jeudi 2 octobre 2014

مسودة الجزء الثاني من مذكراتي...مع الحبيب بورقيبة من الأب إلى الأبن.....مرحلة التكوين ثم المسؤوليات الادارية....

رشيد صفر
ذكريات وعبر
مع الحبيب بورقيبة من الأب إلى الابن
 الأنجازات الثابتة والمساعي المبتورة والفرص المهدورة
Les realisations qui perdurent ,
les quêtes inachevées et les
occasions perdues.

ّ " يسير الفكر في الظلام عندما لا يضيء الماضي المستقبل"
                              شارل ألكسيس دي توكفيل.

« Lorsque le passé n’éclaire plus l’avenir l’esprit marche
dans les ténèbres…. » Charles Alexis de Tocqueville.





الجزاء الثاني




موجز
لسيرتي الذاتية من خلال
ذكرياتي  في مرحلة الدراسة و التكوين و المسؤوليات الادارية.


هذه مسودوه منقوصة المحتوى و لم تكتمل بعد إذ أني لم أتمكن من إعادة قراءتها وفيها العديد من الأغلاط المطبعية واللغوية والنحوية وربما بعض التكرار فمعذرة لقاري المسودة في صيغتها الحالية




 الرئيس الحبيب بورقيبة يوسم رشيد صفر سنة 1987


الحبيب بورقيبة محرر المرأة التونسية.
صورة معبرة  عن  تقدم المرأة في تونس تمثل الرئيس الحبيب بورقيبة وهو يستقبل في قصر قرطاج الطالبات الفائزات في مناظرة الاقامة في الطب سنة 1981 بحضور وزيره للصحة العمومية رشيد صفر.




الباب الأول
مرحلة الدراسة والتكوين وتونس تواصل نضالها ضد المستعمر حتى النصر.
1933-195

صدمة وفاة والدي و إنقاذي من الانزواى من خلال لانخراط في الحركة الكشفية الوطنية المناضلة التي أسهمت في المرحلة الحاسمة لتحرير تونس من المستعمر.
1933-1954

ولدت بمدينة المهدية يوم 11 سبتمبر 1933. بمنزل جدي من لأب مصطفى صفر الكائن حاليا بنج أعطي له منذ الاستقلال أسم "جان روس" وهو مفكر سياسي اشتراكي ساند الكفاح التحريري لبلادنا في مرحلته الأخيرة. وسجلني جدي مصطفى في دفتر الحالة المدنية بالمهدية تحت لقب محمد رشيد حسب عادته تبركا برسولنا صلى الله عليه وسلم. وإن كان والدي يعمل ويقطن بالعاصمة تونس في تلك الفترة فكانت التقاليد العائلية تقتضي أن تقيم والدتي بالمهدية مع قرب الولادة. وهذا ما حصل مع ولادة أختي الكبرى "زينب". ولكن أختي الصغرى "نجاة" ولدت بالأريانة في ضاحية العاصمة  بالمنزل الذي كان يقطن به  عمي أحمد صفر لأن والدي كان بالسجن في تلك الفترة بعد حوادث أفريل1938 وتنقل جدي إلى تونس  لمحاولة زيارة إبنه في السجن .ولقد ابتدأت  تعليمي الابتدائي بالمدرسة العربية-الفرنسية بباردو (ضاحية تونس) أين كان منزل أبي وذلك في السنة المدرسية 1939-1940 . وكانت من بين معلمات اللغة الفرنسية في تلك المدرسة السيدة شريفة بوزيد التي ستصبح في ما بعد مناضلة نقابية بارزة وزوجة الأستاذ والمفكر النابغ محمود المسعدي.بقيت لي من  فترة مروري  القصير نسبيا بهذه المدرسة -الموجودة حتى الآن بباردو قرب مسجد- ذكريات عديدة من بينها خروج التلاميذ مع معلميهم والاصطفاف على ضفة الشارع الرئيسي الذي أصبح يسمى شارع الاستقلال حاليا  وذلك لمشاهدة مرور موكب دفن الباي الذي خلفه على العرش الوطني المنصف الباي.
ثم انتقلت بعد وفاة والدي( 8أوت 1942)  إلى المدرسة الابتدائية العربية الفرنسية بالمهدية في أكتوبر 1942.وأتذكر من بين أبرز المعلمين الذين ساهموا في تكويني و وتكوين رفقائي بالمهدية المربين الأجلاء السادة: إبراهيم الحداد والبشير عطية ومصطفى الحاج حمزة والصادق بوصفارة والجيلاني بوصفارة ومحمد عبد السلام وعبد الحكيم خوجة ومدير المدرسة الفرنسي "كوي " وكان قصير القامة إلى درجة انه يظهر كالقزم عندما يتجول مع زوجته التي كانت طولية القامة وكان من احتياطي جيش الطيران الفرنسي.
ولقد قاسيت، أثناء انقطاع الدروس في فترة الحرب العالمية الثانية وما بعد الحرب، ما قاساه جل الأطفال وكافة الشعب التونسي في البلاد التونسية من حرمان ومخاطر وبالخصوص منذ قدوم الجنود الألمان في نوفنبر 1942 وحتى بعد انتصار جيوش الحلفاء ودخولهم  في استعراض قوي في شوارع العاصمة في شهر ماي 1943 و قد تلا  مباشرة ذلك الانتصار إهانة للياي الشعبي والوطني المنصف باي ثم نفيه و تعويضه بالباي الذي بقي في مخيلتنا و نحن أطفال " لمين الباي الخائن للعهد". وكنت في تلك الفترة، على سبيل المثال، كبقية أطفال الحي الذي اسكنه بالمهدية, أقف الساعات الطوال أمام مخبرة الحي منتظرا دوري لتسلم رغيف الخبز الذي كان أحيانا مزيج من مشتقات الحبوب من قمح وشعير يضاف إليها سحيق الجلبانة المجففة. وكانت والدتي، بالخصوص، واجهت صعاب وعقبات وفاة زوجها الجسام مسخرة حياتها لتربية أبنائها بكل صبر و تجلد وكان موردها المالي الوحيد ينحصر في معلوم كراء المنزل المتواضع الذي تركه زوجها بباردو بعد أن اضطر إلى بيع منزله الأول سنة 1940.كان هذا المنزل متواجد في نهج البرتقال بباردو.
توقفت الدروس في المدرسة أثناء العمليات الحربية الذي دارت في تونس وغادر العديد من الجيرنان منازلهم و رحلوا إلى مساكن بسيطة يملكونها في حدائقهم بضاحية المدينة و رفض جدي الرحيل مثلهم وقينا في المنزل طيلة الحرب. و  أدخلني جدي مصطفى "كتاب" الحي الذي بقي مفتوحا وهو متواجد في الجامع الصغير الذي كان قرب منزل جدي. وتعلمت هكذا الكتابة على "اللوحة" على الطريقة التقليدية وحفظت جزأين من القرآن الكريم.....وحاولت الاسهام مع أبناء عمي الصادق  الذين كانا أكبر مني سنا و هما حسين و سالم حفر خندق في الحديقة المتاخمة للمنزل للاحتماء به عندما تصفر المنبهة   بخطر قدوم الطائرات التي كانت تقصف غالبا على ميناء المدينة  وتخطيء  أحينا الهدف و تحدث أضرارا فادحة في منازل المدنيين العزل .ولكن كانت أرض الحديقة  رملية ولم ننجح في بناء خندق النجاة.... و عوض جدي الخندق بحماية أبتكرها و تمثلت في تصميم مخبئ في اكبر بيت في المنزل يحمينا  بعض الشىء من ضرر سقوط سقف البيت إذا ما أصيب المنزل  بشظايا القنابل . وبعد انتهاء العمليات العسكرية على التراب التونسي عدت إلى المدرسة وتدرجت في ثلاثة أقسام: القسم الثالث كان يديره المعلم الجيلني بوصفارة بالنسبة للغة الفرنسية و ابراهيم الحداد بالنسبة للغة العربية والقسم الثاني كان يديره المعلم مصطفى الحاج حمزة  بالنسبة للفرنسية والصادق بوصفارة بالنبة للغة العربية و أما القسم ختم الدروس الابتدائة فكان يديره المعلم  البشير عطية بالنسبة لللغة العربية و مدير المدرسة الفرنسي " كوي" بالنسبة للغة الفرنسية و المواد الاخرى من حساب و علوم طبيعية و جغرافية وتاريخ. و كان الشيخ محمد عبد السلام في جميع الأقسام يقوم بدروس التربية الاسلامية. وكان البشير العطية يتطوع بتدريب تلاميذ قسمه على مواد امتحان شهادة ختم الدروس الابتدائية في جميع المواد وخاصة الاملاء و الانشاء و العمليات الحسابية وذلك بإضافة ساعة على البرنامج الرسمي في كل مساء مباشرة بعد إنتهاء التوقيت العادي.
 وتحصلت بالمهدية على شهادة ختم الدروس الابتدائية في جوان 1946 ونشطت في جمعية كشاف المكارم بالمهدية بقيادة المربي المميز السيد البشير عطية( وذلك بالخصوص في السنة الدراسية 1945-1946) حتى أصبحت عميد طليعة كشفية.
وكان البشير عطية في تلك السنة قد باشر بنفسه تدريب الفرقة الكشفية التي كونها من تلاميذ القسم النهائي وكانت متركبة من مجموعتين تسمى كل مجموعة حسب المصطلح الكشفي "طليعة" وهي متركبة من حوالي 15 تلميذا  ويقودودها عميد طليعة ومساعد عميد. دربنا البشير عطية بنفسه على المبادي الأساسية للنشاط الكشفي وكذلك على الأناشيد و على السير بانتظام و وعلى الرياضة  كل ذلك في ساحة المدرسة بعد الدروس في مرحلة أولى قبل أن يقدم على تنظيم الرحلات ونشاط الفرقة في ضواحي المهدية أثناء راحة آخر الاسبوع وفي العطل المدرسية ولم يكن في تلك السنة نادي خاص بالفرقة
 ومن رفقائي في السنة الأخيرة من التعليم الابتدائي أتذكر المهدي بوصفارة وأحمد بوهلال ومحسن حمزة ( ابن المربي مصطفى الحاج حمزة وقد أصبح بعد الاستقلال مهندس في وزارة الفلاحة مختص في علوم التربة   pédologie  )) ومحمد التوينسي( كان إطارا في البنك المركزي في أزمة 1986). وكان الابن الثالث لخالي البشير صفر ويدعى صلاح الدين مع الابن الثالث لخالتي الشاذلية حرم أحمد صفر "منقو"ويدعى محسن صفر يتابعان دروسهم في المدرسة القرآنية التي كان يديرها باقتدار المرحوم الجيلاني لاغة حمزة. وكان الطفلان الاثنان من مواليد سنة 1933 أي إن سنهما كان قريبا جدا من سني وكانا في بداية إقامتي بالمهدية  يمثلان أول رفقاء لي في تلك الفترة من الطفولة. كان صلاح الدين ذكيا جدا ومتفوق على رفقاءه في المدرسة ونجح بامتياز في ختم دراسته الابتدائية ونجح نجاحا مميزا في مناظرة الدخول إلى المدرسة الصادقية ولكن في مبيت الصادقية أصابه مرض خطير و وفاه الأجل المحتوم. أما محسن صفر فقد واصل تعليمه بتونس بجامع الزيتونة وكان يسكن في المدرسة الحمزية مع عدد من رفقاءه من مدينة المهدية في الفترة التي ابتدأت فيها دراستي بالعاصمة بمعهد الدراسات العليا.
كان نشاط جمعية الناشئة الأدبية متواضعا نسبيا في تلك الفترة وخاصة بعد الحرب العامية الثانية مقارنة  بما  اشتهرت به في الثلاثينات القرن العشرين. واستفدت كثيرا من مكتبة الناشئة الأدبية التي كان يسهر عليها بانتظام و تفاني الشيخ محمد عبد السلام في الأربعينيات من القرن الماضي. وجدت ضالتي وأنا طفلا بالخصوص في كتب قصص " كامل الكيلاني" التي سهلت عليا تعلم اللغة العربية لأن القصص فيها متعة وتفجير للخيال وتجعل الطفل يرغب ويقبل تلقائيا على المطالعة .
أحدثت وفاة والدي صدمة كبيرة في نفسي وجعلتني أميل إلى التشاؤم من الحياة في ضل الاستعمار الغاشم الذي كنت ألاحظ يوميا تداعياته على الموطنين من خلال سلوك أعوانه في المدينة وقد أعانتني كثيرا التربية والأنشطة الكشفية على الخروج من ميلي إلى الانطواء على النفس الذي لازمني بالخصوص في مرحلة الطفولة بعد صدمة وفاة والدي وفي مراحل أخرى من حياتي لاقيت فيها مصاعب حياة كل يتيم.  

صورة لجدي مصطفى سنة 1929 صحبة أبناءه الطاهر واحمد والطيب
أخذت هذه الصورة بمناسبة  زواج أبي و عمي أحمد بمدينة المرسى في منزل وضعه على ذمة جدي صديق العائلة السيد الفاضل العربي مامي.







التحية الكشفية وبعض من معانيها: 1 الأصابع الثلاث تذكر بالوعد الكشفي بمقوماته الثلاث: القيام بالواجب نحو الله ثم الوطن ثم الآخرين أي كافة الإنسانية.2و3 الأصبع الكبير على الصغير يعني: يتعين على القوي حماية الضعيف.4 الكشاف دوما مبتسم. 5 تعاون الكشافين على عمل الخير وحماية الطبيعة وانجاز الحسنة اليومية.

