفرح والجد في العمل حتى إني أكاد أقول أني -في هذا الملتقى العربي الهام الذي نشارك فيه لأول مرة كدولة مستقلة- لم أبدي طيلة إقامتنا بالمعسكر أي ملاحظة تذكر وكانت الأنشطة -التي نتفق عليها في كل مساء في الاجتماع الذي أترئسه لتقييم النشاط اليومي وضبط نشاط اليوم الموالي- تتم على أحسن ما يرام وبامتياز بارز للجميع سواء كانوا مشاركين في المعسكر أو زوار وضيوف. وبقيت في ذاكرتي أن هذا المخيم كان من أنجح المخيمات التي كان لي شرف تسييرها والفضل يرجع أساسا للقادة الذين كانوا حولي وللإعداد المسبق الجيد ولشعور جميع أفراد البعثة بأن لهم رهان لابد من كسبه في فترة تاريخية من أعز فترات تاريخ بلادنا أمام الأشقاء العرب الذين كانوا لا يعرفون إلا القليل على تونس وكان البعض يحمل معلومات مغلوطة و ملوثة بالدعايات السياسية الرذيلة. كانت مصر تعيش في سنة 1956 أوج شعبية نظام جمال عبد الناصر وكان شهر جويلية 1956 شهر الخطاب الشهير الذي أعلن فيه الرئيس المصري تأميم القناة متحديا الدول الغربية ومستكملا إعادة الشعور بالكرامة لكافة المصريين وكذلك للشعوب العربية. وزار عبد الناصر المعسكر الكشفي بالإسكندرية اسبوعا بعد إنطلاق أشغاله وأستمع من كافة قادة البعثات العربية المشاركة في المعسكر إلى كلمات وجيزة ولما أتى دوري ارتجلت كلمة قصيرة أبلغته فيها بالخصوص:" أننا أتينا للاسكندرية بتحيات وتقدير وشكر الشعب التونسي و الزعيم العربي الأصيل الحبيب بورقيبة أول رئيس حكومة تونس المستقلة منذ 20 مارس 1956.وأضفت لنا قناعات كبيرة أن السنوات القادمة ستكشف للجميع مدى تعلق الزعيم بورقيبة والشعب التونسي بالاسهام الجدي في بناء الوحدة العربية بمرحلية وعلى أسس سليمة وعملية على غرار منهجية الدول الأوروبية التي أبرمت سنة 1955إتفاقية رومة للانطلاق في بناء سوقها المشتركة و حدتها الاقتصادية التي تمثل العمود الفقري والاساسي للوحدة السياسية الثابة" .وتفاجأ الرئيس عبد الناصر بمحتوى كلمتي التي خرجت نوعا ما عن البروتكول الذي اوصى به قائد المعسكر المصري وشكرني عبد الناصر مصا فحا بحرارة مع ابتسامة كبيرة وقال :" بلغوا الزعيم السيد بورقيبة رئيس حكومتكم تجديد أحر تهانيا وتمنياتنا بنجاح تونس في مسارها الجديد..". في الصورة إلى جانب السيارة التي وضعتها السلطة المصرية على ذمة رئيس الوفد الرسمي التونسي السيد عزوز الرباعي ثلث من قادة الوفد التونسي للقاء الكشفي العربي الكبير في مدينة الاسكندرية في شهر جويلية 1956 ويظهر في الصورة الجالسون من اليمين إلى اليسار القائد عبد المجيد عطية ثم القائد.......والقائد عبد العزيز التريكي. الصف الثاني وقوفا مرافق الوفد قائد كشفي مصري ثم السيد عزوز الرباعي رئيس الوفد الرسمي ثم مسؤول كشفي مصري ثم القائد العام للكشافة التونسية عبد الله الزواغي ورئيس الوفد إلى المؤتمر الكشفي العربي ثم القائد.........