mercredi 27 novembre 2013

                رشيد صفر يلقي كامة تونس نيابة عن الرئيس بورقيبة في القمة الاسلامية بالكويت سنة 1987
1. مرحلة التكوين والدراسة.1957-1933
-الدراسة الابتدائية.1946-1939
-الدراسة الثانوية.1953-1946
-الدراسة العليا.1959-1953
2مرحلة المهام الإدارية.1977-1959
-من متفقد تلميذ إلى ملحق بديوان وزارة المالية.  من جانفي 1957إلى جولية1961
- مدير وكالة التبغ والوقيد.  من 1961 من جولية إلى  ديسنبر1968
-مدير الأداءات. من جانفي 1969إلى ديسنبر 1971
-مدير العلاقات الاقتصادية.من 1971 ديسنبر إلى  نوفنبر1972
-كاتب عام لوزارة التربية الوطنية والتعليم العالي. من من نوفنبر 1972 إلى  أكتوبر1973
-كاتب عام لوزارة المالية. من  أكتوبر1973 إلى ديسنبر 1977

3-مرحلة المهام والأعباء السياسية.1987-1977
-وزير الصناعة والطاقة والمناجم. من ديسنبر 1977 إلى  أكتوبر1979
-وزير الدفاع الوطني. من من أكتوبر 1979 إلىأفريل 1980
-وزير الصحة العمومية. من أفريل 1980 إلى أكتوبر 1983
- وزارة الصناعة والتجارة والطاقة والمناجم { وزارة الاقتصاد} من أكتوبر1984 إلى أفريل 1986
- وزارة  المالية والاقتصاد الوطني من أفريل 1986 إلى جويلية 1986
الوزارة الأولى. من  9جويلية 1986 إلى 2 أكتوبر 1987
-رئيس مجلس النواب. من أكتوبر 1987 إلى أكتوبر 1988
-سفير تونس لدى المجموعة الاقتصادية الأوروبية ولدى المملكة البلجيكية واللكسنبورق. من نوفمبر 1988 إلى فيفري 1992
- رئيس الهيئة العليا للرقابة الإدارية والمالية. من 1993 إلى 1995
-عضو بمجلس المستشارين.  من2005   إلى جانفي 2011

                           رشيد صفر
1 -مرحلة الدراسة والتكوين.
1.1الدراسة الابتدائية.
ولد رشيد صفر بمدينة المهدية يوم 11 سبتمبر 1933. وهو ابن الزعيم الوطني و المحامي الطاهر صفر الذي ساهم في تأسيس الحزب الحر الدستوري الجديد مع المحامي الحبيب بورقيبة و الدكتور محمد الماطري و المحاميان البحري قيقة ومحد بورقيبة.
 ابتدأ رشيد صفر تعليمه الابتدائي بالمدرسة العربية-الفرنسية بباردو (ضاحية تونس). ثم انتقل رشيد صفر بعد وفاة والده إلى المدرسة الابتدائية العربية الفرنسية بالمهدية في أكتوبر 1942.
نذكر من بين أبرز المعلمين الذين ساهموا في تكوين رشيد صفر ورفقائه بالمهدية السادة: إبراهيم الحداد والبشير عطية ومصطفى الحاج حمزة والصادق بوصفارة والجيلاني بوصفارة ومحمد عبد السلام وعبد الحكيم خوجة.
تحصل رشيد صفر بالمهدية على شهادة ختم الدروس الابتدائية بالمهدية في جوان 1946 ونشط في جمعية كشاف المكارم بالمهدية بقيادة المربي المميز السيد البشير عطية.
2.1.الدراسة الثانوية ونشاطه الكشفي.
وانتقل رشيد صفر في أكتوبر من سنة 1946 إلى مدينة صفاقس لمواصلة تعليمه بالمعهد الثانوي «كلاسيكي" للذكور بهذه المدينة بعد أن نجح في شهادة ختم الدروس الابتدائية وفي مناظرة الدخول إلى التعليم الثانوي.. ووجد معه تلاميذ بالخصوص من مدينة صفاقس من بينهم محمد المصمودي ومحمد كمون وعبد العزيز المنيف ومحمد كسكاس ونور الدين الشعبوني  ومحمد بوعتور وحسين الزغل وعبد المجيد قطاطة وبعض التلاميذ من جزر قرقنة مثل علي الحيلي و محمد بوراوي وعبد الوهاب حروش. ومن بين الأساتذة الذين ساهموا في تكوين رشيد صفر وزملائه في الدراسة بصفاقس نذكر بالخصوص أبرزهم وهم الأساتذة: الطيب خماخم وعبد العزيز بن حسن والطاهر قيقة ومحمد بيرم في اللغة العربية والأستاذة « دي سيكلدي" « Mme de Cecaldi » والأساتذة "هاني" «  Hani » و "لوسان"  « Le Senne »في الفرنسية و"للو"  « Le Loup »في الفيزيا والكيميا و"كرينار" «  Griner » في الفلسفة و"جردان" «  Jourdan » في الرياضيات.
وأنخرط رشيد صفر سنة 1950 في شعبة الطلبة التابعة للحزب الحر الدستوري التونسي  الجديد وكان أول رئيس لهذه الشعبة التلميذ أحمد شطورو[1]1  وهو من تلاميذ قسم الفلسفة وكان معه في نفس القسم مصطفى الفارسي, وعبد السلم بن عياد ومحمد بن اسماعيل ومختار الفيتوري ومحمد شاكر( ابن الزعيم و شهيد الوطن الهادي شاكر) وغيرهم وكانوا جميعا يسبقون رشيد صفر بسنة في الدراسة.وبعثت الشعبة الخاصة بتلاميذ السنوات الأخيرة للمعهد الثانوي بصفاقس ولطلبة فرع جامع الزيتونة بتوجيه وإشراف من الزعيم الكبير وشهيد الوطن الهادي شاكر ونشط رشيد صفر كذلك في جمعية الكشاف المسلم التونسي منذ قدومه إلى مدينة صفاقس..ثم عين رشيد صفر من طرف قائد فوج المهدية للكشافة الإسلامية التونسية القائد ساسي رجب كقائد لفريق الجوالة بالمهدية في صيف سنة 1950.(فريق الطاهر صفر الذي شارك فيه حوالي أربعون من شبان المهدية ومن بينهم سالم مغروم والحبيب بلحارث وسالم بوعروة وأحمد مسعود وقد أبلوا جميعهم البلاء الحسن كل من موقعه عندما اندلعت معركة تحرير تونس الحاسمة في جانفي 1952)
 ومع انطلاق المرحلة الحاسمة لمعركة تحرير تونس من المستعمر الفرنسي تحت قيادة الحزب الحر الدستوري ابتدءا من 18جانفي1952 شارك رشيد صفر مع رفقائه في المعهد الثانوي بصفاقس في جل الإضرابات الطلابية والمظاهرات الاحتجاجية والإضراب عن الطعام سواء بالمبيت أو بالجامع الكبير داخل المدينة العربية. وكان صفر مع عدد من زملائه من المعهد الثانوي الذين لا ينتمون إلى مدينة صفاقس يقطن في مبيت التلاميذ بالمعهد الفني بصفاقس لأن معهده لا يتوفر فيه مبيت. وفي الأسبوع الأول من شهر مارس 1952 شارك رشيد صفر في مظاهرة سلمية في ساحة المعهد الفني تطالب بسراح الطلبة والوطنيين المسجونين واستنجد مدير المعهد بالمراقب المدني "قانتاس" المشهور بتهوره وقدم المراقب المدني الفرنسي مصحوبا بشاحنتين من الجند ودخل المعهد والجند خلفه و صاح في المتظاهرين وتوعدهم بكل ويل وختم صياحه قائلا " أنتم حمقى ولا تعرفون فضل و مزايا فرنسا عليكم ولو فرضنا إنها تترككم يوما لحالكم فإنكم ستتقاتلون من اليوم الأول وتعم الفوضى وتنهار البلاد" ثم صاح في جنده " أرفعوهم" وانهال الجند بضرب عنيف بمؤخرات البنادق على التلاميذ العزل الذين كانوا ينشدون نشيد الثورة " حماة الحمى" وهم يتلقون ضربات الجند و وقع حينها اعتقال كافة المتظاهرين في الساحة بعد حشرهم كالدواب في الشاحنات العسكرية وأودع رشيد صفر ورفاقه بالسجن ومن بينهم صديقه علي الحيلي.
وأطرد رشيد صفر من مبيت المعهد الفني بعد خروجه من السجن بدون أي محاكمة مع عدد كبير من رفقائه كما اطرد من المعهد " الكلاسيكي".وأضطر إلى الالتحاق بمعهد مدينة "قراسGrasse" في جنوب فرنسا لمواصلة تعليمه وللمشاركة في امتحان الجزء الأول من الباكالوريا ووجد في المعهد رفقاء تونسيين مثله وقع طردهم من المعاهد التونسية ومنهم محمد المصمودي و الحافظ المزيو ومحمد عبد المولى وجميعهم من معهد صفاقس وفريد مختار أصيل مدينة رأس الجبل قرب مدينة بنزرت.
ونجح رشيد صفر في الجزء الأول من الباكالوريا في جولية 1952 بملاحظة حسن و أجرى الامتحانات الكتابية بمدينة "كان"Cannes ;و الامتحانات الشفاهية بمدينة " نيس" Niceثم رجع رشيد صفر إلى صفاقس في أواخر شهر سبتمبر 1952 والتقى بالقيم العام  بالمعهد السيد "كليمان" الذي أكد له أن طرده لم يكن بصفة نهائية إلا من المبيت بالمعهد الفني و بالتالي يمكنه مواصلة دراسته بمعهده بصفة تلميذ خارجي  وهكذا تمكن رشيد صفر من مواصلة دراسته بصفاقس في السنة الدراسية 1952_1953 ونجح في الجزء الثاني من الباكالوريا "اختصاص فلسفة" بملاحظة قريب من الحسن..وكان مع رشيد صفر في قسم الفلسفة التلميذ الطاهر قاسم الذي اطرد من المدرسة الصادقية بالعاصمة لمشاركته في المظاهرات وكذلك التلميذ المختار الفخفاخ وعدد من الفتيات الفرنسيات.


3.1الدراسة العليا ونشاطه الكشفي والحزبي.
واصل رشيد صفر تعليمه العالي في الآداب والحقوق والعلوم الاقتصادية بتونس بمعهد الدراسات العليا من أكتوبر 1953 إلى جوان 1958وكان من بين أساتذته في تونس بالخصوص "فرنسوى شاتلي"(François Châtelet) في مادة الفلسفة ومحمود المسعدي في الآداب العربية و"ريمون بار" (Raymond Barre)ثم " جيرار دي برنيس"(G. De Bernis) في الاقتصاد و"جان قنياج" (J.Ganiage) في التاريخ.