وبقيت أتذكر أول دراسة قدمها لنا المرحوم البشير عطية أثناء رحلة كشفية بالضاحية الشمالية لمدينة المهدية بمنطقة "جبل الغار" سنة 1945 أو 1946 وكانت تتعلق بالمعاني والرموز المرتبطة بالعلم التونسي والتي يتعين على الكشاف أن لا ينساها طيلة حياته وأن يعمل على تعميق الوعي بها لدى جميع المواطنين كلما أتيحت له الفرصة لذلك.وأبرز هذه المعاني التي فسرها لنا بإطناب كانت تتعلق: باللون الأحمر للعلم الذي يرمز أساسا إلى الدماء التي يتعين أن نضحي بها في سبيل الدفاع عن حرية الوطن وحرمته واستقلاله و كذلك في سبيل التضامن البشري متبرعين بالدم وقت الحاجة لنجدة  كل إنسان مهما كانت ملته أو جنسه. وأما الدائرة البيضاء فهي ترمز بالخصوص إلى ما يجب أن يتوفر في قلب كل مواطن صالح من صفاء نحو الآخر و من وطهارة نفس ومن عفة ومن أخلاق حميدة. وأما الهلال الأحمر فهو يرمز إلى انتماء تونس إلى العالم الإسلامي والأمة الإسلامية والى تعلقها بمبادئ الدين الإسلامي السمحة وذات البعد الإنساني التقدمي.وأما النجم الأحمر ذو الخمسة أشعة فهو يرمز أساسا إلي المناسك الأساسية الخمسة للدين الإسلامي والى دورها في ترويض النفوس ونشر الفضيلة في المجتمع.
وكانت مناهج التربية الكشفية قد تطورت كثيرا انطلاقا من التصورات الأولى لباعثها الضابط العسكري البريطاني " اللورد بادن باول" و قد مكنها تقدم علم النفس وخاصة علم النفس المتعلق بسن الطفولة وفترة المراهقة ومرحلة الشباب من تركيز أنشطتها وتنويعها على أسس علمية حتى أصبحت بحق مدرسة للإعداد الأطفال و الشباب لخوض صعاب الحياة. و الحركة الكشفية تهدف بالأساس إلى تكوين المواطن الصالح المميز الذي يحاول في سعيه لتحقيق ذاته أن يعطي الأسبقية لخدمة وطنه و مواطنيه والإنسانية جمعاء. والكشاف الحقيقي  المكتمل التكوين يبقى دوما طيلة حياته مواطنا يفكر في القيام بواجباته على أفضل وجه قبل أن يطالب بحقوقه.و بقيت أساليب نشاط الحركة الكشفية في تطور مستمر وهي بحق مدرسة مكملة للتربة العائلية السليمة وللتربية والتعليم  بالمدرسة : فلا غراب أن تجد أوفر عدد من قادة الخلايا الكشفية ينتمون إلى أسرة التربية والتعليم ويجدون في المنهجية الكشفية وأنشطتها المتنوعة في الهواء الطلق وفي النوادي سبل تدريب الشباب عمليا على ممارسة  فعلية للقيم الأخلاقية والمثل العليا التي لا يمكنهم إلا تلقينها بصفة نظرية في المدرسة أو في المعهد.
و يجدر التذكير على سبيل المثال بأن التربية الوطنية التي تلقنها الأنشطة الكشفية  التطبيقية المتعددة هي ليست بالوطنية الضيقة أو "الشوفينية" بل وطنية تغرس في النفس التعلق بالوطن و حب الوطن وتجسم ذلك الحب أساسا في حسن السلوك وفي القيام بالواجبات نحو الوطن وهي في نفس الوقت تروض النفس على التفتح على الآخر مهما كان جنسه أو عرقه. فهي تربية وطنية إنسانية بالدرجة الأولى تسعى إلى تكوين أجيال " يحاولون، ما استطاعوا أن يصلحوا ما أمكن في هذا العالم الإنساني حتى يتركوه في وضع أحسن مما  وجدوه". ولكن لابد من الإشارة إلى أن نجاعة الحركة الكشفية تبقى مرتبطة أساسا بمستوى تكوين القادة حتى يصبحوا أحسن مثال لفرقهم و للشباب بصفة عامة في سلوكهم اليومي وفي حذقهم لتقنيات وللمناهج النظرية والتطبيقية للتربية الكشفية. و"المثالية" تبقى الأساس في التكوين وفي التربية لأن الطفل والشاب يبحث دوما عن مثال يحتدا و ويتأثر به  ويسهم في نحت شخصيته غالبا دون وعي منه.. ويكون ذلك التأثير أكثر  وقعا  ورسوخا من الدروس النظرية التي يتلقاها....
يقول المربي والقائد الكشفي من أبناء المهدية الطيب الفقيه أحمد في كتابه " دفاعا عن الحرية"( المطبعة المغربية للطباعة والنشر والإشهار) في باب " من وحي ذكرى تأسيس الكشافة التونسية:
" إن كلمة الكشافة مأخوذة من الكشف وهو رفع اللبس والإبهام عن الشيء, ومعرفته معرفة حقيقية, وفي المصطلحات العسكرية تعني الإطلاع على حالة العدو, وكشف أعماله وهيئاته زمن الحرب.أما الحركة الكشفية فهي عبارة عن منهج جديد متجدد من التربية, يدعو إلى الإقبال على أداء الخدمة بأوسع معانيها, وتحضير القادة وحب النظام و ممارسة الرياضة الروحية والفكرية والبدنية, والإقتداء بقيم النظام العسكري وبإيجابياته والتدريب على القيام بالخدمات الإنسانية كالتمريض والإسعاف, والعناية بالأطفال والشيوخ, والرفق بالحيوان والحفاظ على سلامة الطبيعة والحياة الصالحة النقية, والإيمان بالله. والكشافة بعبارة أوضح هي المدرسة التي يتلقى فيها الشاب تمرينا عمليا في التهذيب الحقيقي والتربية الكاملة. وطريقتها – باتفاق جميع المربين- هي أنجع طريقة ظهرت حتى الآن لإعداد الأبناء إعدادا يؤهلهم لاستقبال حياتهم استقبالا مضمونا حتى يقوموا بواجبهم الحيوي أحسن قيام, مقرونا بالنجاح الكامل...."
وبالرجوع إلى تجربتي الشخصية في منظمة الكشافة الإسلامية التونسية من سنة 1950 إلى سنة 1956 يمكنني الجزم بأن هذه المنظمة التي كانت في تلك الفترة في طليعة الجمعيات الكشفية التونسية قد قامت بدور ريادي في ترسيخ التكوين الوطني السليم في جيل من شباب تونس في فترة عصيبة من تاريخ بلادنا كما ساهمت في تعميق " سلوك المواطنة الحديثة و الإرادة الجماعية في العيش المشترك فوق التربة التونسية" , تلك الإرادة التي تمثل المقوم الأساسي من مقومات بناء الأمة التونسية وميزة من ميزاتها الأساسية. وجسمت هذه الجمعية كذلك بالتعاون مع الشبيبة المدرسية والشبيبة الدستورية تجذر اللحمة القومية في جيل الاستقلال وأبعدته عن التطاحن الطبقي لأنها استطاعت استقطاب الشباب التونسي من مختلف الشرائح الاجتماعية وعلمته من خلال العمل المشترك الاحترام المتبادل على أساس الخصال والبذل والعطاء لا على أساس  الانتماء إلى جهة أو شريحة اجتماعية دون غيرها. 
و وقد تحقق هذا التكوين في الكشافة الاسلامية التونسية في تلك الفترة أساسا بكثافة ملتقياتها التدريبية ودسامة نشاطها الكشفي المبني على أسس علمية وبيداغوجية ثابتة, خلافا لما كان يتصوره البعض الذي بقي يحمل أفكار سطحية على الحركة الكشفية و كان التكوين الكشفي في تلك الفترة يرتكز بالإضافة إلى التقنيات الكشفية البحتة على المحاضرات والدراسات التطبيقية والميدانية التي كان يقوم بها بالخصوص قسم التجوال في مجال تاريخ تونس وفي مجال البحث عن خصوصيات الشعب والمجتمع التونسي والأمة التونسية وظروف عيشها و مختلف سبل بناء مستقبلها...لمواجهة ما اعتراها من تخلف عن الشعوب الأوروبية المتقدمة.... وكنا بالطبع في هذه الدراسات نتناول المواضيع مع تبسيطها حتى تكون في متناول الجميع على اختلاف الانتماءات المهنية و على اختلاف مستويات التعليم, بعيدين كل البعد عن  الايديلوجيات القاتلة و الجدليات الأكاديمية العقيمة وعن كل النظريات المتطرفة كما ابتعدنا,على سبيل المثال, الغوص في جدلية سبق الدولة على الأمة أو سبق بروز الأمة على تركيز  الدولة في تاريخ الدول....وهي جدليات ما زالت قائمة....وكان الجميع- بعد هذا التكوين الذي كان في غالب الأحيان يرتكز على الدراسات الميدانية للتعرف عن واقع البلدة والجهة التي نزورها و عن ظروف عيش القاطنين بها- يشعر بمزيد الاعتزاز إلى الانتماء إلى وطنه تونس, كما يزداد إيمانا بحتمية تحرير الوطن للارتقاء به ولتحقيق تقدم و كرامة كافة مواطنيه في مختلف جهات الوطن.
وبقيت أتذكر, على سبيل المثال, محاضرة قام بها الأستاذ عثمان الكعاك في بداية الخمسينيات في حلقة من جوالة العاصمة في مخيمهم في "بئر الباي"  بضاحية حمام الأنف حول موضوع يتعلق بمميزات "الشخصية التونسية":واستشهد المحاضر- لتدعيم أقواله وأوصافه عن قوة الشخصية التونسية  وقدرتها على هضم الحضارات الأخرى مع الحفاظ على أصالتها- بقضية اللباس و قضية اللغة موضحا أن التونسي استطاع أن يتأقلم مع الزى الأجنبي بدون مركبات وحافظ  في نفس الوقت على اللباس التقليدي في الوقت الذي لم يستطع المستعمر الفرنسي الإقبال على تقلد اللباس التونسي لابتلائه بمركب التفوق. و يبرز نفس الوضع في مجال اللغة، إذ احذق التونسي  اللغة الفرنسية، وتفوق فيها، مع الاستمرار في التملك بلغته في الوقت الذي لم يستطع جل المستعمرين الفرنسيين التملك من لغتنا إلا النزر القليل منهم. كان المفكر عثمان الكعاك – كغيره من المفكرين التونسيين- يستجيب بحماس لكافة طلباتنا لاثراء تكوين القادة وكان المرحوم بالخصوص يفسر لنا كيف أن العصر الصنهاجي يمثل العصر الّذهبي للأدب التونسي وأن صناعة الكتاب والورق ( الكاغد) كان لها شأن كبير بمدينة القيروان و مدينة المهدية قبل انتشارها بأوربا بقرون.....كان دوما يريد أن يعمق فينا الأعتزاز بتونس و هو يفسر لنا أن مستوى تقدم الأمم في المدنية والحضارة يقاس دائما بمقدار ما تستهلكه وتصنعه من ورق  لطبع الكتب....
أقتطف للقاري الكريم بعض الفقرات من مقال طريف للقائد الكشفي سالم مغروم ضمنه ذكرياته الكشفية ونشره في مجلة الكشافة " دائما مستعد" عدد 37 مارس 2006 تحت عنوان " من كشاف المكارم إلى الكشافة الإسلامية بالمهدية " وقد وجدت أن هذا المقال يعطي باختصار و وفاء نبذة حية عن جانب من تطور الحركة الكشفية بمسقط رأسي في فترة هامة من تاريخ  مدينة المهدية.
يقول القائد سالم مغروم في مقاله :
" كنت عضو بدورية "الساف" بكشاف المكارم التي أسسها محمد التركي بمعية مصطفى الموجباني وحسين نعيمة.
وكنا نجتمع بنادي الجمعية مستعرضين بعض الفنيات الكشفية كما كنا نحضر مع الكبار تمارين الفرقة التمثيلية. وفي خريف ستة 1949 أجتمع بنا قائد الدورية محمد التريكي وأعلمنا بما صدر من رئيس جمعية المكارم المرحوم البشير عطية من تأنيب وتوبيخ كان ضحيته محمد التريكي ومصطفى الموجباني من أجل صراخ وضجيج لبعض الصبية قرب نادي الجمعية لم يكنا سببا فيه.
"وقررت المجموعة الانسلاخ من جمعية المكارم  والتفكير في بعث فرع كشفي تابع لجمعية ذات إشعاع وطني. و وجدت المجموعة الصغيرة السند من طرف السيد حسن بن أحمد الزردومي. وأعان كذلك القائد الهادي الباجي المجموعة " المتمردة" على الاتصال بقائد إقليم المكنين لجمعية الكشافة الإسلامية محمود بالحاج صالح لبعث فوج كشفي في المهدية يكون تابعا لهاته الجمعية. وتم ذلك في نهاية سنة 1949 وانتصب الفوج بصفة وقتية في ناد تابع للشعبة الدستورية وهو عبارة على مخزن كبير يقع قرب "نادي التعاون". وأصبحت المجموعة تتسابق مع كشاف المكارم وتبذل مجهودات معتبرة بإمكانيات متواضعة جدا في البداية. وانظم إلي المجموعة عدد من الشبان من مختلف المستويات الاجتماعية ملتفين حول سالم بوعروة و علي مسعود وكونوا فريقا من الجوالة اختاروا تلقائيا أن يسموه "فريق الطاهر صفر". وشهدت بداية سنة 1950 التكوين الرسمي لهيئة الفوج برئاسة القائد ساسي رجب ومساعده سالم بوعروة. وكان الفوج يضم فرقة كشفية بقيادة محمد التريكي و زمرة أشبال بقيادة سالم مغروم وفريق للجوالة بقيادة سالم بوعروة. وكانت أول مشاركة لفريق الجوالة في نشاط كشفي وطني في صائفة1950 ( من 2 إلى 10 أوت 1950)حيث انتقل الفريق بقيادة القائد رشيد صفر إلى عين دراهم".
وشارك فعلا فريق الطاهر صفر الفتي في مخيم تدريبي ضخم اجتمعت فيه كافة فرق الجوالة المنتمين للكشافة الإسلامية من جميع الجهات و انتظم هذا المخيم في غابة " المريدج" بعين دراهم و بقيادة المسؤول على قسم التجوال في تلك الفترة وهو القائد المقتدر المعروف والمحبوب من طرف الجميع زكرياء بن مصطفى.وبالرغم من فتوة "فريق الطاهر صفر"  فقد كانت مشاركته مشرفة جدا وعاد إلى المهدية برصيد من التكوين والتدريب لا يستهان به أعده هذا التكوين نفسانيا وعمليا بالخصوص للقيام بالواجب الوطني في الفترة الحاسمة لتحرير البلاد من المستعمر التي ستنطلق في  شهر جانفي 1952. وهي فترة لم نكن في سنة 1950 نتوقع بسرعة قدومها.


تمثل الصورة  القاءد  الكشفي سالم مغروم صحبة القاءد  محمد التريكي يوم عودتهما من الرحلة إلى مدينة ألجم
تمثل هذه الصورة في الوسط القائد  الكشفي حسونة بن الصغير الزوالي أصيل المهدية وهو يشرف على أداء القسم الكشفي في ماي 1936.