وأخيرا القائد رشيد صفر قائد الوفد الكشفي للمعسكر الكشفي العربي وبيده حقيبة الوثائق الرسمية للبعثة وجواز السفر الجماعي لكافة أفرد البعثة التونسية. وشاركت في صيف 1957 ضمن وفد تونسي - متركب من محمد إدريس ممثلا عن الشبيبة الدستورية{ أصبح رجل أعمال معروف في سوسة خاصة في الميدان السياحي} وتوفيق عبد المولى{ أصبح رجل أعمال} ممثلا عن الشبيبة المدرسية و كنت ممثلا عن الكشافة التونسية - في مؤتمر دولي لحركة عالمية تدعى "حركة التسلح الأخلاقي"(Mouvement du Réarmement Moral) وتهدف ظاهريا حسب وثائقها أنها تعمل من أجل التقارب بين الشعوب وترسيخ القيم الأخلاقية في العلاقات بين الدول وانتظم المؤتمر بجزيرة "ماكناك إزلند" Ile de Mackinacوهي جزيرة في البحيرات الكبرى التي توجد في الحدود الفاصلة بين دولة كندا والولايات المتحدة الأمريكية والجزيرة تقع ببحيرة " هيرون" lac Huron وكان يترأس في تلك الفترة هذه الحركة الفكرية مؤسسها الدكتور "بوكمام" ( Dr Buchman) وهو أمركي الجنسية توفي سنة 1961.ولكن يبدو أن هذه الحركة التي كانت أساسا تحاول إيجاد بديل للاديولوجية الشوعية يكون قادرا على بناء عالم يسوده الاخاء والتعاون والسلم وكانت مناهجها مبنية على نوع من الهشاشة فلم تعمر طويلا بعد موت مؤسسها.وإهتمت حركة التسلح الأخلاقي سنة 1957 بالخصوص بالدول الإفريقية التي استقلت أو بصدد الاستعداد للتحصيل على استقلالها. وفعلا وجد الوفد التونسي نفسه في جزيرة "ماكناك" مع عدد هام من الأفارقة الدين سيتحملون في ما بعد مسؤوليات عليا في بلدانهم وخاصة في الكامرون ونيجيريا وكينيا..وقد ركزت الحركة على محاولة تصور للتعاون بين البيض والسود لبناء "مستقبل إفريقية" ما بعد الاستعمار.لم يكن للوفد التونسي أي تعليمات لا من المنظمات الشبابية المنتمين إليها ولا من وزارة الخارجية التونسية التي طلبت و شجعت على المشاركة في المؤتمر. وكان سفير تونس في الولايات المتحدة الزعيم المنجي سليم قد استقبلنا في السفارة واصطحبنا في سيارته من مدينة واشطرن إلى مدينة نيويورك أين وجدنا الطائرة التي نقلتنا إلى مدينة ديترو. ولم يمدنا المنجي سليم لا بتعليمات ولا بتوصيات في ما يتعلق بمساهمتنا في المؤتمر فتصرفنا بكل حرية وأجتهد كل منا وكانت مداخلاتنا متكاملة وابرزت نوع من التوافق التونسي بالنسبة للوفود الافريقة الأخرى التي لم تكن مشاركتها ناشطة. وكنا نشعر من خلال شبه صمت الوفود الإفريقية أنها كانت أتت لتتعلم أهداف الحركة وسبل نشرها في أقطارها في الوقت التي قام الوفد التونسي بواجب النقاش والإشارة إلى نقط ضعف مناهج الحركة وتركها جانبا القضايا الأساسية المتصلة بسبل تنمية حقيقية للدول الإفريقية بعد سلب ثرواتها من طرف الاستعمار.