وفي السنة الأولى من دراسته في معهد الدراسات العليا بتونس ( 1953-1954) تمكن صفر لتغطية نفقات الدراسة من العمل "كقيم نصف الوقت" في معهد كرنوا بتونس  وكان من بين زملائه القيمين في نفس المعهد: عبد القادر المهيري ( كان يتابع دراسته في السنة الثانية من الإجازة في الآداب العربية) ومعه قيم فرنسي اسمه "رومان", وعبد الرزاق بوريشة ( كان يعد إجازة في الفيزياء ) وعبد الوهاب حروش ( يدرس في سنة تحضيرية للصيدلة) والطاهر قاسم الذي كان في تلك السنة يدرس مع ر شيد صفر السنة التحضيرية آداب عصرية بمعهد الدراسات العليا.وكان صفر يجد في نفس المدرج الذي كان يأتي إليه عدد من الطلبة التونسيين من بينهم صالح القرمادي وتوفيق بكار والأخوان ستهم والآنستان حرمل ومزالي ; وجميعم مرسم بالسنة التحضيرية آداب: Certficat d’Etudes Générales littérraires . في حين كان يتابع رشيد صفر في نفس الوقت دروس المعهد في مادة الحقوق والاقتصاد بالإضافة إلى الآداب والتاريخ.
وفي السنة الثانية (1954-1955) من دراسته العليا انتقل من معهد كارنوا إلى معهد معهد قرطاج مع زميله عبد الوهاب حروش ليعمل " كقيم كامل الوقت" ووجد في هذا المعهد زملاء من الطلبة الفرنسيين منهم  " زركاء" « Zarka » كان يتتبع دراسته في الحقوق و " ماليس" « Malice »كان يتتبع دراسته في الآداب الفرنسية. 
وفي غرة جوان   1955كلف رشيد صفر مع القائدة الكشفية راضية بالخوخة بقيادة فريق الشرف لجمعية الكشافة الإسلامية التونسية الذي كان له الحض في استقبال المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة على حافة رصيف ميناء حلق الوادي حيث أرست الباخرة " مدينة الجزائر".  وقلد صفر وزميلته المنديل الأحمر الكشفي الذي تجول به الزعيم محفوفا بالجماهير الغفيرة في ذلك اليوم المشهود من الميناء حتى بطحاء الزعيم مقر إقامته. وكان ذلك اليوم خصص لامتحان السنة الأولى في الإجازة آداب  بمعهد الدراسات العليا وخير رشيد صفر أن يعيش يوم "النصر"  التاريخي بين الجماهير الشعبية وأن يرجيء الامتحان إلى دورة سبتمبر وهذا ما تم.
وأثناء هذه الفترة نشط رشيد صفر بجمعية الكشافة الإسلامية التونسية بالعاصمة وتحمل فيها العديد من المسؤوليات خاصة في قسم التجوال وشارك مع عدد من القادة المنتمين إلى الحركات الكشفية من بينهم بالخصوص القائد العام عبد الله الزواغي في توحيد الجمعيات الكشفية التونسية بمجرد ما تحصلت تونس على استقلالها الداخلي وشارك هكذا بنشاط مكثف في المؤتمر التأسيسي لبعت المنظمة الكشفية الموحدة: "الكشافة التونسية" وهي الجمعية التي بقيت تعمل باستمرار حتى الآن.
وقاد رشيد صفر أول مشاركة تونسية للكشافة التونسية في ملتقى كشفي عربي وكان ذلك في ما سميا "بالمعسكر" الكشفي العربي "بأبوقير" في ضاحية مدينة الإسكندرية المصرية وكان الوفد الكشفي التونسي أول وفد يصل "المعسكر" على متن حافلتين انطلقتا من تونس العاصمة عبر التراب الليبي وقد زار هذا المعسكر الكشفي العربي الرئيس جمال عبد الناصر بنفسه وألقى رشيد صفر كلمة تونس أمامه بعد أن أحرز الوفد التونسي على نجاح مرموق خاصة أثناء الاستعراض الرسمي لجميع الفرق المشاركة و حضر هذا الاستعراض السيد عزوز الرباعي بصفته أول كاتب دولة للشباب والرياضة في الحكومة التونسية. وقد استعان القائد رشيد صفر في هذا اللقاء الكشفي العربي الكبير بالخصوص بالقادة: الهادي التميمي(فريق الجوالة) ومحمد الشاوش(فريق الكشافة) وعبد العزيز التريكي( أمين مال البعثة) وساسي رجب( المسؤول عن العمل التطبيقي الالكتروني) والقائدة راضية بالخوجة (المسؤولة عن فرقة الفتيات)
وشارك رشيد صفر في صيف 1957 ضمن وفد تونسيي متركب من محمد إدريس ممثل عن الشبيبة الدستورية وتوفيق عبد المولى ممثل عن الشبيبة المدرسية ورشيد صفر ممثل عن الكشافة التونسية في مؤتمر دولي لمنظمة أمريكية تدعى "منظمة التسلح الأخلاقي"(Mouvement du Réarmement Moral) وتهدف حسب وثائقها أنها تعمل من أجل التقارب بين الشعوب وترسيخ القيم الأخلاقية في العلاقات بين الدول وانتظم المؤتمر بجزيرة "ماكناك ازلند"وهي جزيرة في البحيرات الكبرى التي توجد في الحدود الفاصلة بين دولة كندا والولايات المتحدة الأمريكية وكان في تلك الفترة يرئس هذه الحركة الفكرية الدكتور "بوكمام" ( Dr Buchman) وهو أمركي الجنسية.انظم رشيد صفر في مطلع سنة 1957 إلى عضوية الهيئة العليا للشبيبة الدستورية  بطلب من رئيسها الأستاذ محمود المعموري وعهد إليه المساهمة في تكوين إطارات الشبيبة الدستورية وكان من بين أعضاء الهيئة في تلك الفترة بالخصوص كل من المناضل محمد صالح بلحاج والسيد صالح لدغم ( شقيق الباهي لدغم). وأدار رشيد صفر في عطلة ربيع 1957 الحلقة التدريبية التي انتظمت بفرع المدرسة الصاديقية "خزندار" واختتم هذه الدورة الأمين العام للحزب الباهي لدغم. وتعهد صفر بعدد من الدروس والمحاضرات بالتنقل أيام الأحد من كل أسبوع إلى مدرسة تكوين الإطارات ببلدة عين دراهم في مبنى منظمة مضائف الشباب.
ثم استكمل رشيد صفر تعليمه العالي ببارس في فرنسا بالمدرسة التطبيقية الوطنية للأداءات التابعة لوزارة المالية والاقتصاد الفرنسية بعد أن وقع انتدابه كمتفقد تلميذ بوزارة المالية التونسية كما استكمل كذالك في نفس الفترة دراسته بكلية "الصربون" من أكتوبر 1958 إلى جولية 1959. وانقطع في باريس عن كل نشاط سياسي للتفرغ التام لدراسته. تمكن في "الصربون" من متابعة عدد من المحاضرات الكبرى والدروس في التاريخ وعلوم الاجتماع و بالخصوص تلك التي كان يلقيها الأستاذ الفرنسي الشهير ( الذي أخذ مواقف منتقدة لعمليات الجيش الفرنسي الجزائر وأصدر سنة 1958 كتابات قيمة وشجاعة تساند تحرير الجزائر) وهو الفيلسوف والمفكر "ريمون آرون" Raymond Aron وتأثر كثيرا رشيد صفر بدروس ومؤلفات " موريس لوري" "Maurice Lauré" الاختصاصي في التقنيات الجبائية و الذي يعتبر أب الأداء الذي انتشر اليوم في جل الدول وهو "الأداء على القيمة المضافة" كما كان رشيد صفر مولعا بمؤلفات الأستاذ "فرنسوى بييرو" François Perrouxفي الاقتصاد ومؤلفات الأستاذ" موريس دوفرجي" Maurice du Verger في المالية العمومية. وتحصل رشيد صفر بتفوق كبير على شهادة ختم الدروس في هذا المعهد التطبيقي للسياسات الجبائية و واثر الانتهاء من فترة التربص في إدارة الأداءات الفرنسية أقترح عليه مدير المعهد كما أقترح على زميله في الدراسة توفيق القلعي العمل في وزارة المالية الفرنسية إن كانا يرغبان في ذلك وكان الجواب بدون تتردد : شكرا السيد المدير إن بلادنا تنتظرنا. .

2-مرحلة المسؤوليات الإدارية.
 1.2-من تلميذ- متفقد إلى ملحق بديوان وزير المالية.
تحمل رشيد صفر عدد من المهام الإدارية بالخصوص في وزارة المالية بتونس., وارتقى بعد رجوعه من باريس عن طريق مشاركته في مناظرة كتابية و شفاهية  في أكتوبر من سنة 1960 إلى رتبة متفقدا أول في إدارة الأداءات وعمل مع المدير محمد السبع و كان رشيد  صفر مع زميله صالح مباركة في المرتبة الأولى من العشرة الناجحين في المناظرة التي شارك فيها حوالي مئة متفقد.
 ثم عين رشيد صفر من طرف السيد أحمد بن صالح وزير المالية والتخطيط ملحقا بديوانه وكان رئيس الديوان في تلك الفترة البشير الناجي والملحق الثاني للديوان عبد العزيز الأصرم وذلك سنة 1961.
 2.2.- مدير عام لوكالة التبغ والوقيد
وبضعة أيام قبل اندلاع معركة بنزرت كلف الوزير أحمد بن صالح رشيد صفر بالتعمق في دراسة تقرير تفقد "مصلحة الاختصاصات" التابعة لوزارة المالية والتي كانت تعنى بالتبغ من الزراعة إلى الصناعة و حتى التوزيع وحرر التقرير من طرف المراقب المالي سلطان العبيدي بإعانة  رئيس مصلحة الموظفين عبد السلام الفرشيو وكشف التقرير سوء تصرف صارخ في المصلحة من طرف المسؤول التونسي الذي عوض المدير الفرنسي المتخلي وكان عمال المصلحة يشتكون من عدد من السلوكيات ويتظاهرون أمام مركزية الإتحاد العام التونسي للشغل مدعين " أن لاشيء تغير في مصلحتهم مع الاستقلال"  وبعد يوم فقط من تسليم تقرير التفقد عين أحمد بن صالح رشيد صفر على رأس المصلحة قائلا له " أعتبر نفسك في مهمة وقتية لإصلاح الأوضاع" عندما لاحظ منه غير تحمس لهذه المسؤولية التي لم يكن متهيئ لها. ولكن السيد أحمد بن صالح أبقاه في هذه المصلحة حوالي سبع سنوات. وقد نجح صفر في إعادة تنظيمها وفي ابتكار مناهج تصرف جديدة ثم طورها سنة 1964 إلى مؤسسة ذات صبغة صناعية سميت الوكالة قومية للتبغ والوقيد  وعهد إليه أحمد بن صالح إدارتها العامة.وأنجز صفر في جوار المعمل القديم معملا جديدا لصناعة السقائر دشنه سنة 1967 الباهي لدغم كاتب الدولة للرئاسة.. وكان في تلك الفترة يتحمل صفر بالإضافة إلى مهامه الأصلية في الوكالة مهام مراقب مالي في عدد من المؤسسات العمومية منها مصنع الاسمنت في بنزرت بعد تأميمه. وكان رشيد صفر مواظبا على اجتماعات لجنة الدراسات الاقتصادية التابعة للحزب والتي كان يترأسها أحمد بن صالح بإعانة الهادي نويرة مؤسس البنك مركزي التونسي ومحافظه الأول.