وانتقلت  بداية من أكتوبر1946 إلى مدينة صفاقس لمواصلة تعليمي بالمعهد الثانوي  "كلاسيكي" للذكور بهذه المدينة الجميلة بعد نجاحي في مناظرة الدخول إلى التعليم الثانوي. واخترت في هذا المعهد المتواجد فيه التلاميذ التونسيون والفرنسيون ما تسمى في ذلك الوقت «بالأقسام ألتونسية وقد انطلقت هذه التجربة في معهد سوسة و صفاقس منذ سنة أو سنتين, قبل انطلاق دراستي بصفاقس, وهي عبارة عن شعبة لها نفس البرامج التي تدرس بالمدرسة الصادقية بتونس و نفس المواد التي تدرس للفرنسيين ما عدا اللاتينية وتضاف إليها المواد العربية. وابتدأت دراستي في المعهد في قسم السنة "السادسة تونسي" وهو قسم السنة الأولى ثانوي ووجدت معي تلاميذ بالخصوص من مدينة صفاقس أتذكر من بينهم  صديقي محمد المصمودي( أصبح استاذا ثم مدير ديوان الصناعة التقليدية ثم مدير دار نشر) والحبيب كمون وعبد العزيز المنيف( أصبح كليهما متفقدا في وزارة المالية بعد الاستقلال) ومحمد كسكاس ونور الدين الشعبوني( أصبح متفقد في الديوانة) وحسين الزغل ( أصبح أستاذا ثم رئيسا مديرا عاما لشركة الحامض الفسفوري) ، ومحسن السلامي( أصبح رجل أعمال) و محمد بودية ( وقد أصبح في أول كوكبة لقادة الجيش التونسي)  وعبد المجيد قطاطة، ومحمد بوعتور، ومحسن الفقيه،  وعبد المجيد كسكاس و وبالإضافة إلى هؤلاء التلاميذ أصيلي مدينة صفاقس كان معي في نفس القسم تلاميذ من جزر قرقنة مثل صديقي علي الحيلي( أصبح أستاذا للتعليم العالي مختص في الرياضات ثم مديرا للتعليم العالي ثم عميد كلية العلوم بتونس) و محمد بوراوي ( أصبح مهندس فلاحي) وعبد الوهاب حروش ( أصبح متفقد في الديوانة) وهم جميعا تقريبا التلاميذ الذين تمكنوا من الوصول معي إلى القسم الأول أي القسم  الذي يعد للجزأ الأول من البكالوريا  إذ أن نظام التعليم كان  انتقائيا  جدا في عهد الاستعمار: فلا يصل من مجموعة 35 تلميذ في القسم السادس إلا حوالي 15 تلاميذ لاجتياز امتحان البكالوريا ولا ينجح منهم من أول وهلة إلا ثلاثة أو أربعة تلاميذ وبهذه الصفة كانت تدمج الأقسام إلى بعضها في السنوات الأخيرة من التعليم الثانوي ويلتحق التلاميذ التونسيون بالتلاميذ الفرنسيين سنة قبل البكالوريا وتلتحق بهم الفتيات من معهد الفتيات المتواجد في نفس الحي في قسمي الجزء الأول والثاني من الباكالوريا. وقد كانت علاقتي برفقائي في الدراسة في معهد صفاقس على الحيلي و محمد المصمودي حميمة وكنا كثيرا  ما نتبادل الآراء على انفراد حول مواضيع شتى منها المدرسية البحتة و منها المتعلقة بالحياة العامة والأوضاع السياسية في البلاد...ولاحظت أن العائلات في صفاقس محافظة جدا..فلا تستقبل بسهولة في منزل " صفاقسي" إذا كنت من غير أهل المدينة ولكن أنفرد رفيقي محمد المصمودي بدعوة رحبت بها واستقبلني محمد مع والديه في " جنانه" بضاحية المدينة و تغذينا معا وكانت في مقدمة الطعام تلك الأكلة الشهيرة في صفاقس " مرقة بسمك الصبارس" مرفقة بخبز الشعير اللذيذ...ومن بين الأساتذة الذين ساهموا في تكويني في الدراسة بصفا قس أتذكر بالخصوص أبرزهم وهم الأساتذة الطيب خماخم وعبد العزير بلحسن والطاهر قيقة والصادق مزيغ ومحمد بيرم ( كان اسمه الأصلي محمد بيرا وأختار من بعد تعويض كلمة "بيرا" بكلمة " بيرم") وذلك بالنسبة للغة والآداب العربية والأستاذة « دي سيكلدي" « Mme de Cecaldi » و "هاني" «  Hani » و "لوسان"  « Le Senne »بالنسبة للغة والآداب الفرنسية و"للو"  « Le Loup »في الفيزيا والكيميا و"كرينار" «  Griner » في الفلسفة و"جردان"  « Jourdan » في الرياضيات. وكان القيم العام للمعهد يدعى السيد "كليمان"  « Clément »  وقد حاول  قدر المستطاع أن يخفف مدة العقاب على التلاميذ المطرودين اثر مظاهرات سنة 1952 و كان مدير المعهد، في المرحلة الأخيرة من دراستنا، رجل ممتاز ومتعلق بالقيم السامية و مخلص للتونسيين وهو السيد "فوجار"  Faugère »   «   وخلفه في إدارة المعهد الاستاذ"أوسناك"    « Aussenac »  الذي تحلى بنفس الخصال و قد بقي يعمل بضعة سنوات في صفاقس بعد الاستقلال.  بقيت لي ذكريات  عديدة و جميلة  عن فترة دراستي بصفاقس: بقي راسخا في ذهني على سبيل المثال ذلك اليوم الذي كانت فيه الأستاذة "دي سيكلدي"  ،ذات الجمال الساحر وعذبة الصوت، تحلل للقسم في السنة الثالثة الرواية الشهيرة للكاتب الفرنسي "كرناي" رواية "لوسيد"  « le Cid »واختارتني لأتلو معها فصلا فيه حوار بين بطل الرواية "رودريق" والبطلة "شيمان". وتقمصت دور "رودريق" وتقمصت هي دور شيمان وبقيت هكذا،وأنا في سن المراهقة، أياما عديدة أحلم بذلك الصوت الناعم "لشيمان" وهي تبوح لي بحبها وكانت مخيلتي تائهة وسابحة.اخترت مواصلة دراستي بالمعهد الثانوي بصفاقس عملا بتوصية من عمي أحمد الذي أصبح يعمل كمتفقد للتعليم العربي الابتدائي مع الإقامة في عاصمة الجنوب. نبهني عمي من مدير المدرسة الصادقية في تلك الفترة مشيرا فقط إلى أن سلوكه مع والدي قبل وفاته لم يكن لائقا.وتحمس عمي أحمد لنشر التعليم في المنطقة الإدارية التي كلف بها وخاصة في مدينة صفاقس التي تجاوبت أهاليها مع مجهوداته للتبرع  لتشييد المدارس القرآنية للأطفال وللفتيات. ووضع أحمد صفر هكذا "إدارة المعارف" أمام الأمر المقضي بالنسبة للانتداب وتحمل أجرة المعلمين والمعلمات. ولما تعين "لوسيان باي"  على رأس الإدارة راسله طالبا منه أن لا يرخص مستقبلا في بناء المدارس في منطقته إلا بعد أن يتحصل على مصادقة مسبقة من المصلحة المركزية في تونس قبل الانطلاق في البناء. وحرص عمي على تكثيف التكوين البيداغوجي العصري بالنسبة للأسرة التربوية التي كان يدعوها حتى أيام الأحد في الصباح ليقدم لها محاضرات في قاعة سينما " النور" قرب نزل الزياتين المشهور. وتمكن في بضعة سنوات من رفع مستوى التعليم في المدارس القرآنية بالجهة حتى أصبحت نتائجها تضاهي وأحيانا تفوق نتائج المدارس " الفرنكو-عربية". ودعي المعلمين إلى تكثيف تعليم الأناشيد الوطنية  وساهمت زوجته خالتي "حبيبة" مع السيدة حليمة الشعبوني التي عرفت في صفاقس بنشاطها المكثف في الحزب الحر الدستوري الجديد وفي الاتحاد النسائي في تحريض المواطنات على تعليم الفتيات حتى لفت ذلك أنظار الشرطة الفرنسية التي راسلت " إدارة المعارف"....


نسخة من تقرير الشرطة في صفاقس بتاريخ  30 جوان 1947 يتعلق بنشاط زوجة عمي أحمد صفر متفقد التعليم الابتدائية بصفاقس .
......




في السنة الأولى من الدراسة في معهد صفاقس كنت ضمن تلاميذ القسم عدد 1 من الصنف التونسي( برنامج دراسي على النمط الصادقي) إذ خلافا للسنة السابقة تضاعف عدد الناجين في مناظرة الدخول لمثل هذا القسم وأحدث هكذا قسمان من الصنف التونسي: ٌقسم  تونسي عدد1 وقسم  تونسي عدد2.   كان في قسمي يبلغ عدد التلاميذ في تلك السنة حوالي الثلاثون تلميذا وكانوا جلهم أصيلي مدينة صفاقس ما عدى رفيقي على الحيلي وكان أصيل جزر قرقنة. ولما بلغنا السنة الثالثة من الدراسة تقلص عدد تلاميذ القسم بالخصوص بسبب الرسوب وأصبح لا يتجاوز  الخمسة عشر تلميذا وكان نفس الشيء قد حدث في القسم الفرنسي الكلاسيكي وادمج القسمان بالنسبة لمتابعة المواد المشتركة مثل اللغة والآداب الفرنسية والرياضيات والفيزياء والكيمياء والتاريخ والجغرافية والعلوم الطبيعية واستفدنا بأساتذة فرنسيين أكفاء مثل الأستاذ المبرز " لوسان" والأستاذ " هاني " و كانا غالبا ما يخصصون للأقسام الفرنسية. و وجدنا أنفسنا ولأول مرة مندمجين مع التلاميذ الفرنسيين وجلهم من أبناء المعمرين وكانوا يجلسون في قاعة القسم مع بعضهم ولا يختلطون بالتلاميذ التونسيين ويلتف كذلك التلاميذ التونسيون مع بعضهم وكانت القطيعة تكاد تكون كاملة. كان رفيقي علي الحيلي متميز في جل المواد و بالخصوص في الفرنسية والرياضيات وكان غالبا ما يتحصل على أحسن الإعداد في مادة الإنشاء بالفرنسية وألتحق به أحيانا عندما يكون موضوع الإنشاء قد ألهمني. وأتذكر أن المدير الفرنسي ونحن في السنة الخامسة من التعليم الثانوي ( أي سنة قبل سنة قسم الإعداد للجزاء الأول من البكالورية) دخل للقاعة لتوزيع دفاتر نتائج التلاميذ في آخر  ثلاثية من ثلاثيات السنة المدرسية فلم يتمالك من مخاطبة التلاميذ الفرنسيين - وخاصة تلميذه الفرنسي المفضل في القسم  المسمى " دوسان" « Doussaint »  - وتأنيبهم قائلا: " من المؤسف أن لا يكون ولو تلميذ  فرنسي واحد في المقدمة. فالتلاميذ التونسيون متفوقون عليكم حتى في مادة  الانشاء الفرنسية."وإذا كان الفضل للأساتذة الأفذاذ مثل الطيب خماخم و عبد العزيز بلحسن والطاهر قيقة في ما اكتسبناه من اعتزاز باللغة العربية وبالأدب والفكر العربي كان الفضل كذلك للأساتذة الفرنسيين مثل السيدة "دي سيكلدي" والأساتذة "لوسان" و "هاني" و" كرينار" في إنفتاحنا على مفكري " الأنوار" و وتملكنا بلغة "موليار".وكان ميلي و ولعي بالفكر الفلسفي وعلم النفس(البسكولوجية) وعلم الأخلاق كبير مع أستاذ الفلسفة " كرينار".والأمانة تفرض أن نشير إلى أننا لم نلاحظ حتى في الفترات الحرجة وخاصة بعد إنطلاق ثورة 18جانفي 1952 أي نزعة استعمارية في سلوك أغلبية أساتذتنا الفرنسيين وكانوا حريصين على تعليمنا وتحفيزنا وتشجيعنا للنجاح في دراستنا بدون تمييز أو محاباة للتلاميذ الفرنسيين.

قائمة في جوائز آخر السنة الدراسية 1950-1951 للقسم المندمج تلاميذ تونسيين وفرنسيين من وثائق الأخ علي الحيلي. يبرز الجدول تقدم وتفوق للأخ على الحيلي في جل المواد ويليه التلاميذ: محمد رشيد صفر و حسين الزغل و " دوسان" و محمد المصمودي وفي بعض المواد الحبيب كسكاس وعبد العزيز المنيف وقوبعة وكريشان...





جدول معدلات أعداد في مختلف المواد  لكافة التلاميذ المتواجدين في القسم عندما التحق بنا التلاميذ الفرنسيين  أثناء السنة الدراسية 1950-1951 الثلاثي الأول. أعد هذا الجدول الأخ علي الحيلي بطلب من القيم العام للمعهد " كليمان". يبرز هذا الجدول تفوق لعدد من التلاميذ التونسيين على التلاميذ الفرنسيين وحتى في مادة الانشاء الفرنسية حيث تفوق علي الحيلي في هذه الثلاثة وكان الأول بمعدل 13,50 وكنت الثاني بمعدل 13.







برقية بتاريخ 11-3-1952 من مدير المعهد الفني بصفاقس  للإعلام عاءلات التلاميذ  بالطرد بعد مظاهرة 8-3-1952.  قد عوض التعليل بإضراب بدلا من الاشارة إلى المظاهرة المساءية في المبيت. من الارشيف الخاص للأخ علي الحيلي.