وقد تناول الوفد التونسي بالخصوص ضرورة تبني المنتظم الدولي برنامجا تنموي خاص بالدول التي تحصلت على استقلالها. و وضحنا أنه يتعين على البرنامج إعطاء أولوية قصوى لإعداد وتكوين القوى البشرية مع توفير تمويل للتنمية بشروط ميسرة يستوحى من برنامج "مارشال" الذي مكن الدول الأوروبية إعادة بناء اقتصادها بعد الحرب العالمية الثانية. وكانت لي شخصيا ثلاث تدخلات في هذا الاتجاه نالت بالطبع استحسان عدد من الوفود وأحرجت منظمي المؤتمر وبالخصوص الدكتور" بوكمان " الذي كان حاضرا في الجلسات العامة التي أخذت فيها الكلمة وتحمست في تدخلي الأول مشيرا بإنتقاد إلى عدم مشاركتنا في اجتماع علمنا به من طرف بعض المشاركين و كان يعقد مبكرا كل صباح لتقييم نشاط اليوم السابق وأخذ التدابير بالنسبة لتوجيه أشغال المؤتمر. وبينت أن مثل هذا التوجه يفقد المنهج الديمقراطي والشفافية الذي تتدعي الحركة في وثاءقها الموزعة علينا أنها حريصة كل الحرص على إتابعها. وبعد هذا التدخل وقع استدعاء كافة المشاركين لحضور بالتداول والاسهام في أعمال ومناقشات الجلسة الصباحية التي كانت تبدو للبعض بشبه الجلسات السرية وهكذا تمكن الوفد التونسي من إنتقاد منهجية عمل الحركة وأهدافه وتقديم مقترحات تتعلق بالخصوص بالمنظومة العالمية المالية التي يتعين إصلاحها وتطويرها حتى تتمكن الدول المستقلة حديثا من تحقيق تنمية سليمة ومتوازنة بدون أن تغرق في التداين الخارجي...ولكن لم تتبنى الحركة مثل هذه الاقتراحات لان أهدافها الحقيية كانت البحث عن سبل الهيمنة على الدول ولم ترم على الدفاع عن سبل تحقيق تكافء الفرص لتسهيل تنمية عادلة في الدول المتخلفة من جراء الاستعمار. وخرجنا من المؤتمر بخيبة أمل...أكدتها في السنوات القادمة تلاشي الحركة..أعلمت بكل التفاصيل القاءد العام للكشافة التونسية عبد الله الزواغي بعد عودتي على تونس ناصحا بأن لا تضيع المنظمة الكشفية التونسية وقتها مع مثل هذه الحركة..... وانضممت كذلك في سنة 1957 إلى عضوية الهيئة العليا للشبيبة الدستورية بطلب من رئيسها الأستاذ محمود المعموري وعهد إلي المساهمة في تكوين إطارات الشبيبة الدستورية وكان من بين أعضاء الهيئة في تلك الفترة بالخصوص كل من المرحوم المناضل محمد صالح بلحاج وصالح لدغم ( شقيق الباهي لدغم). وأشرفت في عطلة ربيع 1957 على الحلقة التدريبية التي انتظمت بفرع المدرسة الصاديقية "خزندار" واختتم هذه الدورة الأمين العام للحزب الباهي لدغم. وتعهدت القيام بعدد من الدروس والمحاضرات وذلك بالتنقل أيام الأحد من كل أسبوع إلى مدرسة تكوين الإطارات ببلدة عين دراهم في مبنى مضائف الشباب. صورة للدكتور بوكمام مؤسس الحركة العالمية للتسلح الأخلاقي التي شاركت في أحد مؤتمراتها في صيف 1957 بجزيرة ماكناك إزلاد بالولايات المتحدة الأميركية كممثل للكشافة التونسية. ديسنبر 1957 في شارع الحبيب برقييبة رشيد صفر و وإبنة عمعه و خطيبته وحيدة صفر في تجول وحديث عن المستقبل. هذه صورة لأول بعثة تونسية للتكوهين في باريس من إطارات شابة لوزارة البريد يرافقها لمطار تونس الوزير المرحوم محمود الخياري: كان ذلك في شهر اكتوبر 1956 و توجد على الصورة من اليمين