3.2..مدير الأداءات
و عين رشيد صفر في غرة جانفي 1969 مديرا للأداءات خلفا لمحمد السبع الذي انتقل إلى الخزينة العامة عوضا عن محمد العنابي الذي بلغ سن التقاعد.
بدأ صفر مهامه الجديدة بزيارات ميدانية لجل مراكز الرقابة وقباضات المالية التي كانت تابعة له بالنظر للإطلاع على أوضاع إدارة هامة وخطيرة غادرها منذ ما لا يقل على سبع سنوات. فوجد تضخما عدديا للأعوان وللأعمال مع نقص كبير في التكوين وفي فهم التدابير الجبائية وتطبيقها حتى أنه أكتشف تباينا في التفسير والتطبيق من مركز إلى آخر كما وجد تفاقما في المتخلدات المالية الراجعة للدولة لدى قباضات المالية ونوع من العشوائية في عمليات برمجة المراقبة الجبائية وقد أعتمدت الإدارة طيلة سنوات على الترقيات على أساس الأقدمية متناسية المناظرات التي تفرز بطريقة أفضل الكفاءات الحقيقية كما عدلت عن التكوين المختص والعالي في الخارج. فانكب صفر على صياغة و إصدار عدد كبير من المناشير التحليلية والتفسيرية للقوانين والتدابير الجبائية ولم يكتف بذلك وأمر جميع رؤساء مراكز الرقابة الجبائية وقباض المالية بعقد جلسات عمل أسبوعية تتلى فيها المناشير ثم يقع تفسيرها بإطناب وذلك فقرة تلوى الفقرة حتى يقع التأكد من فهمها الصحيح من طرف كافة الأعوان على مختلف أصنافهم. وتابع صفر التنفيذ بنفسه وذلك بالقيام بزيارات مفاجئة ونفذ نفس الطريقة مع رؤساء المصالح الذين كانوا حوله في الإدارة المركزية: صالح بن مباركة(مكلف بالرقابة الجبائية) وتوفيق القلعي( مكلف بالدراسات الجبائية) وأحمد زروق (مكلف بالنزعات الجبائية) و الياس القصطلي( مكلف بالقباضات المالية  والمحاسبة العمومية).        
وأعد رشيد صفر دراسة أولية تقترح الخطوط الكبرى لإصلاح جبائي جذري وعصري يعتمد على أداء موحد على أرباح الأشخاص وأداء موحد على أرباح الشركات وأداء على القيمة المضافة يعوض الأداء على رقم المعاملات. ولم تعرض هذه الدراسة على الحكومة خاصة وقد عصفت في تونس خريف 1969 ما عرف بأزمة التعاضد وأصبحت قضية الإصلاح الجبائي ليست من أولويات الحكومة الجديدة.
4.2-مدير إدارة العلاقات الاقتصادية
وأقترح في مستهل سنة 1970 وزير المالية الجديد عبد الرزاق الرصاع على رشيد صفر بعث إدارة جديدة في صلب الوزارة سميت " إدارة العلاقات الاقتصادية" تشرف بالخصوص على إنجاز الدراسات المالية الجبائية والاقتصادية وتسهر على تفعيل وتعصير رقابة التصرف المالي في المؤسسات العمومية التابعة للدولة ورحب صفر بالمقترح لأنه كان فعلا يسد ثغرة كبيرة كانت سببا من أسباب ضعف نجاعة عمل الوزارة وبعث رشيد صفر هذه الإدارة من عدم واشرف على تطويرها وجلب لها الوثائق حتى من مؤسسات السوق الأوروبية لمتابعة انعكاسات تطور بناء هذه السوق على تونس وسهر على وضع منهجية جديدة لمراقبة التصرف في المؤسسات العمومية ولمتابعة جدية لتقارير المراقبين. واستعان في هذه الإدارة بإطارين ساميين هما توفيق قحبيش ( كان يعمل معه في إدارة الأداءات) .ومحمد منصور( متخرج من المدرسة القومية التونسية للإدارة). و من الأعمال الأخيرة الهامة التي قام بها في مكتبه بهذه الإدارة جلسة عمل ضمت حوله زميلان هما أحمد عبد الكافي وكان مديرا من وزارة التخطيط وعلى الشواشي وكان مديرا بالوزارة الأولى. وخصصت هذه الجلسة لصياغة مسودة مشروع قانون يهدف إلى تشجيع الاستثمار الخارجي في مجال الصناعات المعملية التصديرية و وقع الاستئناس لتحرير هذه المسودة بالتشريع الذي صدر في عدد من الدول من بينها ايرلندا مع تحسينه وتكييفه مع التشريع الجبائي التونسي وكانت هذه المسودة -التي عرضت في ما بعد على المستشار القانوني للحكومة الأستاذ حمادي السنوسي ثم على الحكومة- هي نواة ما سيعرف في ما بعد بقانون أفريل 1972 الشهير في تونس.
-5.2-كاتب عام لوزارة التربية الوطنية
ثم عين الوزير الأول الهادي نويرة  رشيد صفر كاتبا عاما لوزارة التربية الوطنية والتعليم العالي (1972-1973)  وكلفه بمهمة تنظيم التصرف المالي والإداري في وزارة منحت لها أكبر ميزانية وكانت إدارتها تشكو نقائص عديدة حتى أنها أجبرت وزارة المالية إعداد قانون مالية إضافي لتمكين وزارة التربية من خلاص رواتب ومستحقات المعلمين في الأشهر الأخيرة من سنة 1972. ونجح رشيد صفر نجاحا بارزا في مهمة إعادة تنظيم المصالح الإدارية والمالية لهذه الوزارة الهامة وادخل عديد الإصلاحات من بينها التدرج في استعمال الإعلامية في التصرف الإداري بدءا بإصدار رواتب المعلمين ثم بإعداد جداول النقل السنوية لمديري المدارس الابتدائية ثم الإعلان عن نتائج امتحان الدخول للسنة الأولى من التعليم الثانوي.وأعانه في مجال الإعلامية السيد خجة الخيل( الذي كان يعمل بمعهد الاحصائيات) والمهندس المختص في الإعلامية محمد العش( انتدبه صفر كمتعاقد في الوزارة).وبعث صفر إدارة جديدة تعنى بشؤون موظفي الوزارة و وضع على رأسها إطار حازم كان الأستاذ بالحسن القروي وأعانه على تجهيز بناية لائقة خارج مبنى  الوزارة و اشرف رشيد صفر كذلك على إعداد مشروع المخطط الخماسي للوزارة بالتعاون مع مديري التعليم الابتدائي والثانوي والفني والتعليم العالي ومدير التخطيط توفيق مازيغ ورئيسة مصلحة التخطيط السيدة فائزة الكافي. كما أعد رشيد صفر منظومة فرضيات كمية إستشرافية حتى سنة 2000 بالتعاون مع الأستاذ الجامعي المختص في الحسابيات حسونة بالقائد ومع المدير منصف زعفران المكلف بقطاع التعليم والتكوين في وزارة التخطيط وذلك بالخصوص لتحقيق مطابقة أفضل للحاجيات المستقبلية في مختلف الاختصاصات في مجال تكوين أساتذة التعليم الثانوي والعالي ومن هذا المنطلق اقترح صفر على الحكومة إعادة التفاوض مع الحكومة الفرنسية في ما يتعلق باتفاقية التعاون المالي في مجال التربية وكانت هذه الاتفاقية تفرض على تونس تحمل نفقات باهظة إذ تقر بتحمل الميزانية التونسية ثلثي رواتب المتعاقدين الفرنسيين العاملين في الجامعة التونسية في الوقت الذي اكتشف فيه رشيد صفر أن المغرب الشقيق توفق إلى توزيع هذا العبء بالتناصف. وكلف رشيد صفر و المنصف زعفران بهذه المفاوضات مع مدير عام بوزارة الخارجية الفرنسية اسمه "لوران" وأبرمت بعد ذلك اتفاقية إضافية أنصفت تونس. وشهد كافة الإطارات العليا في الوزارة لرشيد صفر بهذه المجهودات و بالخصوص أستاذه في بداية خمسينيات القرن العشرين بمعهد صفاقس السيد عبد العزيز بن حسن الذي كان يتحمل في وزارة التربية في السبعينيات مسؤولية الإدارة العامة للتعليم الثانوي والأستاذ عبد الوهاب بكير الذي كان متفقدا عاما بالوزارة والذي تفضل بتقديم مداخلة بليغة و مؤثرة جدا باسم زملائه أشادت بمبادرات صفر و بمجهوده خدمة للتربية الوطنية وذلك بمناسبة حفل توديع رشيد صفر عند انتهاء مهامه بوزارة التربية سنة 1974.
-6.2-كاتب عام لوزارة المالية.