لقد أولعت بالفلسفة في نهاية دراستي الثانوية و ربما وجدت فيها ملاذا حسنا لمواجهة همومي الشخصية وهموم وطني.......
فماذا بقي في ذهني- على سبيل المثال- عن ما تعلمته عن فلاسفة اليونان في السنة الدراسية 1952-1953؟ ماذا بقي عن سقراط وعن أفلاطون وعن أرسطو وعن أبيقور....؟
 عن سقراط بقيت أتذكر أنه يعتبر أبا الفلسفة و كانت شخصيته يكتنفها بعض الغموض لأنه لم يترك للبشرية أثرا مكتوب.... وقد عرفت افكاره من خلال أعدائه مثل "أرستوفانس" الذي قدمه كشخصية مثيرة للسخرية و كسفسطائي خطير... وقد تم الإطلاع على أسلوبه في التفكير وعلى فلسفته  من خلال كتابات أتباعه المتحمسين له مثل أفلاطون  و أرسطو الذين قدموه بالخصوص كموقظ مميز للنفوس والضمائر...و بقيت في ذاكرتي النتيجة الشهيرة التي توصل إليها في مساره الفكري :" كلما أعرفه هو أني لا أعرف شيئا، بينما يعتقد الآخرون أنهم يعرفون ما لا يعلمون".... وكم من مرة في حياتي وجدت صواب هذا الاستنتاج الذي يعمل به جل الكشافين الحقيقيين.... كانت ندوات سقراط المتسمة بالنقاش والجدلية تلقى اهتماما كبيرا من طرف شباب أثينا مما أثار انزعاج أولياء الأمور في "مدينة ميلاد الديمقراطية الارستقراطية.." كان سقراط يعتقد أن فطنة الكائن البشري تنبع من روحه العاقلة القوامة على جسده وانطلاقا من هذا المعتقد انبثقت العديد من استنتاجاته وتعاليمه منها التأكيد على المفهوم الداعي إلى ضرورة تفهم عميق للنفس...: "أعرف نفسك" وهي تلك العبارة المنحوتة على واجهة هيكل " دلفس" والتي اتخذها سقراط شعارا :" حياة لا يفحص فيها عن النفس و عن هدف الحياة لا تستحق أن تعاش..". ويعتقد سقراط أن " الكرامة الحقيقية للنفس إنما تنبثق من العلم الذي هو ميراثها الأصلي..." وقد جعل سقراط من علم الأخلاق محور مسعاه الفلسفي وهو الذي اعتقد أن النفس البشرية قادرة على السمو حتى تصبح قادرة على التملك بالمعرفة بدون أن تبقى أسيرة للأشياء الخارجية ومن واجب العلم والمعرفة أن يبتعد كلاهما عن الانفعالات البشرية السخيفة وأن تركز أساسا على ماهية المعاني والمفاهيم المجردة ( les concepts).. و كل هذه المفاهيم المهيكلة لشخصية الانسان و جدتها بصورة عملية في النشاط الكشفي.
و قد عرف سقراط بالمقدرة الكبيرة على الإقناع أكثر من الإبداع و هو يعتمد أساسا على الجدلية   (  dialectique  ) وعلى توليد الحقيقة من النفس  (maïeutique      ) باستخلاص نقاط التلاقي بين المتحاورين حول الحقائق الكونية المتعارف عليها وفق منهج المنطق. وقد وجدت أن أحسن القادة في الكشافة يحذقون هذه الطريقة عند إدارة حلقات الحوار حول نار المخيم.... كان أستاذي  في الفلسفة" كرينار" في معهد صفاقس مولع بسقراط وأفلاطون و أرسطو... وكان يعتبر سقراط بحق مؤسس فلسفة الأخلاق وأول منظر للعقلانية كما كان داعية إلى حرية الرأي ومشجع على  بذل مجهود الفرد في التفكير عن مصيره و مصير بلدته و مصير الانسانية.....مما جعل منه مثالا يحتذى في كل موروث فلسفي لاحق.... وكان أستاذنا في الآداب العربية السيد عبد العزيز بالحسن يشاطر رأى " كينار" ويضيف أن الفلسفة العربية الاسلامية قد تغذت كذلك بأفكار سقراط وأفلاطون وأرسطو وطورت تلك الافكار التي أخذها الغرب عن العرب والمسلمين في مسار لا ينتهي من تلاقح ثري للفكر الانساني وللحضارات.....
وأما عن أفلاطون  بقيت أتذكر أنه تتلمذ على سقراط وأعجب به حتى أن أغلب كتبه أتت في شكل محاورات اخذ فيها سقراط دور الشخصية الرئيسية.... أفلاطون فيلسوف مثالي بالأساس و تفكيره يقوم على التمييز في الوجود بين العالم المحسوس والعلم المعقول الذي يسميه بعالم "المثل" أي عالم الأفكار المجردة الثابتة وحتى الأزلية... وقد كان بهذه النظرية يتجاوز آراء السفسطائيين التي كانت تحول دون القول بإمكان التوصل إلى معرفة موضوعية ثابتة في العالم المحسوس. وكان "هيرقليطيس" يعتبر أن عالمنا هو في تغير مستمر- وهو ما أثبته تاريخ الانسانية- وكل معرفة تعتمد على الحواس تبقى بالضرورة معرفة ذاتية محدودة فكان على أفلاطون  أن يتجاوز مثل هذه الاستنتاجات بابتكار نظرية تعتبر أن الوجود الحقيقي ليس الوجود "المحسوس المتغير"... وإنما "الوجود المعقول الثابت" واعتبار المعرفة الحقيقية ليست المعرفة الحسية الذاتية والنسبية وإنما المعرفة المعتمدة على العقل والقادرة على إدراك الأفكار المجردة والثابتة مثل " إنسانية الإنسان" التي هي عنصر ثابت  بالرغم من تعدد وتغير  خصائص كل إنسان ومثل "الجمال و الفضيلة والخير والحق.و الصدق." وهي الأفكار والمثل العليا التي ستغذي في ما بعد حسب تصوري منظومة حقوق الانسان و الفكر الانساني بصفة عامة.... ويعتبر أفلاطون أن الفضيلة مرتبطة بالمعرفة... الخير والسعادة عند أفلاطون ليسا شأنا شخصيا بقدر ما هما قضيتان تتعلقان بالمدينة ككل وبالتالي لا يمكن الاقتراب من الكمال إلا في مدينة محكمة التنظيم: تكمن سعادة الفرد في سعادة المدينة التي تتوفق إلى تحقيق الانسجام بين جميع أطرافها وشرائحها. أفلاطون هو فيلسوف المدينة الفاضلة المثالية وأب التيار المثالي في تاريخ الفلسفة بدون منازع.
 وماذا بقى في الذاكرة عن أرسطو؟
هذا الفيلسوف من تلاميذ أفلاطون ولكن منهجيته إنبنت على دحض البعض من أفكار أستاذه وخاصة نظرية "المثل" وقد سعى أرسطو في كتاب "الميتافيزيقا" إلى أن يبين أن "نظرية المثل" هي واحد من اثنين : إما أنها متناقضة و خاطئة أو أننا لا حاجة أكيدة لنا بها... وحتى وإن كانت نظرية المثل صحيحة فهي لا تؤدي إلى الغاية التي يسعى إليها الفيلسوف أو الإنسان العادي الذي يبحث لمعرفة حقيقة عالمه وتحديد منزلته منه...وحسب أرسطو إذا كانت "الأخلاق" هي علم السعادة الفردية فإن "السياسة" النبيلة هي علم السعادة الجماعية... فوظيفة الدولة هي محاولة تحقيق السعادة لأفرادها. والدولة هي نتاج طبيعي ينبثق من المجتمع إذ " الإنسان مدني بالطبع" وأسبقية المدنية على الفرد هي أسبقية طبيعية إذ لا يمكن للفرد أن يعيش إلا داخل المجموعة.... و إن نظام الحكم الأمثل حسب أرسطو هو ذلك الذي يخدم مصلحة المجموعة ولا يخدم مصلحة ماسك السلطة.... وهو يعتبر أن "الحكم الفردي" يمكن أن يكون صالحا لكنه يفضل "حكم الأغلبية" لأنه أضمن منه وأقل عرضة للزيغ عن  سعي الدولة  في اتجاه تحقيق  مصلحة المجموعة.في تلك الفترة من الفكر الانساني قضية حق الاقليات صلب الاغلبية لم تأخذ حضها......
 وبالنسبة للفيلسوف "أبيقور" الذي لم يبقى من الكتب التي ألفها سوى شذرات فهو مؤسس "المدرسة الأبيقورية" التي تعتبر أن سعادة هي الخير الأسمى وهي "  غاية الحياة السعيدة" ويتأسس تصور أبيقور للسعادة على تصوره للإنسان كجسد ونفس في آن واحد.... ولذلك يقول إن السعادة تكمن في تحقيق الخير الملائم لطبيعة الإنسان فالخير الملائم لطبيعة الجسد هي "اللذة" وأما الخير الملائم لطبيعة النفس فهي "الطمأنينة"... وعلى الفلسفة أن تبحث لتجيب عن سؤالين أساسيين بالنسبة ل أبيقور: كيف السبيل إلى تحقيق أكبر قدر من اللذة؟ وكيف السبيل إلى تحقيق الطمأنينة؟
فأما على السؤال الأول: يجيب أيقور أن ذلك يتحقق بالاعتدال.... فإذا و خلافا لما يعتقده البعض ليست "الأبيقورية" دعوة إلى التفسخ والإفراط في السعي إلى اللذة الجسدية دون ضوابط، ذلك إن  اللذة التي تحصل بإشباع الرغبات هي لذة يخالطها الكثير من الألم والإفراط في طلبها لا يمكن أن يؤدي إلا إلى التعاسة والهلاك...هلاك الفرد و هلاك المجتمع .هلاك الأمة....
وأما عن السؤال الثاني: فيجيب "أبيقور" إن ذالك يتحقق بالتخلص مما يسبب اضطراب النفس...والنفس تضطرب من الخوف ولا يستطيع الإنسان أن يتخلص من الخوف إلا بالوعي والمعرفة....و الخوف هو سبب من اسباب تدهور الأمم..
وما بقي في ذهني عن الفيلسوف "ديكارت" باعث الفلسفة الحديثة؟
ديكارت كان في نفس الوقت فيلسوف وعالم رياضيات وفيزيائي وعالم موسوعي فرنسي..... يعتبره البعض مؤسِّس الرياضيات الحديثة، يُعتبَر كذلك " ديكارت" من رواد العقلانية في الفلسفة الحديثة: فالكثير من الأفكار والفلسفات الغربية اللاحقة هي ثمرة التفاعل مع كتاباته التي دُرِّست وتدرَّس من أيامه حتى يومنا هذا. لذلك يُعد ديكارت أحد المفكرين الغربيين الأساسيين وأحد مفاتيح فهم الانسانية للثورة العلمية والحضارة الحديثة....
يشبِّه ديكارت الفلسفة بشجرة: "الميتافيزيقا" تكون جذورها و"الأخلاق" هي ثمارها، بالإضافة إلى علوم الميكانيك والطب... وهذا يعني أن الميتافيزيقا ليست منحصرة فقط في أهمية المعرفة الأخلاقية، لأن مهمة الإنسان في هذه الحياة هي أن يكتشف كذلك مبادئ السلوك السليم والعلوم التي تؤهله، بفضل جميع فروعها، ليكون سيد الطبيعة... والاهتمام بالمعرفة الميتافيزيقية، وبالفلسفة عامة، هو إذن وسيلة لبناء الحياة السعيدة... لكن هذا البناء السلوكي يشترط منهجًا في التفكير يقود إلى ضبط عدد من الحقائق. فما هو هذا المنهج؟
أعتبر عدد من الفلاسفة أن "المسبقات aprioris   les " التي توارثوها هي "حقائق" لأنهم يعتبرون الآراء العامة السائدة  بقوة بين الناس غير قابلة للنقاش، وبعضهم الآخر اعتبر أفلاطون وأرسطو مرجعَيان لا يخطئان... فما هو إذا المنهج الذي ينبغي لنا اتباعه لبلوغ الحقيقة؟... حسب مقولة ديكارت لا يملك الإنسان إلا وسيلتين للمعرفة اليقينية: الحدس والاستنتاج:
الحدس: هو الذي يمكن من إدراك، مباشرةً ويقينًا، بعض الأمور: كالقول مثلاً إن المثلث صورة، وإنه يتألف من ثلاث زوايا وثلاثة أضلاع.... هذه المعلومات تشكل مبادئ بسيطة ومنطلقات موروثة.
الاستنتاج: هوالذي يمكن من استخلاص نتائج ثابتة من بعض الطريحات، كمحاولة العثور، مثلاً، على حلٍّ للمسألة التالية: كيف يكون مجموع زوايا المثلث معادلاً لزاويتين قائمتين؟
و يعتقد ديكارت أن الحدس يمكن من إدراك المبادئ الأولى والمباشرة في العلم والفلسفة، وأن الاستنتاج العقلي يضبط المحصلات المنطقية التي تنتج عن تركيب المبادئ.... وبما أن الحدس والاستنتاج يعطيان نتائج تتحول إلى معتقدات مبهمة إذا لم تقترن بالتجربة، يجعل ديكارت -مثل الجاحظ الذي سبقه نوعا ما في المنهج التجريبي- من التجربة شرطًا ثالثًا للحصول على اليقين في المعرفة. و يلاحظ ديكارت في كتابه خطاب المنهج أن بعض القواعد الأخرى ضرورية لحسن استعمال المبادئ الثلاثة الآنفة الذكر و لذلك نراه يركز إضافة على القواعد الأربعة التالية:
القاعدة الأولى: تكمن في أنه ينبغي لنا السلوك في حذر، بتفادي التسرع والتهور، وعدمُ الركون إلى أمر ما بوصفه حقيقةً إلا إذا بدا لنا يقينًا.... ولا يتم هذا العمل إلا بممارسة الشك المنهجي.
القاعدة الثانية: تقضي بإجراء تحليل دقيق للمسائل، وصولاً إلى الأفكار البسيطة، فالأبسط منها.....
القاعدة الثالثة: هي التركيب أو "المؤالفة" بين الأفكار البسيطة التي كشفها التحليل انطلاقًا نحو المفاهيم المركبة الأعقد في تدرُّج منطقي ينتج فيه المركب عن البسيط.
والقاعدة الرابعة: هي القدرة على إعادة النظر في كلِّ ما سبق وحصلنا عليه عبر الحدس والاستنتاج، وعبر القواعد الثلاث الأولى السالفة الذكر. وهكذا لا يكون للتجربة دورُ إثبات صحة ما وصلنا إليه وحسب، بل والتوصل إلى تتويج هذه الحصيلة بكشفٍ لأسرار عالمنا في الحقول كلِّها..ودور التجربة محوري عند ديكارت كما سبقه إلى ذلك العبقري المسلم الجاحظ.....
حاول ديكارت إضفاء بُعد ميتافيزيقي وجودي على فلسفته في المعرفة الانسانية... فالرصد الدقيق لنشاط الإحساس والعقل يثبت أن هاتين الوسيلتين لا توفران للإنسان معرفةً يقينية.... مثلاً: لا تؤدي الأحكام المركَّبة من الحواس – من حالة الوجود: "هذه الطاولة موجودة"، من حالة الوصف: "هذه الطاولة سوداء"، من الوضع العلائقي: "هذه الطاولة أصغر من تلك" – لا تؤدي هذه الأحكام كلها إلى الحصول على حقائق منزهة من بعض الشك...، وذلك للأسباب التالية:
- اقتناعنا أن ما نراه في أحلامنا ونحن نيام أو في هلوستنا عبارة عن حقائق يجعلنا نظن أن ما نراه في يقظتنا قد يكون أحلامًا أو هلوسات...؛ وليس لدينا ما يثبت عكس ذلك...تصبح في هذه الحالة حياتنا كلها حلم....
- تحدث الإحساسات تحريفًا في إدراك العالم الخارجي وتعرِّض أحكامنا للخطأ: مثلاً، يبدو لنا البرج المربع البعيد مستديرًا. لذا ينبغي أن نتخذ حيال الإحساس الموقف الذي يتخذه قاضٍ تجاه شاهد مشكوك في صدقه....
- لأن طبيعة الإنسان تقترف أخطاء في أحكامها، حتى لو ارتبطت بمفاهيم شديدة الوضوح. فلا شيء يُثبت أننا لا نصدر حكمًا خاطئًا حين نكون متيقنين من أننا نصدر حكمًا صائبًا. ....
- لا أحد يستطيع إثبات أن أفكار الإنسان ليست ثمار عمل شيطان يتلذذ بدفعه إلى الخطأ، وأن ما نتصوره تصورًا صحيحًا لم يوسوس به هذا الشيطان الذي يهب الإنسان شعورًا باليقين. ...يجب التذكير بأن ديكارت كان مؤمنا نزيها بالله...
ألا تصبح  محاكمة العقل بكل هذه الاحترازات ضياعًا و عمل لاعقلانيا.. وإذا كانت المسلَّمات axiomes  les– وهي معطيات بديهية لا تحتاج إلى إثبات – ناقصةً أو خاطئةً بطبيعتها، فأية قيمة تبقى لأحكامنا المنبثقة عنها؟ ألا يقضي التعقل هنا بأن نكون مشكِّكين، فنشك حتى في القدرات التي تصوغ أحكامنا....؟
هنا يصل ديكارت إلى إشكالية محورية في فلسفته الميتافيزيقية الوجودية:
إذا كنت أشك في كلِّ شيء، في وجود العالم كما في وجود جسمي، في تفكيري كما في الحقائق كلِّها التي يزعم شيطان أنه يكشفها لي، فإني، مع ذلك، لا أقع في الفراغ المطلق؛ إذ تبقى عندي حقيقة لا أشك فيها، هي أنني لن أستطيع الشك في أني أمارس الشك...: فالذي يشك يفكر، والذي يفكر يكون موجودًا: "أنا أفكر، إذن أنا موجود" .
 ويلوذ ديكارت ب لله كمنقذ لنا من الخطأ ومدبِّر لقدرتنا على إدراك اليقين.  فإذا كان الله موجودًا بالفعل ككائن كامل خالق، زال الافتراض حول وجود الشيطان وما يمكن له أن يوسوس به... ويلجأ ديكارت إلى ثلاثة براهين لإثبات وجود الله، مستندًا إلى فكرة الكمال أساسًا:
 البرهان الأول: أمتلك فكرة الكمال على الرغم من أنني كائن ناقص.. يمكن لي إذن الاستنتاج أنني لا أستطيع، ككائن ناقص، أن ابلغ الكمال المنشود. وبما أنه يستحيل على كائن يعتريه النقص أن يبلغ الكمال، لا بدَّ إذن من أن يكون ذاك الذي وضع فكرة الكمال في عقلي كائنًا كاملاً، وأن يكون هذا الكامل موجودًا....وهو الله عز وجل...
 وماذا بقي في ذهني عن الفيلسوف" كانت"؟
هو فيلسوف ألماني من القرن الثامن عشر. كان آخر فيلسوف كبير مؤثر في أوروبا الحديثة في التسلسل الكلاسيكي لنظرية المعرفة خلال عصر التنوير الذي بدأ بالمفكرين مثل جون لوك،  وجورج بركلي وديفيد هيوم.
ابتكر "كانت" نظريات واسعة  وجديدة في الفلسفة و أثر تأثيرا بارزا في الفلسفة حتى القرن الواحد والعشرين.... نشر أعمالا هامة عن نظرية المعرفة  وكذلك أعمالا متعلقة بالدين والقانون والتاريخ.... و من أكثر أعماله شهرة هو كتاب" نقد العقل المجرد"، الذي هو بحث واستقصاء عن محدودات وبنية العقل نفسه. قام كتاب النقد المجرد بهجوم على الميتافيزياء التقليدية و ضرورة تطعيمها بنظرية المعرفة وأهم مساهمات "كانت" برزت في هذه المساحات. الأعمال الرئيسية الأخرى في شيخوخته هي "نقد العقل العملي" الذي ركز على الأخلاق، ونقد الحكم الذي استقصى الجمال والغائية. وهو مشهور إل اليوم بأفكاره و نظرياته المتعلقة بإرساء " السلم الدائمة للإنسانية ".
متابعة الميتافيزيقا تشمل طرح أسئلة حول حقيقة الطبيعة المطلقة. اقترح "كانت" أن بالإمكان إصلاح الميتافيزيقا عن طريق نظرية المعرفة. واقترح أنه بفهم مصادر وحدود المعرفة الإنسانية يمكننا طرح أسئلة ميتافيزيقية مفيدة جدا.
اعتقد "كانت" أنه توفق إلى خلق طريق وسط بين التجريبية والعقلانية. واعتقد الفلاسفة التجريبيون أن المعرفة تكتسب بالتجربة وحدها، لكن العقلانيين تمسكوا بأن هذه المعرفة مفتوحة للشك الديكارتي وأن العقل وحده يدلنا على المعرفة.  
أفكار "كانت" كانت مؤثرة جدا في ألمانيا أثناء حياته، و قد نقل الفلسفة إلى ما وارء المناظرة بين العقلانيين والتجريبيين.....والفلاسفة مثل "شلنغ"، وحتى "هيغل" و"شبنهور" كلهم رؤوا أنفسهم مدينين للتفكير الكانتي، و هكذا تفرعت نماذج مختلفة من المثالية الألمانية..... واستمر "كانت" ليكون مؤثرا أساسيا في الفلسفةالألمانية. ثم أثر على الفلسفة في كامل القارة الأوربية....
الإمان بالله
كان" كانت" من المؤمنين بالله. إلا أنه يوكل الإيمان إلى الضمير... ولا يعتمد فيه على البراهين العقلية التي تستمد من ظواهر الطبيعة. فالعقل في مذهب "كانت" لا يعرف إلا الظواهر الطبيعية ولا ينفذ إلى حقائق الأشياء في ذواتها.
أقر" كانت" بالضرورة العملية للاعتقاد بالله في كتابه "نقد العقل المجرد"و أضاف أن فكرة الله لا يمكن فصلها عن العلاقة بالسعادة والأخلاق "كمثل أعلى للخير الأسمى".
وماذا بقي في ذهني عن "هيغل" الذي كان مولعا به بالخصوص استاذي في التعليم العالي " فرنسوا شاتلي"؟
في نظر "هيغل" تظهر الفلسفة الحديثة، والثقافة، والمجتمعَ كعناصر مشحونة بالتناقضاتِ والتَوَتّراتِ، كما هي الحال بالنسبة للتناقضات بين الموضوعِ ومضمون المعرفةِ، بين العقلِ والطبيعةِ، بين الذات والآخر، بين الحرية والسلطة، بين المعرفة والإيمان، وأخيرا بين التنوير والرومانسية......
كان مشروع "هيغل" الرئيسي الفلسفي أَنْ يَأْخذَ هذه التناقضاتِ والتَوَتّراتِ ويضعها في سياق وحدة عقلانية شاملة ،موجودة في سياقاتِ مختلفةِ، دعاها "الفكرة المطلقة "أَو" المعرفة المطلقة ".
طبقاً لمنهج "هيغل"، تكون الخاصية الرئيسية في هذه الوحدةِ في تتُطوّرَ ها وتتبدى على شكل تناقضات وسلب وحيرة... ويولد التناقض والإنكار لَهُما طبيعة حركية وجدلية في كل مجال من مجالات النشاط الفكري --الحقيقة،الوعي، التاريخ، الفلسفة، الفن، الطبيعة، المجتمع-- و هذه الجدلية تؤدي إلى تطويرِ أعمق حتى الوصول إلى وحدة عقلانية تحتوي هذه التناقضاتَ كمراحل وأجزاء ثانوية داخل كل تطور فكري أشمل... هذا الكل نتاج مجهود عقلي لأن العقل وحده هو القادر على تفهم كُلّ هذه المراحلِ والأجزاءِ الثانوية و تأليفها حتى تصبح كخطوات في عملية الإدراك الشامل.
تقوم فلسفة "هيجل" المثالية على اعتبار" أن الوعي سابق للمادة بينما تقوم النظرية الماركسية على اعتبار أن المادة سابقة للوعي " وعلى اعتبار أن المادة هي من تحدد مدارك الوعي وبالتالي يتطور الوعي بتطور المادة المحيطة بالإنسان، كان "ماركس" أحد رواد حلقات عصبة "الهيجيليين" ثم انشق عنها مؤلفا فلسفته الخاصة به، ولا تستطيع النظرية الماركسية بماديتها تفسير كل ما يدركه الوعي لأنها تفترض - على المطلق - بأن الوعي هو انعكاس كامل عن المادة ولكن إذا سألنا أنفسنا عن ماهية المادة التي أعطت الوعي المفاهيم المثالية كالحق والعدالة والرحمة فإنه لن تكون هناك أية مواد مغذية للوعي الإنساني لتلك المفاهيم. ويعمل العقل البشري جاهدا بكل من المادة والوعي ضمن علاقة مركبة بينهما  بحثا على اكتشاف تلك الحقائق والنواميس التي تجتاز في حقيقتها وماهيتها حدود المادة القاصرة بنفسها على تفسير مثل تلك الظواهر إذا ما حاولنا فهمها بمادية مجردة، قد يمتد هذا الفهم إلى الميتافيزيق نفسه وهو ما أنكره "ماركس" تحت  مسمى مغلوط (الدين أفيون الشعوب وزفرة العقول البائسة....).
يقول "هيجل" عن فلسفته بتواضع أنها احتوت الفلسفات السابقة جميعا.. ففلسفته هي امتداد وليس نشوء جديد فهي تفسير لما اراد من سبقه من الفلاسفة ان يقوله ولم تمكنهم  تجربتهم الإنسانية المنقوصة آنذاك  من الاستدلال أو الإيضاح الكافي.
ولقد ميز "هيغل"  بين ثلاث مفاهيم مبينا التداخل والانفصال فيها ، وهيالحقيقة, والوجود, والوجود الفعلي.
لقد أيد "هيجل" في نقاشه لمقولة "أفلاطون" أن هناك انفصالا بين الحسي والعقلي ولكنه ليس انفصالا مطلقا, بل  تتضمن علاقة متداخلة ومتفاعلة.... وأن المعرفة بكليتها ناتجة عن تلك العلاقة المتداخلة بني الحسي والعقلي.... ومن هذا الأساس الجدلي نشأت فكرته عن الوحدة بين الفكر والوجود وشكلت هذه الفكرة الأساس الذي قامت عليه فلسفته برمتها.... لقد رأى 'هيجل" ان الوصول إلى الوعي من المادة مستحيل, كما يؤكد ذلك الفلاسفة الماديون, كما أن استخلاص المادة من الوعي, كما تقول الأديان, مستحيل بدوره كذلك. لذا نظر" هيقل"  إلى الوعي بوصفه نتيجة للتطور السابق لجوهر أولي مطلق لا يشكل وحدة مطلقة للذاتي والموضوعي دون أي تمايز بينهما, وعليه فالوحدة الأولية التي تشكل الأساس الجوهري للعالم هي وحدة الوجود والفكر. حيث يتمايز الذاتي والموضوعي, فكريا فقط.
و لقد بلغ تأثير" هيجل" في العالم الحديث- حسب رأي أستاذي "شاتلي" ما لم يبلغه أي مفكر آخر...، فتصور ماركس لجدل التاريخ، وتحليله للنظام الرأسمالي مدين لهيجل، كما أن وجودية "كيركجور" قد تطورت كرد فعل لفلسفة "هيجل" وكذلك الأمر بالنسبة إلى براقماتية "جون ديوي" و إلى التفكيكية عند "جاك دريدا " الذي يعتبره البعض الآن آخر الفلاسفة المبدعين في الفلسفة التي طغت عليها العلوم الصحيحة وربما همشتها في القرنين العشرين والواحد والعشرين.
ربما أطنبت وأطلت واقلقت في هذه الشذرات من الذكريات الفلسفية....فذلك مقصود...حتى يقارن القاري- إذا ما اراد- ما تبقى له من ذكريات عن ما تلقاه في دروس الفلسفة التي مع الاسف اعتراها بالخصوص منذ سبعينيات القرن الماضي الكثير من التغيير المتعثر أحيانا...جيلنا  قد تمكن من توسيع طاقة تفكيره بدروس الفلسفة والمفكرين من مختلف العصور.و الحضارات... وقد كانت تقدم للتلاميذ  بالخصوص في خاتمة الدراسة الثانوية في الاختصاصات الثلاث التي كانت متواجدة بالنسبة للجزء الثاني من شهادة البكالورية: وهي  اختصاصات الفلسفة. و الرياضيات، والعلوم التجريبية.... و إن كان حجم دروس الفلسفة  وعلم النفس أشمل بالنسبة لقسم الفلسفة.... ولكن كانت  برامج الدروس الفلسفية كافية في أقسام الرياضيات والعلوم التجريبية لتمكين التلاميذ من ثقافة عامة تنمي فيهم الرغبة في مواصلة التعرف على التطور الفكر الانساني. وهذا الموضوع  يبدو لي بالغ الأهمية بالنسبة لمستقبل بلادنا ونمط المجتمع الذي ناضلنا من أجله... .فعلينا أن نحرص كل الحرص على تدريس سليم وعميق للفلسفة وتطور الفكر الانساني في مجال العلوم الانسانية وإعطائها قيمتها الكاملة في جميع الاختصاصات التي تعددت في شهادة البكالورية  منذ سنوات في تعليمنا الثانوي وتدنى فيها التكوين العام الضروري لمواجهة الحياة وتكوين الموطن الواعي بحقوقه وبواجباته نحو الوطن والإنسانية جمعاء....
 كان النشاط الثقافي مكثفا في مدينة صفاقس أثناء الدراسة الثانوية مقارنة بما عرفته في مدينة المهدية بالخصوص في فترة 1949-1951 وذلك عن طريق الجمعية الثقافية والتعاون المدرسي التي كانت في تلك الفترة تساند الحركة الوطنية بحذق كبير من خلال المحاضرات والرحلات... وأتذكر رحلة مفيدة إلى مدينة قربص على متن حافلة شارك فيها معي عدد من رفقائي في المعهد وكان الأستاذ الخنفير( عضو ناشط و مؤطر من هيئة الجمعية) هو المسؤول عن تنظيمها و قد توفق  إلى تحقيق توازن  بين الإفادة من خلال مداخلات تاريخية وجغرافية واقتصادية قدمها عن الجهة  أثناء السفرة الطويلة في الحافلة من صفاقس إلى المدينة المشهورة بمياهها المعدنية" قربص" و بين الترفيه من خلال الأناشيد والتجول في المدينة وفي الجبال المجاورة الرائعة....
وكانت الجالية الفرنسية من خلال جمعية ثقافية أخرى يسهر على تسييرها بالخصوص أساتذة فرنسيون من المعهد الثانوي تستدعي من فرنسا كل سنة عددا كبيرا من الكتاب و الأساتذة المميزين في العلوم الإنسانية لإلقاء محاضرات مسائية في قاعة السينما القريبة من المعهد... وكانت هذه المحاضرات مفتوحة ومجانية لتلاميذ السنوات الأخيرة في المعهد وكانت مفتوحة للعموم مقابل مساهمة مالية متواضعة.
إمضاء مدير المعهد " فوجار " على شهادة الاستحسان للثلاثي الثالث للسنة الديراسية 1949-1950