الى اليسار بالنسبة للشابات الآنسة وحيدة صفر ـ ستصبح زوجتي سنة 1958- والآنسة رملة الحداد والآنسة جليلة بن يوسف. تلت هذه البعثة بعثات أخرى في الدفاع والمالية والقمارق بالخصوص لسد الحاجات المتأكدة للإدارة التونسية الفتية التي حاولت السلط الفرنسية في بداية الاستقلال تعجيزها بمختلف الوسائل. استكملت تعليمي العالي بباريس في فرنسا بالمدرسة التطبيقية الوطنية للأداءات التابعة لوزارة المالية والاقتصاد الفرنسية و كذالك في كلية السربون من أكتوبر 1958 إلى سبتمبر 1959. وانقطعت في باريس عن كل نشاط سياسي أو جمعياتي للتفرغ التام لدراستي. وتمكنت في السربون من متابعة عدد من المحاضرات الكبرى والدروس في التاريخ وعلوم الاجتماع و بالخصوص دروس عن" المجتمع الصناعي" « leçons sur la société industrielle » التي كان يلقيها الأستاذ الفرنسي المعروف ، و الذي أخذ مواقف مساندة لتحرير الجزائر وأصدر سنة 1958 كتابات قيمة وشجاعة لفائدة الوطنيين الجزائريين، وهو الفيلسوف والمفكر والأستاذ في علم الاجتماع "ريمون آرون" « Raymond Aron » . كان "آرون" قد زار تونس منذ سنة 1949 ثم ساند قرار "منداس فرانس" منح الاستقلال الداخلي لتونس في صيف سنة 1954 وأعتبر الاستقلال التام للمغرب ولتونس أمر حتمي، كما أعتبر استقلال الجزائر لا مفر منه بالرغم من أن وضعها القانوني كان مختلفا تماما عن وضع المحميتين. وكانت المجاهرة بموقفه تتصف بشجاعة كبيرة و ببعد نظر في ما يخص مستقبل علاقة فرنسا بشمال افريقية في وقت كانت جل القوى السياسية بفرنسا وحتى أغلبية النخب الفكرية تأيد نظرية الدفاع عن ديمومة " الجزائر الفرنسية". وجلبت له كتاباته عن " المأساة الجزائرية" « la Tragédie algérienne » سخطا كبيرا وشتما لاذعا من طرف عدد من المفكرين والسياسيين في بلاده. وتأثرت كثيرا بدروس ومؤلفات " موريس لوري" "Maurice Lauré" الاختصاصي في التقنيات الجبائية و الذي يعتبر أب الأداء الذي انتشر اليوم في جل الدول وهو "الأداء على القيمة المضافة" كما كنت مولعا بمؤلفات الأستاذ "فرنسوى بيرو" François Perrouxفي الاقتصاد ومؤلفات الأستاذ " موريس دوفرجي" Maurice du Verger في المالية العمومية. وتحصلت بتفوق على شهادة ختم الدروس في هذا المعهد التطبيقي للأدءات. واثر الانتهاء من فترة التربص في إدارة الأداءات الفرنسية أقترح علي مدير المعهد كما أقترح على زميلي في الدراسة توفيق القلعي العمل في وزارة المالية الفرنسية إن كنا نرغب في ذلك. وكان الجواب بدون تردد : شكرا السيد المدير إن بلادنا تنتظرنا... . ملاحظة مدير المعهد الفرنسي للأداءات بالنسبة لتربص رشيد صفر بمصالح وزارة المالية الفرنسية: برهن السيد صفر على خصال مميزة مكنته أثناء تربصه من أن يرتب بين أحسن التلاميذ. الباب الثاني مرحلة المسؤوليات الإدارية بعد خروج المستعمر من وطننا. بذل وعطاء جماعي و تلقائي في مرحلة تاريخية حاسمة لمستقبل الوطن 1957-1977