ثم أصبح رشيد صفر كاتبا عاما لوزارة المالية من سنة 1974الى سنة 1977وكان وزير المالية في تلك الفترة الأستاذ المحامي محمد الفيتوري ومنذ تلك الفترة كان رشيد صفر يحاول إقناع إطارات الوزارة لتبني إصلاح جوهري بالنسبة إلى صياغة وتنفيذ ميزانية الدولة على أساس تقنيات جديدة أصبحت اليوم كثيرة الاستعمال في الدول المتقدمة لترشيد النفقات العمومية وهي المعروفة بطريقة " التصرف حسب الأهداف" المضبوطة مسبقا بكل دقة يليها تقييم دقيق للنتائج في كافة مجالات أنشطة الإدارة والدولة وخاصة تلك المتعلقة بتقديم الخدمات للمواطنين. ولكن لم تحصل القناعة لدى العديد من زملاء رشيد صفر في وزارة المالية الذين كانوا يرون في الإصلاح المقترح شيئا سابقا لأوانه في فترة كانت لا تزال تشكو فيه الإدارة  التونسية من ضعف في التأطير كما  وكيفا.ومن بين الدراسات التي قام بها في تلك الفترة كانت أول دراسة حول شروط تنشيط السوق المالية وتطويرها وهي التي كانت هزيلة جدا في حين كان يتعين التشجيع على الادخار وتنويع سبل تمويل الاستثمار. وشارك صفر وهو في هذه الوظيفة في شهر سبتمبر من كل سنة في الوفد التونسي الذي كان يمثل  تونس في الجلسات العامة السنوية المشتركة لكل من البنك العالمي وصندوق النقد الدولي وكان يغتنم فرص المشاركة في هذه المؤتمرات الكبرى لا فقط لمتابعة إنجاز المشاريع واتفاقيات  القروض المبرمة مع البنك العالمي بل وكذلك لمزيد التعرف على تنظيم وطرق عمل هاتين المؤسستين الدوليتين الهامتين وسبل أخّذ القرارات في مجلس الإدارة لكل من المنظمتين. وكان الوفد الرسمي التونسي في تلك الفترة يتركب غالبا من مصطفى الزعنوني بصفته وزير التخطيط ومحمد غنيمة بصفته محافظا للبنك المركزي ورشيد صفر بصفته أمين عام لوزارة المالية و محمد بوعواجة بصفته مدير عام للدراسات في البنك المركزي وعلي الشواشي بصفته مدير عام ومستشار اقتصادي في الوزارة الأولى.ومن المبادرات التي قام بها صفر في تلك الفترة بالتعاون مع مدير القرض السيد توفيق القروي بالوزارة استنباط طريقة متابعة شهرية لنشاط البنوك الوطنية التي كانت تحت إشراف مشترك لوزارة المالية و البنك المركزي. وسهر رشيد صفر في تلك الفترة  على عملية تطوير فرع الشركة التونسية للبنك بباريس الذي كان مهددا بالغلق من طرف سلط الإشراف الفرنسية لان وضعه كان مخالف للتراتيب الجاري بها العمل وعرض صفر على وزيره الذي عرض ذلك بدوره على الوزير الأول مشروع  يقتضي تحويل الفرع إلى بنك له كامل الصلوحيات ويستجيب لكافة القوانين الفرنسية على أن تساهم في توسيع  ٍأس ماله كافة البنوك الوطنية التونسية. وبعد الموافقة على الخطوط الكبرى للمشروع اجتمع صفر بالمسؤولين عن البنوك المعنية لضبط كافة جزئيات المشروع وقانونه الأساسي واقترح أن تكون تسمية البنك  "الاتحاد التونسي للبنوك" U.T.B  و أوصى المشاركين في رأس مال البنك بحسن التصرف و بتطوير نشاط البنك بتدرج وبنظرة استشرافية حتى يصبح من أهم المؤسسات التي تخدم تطوير الصادرات التونسية في السوق الأوروبية وذلك ببعث فروع له بعد الدراسة في أهم العواصم الأوروبية. وبعث فعلا البنك ولكن مع الأسف بقي فقط في فرنسا ولم يبلغ نشاطه الهدف المنشود. وشجع رشيد صفر المسؤول الجديد على مصلحة الحيطة الاجتماعية للموظفين وعمال الدولةCNRPS رضى حمزة على تطوير وتعصير وسائل عمل هذه المصلحة التي كانت تشكو عيوبا كثيرة فبعث لها قانونا جديدا ومنحت لها استقلالية التصرف المالي وأدخلت تدريجيا الإعلامية في مختلف دواليبها حتى أصبحت في تلك فترة إدارة نموذجية بفضل كفاءة و تحمس مديرها العام للأهداف المرسومة. وبعث صفر في صلب وزارة المالية لجنة قارة أشرف على أعمالها التي كانت تهدف إلى صياغة ومتابعة تنفيذ "مخطط يضبط مراحل تعميم الإعلامية لتنفيذ ميزانية الدولة". وكانت دائرة المحاسبات قد بعثت منذ سنوات عديدة ولم تقدم إليها وزارة المالية الحساب العام لتنفيذ ميزانية الدولة وذلك بالخصوص لان أعوان إدارة الميزانية كانوا منشغلين طيلة السنة بصياغة الميزانية وبتنفيذها وإعداد الحساب العام كان يمثل عملا مضنيا يهم الماضي ولم تكن للإدارة تقاليد في هذا  المجال فأوكل صفر لمتصرف ماهر في المحاسبة محمد النابلي مهمة إعداد أول حساب العام يقدم للدائرة للتدقيق وأقر تفرغا كاملا لمحمد النابلي لإنجاز هذا العمل وأعانه على ذلك حتى وقع بالفعل تقديم أول حساب عام لتنفيذ ميزانية الدولة إلى دائرة المحاسبات منذ الاستقلال ثم بعد ذلك أصبح الحساب يقدم سنويا بانتظام إلى دائرة المحاسبات.
3- مرحلة المهام والأعباء السياسية.
-1.3-وزارة الصناعة والطاقة والمناجم.( من ديسمبر 1977الى سبتمبر 1979)
عين بورقيبة رشيد صفر وزيرا للصناعة والطاقة والمناجم دون أن يستشيره وأخبره بقرار الرئيس قبل حوالي نصف ساعة من صدور البلاغ الرسمي وزيره محمد الفيتوري وذلك يوم 26ديسنبر 1977
 في أجواء اجتماعية متوترة ,وجريدة " الشعب " تعج بمقالات مثيرة للرأي العام وخاصة الشغالين, أنكب صفر على ملفات الوزارة التي وجدها متراكمة فوق مكتبه. وأعطى الأولوية لمحاولة تحسين التصرف في المؤسسات العمومية التابعة للوزارة وكانت عديدة واكتشف صفر أن جل مشاريع ميزانيات هذه المؤسسات و قوائمها  المالية أصبحت مسائل شكلية يقع إعدادها بتأخر كبير عن مواعيدها القانونية ودون دقة في الوقت الذي يتعين أن تكون أداة من أهم أدوات التحكم في التصرف وترشيده فباشر بنفسه عقد اجتماعات مع عدد من مجالس الإدارة لهذه المؤسسات لتدارك الأوضاع وإرساء أبجديات التصرف السليم ويمكن القول إن ديسمبر 1979 كان ميلاد أول جيل لتطهير أوضاع المؤسسات العمومية.وقد تلتها في ما بعد ,وطيلة أكثر من عشريتين, سلسلة لم تنتهي من عمليات التطهير المتتالية و ذلك لأسباب متعددة وتختلف من مؤسسة إلى أخرى.
وشارك رشيد صفر وهو في هذه المسؤولية في العديد من اللقاءت العربية بالخصوص ضمن هياكل الجامعة العربية ودافع بحماس كبير عن ضرورة التخطيط لتحقيق التكامل الاقتصادي والصناعي العربي ضمن سوق اقتصادية عربية موحدة تبنى بمراحل جدية على غرار السوق الموحدة الأوروبية. كما شارك في العراق مع وزير الخارجية محمد الفيتوري في مجلس الجامعة العربية المنعقد في بغداد و الذي أقر بالإجماع نقل مقر الجامعة العربية إلى تونس بعد أبرام مصر  اتفاقية سلام مع إسرائيل بانفراد.
و قدم رشيد صفر بضعة اشهر من تحمله هذه المسؤولية وثيقة تتضمن تصوراته "لإحكام السياسة الصناعية التونسية" ولخص محتواها في اجتماع لمجلس الوزراء برئاسة الوزير الأول الهادي نويرة وكانت هذه الوثيقة تتعلق بالخصوص بعرض مجموعة متكاملة من الاقتراحات العملية لضبط خطة واضحة المعالم في مجال تصنيع البلاد تهدف للرفع تدريجيا من القيمة المضافة ومن جودة المنتجات الصناعية التونسية وإعدادها للمنافسة وجعل الحماية الصناعية مرحلة انتقالية تخصص فقط للصناعات الجديدة الناشئة. كما اقترح صفر إنشاء معهد قومي للمواصفات الصناعية للإسهام في النهوض بالجودة. وكان رشيد صفر قد أعد وثيقة السياسة الصناعية المقترحة بعد جلسات عمل طويلة ومعمقة مع إطارات فنية تتمتع بكفاءة عالية منهم المهندس ومدير إدارة الصناعة علي الشيخ خلف الله والمهندس حسن بوصفارة رئيس ديوان الوزارة والأستاذ الصادق بحرون الذي كان يشرف على مركز الدراسات الصناعية التابع للوزارة ولكن لم تحظ هذه الوثيقة بالمصادقة الواضحة والتأييد الكامل لأن المسؤول عن وكالة تطوير الاستثمارات في تلك الفترة لم يساندها وكان يعتقد أنه من الأحسن ترك الأمور تسير بصفة "براغماتية". ولم يصادق مجلس الوزراء على مشروع القانون الذي قدمه صفر لإحداث معهد للمواصفات بدعوة أنه سابق لأوانه. وحتى لا يقبر موضوع المواصفات الصناعية التي كان يعيرها رشيد صفر منذ ذلك الوقت أهمية كبرى طلب من الصادق بحرون بعث لجان لأهم القطاعات الصناعية تنطلق في العمل لضبط  مشاريع المواصفات بصفة تدريجية كما ناشده تحسيس المؤسسات الخاصة والعامة بأهمية المواصفات كآلية من أفضل آليات النهوض بجودة الصناعة التونسية. فكانت هذه اللجان نواة للمعهد الوطني للمواصفات (INORPI)لذي لم يبعث إلا في بداية الثمانيات من طرف وزير الاقتصاد الوطني عبد العزيز الأصرم.
وكان رشيد صفر قد ابتعد شيئا ما عن النشاط الحزبي منذ أزمة التعاضد وكان لصديقه الهادي البكوش الفضل في إرجاعه إلى حضيرة الحزب وكان السيد الهادي البكوش في تلك الفترة يشغل منصب مستشار الشؤون السياسية لدى الوزير الأول الهادي نويرة. وشجع الهادي البكوش رشيد صفر على المشاركة في الانتخابات التي أشرفت عليها لجنة التنسيق في المهدية لاختيار ممثلي الجهة في المؤتمر العاشر للحزب الاشتراكي الدستوري الذي انعقد في قصر المؤتمرات في تونس في أواخر سنة 1979 كما شجعه على تقديم ترشحه إلى انتخابات أعضاء اللجنة المركزية من طرف المؤتمر. فانتخب صفر عضوا في اللجنة المركزية للحزب ثم اختاره بورقيبة كعضو في الديوان السياسي مكلف بأمانة مال الحزب.
2.3 --وزارة الدفاع الوطني.( من سبتمبر 1979الى أفريل 1980)
وقبل أن ينهي رشيد صفر عمله في هذه الوزارة الإستراتيجية بالنسبة لمستقبل البلاد فوجىء بتعيينه من طرف الرئيس بورقيبة وزيرا للدفاع الوطني. ولكنه وجد في هذه الوزارة (التي لم يتمكن مع الأسف السيد عبد الله فرحات من إتمام الإنجازات الطيبة التي شرع فيها ) فريقا مقتدرا ومخلصا للوطن الإخلاص الكامل. و حافظ رشيد صفر على نفس الفريق الذي عمل معه زميله السابق و برز في هذا الفريق بالخصوص الكاتب العام للوزارة  السيد عبد الله القلال.
وكان لرشيد صفر أن يتصدى بإعانة أركان الجيش الوطني في هذه الوزارة للاعتداء على أمن تونس في ما عرف بحوادث قفصة في جانفي1980 وذلك بالتعاون الوثيق مع زميله عثمان كشريد وزير الداخلية. وكان قد التف حول صفر أيام حوادث قفصة وبالخصوص الجنرال عبد الحميد الشيخ رئيس الأركان والجنرال قزارة والجنرال الكاتب. وكان علىاتصال هاتفي دائم مع العقيد التهامي ماشطة المسؤول على الطيران العسكري والمتواجد بقاعدة بنزرت بمعية العقيد بن فضيلة المسؤول على البحرية العسكرية.

--3.3 -وزارة الصحة العمومية.