تمثل الصورة مجموعة من تلاميذ المعهد الثانوي بصفاقس وهم في رحلة في غرة أفريل 1950 الى مدينة قربص أخذت الصورة قرب عين " الصبية" ويظهر في وسط الصورة  التلاميذ منذر الشعبوني ورشيد صفر ومحمد المصمودي -بالنظارات السوداء- وخلف صفر الجلاني البندالي









صورة لتلاميذ المعهد الثانوي بصفاقس في رحلة مع بعض الأساتذة سنة 1950. في وسط الصورة  يظهرا لأستاذ "هاني" ومن بين التلاميذ الجالسين من اليمين: فوأد صفر ابن عمي أحمد ثم رفقائي في الدراسة محمد بودية ثم محمد المصمودي..........................................





 شهادة الاستحسان للثلاثي الأول للسنة الدراسية 1951-1952. مضون ولاد تي يحمل اسم" محمد رشيد " وكان القيم العام تارة بستعمل على الوثاءق المدرسية اسم" محمد" وتارة اسم" رشيد".





وانخرطت سنة 1951 في شعبة الطلبة والتلاميذ بصفاقس التابعة للحزب الحر الدستوري التونسي الجديد ولم يطلب مني أن أتقلد في هيئتها أي مسؤولية. وكان أول رئيس لهذه الشعبة التلميذ أحمد شطورو[1]1  وهو من تلاميذ قسم الفلسفة وكان معه في نفس القسم مصطفى الفارسي,( سيصبح أديبا وكاتبا مرموق) وعبد السلام بن عياد ( سيصبح أول تونسي على رأس إدارة الميزانية في وزارة المال بعد الاستقلال) ومحمد شاكر( ابن الزعيم و شهيد الوطن الهادي شاكر وسيصبح وزيرا للعدل بعد تقلده العديد من المسؤوليات الإدارية العليا منها مراقبة النفقات العمومية) ومحمد بن إسماعيل( سيصبح أستاذ مبرز في الطب) والجيلاني البندالي ( وهو أصيل مدينة المهدية وسيصبح مديرا في بنك تونس) وكانوا جميعا يسبقوني بسنة في الدراسة.وبعثت الشعبة الخاصة بتلاميذ السنوات الأخيرة للمعهد الثانوي بصفاقس ولطلبة فرع جامع الزيتونة بتوجيه وإشراف من الزعيم الكبير وشهيد الوطن الهادي شاكر الذي أشرف بنفسه على جلسة عامة للشعبة ولما وقع تقديمي إليه قبل انعقاد الاجتماع فرح وقبلني قائلا: "أنت مثل إبني، والدك المرحوم كنت أكن له محبة كبيرة مثل جل الدستوريين وكنا جميعا نرنوا الى الاستماع الى أفكاره ونصائحه...لقد خسره الحزب وخسرته تونس..." وسالت الدموع من أعيني...وكانت في فترة شبابي ألطف وأصدق كلمات سمعتها تصدر بتلقائية من طرف مسؤول دستوري كبير عن والدي و بقيت حية في ذاكرتي... رحمك الله يا سي الهادي وأسكنك عز وجل فراديس جنانه مع كافة شهداء وطننا.....ولقد خسرت تونس رجالا عظماء في مقدمتهم فرحات حشاد و الهادي شاكر والدكتور عبد الرحمان مامي والدكتور الحبيب ثامر....كما فقدت عدد كبير من الشهداء من بين المواطنين العاديين مثل الأخوان حفوز والقائد الكشفي حمادي الغربي.....وكلهم يتعين أن تؤلف لهم موسوعة شهداء الوطن من الاحتلال الفرنسي سنة 1881 حتى اليوم....
وشارك رئيس شعبة التلاميذ بصفاقس أحمد شطور في الاجتماع الشبابي التاريخي الذي انعقد في تونس في 26 فيفري 1952 بمدرسة صاحب الطابع نائبا عن الشعبة وعن معهدنا لتنسيق نشاط التلاميذ والطلبة في المرحلة الحاسمة من تحرير الوطن وقام بدور طلائعي في تنظيم التظاهرات التلميذة التي كانت مكثفة في صفاقس كمثيلاتها بسوسة وتونس وبنزرت وعدد كبير من المدن التونسية الأخرى. وسجن الرفيق أحمد شطورو مدة طويلة وبقي وطنيا صادقا و محاميا مثاليا يشرف الحركة الوطنية التونسية وأمثاله من حسن حظ تونس كثر...
ونشطت كذلك في جمعية الكشاف المسلم التونسي  في صفاقس في السنوات الأولى فقط من قدوم إلى هذه المدينة التي بقيت أحمل أجمل ذكريات عنها وعن أهلها( وهي الجمعية التي ستعرف تحت اسم الكشافة الإسلامية التونسية في بداية الخمسينيات)  وأصبحت عميد طليعة مع قائد الفرقة الكشفية توفيق غربال ( كان معين فرقة سنة 1945 وأصبح قائد فرقة سنة 1946 ثم بعد الاستقلال أصبح مهندسا) وكان نادي الفرقة في برج"باب الديوان" بمدخل المدينة العربية المطل على المدينة الجديدة وكان المسؤول على قسم الاستكشاف في تلك الفترة بإقليم صفاقس -اذا لم تخني الذاكرة- القائد عبد المجيد بعبع صاحب الابتسامة الدائمة والروح الخفيفة... وقمنا بمخيمات ورحلات عديدة أتذكر منها بالخصوص مخيم كبير في عطلة الربيع بواحة قابس في سنة 1848. وقد تداول على قيادة اقليم صفاقس في تلك الفترة كل من القائد الحبيب الشعبوني والقائد توفيق السلامي ولكن لم أتعرف عليهما الى في الخمسينيات عندما انتقلت الى العاصمة لمواصلة تعليمي العالي.وبعد أن أنهيت تكويني الكشفي في الفرقة الكشفية بصفاقس وبلغت سن السابعة عشرة أقترح عليا قائد فوج المهدية للكشافة الإسلامية التونسية المرحوم ساسي رجب أن أتولى قيادة "فريق الطاهر صفر" للجوالة بالمهدية في صيف سنة 1950. ترددت في البداية لقلة خبرتي بخصوصيات قسم التجوال ولصغر سني النسبي ولكن قائد الفوج ألح عليا وشجعني قائلا: "أنا في الحقيقة موفود من طرف كافة أفراد الفريق الذين عبروا عن رغبة ملحة لتكون قائد الفريق الذي يحمل اسم والدك وستجد منهم كل العون ويمكنك الاعتماد على خبرة القائد سالم بوعروة و مساعده على مسعود والحبيب بالحارث وغيرهم..." . فريق الطاهر صفر كان قائده الأول الأخ المرحوم سالم بوعروة وقد نشط في هذا الفريق حوالي عشرون من شبان المهدية ومن بينهم على التوالي: علي بن محمد بن مسعود وهو فلاح وكان مساعدي الأول في قيادة الفريق بعد أن كان مساعد القائد سالم بوعروة و سالم بن محمد مغروم كان كشاف في جمعية المكارم وانتقل إلى الكشافة الإسلامية التونسية منذ انبعاث الفوج في المهدية وكان تلميذا  والحبيب بن على بلحارث وكان طالبا بجامع الزيتونة ومولع منذ صغره بالمسرح وأحمد بن علوان البديري وكان نساجا وعلية بن محمد صفر وكان يعمل في مصلحة الأشغال العامة والحبيب بن خليفة منصور وكان سائق شاحنة وحسن بن أحمد الفقيه حسن وكان طالبا بالزيتونة ومحمد بن حسن خليفة النقش وكان بناءا ومحمد أحمد التومي وكان نساجا وحسين بن علي فرج وكان نساجا وعلي بن سالم الزوالي وكان بحارا ومحمد بن محمد الترعي وكان طالبا بالزيتونة ومصطفى الموجباني وكان تلميذا والطاهر برغل وكان عاملا يومي والناصر بن الطيب الشوباني وكان تلميذا ومحمد بن أحمد صفر العقربي وكان بحارا وعبد الحميد بن محمد عبد الواحد وكان تاجرا اسماك ومحمد بن محمد صفر العقربي شهر " خويا العزيز"وكان حدادا و بحارا وعلى بن محمد بن جنات شهر" العربي" وكان نساجا وقد قام كل منهم بواجبه  الوطني حسب ما أملاه الضمير - و قد نسق أعمال الفريق والمقاومة بداية من 18 جانفي 1952 الأخ على مسعود خصوصا بعد اعتقال قائد الفوج ساسي رجب و مساعده سالم بوعروة- و كل " جوال" من فريق الطاهر صفر قام بواجبه من موقعه المهني او المدرسي وحسب إمكاناته عندما اندلعت معركة تحرير تونس الحاسمة في جانفي 1952 وأقف للبحث عدد كبير منهم وسجن جلهم من بضعة أيام عند مشاركتهم في المظاهرات إلى أكثر من سنة.
فريق "الطاهر صفر" للجوالة التابع للكشافة الاسلامية التونسية  يقوده رشيد صفر ويظهر في الصورة وهو يدير رأسه للتأكد من حسن سير رفقائه. و كان ذلك سنة 1950 بالمهدية في شهر أوت استعدادا لاستقبال الزعيم الحبيب بورقيبة الذي أقام بها بضعة أيام للاتصال المباشر  وإعداد المناضلين و المواطنين للمعركة الحاسمة وتجول بالمهدية و بقصور الساف والجم والشابة والسواسي وشربان وقد رافقه فريق الجوالة في جل زياراته.