ثم عين رشيد صفر وزيرا للصحة العمومية( من أفريل 1980 الى أكتوبر 1983)على أساس أنها وزارة في توسع كبير ويتعين تعصير طرق التصرف في جميع مؤسساتها المتنوعة والتحكم في ميزانيتها. ولكن في الحقيقة كانت بعض الأوساط الفاعلة في قصر قرطاج تود إبعاد رشيد صفر من وزارة الدفاع الوطني لمأرب عديدة منها التخلص من الكاتب العام للوزارة  السيد عبد الله القلال الذي انتدبه عبد الله فرحات وأبقاه معه رشيد صفر لما وجد فيه من كفاءة ونزاهة في التصرف في ميزانية الوزارة وبالخصوص في الصفقات التي تبرمها الوزارة. وكان صفر قد امتنع من تعويض عبد الله القلال عندما سأله ذات يوم الرئيس الحبيب بورقيبة: " لماذا تبقي عبد الله القلال رجل عبد الله فرحات الذي أقلته؟" فأجابه صفر: " عبد الله القلال إطار عالي كفء متخرج من المدرسة القومية للإدارة وهو وفي لشخصكم وعمل مع عبد الله فرحات لأنه كان وزيرا لبورقيبة" وأقتنع رئيس الدولة بالجواب لحين وأبقى هكذا صفر عبد الله القلال في منصبه حتى نهاية مهامه في وزارة الدفاع الوطني..
 واستعان رشيد صفر في المسؤولية الجديدة بوزارة الصحة بنخبة من الإطارات المعترف لها بالجدية والكفاءة والنزاهة وفي مقدمهم حسين الزياتي بصفة كاتب عام للوزارة والدكتور رؤوف بن عمار بصفة رئيس ديوان وهو مبرز مختص في الطب الوقائي والمنجي الفراتي بصفة مدير عام للصحة العمومية ومحمد الفقيه كمدير الصيدلة ومحمد عطا لله مسؤول عن البيئة والنظافة العامة والطاهر بن يوسف مدير المستشفيات وغيرهم كما عين لجنة استشارية تتضمن عددا من الأساتذة الأطباء المبرزين يعرض عليها للاستنارة كل القضايا الهامة والمعقدة ومن بينهم الأستاذ البشير حمزة والأستاذ محمد بن اسماعيل والأستاذ سعد الدين الزمرلي و الأستاذ سعيد المستيري. وادخل رشيد صفر الإصلاحات عديدة لتدعيم الطب الوقائي بمفهومه الجديد الذي يضيف إلى المحتوى التقليدي سلامة المحيط الذي يعيش فيه التونسي مع إعطاء أولوية قصوى للخطوط الأمامية المجسمة في مراكز الصحة الأساسية ومراكز رعاية الطفل والأم والتي أدمج فيها برنامج تنظيم النسل وكذلك في "المجالس المحلية للصحة العمومية" التي حاول صفر تركيزها وتنشيطها في كل المعتمديات .ومن الإصلاحات الترتيبية التي أقرها صفر نذكر تعويض رئاسة  وزير الصحة للمجلس الأعلى للصحة الذي كان يجتمع ويضبط جدول أعماله بحضوره فأصبح بعد التعديل يعقد اجتماعاته بانتظام تحت رئاسة شخصية مستقلة حتى ينظر في سياسة الوزارة وعملها بكل حرية ويبدي رأيه بكل صراحة بعيدا عن المجاملات التقليدية. وعين فعلا رشيد صفر على رأس المجلس الاستشاري للصحة الشخصية المستقلة المعروفة في تلك الفترة بالخصوص بنشاطها في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان وهو الأستاذ سعد الدين الزمرلي المبرز في الطب ورئيس قسم في المستشفى الجامعي"شارل نيكول" بتونس العاصمة.كما أعاد صفر تنظيم المصالح الإدارية والمالية لوزارة الصحة وأحيا لجنة صفقات الوزارة التي كانت "نائمة" و أعطى تفويضا ليترأسها الكاتب العام للوزارة حسين الزياتي. وحرص صفر على تنشيط مجالس الصحة داخل المستشفيات الكبرى وإعطائها صلاحيات حقيقية في مجال إعداد مشروع الميزانية والقانون الإطاري. و اتجهت عنايته إلى أوضاع الأقسام الإستعجالية داخل المستشفيات و بعث صندوقا خاصا لتمويل توسيعها وتأهيلها و دعم تجهيزها. كما حرص على حث المعهد العالي لتكوين المهندسين على إحداث شعبة مختصة في تقنيات صيانة التجهيزات الطبية وحاول عبر مجلس وزراء الصحة العرب تحسيس زملائه على ضرورة التخطيط لبعث صناعة عربية للدواء متكاملة وقوية ولكن بدون جدوى..
4.3 -وزارة الصناعة والتجارة و الطاقة و المناجم. من أكتوبر 1983 إلى أفريل 1986
وقبل أن ينهي رشيد صفر عددا من مشاريع الإصلاحات التي برمجها وفي مقدمتها دراسة إستشرافية لتمويل النفقات المتطورة بسرعة في قطاع الصحة, اقترح علية بورقيبة تحمل أعباء وزارة الاقتصاد الوطني (في أكتوبر 14 سنة 1983) لتدارك الإزلاقات التي بدأت تلوح في الأفق. وكان في مكتبه الدكتور عمر الشاذلي مدير "معهد باستور" في تلك الفترة لما خاطبه الرئيس بورقيبة بالهاتف وطلب منه الالتحاق فورا بوزارة الاقتصاد الوطني واستجاب صفر إلى الطلب ولكن اقترح على الرئيس أن يقع حذف السياحة من مسؤولية وزارة الاقتصاد الوطني وأفرادها بوزارة مختصة نظرا لتطور القطاع وخصوصياته ووافق فورا الرئيس على المقترح. وجد رشيد صفر في أكتوبر 1983 في وزارة بقيت تسمى وزارة الاقتصاد  ولكن في الحقيقة كانت هذه الوزارة تغطي نفس القطاعات التي أشرف عليها رشيد صفر حتى آخر سنة 1979 وهي الصناعة والطاقة والمناجم مع إضافة التجارة الداخلية والخارجية. وسرعان ما اكتشف صفر أن عددا من العيوب التي وجدها سنة 1979 قد تفاقمت وازدادت تعقدا بحكم التوسع الاقتصادي سواء كان ذلك في القطاع العام أو في القطاع الخاص. وحاول صفر أن يخفف من انعكاسات الإرث الثقيل الذي وجده وقد تعددت الغلطات في السنوات الأخيرة من تلك الفترة منها بالخصوص:  الإقبال على تمويل مشاريع كبرى لم يقع التعمق في دراسة جدواها أو لم يكن وقت إنجازها مناسبا كما وقع فسح المجال لوكالة النهوض بالاستثمارات الصناعية لمنح رخص الاستثمار بدون الاعتماد على دراسات لمتطلبات السوق الداخلية والخارجية. وكان العجز التجاري الهيكلي يزداد تفاقما من جراء المصادقة على انجاز مشاريع صناعية "تركيبية" ذات قيمة مضافة هزيلة تثقل الواردات بدون قابلية للرفع من التصدير. وكانت من الغلطات الكبرى قرار الزيادة العامة في الأجور بمعدل 10 في المئة وذلك في سنتين متتاليتين (1981و1982) وكان لرشيد صفر أن التقى يوما بالوزير الأول الفرنسي الأسبق "ريمون بار" ( وهو اقتصادي ماهر و مشهور بجديته وبصراحته وكنت قد تتابعت دروسه في الاقتصاد لما كان يدرس هذه المادة بمعهد الدراسات العليا بتونس سنة 1954) بحضور منصور معلى رئيس المعهد العربي لرؤساء المؤسسات فألقى عليه السؤال التالي:" إذا أقدم بلد ما على الزيادة في الأجور في سنتين متتاليتين بمعدل 10 في المئة كل سنة فكم من سنة سيطلب الإصلاح لتدارك التدهورات الناتجة؟"فأجاب " ريمون بار" بدون تردد: " حوالي عشر سنوات ومثل هذه القرارات العشوائية تعود بالوبال على الشغالين بالدرجة الأولى من جراء ما تفرضه من تضخم مالي وارتفاع مشط في الأسعار".
وبعد دراسة عميقة للأوضاع أقترح رشيد صفر إرجاء عدد من المشاريع التي كانت ستثقل مديونية تونس الخارجية وعلى سبيل المثال: أوقف – بعد الاستماع إلى لجنة أحدثها لمتابعة مثال استشرافي لحاجات تونس من الطاقة في مختلف القطاعات إلى حدود سنة 2000- مشروع استغلال غاز " ميسكار" في خليج قابس الذي كانت الحكومة ستقبل على إنجازه بمزيد من التداين الخارجي إذ أن الشركة الأجنبية المكتشفة للحقل "ألف أكيتان" أصرت على أن تساهم في تمويل مرحلة الاستثمار للاستغلال بنسبة 20 في المئة فقط من كلفة  استغلال المشروع الضخمة. وبين رشيد صفر للحكومة أنه من الأفضل من جميع الأوجه أن يحتفظ بالحقل ليقع استغلاله عند الحاجة و بعد انتهاء الآجال التعاقدية مع الشركة الأجنبية حيث تصبح بلادنا حرة في اختيار أفضل أسلوب لاستغلال الحقل. واستعملت في سبيل هذا الاختيار الصائب كلمة واضحة المغزى: " ليبقى حقل الغاز ميسكار لفترة العطش"     Miskar doit rester une poire pour la soif  وكان رشيد صفر منذ ذلك الوقت مقتنع  بضرورة الإعداد المسبق لفترة ما بعد البترول.كما أرجأ صفر مشروع استخراج الفسفاط من منجم " سرا ورتان" مؤكدا بعد دراسة معمقة أن الوقت لم يحن لبعث مثل هذا المشروع الذي لم يكن له سوق في تلك الفترة. كما أرجأ عددا من المشاريع التركيبية للسيارات التي صودق عليها من طرف وكالة الاستثمارات لتركيب 5000 سيارة في السنة في الوقت التي كانت معامل التركيب في هذا القطاع ليس لها أدنى جدوى أو فائدة تذكر إذ لم يبلغ حجم التركيب فيها 100.000 سيارة في السنة. وكثف رشيد صفر في هذه الوزارة الاجتماعات التوجيهية مع رجال الأعمال لحثهم على العناية بالجودة والتحكم في الكلفة والرفع من القيمة المضافة للمنتوج التونسي والتوجه نحو التصدير وبعث شركات مختصة في التصدير والاستعداد المبكر لعهد ما بعد النفط. وعين صفر مهندسا عالي المستوى على رأس الوكالة المختصة في اقتصاد الطاقة وطالبه بتوسيع استعمال الطاقة الشمسية لتسخين الماء وشجع صفر مدير مصنع قابس للاسمنت حتى يصبح هذا المعمل مثالا للتحكم في استعمال الطاقة وكان على رأس هذه المؤسسة المدير عام  السيد حمدان بن عثمان وهو إطار فني يتصف بالكفاءة العالية والنزاهة والإخلاص. وطلب كذلك رشيد صفر من مدير معهد المواصفات تكثيف الاتصالات التوجيهية بجميع الصناعيين وحثهم على استعمال المواصفات الدولية كمدخل لتحسين الجودة وكسب معركة التصدير و التحكم في الكلفة وذلك بإعداد برنامج خماسي للتوسع في اعتماد المواصفات داخل قطاع الصناعات المعملية. وأعطى صفر تعليمات كتابية واضحة لتنفيذ طريقة جديدة يتعين على مجلس إدارة وكالة النهوض بالاستثمارات السهر على العمل بها عندما ينظر في المصادقة على المشاريع المقدمة له وتتعلق هذه المنهجية الجديدة بالخصوص في سبل التثبت من مستوى القيمة المضافة الوطنية لمنتجات كل مشروع وتأثير المشروع على الميزان التجاري للبلاد وعلى وضعية التشغيل في البلاد. ولكن جل الإجراءات الجديدة كانت متأخرة ولم تمكن من حماية الوطن من سلبيات الإنزلاقات التي حصلت بعد.

وازداد تعكر الوضع بتدهور سعر النفط  ( وكانت تونس في تلك فترة مصدرة للنفط و كانت حوالي 20 في المئة من موارد ميزانيتها متأتية من النفط) وتفاقمت كذلك الأوضاع من جراء قطع العلاقات التجارية مع القطر الليبي وطرد عدد كبير من العمال التونسيين الذين كانوا يعملون بالقطر الشقيق منذ سنوات عديدة. وبالرغم من أخذ إجراءات صارمة للحد من التوريد فقد ازداد حجم العجز التجاري و حجم التداين الخارجي وتدهورت المدخرات من العملة الأجنبية وأصبح تخفيض قيمة الدينار – رغم سلبياته المعروفة- أمرا لا مفر منه وأصبحت الإصلاحات الهيكلية الصعبة وغير الشعبية تفرض نفسها وتتطلب الإسراع لمواجهة انقراض المدخرات و تفاقم عجز الميزانية التي صادق عليها مجلس النواب في ديسمبر 1985 قبل انهيار سعر النفط.
وكان رشيد صفر بمعيية زميله إسماعيل خليل قد نبه الوزير الأول منذ منتصف شهر جانفي 1986 بخطورة الوضع وبضرورة أخد تدابير استثنائية عاجلة. وقال الوزير الأول للوزيرين سأطلب من الرئيس أن يستقبلكما لإحاطته علما بالوضع. وفعلا تم اللقاء بعد أسبوع مع الرئيس في مكتبه بقرطاج وبحضور الوزير الأول وبعد أن استمع إلى كل من صفر و خليل اقر الرئيس تكوين لجنة برئاسة الوزير الأول لتقديم  برنامج متكامل لمواجهة الأوضاع الاقتصادية الطارئة وكذلك لمعالجة المشاكل  الاقتصادية الهيكلية على أن تقدم هذه اللجنة مقترحاتها للرئيس في أجل لا يتجاوز الشهر. و شعورا بدقة الوضع و ضرورة الإسراع لتدارك الأوضاع اتفقا صفر وخليل على تنظيم جلسات عمل في مكتب صفر بوزارة الاقتصاد تدعى إليها الوزارات المعنية للنظر مع عدد من الزملاء في المشاريع التي يمكن تأجيلها بدون أن يحدث ذلك ضررا كبيرا باقتصاد البلاد واستجاب جميع الزملاء لنداء الواجب وانتهت الاجتماعات في أسبوعين بمقترحات عملية حصل الاتفاق حولها. ثم اتفقا صفر وخليل،( بالرغم من التباين الذي كان متواجد في تصورات الرجلين في ما يتعلق بالخصوص نسق تنفيذ مراحل الإصلاح الهيكلي للاقتصاد و كان صفر ينادي بالتدرج في كل المراحل) على بقيت التدابير التي يتعين اتخاذها وكلفوا السيد محمد الغنوشي المدير العام بوزارة التخطيط الذي حضر جل الاجتماعات بإعداد وثيقة توجه إلى الوزارة الأولى تلخص كافة المقترحات واعلموا الوزير الأول بانتهاء أعمالهم واقترحوا عليه عقد اجتماعات مع المنظمات القومية لتحسيس الجميع بضرورة الإقدام على الإجراءات المقترحة والاستئناس بآرائهم وعقدت فعلا للغرض عدة اجتماعات ليلية "بدار المغربية" بقرطاج مع كامل أعضاء الحكومة ثم مع الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والاتحاد العام التونسي للشغل وكانت جل المقترحات جاهزة لعرضها على رئيس الدولة ومجلس الأوزراء منذ أواخر أفريل 1986. ولكن لم يعرض الوزير الأول على الرئيس شيئا وكان غير مقتنعا بالخصوص بضرورة تخفيض قيمة الدينار وغير متحمس إلى اللجوء إلي توفير موارد إضافية من البنك العالمي وبالخصوص من صندوق النقد الدولي. وكان يتصور أن ليس هنالك أزمة مالية حادة ويمكن السيطرة على الوضع الاستثنائي الصعب باقتراض من السوق المالية مبلغ 100.000دولار والاستمرار في نفس السياسة الاقتصادية. وفي الأثناء اكتشف صفر إثر زيارة فجئية إلى مكاتب الإدارة العامة للتجارة الداخلية والخارجية( التي كانت خارج البناية الرئيسية لوزارة الاقتصاد ) أن المدير العام الساهر على هاته الإدارة الخطيرة قد تجاوزته تعقيدات المشاكل وأصبح غير قادر بمفرده على التحكم في الأوضاع كما لاحظ أن توصياته  وتعليماته غير منفذة. فطلب صفر من مزالي أن يقترح على رئيس الدولة تعيين المنذر الزنايدي الرئيس المدير العام لديوان التجارة بصفة كاتب دولة للتجارة لدى وزير الاقتصاد نظرا لخبرته الكبيرة وكفائته في مجال التجارة الخارجية ولكن مزالي لم يستجب للمقترح و بعد بضعة أيام ودون استشارة أي مسؤول في الحكومة اقترح مزالي على رئيس الدولة تحويرا وزاريا جزئيا يوم 28 أفريل 1986 تم بمقتضاه تقسيم وزارة الاقتصاد الوطني إلى وزارتين : وزارة التجارة والصناعة عين على رأسها صلاح الدين ابن مبارك و وزارة للطاقة والمناجم عين على رأسها صالح بن مباركة وزير المالية السابق وعين رشيد صفر على وزارة سميت بوزارة المالية والاقتصاد تضم مصالح وزارة المالية يضاف إليها مصالح الرقابة الاقتصادية التي كانت في السابق تابعة لوزارة الاقتصاد.
5.3 -وزارة المالية والاقتصاد من أفريل 1986 غلى جويلية 1986
لم يكن هذا التحوير متأكدا وضروريا بل كان البرنامج الإصلاحي هو المتأكد. ولكن تمكن صفر بهذا التحوير من اكتشاف نقائص أخرى داخل وزارة المالية وكان يجهلها.فكانت على سبيل المثال تمنح وزارة المالية ضمان الدولة لتقرض البنوك التونسية مستثمرا عقاريا أجنبيا كان من المفروض أن يمول مشروعه العقاري الضخم (الذي انطلق إنجازه في مرتفعات قمرة في الضاحية الشمالية للعاصمة) بأموال ذاتية وكانت الصحف الاجنبية المختصة تشهر منذ أشهر بالصعوبات المالية الكبرى لهذا المستثمر سوءا بالنسبة لاستثماراته في بلده أو بالنسبة للعمليات التي كان يقوم بها في الولايات المتحدة. وفي الوقت الذي كانت اللجنة الوزارية تقترح إرجاء عدد من المشاريع يطلب من وزير المالية والاقتصاد الجديد المصادقة على مشروع عقد لبناء مقر جديد للوزارة يقدر بمبلغ يفوق 10.000.000. من الدينارات ورفض رشيد صفر الموافقة على إنجاز هذا المشروع وأوقف منح ضمان الدولة لتوزيع قروض ضخمة لمستثمرين خواص يفترض التصرف السليم أن تمنحهم البنوك القروض بدون تدخل الدولة عندما تكون مشاريعهم سليمة وتمويلاتهم الذاتية بالقدر الكافي.
6.3  -الوزارة  الأولى. من جويلية 1986 إلى أكتوبر 1987

 وأذن الرئيس الحبيب بورقيبة مساء يوم الثلاثاء 8  جويلية 1986 من قصر إقامته بالمنستير بإصدار بلاغ يعلم فيه عن قراره بتعين رشيد صفر كوزير أولا بدون أن يستشيره في ذلك. وكان بورقيبة قد دعا في صباح نفس اليوم إلى اجتماع طارى في مكتبه بقصر صقانص بالمنستير كلا من وزير التخطيط إسماعيل  خليل ومحافظ البنك المركزي محمد السخيري ووزيرالمالية و الاقتصادالوطني رشيد صفر وطلب منهم بمجرد دخولهم إلى مكتبه تقديم تقرير شفاهي عن الوضع الاقتصادي والمالي للبلاد وبعد أن تكلم الجميع التفت بورقيبة إلى رشيد صفر قائلا " ومن هو المسؤول عن هذا الوضع؟" فأجاب صفر دون تردد " كلنا مسؤولون يا سيادة الرئيس وتدهور سعر النفط منذ بداية السنة زاد في الطين بلة وقد كنتم منذ شهر فيفري قد أذنتم بتشكيل لجنة لاقتراح التدابير التي يتعين أخذها وقد أنهت أعمالها منذ أواخر شهر أفريل " و رفعت الجلسة بعد هذا الجواب وودع الرئيس وزراءه محاولا إخفاء غضبه ورجع الوزراء الثلاثة إلى العاصمة تونس. ولما وقع- في مساء نفس اليوم- إعلام وزير الإعلام عبد الرزاق الكافي بقرار الرئيس المتعلق بتغيير الوزير الأول وطلبه الإعلان عن ذلك بالإذاعة في نشرة أخبار السادسة مساءا اتصل عبد الرزاق الكافي هاتفيا برشيد صفر فوجده خالي الذهن بقرار الرئيس الذي فاجأه وهو غير راغب في تحمل هاته المسؤولية. وطلب صفر من الكافي التريث وأرجاء إذاعة البلاغ حتى يتصل هاتفيا بالرئيس وبين الكافي أنه لا يستطيع الانتظار أكثر من ربع ساعة لقرب موعد الأخبار. وحاول صفر الاتصال هاتفيا فورا بالرئيس إلا أنه لم يتمكن إذ أن الرئيس كان قد أعطى تعليماته ثم خرج مباشرة من القصر إلى جولته اليومية في روضته بمدينة المنستير ولم يتمكن صفر من الاتصال بالرئيس إلا في الساعة السابعة وقد قضي الأمر وأذيع خبر قرار الرئيس المتعلق بتعيين وزيرا أول جديد فما كان لبورقيبة أن يطيل الحديث مع صفر في الهاتف لما اتصل به في السابعة مساءا وطلب منه القدوم إلى المنستير غدا صباحا.