صورة نادرة لزيارة الزعيم الحبيب بورقيبة الى المهدية في أوت 1950
ونشاده وهو داخل إلى منزل السيد أحمد بن حمادة الذي يستقبله بالبهو ومعه ابنه صلاح الدين بن حميدة و وراء الزعيم نلاحظ المناضل محمد المصمودي  بالنظارات السوداء والى جانبه رئيس شعبة المهدية في تلك الفترة 
السيد  محمد بن الحاج على حمزة.





وشاركت لتأهيل نفسي في مخيم تدريب لقادة فرق الجوالة في عطلة الربيع في سنة 1950 بمركز الشباب بئر الباي المتواجد بجنوب مدينة حمام الأنف. وأديت قسم أو بالأحرى عهد التجوال في نهاية نشاط  نار المخيم تحت قيادة القائد توفيق السلامي ( النمر) وخرجت في خشوع من المركز في منتصف الليل حاملا جرابي مترجلا نحو مدينة حمام الأنف..... وعدت إلي المخيم في اليوم الموالي حوالي العاشرة صباحا بعد أن قمت بحسنة كشفية  أرضت ضميري .... كانت هذه المشاركة أول فرصة أتعرف فيها على القائد النمر الشهير لدى كشافي الجمعية وأصبحت منذ ذلك الوقت أكن له تقديرا صادقا وعميقا.
لم يسعدني  الحض للتعرف على القائد الفذ المنجي بالي الذي توفي سنة 1948 وهو صغير السن بعد أن أرهق نفسه في سبيل رفع وتطوير نشاط الجمعية التي تحمل عبء قيادتها العامة. وحدثني القائد توفيق السلامي بإطناب كبير عن خصال  القائد المنجي بالي وتفانيه وتضحياته في سبيل تربية وطنية سليمة للمنتمين لجمعية الكشاف المسلم التونسي التي ستصبح في ما بعد تعرف تحت اسم الكشافة الإسلامية التونسية.  وقد توسع نشاطها سنة بعد سنة بالرغم من قرار توقيف نشاط الجمعيات الكشفية التونسية من طرف السلطة العسكرية الاستعمارية سنة 1952 بعد أن ثبت لهذه السلطة الدور الذي اضطلعت به في تكثيف أعمال المقاومة بمختلف أساليبها.... وأصبح  جل المنتمون للجمعية  الغير الموقفين ينشطون قي نطاق السرية حتى ألغي التوقيف في سنة 1954  وبقيت الجمعية تحمل نفس الاسم حتى  انجاز عملية توحيد الحركة الكشفية التونسية في السنة الأولى من استقلال تونس وذلك في غرة جويلية 1956 أي بعد حولي ثلاثة أشهر من  أول عيد للاستقلال.
اكتشفت في هذا المخيم الأول الذي شاركت فيه بمركز بئر الباي التنافر الغير سليم الذي كان متواجد بين الجمعيات الكشفية التونسية وخاصة بين الجمعية التي أنتمي إليها  وجمعية " كشاف تونس" التي كان يشرف عليها بالخصوص السيد مصطفى النابلي الذي كان في نفس الوقت يشغل منصب مساعد لرئيس مصلحة الشاب والرياضة الفرنسي "بورنيكال".
"بورنيكال" كان في تلك الفترة يسعى جاهدا لعرقلة نشاط جمعية الكشافة الإسلامية التونسية بشتى الوسائل. وكان  مساعده في تلك الفترة السيد مصطفى النابلي يشغل في نفس الوقت منصب مدير لمركز بئر الباي وكان نائبه في هذه المهمة والمقيم الدائم بالمركز يدعى السيد المعتمري. لاحظت بنفسي تصرفات غير لائقة من طرف السيد مصطفى النابلي بالنسبة لتوزيع أماكن التخييم والإقامة في المركز التي كانت دائما تميز " كشاف تونس"على جمعيتنا.... وأذكر هذا الصنف من التصرف على سبيل المثال... وكنا نجد في جمعيتنا من مساعد مصطفى النابلي المدعو السيد المعتمري المعاملة الحسنة والاعتذار عندما تكون الأمور تتجاوزه إذ هي ناتجة عن أوامر رئيسه النابلي.... و كان لهذا السلوك لمدير المركز --الذي كان غالبا عندما يتجول في المركز يمر أمام مخيماتنا مسرعا،متكبرا....، لا يرى من واجبه زيارتنا و لا تحيتنا ولا حتى السؤال عن ظروف إقامتنا-- أسوء الأثر على انطباعات بعض القادة وبعض الكشفيين المنضوين تحت مختلف الجمعيات. ونتجت عنه مواقف وصراعات تتنافى مع القيم الكشفية.... وتألمت كثيرا من هذا الوضع المتناقض مع جوهر التربية الكشفية.
لم أكن في تلك الفترة على علم بتفاصيل محاولات توحيد الحركة الكشفية التي بذلت في الأربعينيات من القرن العشرين ولكن حدثني عن بعض جوانب منها القائد عبد الرزاق شطا بمناسبة زيارته للمهدية في شهر جويلية من سنة 1950. كما حدثني  عبد الرزاق شطا بهذه المناسبة عن تطور الحركة الكشفية في بلادنا بالخصوص منذ سنة 1930 الى سنة 1950..وكانت الروايات التي بلغتني عن طريق عبد الرزاق شطا مطابقة لما ورد عن لسان  القائد توفيق السلامي. وبالنسبة لبعث "التجوال الأعلى" في صلب الكشاف المسلم التونسي ثم في صلب الكشافة الاسلامية التونسية ومساهمته في الكفاح الوطني كان ما رواه لي عبد الرزاق شطا مطابقا تماما لما ورد في كتاب القائد حامد الزغل " شباب الثورة" بالنسبة لفترة الأربعينيات وخاصة بالنسبة للمجهودات المرموقة التي بذلت  لتحرير و طبع وتوزيع  الجريدة السرية " الكفاح" المشهرة  بفضائح واستبداد الاستعمار في وطننا.  و كان المجهود مبذول بفضل جسارة قادة التجوال اللذين تحملوا المسؤولية التي يمليها الضمير بجرأة ونجاعة أضجرت السلطة الاستعمارية خصوصا منذ سنة 1946. لقد أبلا  الرواد هكذا في قسم التجوال البلاء الحسن في سبيل الوطن في الأربعينيات ومهدوا الطريق وقدموا لنا أحسن مثال للفترة الحاسمة التي انطلقت في18 جانفي 1952    والتي كان فيها لقسم التجوال في جمعية الكشافة الاسلامية التونسية دور مشرف جدا و كان من أول شهداء التجوال القائد حمادي الغربي من مدينة قليبة.....




صورة للقيم رشيد صفر سنة  1955 في بهو بيته بمبيت المعهد الثانوي بقرطاج وهو يطالع كتابا في الاقتصاد.








صورة لفريق الطاهر صفر في ملتقى الجوالة بغابة " المريدج" بعين دراهم : جولية 1950.الجالسون: رشيد صفر – سالم مغروم- الحبيب منصور-محمد التومي- الواقفون: الصف الأول: علي مسعود- الناصر الشوباني- محمد التركي-علية صفر-الهادي العقربي- حسين فرج- محمد العقربي- - (تصوير مصطفى الموجباني)





المنجي بالي القائد العام المثالي للكشافة.
"معلم تذكاري بساحة برسلونة بتونس"
سخر المنجي بالي حياته لترسيخ التربية الكشفية الصحيحة في البلاد التونسية.







القيادة العامة لجمعية الكشاف المسلم التونسي بعد وفاة القائد العام المنجي بالي.
الثالث  من اليمين القائد العام توفيق السلامي الذي خلف المنجي بالي لمدة سنة. الجالس في الأمام القائد الفذ الهادي السافي الذي سيتولى إدارة المركز الوطني لتكوين إطارات  منظمات الشباب " بئر الباي" منذ ماي 1956.






صورة لجدول المشاركين من" فريق الطاهر صفر" في ملتقى التجوال
بغابة المريدج بعين دراهم في أوت 1950:

1جزء من وثيقة بها بعض أسماء من جوالة فريق الطاهر صفر











صورة لمدخل مخيو فريق جوالة المهدية في ملتقى عين دراهم أوت 1950.
يظهر في الصور ة القائد سالم مغروم.







                                                      صورة القائد الهادي السافي 1923-1998

تحمل القيادة العامة للكشافة الاسلامية التونسية سنة 1948 و تقلد مسؤولية إدارة المركز الوطني لتكوين
إطارات الشباب " بئر الباي" بتونس من ماي 1956 إلى اكتوبر 1986

صورة لفريق  الطاهر صفر سنة 1950





وشارك هذا الفريق بقيادتي في عدد من المخيمات الكبرى من بينها الملتقى الكشفي الوطني بغابة " الميريدج" بعين دراهم الذي قاده في صيف سنة 1950 القائد العام للجوالة في جمعية الكشافة الإسلامية التونسية زكرياء بن مصطفى وحضر فيه طيلة يوم كامل الزعيم النقابي الوطني الشهيد فرحات حشاد لتغذية المشاركين بروح التضحية الوطنية وتلقيننا مختلف سبل و أساليب الكفاح لتحرير وطننا من الاستعمار وإنقاذ شعبه من الاستغلال. وكانت فرصة فريدة في تلك الفترة تعرفنا فيها عن كثب ببطل فذ وزعيم نقابي و وطني  من أعلى طراز يجمع في شخصيته كل الخصال: الأخلاق العالية وعمق في التفكير مع القدرة على مخاطبة والنفاذ إلى العقول والقلوب على حد السوي. تعلقنا به بتلقائية نادرة وأحببناه من الوهلة الأولى ولمسنا فيه من خلال اليوم الذي قضاه معنا  (وكنا جميعا حوالي ألف جوال من مختلف جهات الوطن) الصدق والنزاهة والاتزان مع قوة الإرادة النفسية  التي كانت فيه بارزة، جلية، وضاءة، وجذابة.....شخصية فذة  أقدمت ببسالة على الاستشهاد للتعجيل باستقلال وطننا....وإعتاق شعبنا و معه   كافة شعوب المغرب العربي...وسيبقى حشاد خالدا في ضمائر الأجيال المتتالية على مصير بلدان المغرب العربي يذكرهم بواجباتهم لتحقيق التكامل ألمغاربي ألمصيري
أعددت الفريق للمساهمة في ملتقى " الميريدج" بعين دراهم بتنظيم مخيم تدريبي في ضاحية المهدية في شهر جويلية دام أسبوعا كاملا. وقد زارنا موفود من القيادة العامة للجمعية بالعاصمة القائد عبد الرزاق شطا وقضى معنا بالمهدية ثلاثة أيام كانت مناسبة للتعارف ولإفادتنا بخبرته العالية في مختلف أنشطة قسم التجوال. ثم غادرنا المهدية للالتحاق بعين دراهم  صباح يوم 31 جويلية  1950على متن الحافلة التي أقلتنا إلى مدينة سوسة أين أمتطينا القطار الذي أوصلنا إلى العاصمة. قضينا الليل في نادي الجمعية بنهج بوخريض ثم أخذنا في الصباح القطار في اتجاه مدينة "سوق الأربعاء"  المسماة جندوبة حاليا. ومن جندوبة سرنا مترجلين حتى قرية "فرنانة" التي تبعد حوالي عشرون كيلومتر. وقضينا الليل في قسم من أقسام المدرسة الابتدائية بالقرية.  ثم واصلنا السير في الصباح الباكر وبدأت الطريق تلتوي لتسلق الجبال وكانت غابة شجر الخفاف تزداد كثافة وروعة تحمينا من حرارة الشمس التي تسارعت أشعتها للحلاق بنا. وكانت تفصلنا عن مكان المخيم حوالي عشرون من الكيلومترات اجتزناها في جو منعش تتخلله الأناشيد المتنوعة وخرير مياه العيون العذبة المتدفقة على طول الطريق وزغردة الطيور وكأنها مرحبة بنا ...وصلنا مكان المخيم حوالي منتصف النهار يوم الثاني من شهر أوت وكنا من بين أول الفرق التي دخلت المخيم في الوقت المحدد. كان القائد زكرياء واقفا أمام خيمة قيادة المخيم..أمرت الفريق بالتوقف واتجهت إليه بتحية كشفية -وكانت أول مرة ألتقي به ولا أعرفه ألا من خلال صور مجلة الجمعية-... فقدمت نفسي ثم قدمت له أعضاء الفريق.فرحب بنا شاكرا الجميع على احترام الوقت وسألنا عن ظروف سفرنا من المهدية حتى وصولنا إلى المخيم, ثم كلف أحد مساعديه لإيصالنا للخيمة المخصصة لفريق المهدية ولمدنا ببرنامج الملتقى الذي تواصل حتى اليوم العاشر من شهر أوت.أهم ما بقي راسخا في ذاكرتي عن فعاليات هذا المخيم هي بدون منازع في المرتبة الأولى المحاضرة الصباحية والمحاضرة المسائية التي غذانا بهما الشهيد فرحات حشاد ثم في المرتبة الثانية  "المخطر الصعب" الذي قمنا به خارج المخيم طيلة أربع وعشرون ساعة يوم 5 أوت على مقربة من الحدود الجزائرية. ثم نار المخيم ليلة الوداع  10 أوت  وكانت مشفوعة بتوصيات قائد المخيم لبرمجة  نشاط السنة  القادمة 1950-1951 والإعداد والتكوين والاستعداد للإسهام كل من موقعه في متطلبات تحرير الوطن طيلة السنوات القادمة. وكان هذا الملتقى مناسبة عزيزة وثمينة وبالغة الأهمية للتعرف والتعارف على أخوان أعزاء من مختلف جهات الوطن من شماله إلى أقصى جنوبه في قسم التجوال من العاصمة تونس من بنزرت من سوسة من صفاقس من قابس من القيروان... نخبة من شباب كافة مدن الوطن كانت متواجدة....نخبة تجمع تلاميذ الثانوي والعالي, المدرسي والزيتوني , الفلاح والبحار, المعلم والبناء...نخبة رائعة...نخبة مستعدة...نخبة واعية وملتحمة من مختلف شرائح المجتمع التونسي...وقادة مثاليين و ملتزمين بالقيام بالمهام المنوطة بعهدتهم بجد وكفاءة وإخلاص و أذكر منهم حسب تسلسل الذاكرة: زكرياء بن مصطفى.عبد الله الزواغي, محمود بالحاج صالح, توفيق الصيد,الحبيب بن غربية,  عبد المجيد شاكر,توفيق السلامي, رضى السلامي, التوفيق الصامت, محسن القلال,آسيا الغلاب, راضية الكناني بالخوجة, فاطمة بوخريص, محمود الحشيشة, محمد حفصة, أحمد بن الأسود, حامد الزغل , محمد شاكر.الحبيب قرفال, التيجاني الكتاري, الطاهر درغوث وزوجته ليليا, سليم بن مضطفى وزوجته خديجة, عبد الستار العجمي,عبد الحميد الأسود, أحمد الشاوش,ابراهيم منصور, محمد التريكي, البشير العريبي, عزالدين الفراتي, رشيد رحومة, عبدالعزيز التريكي, الهادي التميمي,عبد الكريم الأسود ,عبد المجيد عطية وزوجته حليمة, العروسي بن براهيم, نور الدين الفقيه ، حسين الزغل ، مصطفى العلاني، مصطفى كانون، عبد الستار العجمي، التهامي دخلية،.ومعذرة لإخوة التي لم تأتي لذاكرتي أسمائهم و أنا أكتب هذه الصفحة و عددهم كبير..... كل  كانت له ميزاته وخصائص شخصيته والجميع يلتقي في صفاء وعمق التعلق بالوطن والاعتزاز بالانتماء لتونس دون سواها مع الطوق للحوار الصريح والحث على التآخي مع الآخر- وان كان اجنبيا- على أساس الاحترام المتبادل والندية الحق.
تميزت  في ملتقى "المريدج " للجوالة بعين دراهم عديد من الفرق التي كانت لها عراقة في النشاط الكشفي أكبر من فريق المهدية الفتي مثل فريق الأول للجوالة بالعاصمة الذي كان يقوده القائد محمود حميدة... وقد أصدر هذا الفريق اثناء الملتقى نشرية يومية بعنوان " ملتقى الأفكار" وحرر قائد الملتقى زكرياء بن مصطفى افتتاحية العدد الأول  والعدد الأخير من هذه النشرية: وقال زكرياء في اليوم الأول من افتتاح المخيم:2 أوت1950:
"أخي- هذا يومك الأول في الملتقى, لقد غادرت بلدك وأهلك وذويك لتأتي إلي هنا....ولربما فوت لذلك مصالح وتركت مآرب, فهل تأمل أن تعود من الملتقى بشيء مفيد؟ أم هل فوت مصالحك وتركت مآربك عبثا؟ فإن كان جوابك هو الثاني فخذ جرابك يا صديقي وعد من حيث أتيت. إن وجودك هنا لا يليق. وإن كان جوابك هو الأول فها إليك نصيحتي, ستجد بهذا المخيم إخوانا من الشمال  وإخوانا من الجنوب وآخرون من شرق البلاد وغربها وسطها فاقترب منهم وتعرف إليهم إن كان كل واحد من هؤلاء يقصد الغاية التي تقصدها أنت ويسلك الطريق التي تسلكها فليكن هذا الملتقى إذا ميدان تعارف بينكم وتقارب وتحابب حتى يكون عملكم لتونس بلادكم وللإسلام انفع
 ثم قال القائد زكرياء في اليوم الأخير: 10 أوت 1950:
" الحمد الله- هذا يومنا الأخير في الملتقى, وقد طلب مني الأخ محمود حميدة أن أكتب له بعض الأسطر ولسبت ادري فيما أكتبها؟... إن نصيحتي إليك أن تكون قويا....وأن تمشي في طريق قويم فلا توقفك زهراته ولا تزل قدمك حصاته.....أناشدك الله أخي أن تعمل دوما لفائدة هذا الشعب المظلوم . فرجائي  أن تكون في مخيماتك وجولاتك رسول رحمة وإغاثة , تفتش عن إعانة تبذلها أو عن مظلوم تناصره  أجريح تعالجه  أو جاهل تعلمه أو بائس تبعث فيه الأمل من جديد...كما أرجوكم جميعا أن لا تعولوا على أجنبي لإغاثة هذا الوطن المفدى...فليكن اعتمادنا بعد الله علينا وعلى سواعدنا فحسب" والقاري بدون شك يدرك  جسامة الرسالة والمهمة التي حملها زكياء في هذه الاسطر والموجهة من خلال المشاركين في الملتقى إلى كافة الجوالة المنضوين تحت لواء الجمعية وخاصة بعد استماع المشاركين في الملتقى إلى المحاضرتين المشفوعة بحورا مكثف التي كان الشهيد فرحاد حشاد قد شحذ بها العزائم وأناربها سبل النضال الوطني في الملتقى طيلة اليوم الكامل الذي قضاه معنا في غابة عين دراهم.