إن يوم 9 جويلية 1986, وهو  اليوم الذي أوكل فيه بورقيبة لرشيد صفر إصلاح الأوضاع المالية كانت مدخرات تونس من العملة الصعبة قد نزلت حتى الصفر.
أنتقل رشيد صفر من تونس إلى المنستير يوم 9 جويلية على متن طائرة مروحية تابعة للجيش الوطني وكان مع بورقيبة في مكتبه بقصر صقانس على الساعة الثامنة صباحا. فعبر رشيد صفر عن بالغ تأثره لثقة الرئيس في شخصه و صارح بورقيبة معددا له الأسباب التي تجعله يعتقد أنه غير قادر على قبول المسؤولية الجديدة التي تتطلب فيما تتطلب حنكة سياسية لا يحذقها ومعرفة جيدة للأشخاص تنقصه ولكن بورقيبة رفض كل " ما سماه بالتعلات" وقال لصفر: " أعرفك جيدا ,اعتقد أنك رجل الساعة ولك الكفاءة لإخراج السفينة من هذه الورطة. حسب تحاليكم الجماعية يوم أمس تبين لي أن الهيكلة الأساسية للاقتصاد بقيت سليمة و نحن في حاجة إلى" تعويم السفينة" وسنة أو سنتين من التقشف الذكي الذي لا يمس لقمة عيش المواطنين ثم نمر إلى الإعداد لفتح مرحلة تنموية جديدة. وفي ما يتعلق بالحس السياسي ألم تكن الوحيد الذي صارحني قبل رفع الدعم الكامل عن الخبز أن صندوق النقد الدولي لا يطالب برفع هذا الدعم دفعة واحدة وصارحتني بضرورة التدرج في رفع الدعم؟ ثم أضاف بورقيبة: بكل صفة لست في حاجة إلى من يعتني لي بالسياسة. كفاني ما فعله مزالي الذي خيب ظني في الوقت الذي كونته من عدم واعتبرته كابني...وخليفتي ليواصل ما بنيت......" حاول صفر بدون جدوى تغيير قرار الرئيس مؤكدا له أن نجاح سياسة اقتصادية جديدة يتطلب في ما يتطلب مناخا سياسيا ملائما و فاقا وطنيا قويا وأقترح عليه ،عندما لاحظ عليه تشبثه بإقالة محمد مزالي، تكليف إسماعيل خليل بالوزارة الأولى وهو الذي بادر بالتفاوض الأولي مع صندوق النقد الدولي فأجابه بورقيبة قائلا: " لا أعرف جيدا إسماعيل خليل كما أعرفك ويمكن الاعتماد عليه لمواصلة التفاوض من منطلق مسؤولياته الحالية" ثم أقترح صفر على الرئيس أن يعرض على الوزير الأول مزالي مسؤولية جديدة أو سفارة في دولة من دول الخليج. فأجابه بورقيبة بحدة " قضية مزالي لا تهمك ولا تشغل بالك بها, لك مهام ثقيلة كرس جهودك لإخراجنا من الورطة و مزالي أعرفه أكثر منك فإذا كان يرغب في شيء سأتحادث معه في ذلك في الإبان" ثم طلب صفر من الرئيس هل يريد تغير تركيبة الحكومة فقال له الرئيس:" ما هو رأيك هل لك مقترحات؟» فأجاب صفر : "المرحلة ستكون دقيقة ونحن مطالبون بالإسراع في إعداد قانون مالية تعديلي يقدم إلى مجلس النواب في أقرب وقت في دورة استثنائية فمن الأفضل أن نبقي على التركيبة الحكومية الحالية وهي واعية بكل المتطلبات. بقي لنا أن نسد فراغ وزارة المالية، وأقترح عليكم أن ندمج هذه الوزارة مع وزارة التخطيط حتى نسهل العمل لإسماعيل خليل في مجال ترشيد النفقات بضم ميزانية التجهيز إلى ميزانية التصرف ونرجع هكذا الوحدة العضوية لميزانية الدولة التي تضررت من التقسيم الغير الطبيعي." و وافق بدون تردد الرئيس على مقترح صفر مضيفا: " : "إني راض عليهم جميعا وتعودت بهم" اثر ذلك  ودع صفر الرئيس وقفل راجعا إلى العاصمة وهو منشغل من تشعب مسؤولية لم يعد نفسه لها ولم يكن يرغب ولا يفكر يوما في تحملها .  وقبل ذلك أدلى بتصريح إلى ممثل وكالة الأنباء في بهو قصر صقانس معلنا عن قرار الرئيس بتجديد ثقته في كافة أعضاء الحكومة وأعلن عن تكليف إسماعيل خليل بوزارة المالية بالإضافة إلى وزارة التخطيط وأكد أنه سيعمل حسب تعليمات الرئيس لتدارك الصعوبات المالية والاقتصادية التي تواجهها البلاد وسيكون دائما نصب عينيه "إن تونس لجميع التونسيين". وقبل أن يمتطي السيارة للذهاب إلى المطار اقترب منه عون من القصر وقال له : "تلقينا منذ حين مكالمة هاتفية من الوزارة الأولى تعلمنا أن الوزير الأول السابق قد أخرج من الوزارة شاحنتين من الوثائق". فلم يعلق صفر على هذا الخبر. و رجع إلى تونس في نفس المروحية التي قدم بها وكان في الوزارة الأولى حوالي الساعة الحادية عشر صباحا وصعد إلى الطابق الأول ودخل قاعة مكتب الوزير الأول وجد محمد مزالي واقفا أمام المكتب و في يده ورقة وكان المكتب خاليا من أي ملف. وأول ما بادر به مزالي بعد السلام قوله: " ماذا سأفعل الآن ؟" فقال له صفر " أنصحك بأن تطلب عاجلا مقابلة الرئيس واقترح عليه ما تريد ". ثم قدم مزالي لصفر الورقة التي كانت في يده قائلا:" هذه نسخة من الأمر الذي يريد مني منصور السخيري أن أقدمه لإمضاء الرئيس وإصداره بالرائد الرسمي. فهو أمر يسلب الوزارة الأولى من أهم صلاحياتها ويحيلها لوزارة الوظيفة العمومية ورفضت ذلك و بقي يوميا يطالبني السخيري بذلك. فخذ حذرك من هذا الموضوع الخطير.." فقال له صفر: " يا سي محمد صلاحيات الوزارة الأولى هي دستورية وتبقى بالدرجة الأولى كما تعرفون ذلك مرتبطة أساسا بثقة الرئيس وإرادته فلا يهمني كثيرا حاليا هذا الخلاف و هل هو حقيقة أخطر موضوع من بين مواضيع الساعة.. يا سي محمد... حدثني عن التقارير السياسية التي أجهلها والتي هي من اختصاص الوزارة الأولى " فقال مزالي: " ستجد الملفات في المصالح و من عادتي لا أترك الملفات في مكتبي" ثم وفتح باب مكتب كان بجوار مكتبه وكان عدد كبير من الكتب في هذا المكتب المجاور قد أنزل من الرفوف و وضع على البساط فأخذ مزالي كتابا وفتحه قائلا: " هذه كتب اهديت لي شخصيا وكنت في انتظارك لاستأذن لرفعها إلى منزلي" وقال صفر مبتسما: " تفضل سي محمد... لقد قيل لي في القصر أنكم رفعتم بعد شاحنة من الوثائق ولم أصدق طبعا"  قال مزالي: " لا أبدا..تعرفني.. كذب.. كذب.. من قال ذلك..؟ كنت في انتظارك" وقال صفر: " ما علينا. تفضل سي محمد خذ ما شئت"...... ثم اصطحب الوزير الأول الجديد زميله محمد مزالي إلى المدرج في البهو العلوي وودعه قائلا:" سي محمد قد أراحكم الله من الحمل و من مشاقه وانتقلت المشاكل إلي في الوقت الذي كنت أتمنى فيه التخفيف من عبئ المسؤوليات" وكانت هذه آخر مقابلة بين الرجلين.  وبعد أن قدم صفر في شهر أوت إلي مجلس النواب القانون التعديلي لميزانية 1986 خاطبه مزالي، عندئذ، عن طريق خط الهاتف المباشر بالوزارة الأولى وشكره على خطابه أمام مجلس النواب: وكان صفر لم يبح ولو بكلمة واحدة تسيء لسلفه وركز في تحليه للأوضاع الاقتصادية والمالية أساسا على العوامل والمتغيرات الخارجية التي كان لها فعلا انعكاسات هامة ولكنه لم يتعمق في تحليل الأسباب الداخلية اعتبارا منه أن المسؤولية في هذا المجال مشتركة بين كل المسؤولين الذين تعاقبوا على الحكومة مند سنة 1980 كما بين ذلك لرئيس الدولة بحضور زملائه صباح يوم 8 جولية .
وتمكن رشيد صفر في بضعة أشهر بتعاون وثيق مع زميله إسماعيل خليل وزير التخطيط والمالية من إبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي و مع البنك الدولي لتمكين تونس من المدخرات المالية بالعملة الصعبة الضرورية مقابل تعهدات بإنجاز إصلاحات هيكلية في مجال السياسة الاقتصادية للبلاد وقع التفاوض في تفاصيلها بكل جدية لحماية مصالح البلاد.وكان الفريق الذي عهد إليه رشيد صفر وإسماعيل خليل متابعة التفاوض في جزئيات  وتفاصيل الاتفاق مع البنك الدولي ومع صندوق النقد الدولي يتركب من إطارات عليا ماهرة وكفئة مثل محمد بوعواجة ومحمد الجري ( من الوزارة الأولى) ومحمد الغنوشي ونوري الزرقاطي ( من وزارة التخطيط والمالية) والطاهر الصيود (من البنك المركزي التونسي) وقدم رشيد صفر إلى مجلس النواب في شهر أغسطس (أوت) 1986 قانونا ماليا إضافي وبرنامج لإصلاح اقتصادي هيكلي لإخراج تونس من مأزقها المالي في مرحلة أولى ودفع نسق التنمية في مرحلة ثانية.و أقر رشيد صفر التخفيض العلني في قيمة الدينار التونسي بنسبة 10في المئة لاجتناب مواصلة انزلاق قيمته ولدفع التصدير والسياحة.وبالرغم من الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة عبر التونسيون داخل الوطن وخارجه عن شعور وطني مرهف إذ استجابوا إلى قرض وطني لفائدة الخزينة وأقبلوا عليه بحماس حتى أن المبلغ المتحصل عليه نهائيا كان  يقترب من ضعف المبلغ المقدر. وكان رشيد صفر -حرصا منه على الشفافية ودعم ثقة المواطنين في مسئوليهم- قد اقترح على رئيس الدولة مشروع قانون يتعلق بأجوبية تقديم تصريح كتابي على مكاسب كبار المسئولين في الدولة يسلم إلى دائرة المحاسبات كلما تقلدوا مهام جديدة أو غادروا مهامهم وعرض المشروع على مجلس النواب الذي صادق عليه وهو مشروع يشبه ما هو معمول به في الدول الديمقراطية المتقدمة. كما قدم رشيد صفر في بداية سنة 1987 قانون المالية لسنة 1987 إلى مجلس النواب  وفي ما بعد المخطط السابع للتنمية(1987-1991.).وانتهت مسؤولية رشيد صفر في الوزارة الأولى يوم 2 أكتوبر 1987 بعد أن كان الرئيس قد عبر عن غضبه بانفعال كبير يوم 1 أكتوبر في نهاية مجلس الوزراء، أمام كافة الوزراء، معاتبا وزيره الأول " لأنه أصبح يعين الوزراء" وكان الرئيس قد تناسي إنه كان قد صادق على كافة التعيينات الأخيرة ومنها بالخصوص: تعيين محمد الغنوشي ككاتب دولة للتخطيط والنوري الزقاطي ككاتب دولة للمالية وعبد الملك العريف كمدير للحزب وكان صفر قد طلب في مساء ذلك اليوم من بورقيبة إعفاءه من مهامه في الوزارة الأولى وأصر على ذلك، كتابيا، بالرغم من محاولات غير مباشرة قام بها بورقيبة للاعتذار و لإقناعه بمواصلة المهمة ولو لفترة قصيرة .