 
من اليمين الى اليسار:الزعيم الوطني والنقايي الشهيد فرحات حشاد رفقة القائد زكرياء.( أوت 1950 ) في غابة عين دراهم. ومن خلفهما القادة: محمد الصيد ( القيروان) و عبد المجيد علمية( بنزرت).

و قام فريق "الطاهر صفر" في صيف سنة 1951 بمخيم متجول في منطقة الوطن القبلي بقيادتي ودام المخيم من يوم 15جولية  إلى 25 جولية 1951وقد تمكن القائد سالم مغروم من مدي بنسخة – احتفظ بها- من التقرير الأدبي لهذا المخيم الذي شارك فيه جل أعضاء الفريق وكان الانطلاق من المهدية على الساعة الرابعة صباحا على متن حافلة تابعة  لشركة النقل المحلية و صل الفريق إلى مدينة نابل بعد حوالي خمس ساعات وقد استقبلنا أثناء وقفة قصيرة في عاصمة الوطن القبلي قائد فوج نابل القائد محمد الصفاقسي بحفاوته المعهودة وعدناه باختتام المخيم بمدينة نابل كما هو مسجل بالبرنامج وانطلقت الحافلة بنا إلى بلدة منزل تميم التي مثلت منطلق المخيم واستقبلنا شباب منزل تميم بحماس فياض خاصة وقد أبدع الحبيب بالحارث، بمجرد أن نزل الفريق من الحافلة بتقديم باقة من الأناشيد الوطنية جعلت شبان منزل تميم يهرولون نحونا ملتفين بالفريق حتى غص الشارع و أصبح الجميع يهتف "تحيا تونس" و من ابرز الأنشطة في هذه المرحلة الأولى كانت "دراسة الوسط" التي قام بها الفريق حول موضوع " الفلاحة والسوق الأسبوعية ودوراهما في حياة منزل بوزلفة" وقدمت نتائج  هذه الدراسة الميدانية مباشرة في سهرة الليل بمشاركة عدد من مواطني وشباب  البلدة الذين ساهموا في النقاش وفي الإضافات القيمة. وطبقا للبرنامج انطلق الفريق صباح الغد في نشاط تطبقي يتمثل في رسم خريطة البلدة وحوالي الساعة الثالثة تحول الفريق مترجلا إلى مدينة قليبة مرحلته الثانية وبمجرد بلوغنا مدخل المدينة من الشارع الرئيسي أمرت الفريق بالسير بالخطى المنتظمة وراء الجوال حامل العلم التونسي واخترت الأناشيد الحماسية التي سينشدها الفريق على التوالي طيلة مسيرته. وبدأ بنشيد "يا أسود الشرى". وكان استعراض رائع للفريق تجاوب معه بسرعة مواطنو المدينة وخاصة الشباب منهم ولكن في منتصف الطريق وبمجرد مرورنا أمام مركز "الجندرمة" الفرنسية أشار عليا أحد الأعوان بتوقيف الفريق والقدوم نحوه فتركت الفريق يسير وينشد و توجهت نحو العون وخاطبه بالفرنسية سائلا عن سبب طلبه. فقال " السير بالخطي العسكرية ممنوع ورفع العلم التونسي بمفرده ممنوع والاستعراض بهذه الطريقة يتطلب رخصة". وأردت ربح الوقت حتى يتقدم الفريق ويقترب من وسط المدينة فقلت له: " أعتقد أنكم متشددون أكثر من اللازم بالنسبة لاستعراض بسيط لفريق وحيد واني أريد أن تسمحوا لي بمخاطبة رئيسكم للاسترخاص منه." ودخلت مباشرة المكتب و العون ورائي ووجدت عونا آخر شرحت له وجهة نظري ولكنه أظهر تشدد أكبر من العون الأول. وأمام الإصرار " قلت سألتحق بالفريق وسنوصل دخول المدنية بمسيرة عادية". وتقدم فعلا الفريق في السير ولم التحق به إلا وقد أشرف على وسط المدينة و وقد تحقق المرغوب وتجمهر المواطنون حولنا وفي مقدمتهم قائد الجوالة ب مدينة قليبية الشهيد حمادي الغربي، رحمه الله رحمة الشهداء الأبطال. وقد أعد لنا الأخ حمادي لإقامتنا مبنى قرب ميناء الصيد البحري وسهل لنا أعمالنا اثر إقامتنا يومين كاملين قضاها معنا وترك لنا جميل الذكريات بالخصوص عن تواضعه وتفانيه للحركة الوطنية والكشفية بأريحية و تفاني مقطع النظير. أستشهد القائد حمادي الغربي اثاء الغارة الشرسة الذي قام بها الجيش الفرنسي في الوطن القبلي منذ اندلاع المقاومة في 19 جانفي 1958.....و يمكن اعتبار هذه الغارة بمثابة جريمة ضد الانسانسية......
وبمناسبة ذكر الشهيد حمادي الغربي أريد التعبير عن أسفي في ما أعتبره تقصيرا في إحياء ذكرى شهداء الكشافة التونسية في معارك تحرير وطننا من المستعمر...وكم كنت سعيدا عندما طالعت في عدد شهر سبتنبر2009 للنشرية " دائما مستعد" نص المحاضرة التي ألقاها الأستاذ الحبيب الجنحاني بمناسبة انعقاد المؤتمر الخامس للاتحاد العربي لرواد الكشافة والمرشدات المنعقد بتونس . وقد اختتم الأستاذ الجليل محاضرته قائلا:" إنني حريض في نهاية هذه الكلمة أن أذكر ان الحركة الكشفية العربية دعامة أساسية من دعائم المجتمع المدني وقد قدمت قائمة طويلة من الشهداء في معركة التحرير الوطني أذكر منهم قائدا عرفته عن كثب هو الشهيد حمادي الغربي اغتالته أيدي غلاة الاستعمار في مطلع الانتفاضة المسلحة للشعب التونسي سنة 1952.
ونظم  فريق الطاهر صفر "مخطر صعب" بقليبية حول قلعة عتيقة في ربوة قرب الميناء كانت مستعملة من طرف "الجندرمة" الفرنسية.كما نظم الفريق نار المخيم بحضور جموع غفيرة من المواطنين في كل من مدينة منزل بوزلفة و مدينة قليبة وبلدة حمام الغزاز و قرية الهوارية. وقد حضر نار المخيم في حمام الغزاز القائد العام عبد الله الزواغي مرفوقا بأمين مال الجمعية القائد محمود بالحاج صالح في نطاق زيارتهم المفاجئة لتفقد نشاط الوحدات الكشفية التي كانت ترسل مسبقا ببرامج نشاطها إلى القيادة العامة. وقدم في تلك الليلة  حول نار المخيم الحبيب بالحارث مع عدد من رفاقه الجوالة عرضا مسرحيا يندد بالاستعمار ويشهر باستبداده على الموطنين العزل ونال العرض استحسانا كبيرا وتجاوبا قويا من طرف مواطني حمام الغزاز المشهورين بوطنيتهم الصادقة. وزار هذا المخيم المتنقل كذلك قائد فوج المهدية ساسي رجب وذلك يوم 22 جولية 1951 على الساعة الرابعة مساءا. وألقى الأستاذ صالح الأنقليز  من مواطني  مدينة قليبية أمام الفريق أثناء سهرة من سهراته محاضرة مشفوعة بحوار عنوانها بليغ المعاني: " يقولون ما لا يفعلون" وكانت المحاضرة محل استحسان الجميع.

صورة لبعض أفراد فريق الطاهر صفر صحبة ابناء الشيخ   محمد بن زينب اثناء المخيم المتنقل في الوطن القبلي جويلية 1951.من اليمين الى اليسار: رشيد صفر- الهادي بن زينب- الحبيب بن زينب- الحبيب بلحارث( بالنظارات) -عبد الوهاب بن زينب- الطيب بن زينب-محمد الرمادي-  أحمد حمزة- علية البكوش- وسالم مغروم.






ولم أتمكن من المشاركة في المخيم التدريبي الذي قاده قائد  قسم التجول في تلك السنة القائد عبد المجيد شاكر بمركز بئر الباي في صيف سنة 1951 وأوفدت مساعدي القائد علي مسعود. وقد تمكن ب فضل هذه المشاركة من التعرف على عدد كبير من القادة منهم العروسي بن براهيم وعيد الستار العجمي.

صورة لبعض الكشافين من فوج المهدية سنة 1951- من اليمين الى اليسار الواقفون:حسن عبد الكريم-محمد الرمادي- رشيد صفر- محمد البندالي- ساسي رجب (  وهوقائد فوج المهدية لجمعية الكشافة الاسلامية التونسية منذ تأسيسه سنة 1949 حتى توحيد الجمعيات الكشفية سنة 1956)- علية البكوش- سالم مغروم.






صورة  للقسم  الذي إنتمى إليه رشيد صفر بالمعهد الثانوي بصفاقس في السنة الدراسية الأولى " القسم السا دس نظام تونسي". 1946-1947
الجالسون من اليسار محسن السلامي و محمد بوراوي...الصف الثاني محمد المصمودي ثم  ......ثم .سحنون ثم كسكاس ثم ....ثم مغيث ثم يعيش ثم.... الصف الثالث.........ثم بوعتور ثم.......ثم قطاطة ثم الحيلي........الصف الاخير صفر ثم الفقيه ثم....ثم......ثم بودية ثم....ثم كمون.