.7.3.  -رئيس مجلس النواب
وبعد مغادرته الوزارة الأولى أنتخب رشيد صفر كرئيس لمجلس النواب من اكتوبر1987الى أكتوبر 1988وكان لرشيد صفر شرف دعوة يوم 7 نوفنبر 1987 مجلس النواب إلى جلسة استثنائية تلى فيها الرئيس الجديد للجمهورية التونسية الرئيس زين العابدين بن على بيانه "بيان السابع من نوفنبر1987" الذي تجاوب معه الشعب التونسي بمختلف شرائحه  وبالخصوص كافة الاحزاب المعارضة لنظام الرئيس بورقيبة. ورجعت الثقة في النفوس بالنسبة لمستقبل أفضل. وأدى بن علي أمام المجلس اليمين الدستوري الذي تستكمل به الإجراءات الدستورية لتحمل المسؤولية العليا في البلاد التونسية..
8.3 -سفير ممثل لتونس لدي الاتحاد الأوروبي ورئيس الهيئة العليا للرقابة الادارية والمالية.
مثل رشيد صفر تونس كسفير لدى المجموعة الأوروبية في مدينة بروكسل  من أكتوبر1988 إلى 1992 وفي نفس الوقت كان سفيرا معتد لدى بلجيكة واللكسنبرق. وكان ذلك برغبة منه إذ كان يشعر أن لا فائدة ستحصل لتونس في تحمله مسؤوليات سياسية وقد يدأ يشعر أن بن على سيتنكر لوعود بيان السابع من نوفنبر و تصور أنه سيتمكن من إفادة وطنه في مهمة ديبلوماسية لدى الاتحاد الأوروبي الذي كان له ارتباط كبير باقتصاد تونس...و لم يكمل عمله في بروكسال...وأختلف مع بن على عندما بدأ التفاوض في اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي سنة 1992... فعينه بن علي رئيسا للهيئة العليا للرقابة الإدارية والمالية بتونس و اكتشف صفر هازلة صلاحيات هذه الهيئة الشبيهة بهيكل سوري هدفه الايهام بالحرص على سلامة التصرف في الأموال العمومية للتمويه على الرأي العام فطلب  كتابيا التخلي عن هذه المهام الغير الناجعة. و أحيل على التقاعد سنة 1996.
9.3 -أشغال رشيد صفر في  نهاية القرن العشرين.
من بين الأشغال التي ترئسها في السنوات الأخيرة من القرن العشرين يمكن الإشارة إلى:1-اعداد التقرير المتعلق "بنتائج الاستشارة الوطنية حول تونس القرن 21 " في سنة 1995 وقد استعان لإعداد هذا التقرير الضخم بعدد كبير من الإطارات والخبراء التونسيون وبلجنة تسيير وصياغة من ضمنها بالخصوص الأستاذ الشاذلي القليبي الأمين العام السابق للجامعة العربية ووزير الثقافة في عهد بورقيبة وكذلك السيد مصطفى الزعنوني وزير التخطيط السابق والسيد إسماعيل خليل وزير التخطيط والمالية السابق والأستاذ بن إسماعيل صحافي و مدير دار نشر والأستاذ صالح الحناشي أول مدير لمعهد الدراسات الإستراتجية بصفته مقررا عاما للجنة. 2-وإشراف رشيد صفر على أعمال لجنة أعدت التقرير المتعلق "بسبل تحفيز الاستثمار الخاص بتونس" سنة 2000 وقد استعان رشيد صفر لإعداد هذا التقرير مجموعة من الإطارات المختصة عملت طيلة خمسة أشهر وكان نائب رئيس هذه اللجنة الأستاذ رضى الفرشيو وزير التربية سابقا ورئيس المجلس الأعلى للإحصاء وكان المقرر العام لهذه اللجنة الأستاذ في الاقتصاد المنجي صفرة ومن الشخصيات البارزة التي ساهمت بكثافة في هذا العمل الأستاذ الجامعي المختص في الاقتصاد السيد الشادلي العياري وكان سابقا وزيرا للتربية ووزيرا للتخطيط و كذلك وزيرا للاقتصاد الوطني.
10.3 -عضو بمجلس المستشارين.
عين بن علي رشيد صفر عضوا بمجلس المستشارين سنة 2005
وكان رشيد صفر غير راغب في الاستجابة إلى هذا التعيين و لكن وقع الاشارة الواضحة إليه بأن رفض التعيين يعتبر معاداته...... وقبل عن مضض هذا التعيين و بادرة بتقديم استقالته كتابيا تضامنا مع الانتفاضة الثورية في جانفي 2011. و ذلك قبل أن يقع حل المجلس بمرسوم.

4-المؤلفات والدراسات:
- دراسة أولية لإصلاحات جذرية للجباية التونسية: سنة 1969
-دراسة إعادة هيكلة وتنظيم المصالح الإدارية والمالية لوزارة التربية الوطنية والتعليم العالي: سنة 1972
-دراسة أولية لتطوير السوق المالية في تونس: سنة
1975
-دراسة إعادة تنظيم مصالح وزارة المالية: سنة 1976
- كتاب يتعلق بتأثيرات توسع السوق الأوروبية على الاقتصاد التونسي 1989
-كتاب أصدره سنة 1999 باللغة الفرنسية بعنوان " العولمة الضوابط والتضامن" يدعو فيه رشيد صفر المجموعة الدولية لأسنة العولمة وجعلها في خدمة كافة الشعوب في سبيل تحقيق السلم الحقيقية والاستقرار للجميع وذلك بالإقدام على إصلاحات جرية و جذرية في مختلف المنظمات الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي حتى يستنبط نظام مالي ونقدي عالمي جديد فيه الضوابط الملائمة لمواجهة التوسع الوحشي والفوضوي للعولمة الاقتصادية والمالية والقضاء على سياسة المكيالين و على ازدواجية المعايير في جميع المجالات السياسية منها والاقتصادية والمالية والتحكم في المضربات المالية التي أصبحت تهدد نمو الاقتصاد الحقيقي و نادى بجعل السياسة النقدية والمالية الدولية في خدمة تنمية حقيقية لمصلحة كافة الشعوب بصفة متكافئة وعادلة. واقترح رشيد صفر أن يكون الإصلاح للمنتظم الدولي مستوحى من هيكلية الاتحاد الأوروبي التي تمثل أنجع هيكلية مجربة لتسيير بطريقة عادلة شؤون مجموعة كبيرة من الدول وهي تعد بالرغم من نقائصها أنجع بكثير من الهياكل الحالية لمنظمة الأمم المتحدة و مجلس أمنها الحالي العاجز عن تنفيذ القانون الدولي العادل بين الدول كما اقترح أن يصبح تدريجيا صندوق النقد الدولي بنكا عالميا له كامل الصلوحيات والابتداء بإعطاء لحقوق السحب الخاصةDTS دورا أكبر يماثل دور العملات الكبرى مثل الدولار وذلك بالخصوص لتمويل تنمية الدول الصاعدة والنامية وهو المقترح نفسه الذي نجده بعد بضعة سنوات من صدور كتاب رشيد صفر ضمن تقرير مقترحات مجموعة العقلاء (Comité des sages)الذي طلب منه "كوفي أنان" الأمين العام للأمم المتحدة تقديمه إلى الحكومات التي اجتمعت في ندوة منتري بالمكسيك للتفكير في الصيغ الجديدة لتمويل التنمية والحد من الفقر قبل حلول سنة 2015. كما نبه رشيد صفر في كتابه من عواقب الأزمات المالية المتتالية ومخاطر طلق العنان للسوق المالية العالمية وتركها بدون ضوابط عرضة للعمليات المضرة بالاقتصاد الحقيقي العالمي وهي عمليات معقدة يقدم عليها  بالخصوص كبار المضاربين ( بمساهمة عدد من البنوك)و بالخصوص الصناديق الغير خاضعة لأي رقابة مثل ما يعرف "بالهادج فوند". Les hedjs funds   وأصدر رشيد صفر سنة 1999 في مجلة " أفريقيا الشابة" « jeune   Afrique »رسالة مفتوحة خاطب فيها مجموعة «ج8"        "   G8دعا فبها الدول العظمى إلي تمثيل الدول النامية والصاعدة في مجموعتهم التي تدير شؤون العالم بدون أي شرعية كما دعاهم إلى فتح مجال التنمية لجميع الدول وابتكار الضوابط الملائمة للتحكم في انحرافات السوق المالية العالمية التي أصبحت تتسبب في أزمات اقتصادية تتضرر منها جميع الدول وناشدهم للانكباب بجد على إصلاحات جذرية للنظام المالي والنقد العالمي.
5-بعض المصادر:
.كتاب بالفرنسية صدر بباريس سنة 1999 بدار النشر الفرنسية لرناتان لرشيد صفر تحت عنوانMondialisation régulation et solidarité Editions l'harmattan Paris
ّّ.جريدة العمل بتونس.
.جريدة لكسيون journal l'actionوجريدة لابريس journal
Presseالناطقتان باللغة الفرنسية.مجلة حقائق بالفرنسيةHebdomadaire Réalitées Tunis
-مجلة جون أفريكHebdomadaire Jeune-Afrique . _جريدة لوموند الفرنسيةJournal le Monde.
[2]- وزراء بورقيبة تأليف الأستاذ مونير الشرفي باللغة الفرنسية دار النشر لرنتان
Les Ministres de Bourguiba de Mounir Charfi.Editions L’harmattan Paris.
Le Fond Monétaire international et la Tunisie 1986-1988
Mémoire pour l’obtention du Diplôme D’études Approfondies de Droit  Economique et des Affaires présenté et soutenu par                                          Adnen MAAREF à L’Université de Nice nov 1988.



[1]بعد محامي وتقلد مهام وزير للشباب والرياضة في غهد الرئيس بورقيبة أصبح أحمد شطورو في ما

Professeur Abdessatar GRISSA : Recueil de Rapports et Articles Economiques  édition du Centre de Publication Universitaires 2008. notamment l’article sur l’analyse de l’endettement extérieur de la Tunisie de 1961 à 1994.

26.08.2008