وشاركت كممثل عن فوج  المهدية صحبة ساسي رجب والحبيب بالحارث في المؤتمر السنوي الرابع للكشافة الإسلامية التونسية المنعقد بمركز الشباب بئر الباي ( جنوب مدينة حمام الأنف) من 15 إلى 17 سبتمبر 1950 وكنت مع عدد من القادة مبتهجا بزيارة عدد من زعماء الحركة الوطنية إلى المؤتمر و في مقدمتهم الحبيب بورقيبة ولكني عبرت عن استائي، مع عدد من رفقائي، بمناسبة زيارة محمد الأمين باي لأني بقيت متأثرا بخذلانه للباي الشهيد المنصف و كنت أعتبره  ناقضا للعهد .و بعد هذه المشاركة الأولى في مؤتمر المنظمة الكشفية ساهمت في أشغال بقية المؤتمرات حتى مؤتمر توحيد الجمعيات الكشفية بعد استقلال الوطن.
كما شاركت في المخيم المتنقل لقادة قسم التجوال في صيف 1955  بقيادة قائد قسم التجوال في تلك الفترة التيجاني الكتاري وبمشاركة حولي أربعون من كبار قادة القسم وأتذكر من بينهم بالخصوص قادة أفذاذ من بينهم توفيق السلامي والهادي التميمي والحبيب قرفال  والعروسي بن براهيم  وتوفيق الصيد. وتمت أثناء هذا المخيم المتنقل زيارة جل المدن التونسية من شمال البلاد إلى جنوبه وعقدت حلقات تدريبية وحوارية مع كافة الجولة في كل مدينة و عند مرور هذا المخيم المتنقل من المهدية سخر قائد فوج المهدية ساسي رجب لاستضافة وإقامة كافة المشاركين "دار بن رمضان" الواقعة في شمال قرية " رجيش" على الشاطئ البحر واستقبلنا القائد نجار بن رحومة في مدينة قابس استقبالا رائعا ونظمنا مسامرة  ليلية في صحن دار الإقامة دامت أكثر من خمس ساعات استعجمنا فيها إلى محاضرة حول تاريخ المدينة وأخرى على اقتصاد الجهة ككل. و تناولنا بالنقاش الصريح الخطوات الايجابية التي قطعتها تونس في تلك الفترة لترسيخ تحررها  المرحلي من المستعمر.
وأتذكر  كذلك مشاركتي مع عدد من قادة التجوال في تأطير المخيم التدريبي الذي نظم بقرار من الديوان السياسي للحزب لأعداد حوالي مئة شاب وقع اختيارهم من بين الجوالة ومن بين الشبيبة الدستورية من مختلف جهات البلاد حتى تكون النواة الأولى لقوى الأمن التونسية والحرس الوطني استعدادا لمرحلة انتقال المصالح الأمنية إلى التونسيين. وانتظم هذا «  المعسكر "  في شهر سبتمبر 1955 قرب مدينة "أوتيك" في  ضيعة فسيحة  وضعها صاحبها عبد العزيز بوجمعة على ذمة الحزب وقاد هذا التدريب قاءد قسم التجوال في جمعية الكشافة الاسلامية التونسية التيجاني الكتاري بمساعدة عدد من قادة التجوال من بينهم توفيق السلامي والحبيب قرفال و رشيد صفر والهادي التميمي ووجهنا عناية كبيرة أساسا للتكوين التطبيقي وكنت مكلفا بالخصوص بالتدريب على قراءة واستعمال الخرائط العسكرية.واستعانت قيادة المعسكر بمحاضرين كانوا يقدمون من العاصمة كل يوم لالقاء دروس في القانون الإداري التونسي وفي القانون المدني وفي الشؤون السياسية وكان من بينهم بالخصوص الأساتذة حسين غويل والحبيب بولعراس و جميس الحجري وغيرهم...  
مظاهرة 19 فيفري 1952 أمام قنصلية اليونان بصفاقس.
ومع انطلاق المرحلة الحاسمة لمعركة تحرير تونس من المستعمر الفرنسي تحت قيادة الحزب الحر الدستوري الجديد ابتدءا من 18جانفي1952 شاركت مع رفقائي في المعهد الثانوي المعروف في تلك الفترة بالمعهد " الكلاسيكي" بصفاقس في جل الإضرابات الطلابية والمظاهرات الاحتجاجية والإضراب عن الطعام سواء بالمبيت في المعهد الفني أو بالجامع الكبير داخل المدينة العربية.. وكانت جل التحركات منظمة مباشرة أو بإيعاز من طرف هيئة الشعبة الدستورية للطلبة والتلاميذ والتي كان يشرف على رئاستها في تلك الفترة التلميذ في قسم الفلسفة أحمد شطورو. وكانت المعلومات تنتشر في أوساط التلاميذ من فرد إلى آخر داخل كل قسم "بالهاتف العربي" كما يقال باللهجة العامة.  وأتذكر كيف نجوت من الاعتقال في المظاهرة التي نظمت من طرف تلاميذ معهدنا يوم الثلاثاء 19 فيفري 1952 أمام قنصلية اليونان قرب نزل الزياتين في المدينة الجديدة, المدينة الأوروبية وقرب الحديقة العمومية وكانت زميلاتي في الدراسة الآنسة " ناتاف إيميلي" « Melle Nataf Emilie » مع صديقاتها على حافة الطريق تنظر إلى المظاهرة والتلاميذ يصرخون بالفرنسية " الاستقلال لتونس" حرروا السجناء" "يسقط الاستعمار" ولما قدمت سيارات الأمن ونزل الأعوان ببنادقهم يركضون نحو التلاميذ لتشريدهم ضربا بمؤخرات البنادق معتقلين عدد كبير منهم, صاحت " ناتاف" منادية " يا رشيد" فالتفت إليها وسارعت نحوها وقفت متحدثا معها ومع صديقاتها كأني من المتفرجين على المظاهرة ومرت فرق أعوان الأمن بدون أن تلتفت إلى مجموعتنا.
وكان وفد من التلاميذ قد تمكن قبل قدوم البوليس من الدخول إلى بهو القنصلية وتسليم رسالة  إلى  نائب القنصل تتضمن بالخصوص احتجاحا على سياسات القمع الفرنسية التي تمارس على الشعب التونسي. وقد طلب الوفد إبلاغ الرسالة إلى الحكومة اليونانية التي كانت في تلك الفترة ترأس مجلس الأمن لمنظمة الأمم المتحدة المتكفل بالنظر قي الشكوى التونسية...و قد تعرض عدد كبير من الرفاق إلى ضرب عنيف إنجرت عنه جروحا بليغة وتمكن الأمن من إيقاف حوالي ثلاثين تلميذ....و قررت شعبة التلاميذ بصفاقس تنظيم يوم 23 فيفري 1952 إضراب جوع نفذه عدد غفير من رفاقنا التلاميذ بجامع سيدي عبد المولى بالمدينة العربية وذلك إحتجاجا على إعتقال زملائنا المشاركين في مظاهرة 19 فيفري ودام الاضراب ثلاثة أيام  كاملة وينام التلاميذ في المسجد...وكنت مع زميلي علي الحيلي أغادر المسجد في الوقت المناسب حتى نلتحق بالمبيت و نجنب نفسنا الطرد من المبيت ثم نعود في الصباح إلى المسجد حاملين معنا بعض القطع من السكر والحلوى حتى يقتات بها من كان في وضع صحي صعب و متردي....
وكنت في تلك الفترة -مع عدد من رفقائي من المعهد الثانوي الذين لا ينتمون إلى مدينة صفاقس_ اقيم في مبيت التلاميذ بالمعهد الفني بصفاقس لأن معهدنا " الكلاسيكي" لا يتوفر فيه مبيت.و أنجر عن هذه مظاهرة  التاسع عشر من شهر فيفري اعتقال حوالي ثلاثين من التلاميذ كما بينت سلفا وخاصة بعض الأطفال الذين لم يتجاوز أحيانا سنهم لأثنى عشرة سنة.ووقعت محاكمة البعض منهم بالسجن بعشرة أيام مع خطية مالية واطردوا نهائيا من المعهد كما أطرد بقية التلاميذ الغير المعتقلين التونسيين, باستثناء التلاميذ المقيمين في المبيت, لمدة ثلاثة أيام مع تنبيه أخير قبل الطرد النهائي.و احتجاجا على هذه الأعمال الشنيعة ضد أطفال أبرياء أضربت عن العمل كل المتاجر المتواجدة في المدينة العتيقة. وتضامنا مع رفاقنا الموقوفين نظمنا فجئة في المبيت بالمعهد الفني إضرابا على الطعام و دخلنا قاعة المطعم كالعادة ولكننا بقينا مكتوفي الايدي واحجمنا عن الأكل وقدم مدير المعهد "جلبار باكي" وصاح طالبا أن يفسر له أحدنا سبب سلوكنا الذي كان يحدث لأول مرة في تلك الفترة. فوقفت وقلت له : " السيد المدير أننا قررنا الاضراب عن الطعام لنعبر عن احتجاجنا عن  إعتقال رفقائنا من المعهد الكلاسيكي مطالبين بإطلاق سراحهم".فصاح غاضبا : " اريد ان يجيبني أحد من تلاميذ معهدي.." و بما أني من المعهد الكلاسيكي إعتبرني غير مؤهل لتعبير عن رغبة تلاميذ المعهد الفني...فوقف التلميذ  يونس بن النصر شقير وهو من تلاميذ المعهد الفني وقال : " السيد المدير إن ما قاله لكم الرفيق رشيد صفر هو ما يخالج نفوسنا جميعا" وصاح المدير : "إذا كنتم لا ترغبون في الأكل فاخرجوا من القاعة"...و فقنا جميعا نحن التلاميذ التونسيون و خرجنا في ضجيج صارخ من القاعة التي لم يبقى بها إلا التلاميذ الفرنسيين.....
بطاقة انخراط في شعبة " الطلبة" بجامعة صفاقس بإمضاء رئيس الشعبة أحمد شطورو احتفظ بها الأخ علي الحيلي
مظاهرة  يوم 4 مارس 1952 داخل ساحة المعهد.
وفي يوم الثلاثاء 4 مارس 1952 وبالتحديد على الساعة العاشرة في وقت الاستراحة بساحة المعهد وقع بذكاء كبير اغتنام تواجد متفقدان عامان للتعليم الثانوي قدموا من فرنسا لإجراء تفقد دوري لأساتذة مادتي الفيزياء والكيمياء للقيام بتظاهرة صاخبة شارك فيها كافة التلاميذ التونسيين المتواجدين في المعهد و قد انسحب إلى داخل الأقسام التلاميذ الفرنسيين المذعورين والتي فاجأتهم المظاهرة كما فاجأت إدارة المدرسة والأساتذة والمتفقدان الذين بقوا ينظرون باهتين في هيجان التلاميذ وهم ينادون " يسقط لوسيان باي" وهو مدير إدارة العلوم والمعارف " حرروا المساجين"  " تونس مستقلة". بدأت التظاهرية  منذ أكثر من عشر دقائق لما شاهدت الأستاذ الفرنسي المختص في الفيزياء " للو " يشق بشجاعة الطلبة وهم يصيحون ويصرخون وينشدون حتى وصل إلى وسط الساحة حيث كان ازدحام الطلبة أشده وصاح في أذننا قائلا بالحرف الواحد: " قد عبرتم عن ما يخالج ضمائركم بالكفاية وحصلت الغاية. أرجوكم يا أبنائي أن تدخلوا الآن إلى أقسمكم. إن مدير المعهد الذي منع حتى لآن دخول الشرطة الملتفة الآن خارج المعهد سوف تتجاوزه الأمور.."وكانت فعلا النية من تنظيم المظاهرة اغتنام الفرصة للكشف وفضح سياسة القمع والتعبير عن مشاعر الشباب التونسي للمتفقدين الوافدين من فرنسا لا أكثر ولا أقل. و تناقلت كلمة الدخول إلى الأقسام من تلميذ إلى تلميذ آخر ودخلنا إلى أقسامنا. ولم تدخل الشرطة إلى ساحة المعهد بل بقيت خارجه مطوقة بالمعهد حتى هدأت الأوضاع.
في منتصف النهار وقد انتهت الدروس وهب جميع التلاميذ للخروج وعندما كنت مع رفيقي علي الحيلي خارجا من باب الأساتذة شاهدت مدير المعهد واقفا أمام مكتبه يتحادث مع المتفدان ولما اقتربت أكثر سمعت أحد المتفقدين يقول للمدير وذلك باللغة الفرنسية طبعا: " عندما يبلغ الوعي في شباب شعب هذا المستوى ليس هنالك أي مبرر لبقاء حماية في وطنه" وخرجنا من الباب متجهين للمبيت لتناول الغذاء و لم استمع إلى تعليق المدير ( كان لنا ترخيص من الإدارة نحن المجموعة الصغيرة من التلاميذ المقيمين في مبيت المعهد الفني تمكنا من الخروج من باب الأساتذة لأنه يفتح مباشرة على الطريق المؤدي إلى المعهد الفني). وبالطبع أثلجت صدري هذه الجملة التي بقيت راسخة في ذاكرتي والتي استمعت إليها بمحض الصدفة. وما أحلى بعض الصدف....  بعد هذه المظاهرة وقع طرد كافة التلاميذ التونسيين الخارجين من المعهد ولم يبقى من التونسيين المجموعة الصغيرة المقيمة في مبيت المعهد الفني.
مظاهرة يوم 8 مارس 1952 داخل مبيت المعهد الفني بصفاقس.
وبمجرد أن علمنا بذلك تشاورنا مع رفقائنا التلاميذ التونسيين التابعين للمعهد الفني والمقيمين في المبيت وكان عددهم يتجاوز الثلاثون على صيغة التعبير على تضمننا مع رفقائنا المطرودين من المعهد الكلاسيكي. وفي مساء يوم السبت 8 مارس  1952  وقبل الصعود إلى قاعة المبيت في المعهد الفني نظمنا مظاهرة سلمية في ساحة المعهد الفني شارك فيها الأغلبية الساحقة للتلاميذ التونسيين المقيمين في المبيت تضامنا مع رفقائنا المعتقلين والمطرودين مطالبين بسراحهم وسراح الوطنيين المسجونين فاستنجد مدير المعهد الفني الفرنسي العنصري واسمه ( Bacquet Gilbert جلبار باكي  ) - بالرغم من معارضة المقتصد المتصرف في المبيت "  سلفان فرتانية Sylvain Fourtanier"- بالمراقب المدني " هانري قانتاس  Guantes" المشهور بتهوره في مدينة صفاقس وقدم إلى المعهد المراقب المدني الفرنسي مصحوبا بشاحنتين من الجند ودخل المعهد والجند خلفه و صاح في المتظاهرين وتوعدنا بكل ويل وختم صياحه قائلا " أنتم حمقى ولا تعرفون فضل و مزايا فرنسا عليكم ولو فرضنا إنها تترككم يوما لحالكم فإنكم ستتقاتلون من اليوم الأول وتعم الفوضى وتنهار البلاد" ثم صاح في جنده " أرفعوهم" وانهال الجند ضربا عنيفا بمؤخرات البنادق على التلاميذ العزل الذين كانوا ينشدون نشيد الثورة " حماة الحمى" وهم يتلقون ضربات الجند و وقع حينها اعتقال كافة المتظاهرين في الساحة بعد حشرهم كالدواب في الشاحنات العسكرية وكان جل من يصعد إلى الشاحنة يتلقى ضربات البنادق. وأودعت هكذا مع رفاقئي السجن ومن بينهم صديقي علي الحيلي  الذي فقد حذاءه من جراء شراسة المداهنة2.[2] وكان الحيلي قد تدرج في نفس الأقسام التي مررت بها حتى السنة الدراسية 1951-1952 وكنا أحيانا نتنافس على المرتبة الأولى في بعض المواد مثل الإنشاء العربية والفرنسية إلا أن علي الحيلى كان متفوقا عليا بامتياز في الرياضيات واختار هكذا بالنسبة للجزء الثاني من البكالوريا اختصاص الرياضيات وعندما إلتحق بنا التلاميذ الفرنسيين في السنوات الأخيرة من الدراسة الثانوية كنت مع على الحيلي غالبا ما نتفوقوا عليهم في جميع المواد وحتى في اللغة الفرنسية. وأتذكر أن المدير الفوجار لم يتمالك يوم قدومه إلى القسم لتوسيع نتاءج الثلاثي الأول من السنة الدراسية من التوحه إلى التلاميذ الفرنسيين معاتبا وقاءلا : يؤسفني أن ألاحظ أنكم متأخيرين عن زملاءكم التونسيين حتى في مادة الانشاء الفرنسية. وأتذكر أن الاساذ المبرز للفرنسية لوسان أبتهج يوما بالانشاء التي قدمها علي الحيلي ومنحه عدد ممتاز 17و قال أنه لا يمنح مثل ذلك العدد إلا للكتاب العباقرة وقرأ لنا بصوت عالي كامل انشاء على الحيلي.... و كان كذلك من بين التلاميذ المعتقلين يوم 8 مارس1952 المختار الفيتوري ( الذي كان في قسم الفلسفة يسبقنا بسنة دراسية و  أصبح في ما بعد طبيب أطفال) وحسن جراد (وجميعهم أصيلي جزر قرقنة قرب سواحل مدينة صفاقس) ويونس شقير بن نصر ( تلميذ خفيف الروح محبوب من طرف الجميع يدرس بالمعهد الفني وهو أصيل مدينة محرس أصبح في ما بعد في سالك التعلبم) وغيرهم من التلاميذ الذين كان يبلغ عددهم أكثر من الثلاثين قضوا ليلتهم الأولى بدون نوم ولا أكل محشورين كالحيوانات وجالسين القرفصاء على أرضية من الاسمنت في بيت إيقاف المجرمين تشبه الدهليز (لا تتجاوز مساحتها التسعة أمتار مربع تقريبا)  وكانت بيت الإيقاف وهي عبارة عن دهليز من الاسمنت متاخمة لمركز الشرطة المتواجد وسط المدينة بقرب من قصر البلدية التي كان جرس ساعتها القوي في تلك الليلة الباردة يخرق الصمت الرهيب كل ساعة. وبدأ الاستنطاق حوالي الساعة التاسعة من صباح اليوم الموالي كان أول من أخرج التلميذ من المعهد الفني يونس شقير بن نصر وبعد دقائق استمعنا إلى صراخ محمد بن نصر وفهمنا أن الاستنطاق يفتتح بالضرب والتعنيف. وبعد حوالي ربع ساعة أرجع محمد بن نصر في حالة رثة و استمر سيناريو الاستنطاق حوالي ساعتان و تقلص صراخ التلاميذ المستنطقين وقد تبين ربما للجلادين انه لا فائدة تجنى من الضرب و التعذيب ولن يحصلوا من التلاميذ العزل عن أية معلومة يستغلونها لقمع تحرك التلاميذ الذي أصبح غالبا تلقائيا وبدون سابق إعداد. وأتى دوري للاستنطاق ووجدت نفسي(و قد اكتشفت عندما وقفت إن سروالي كان ملوثا بالدم الجاف الذي انساب من رأس علي الحيلي الذي كان تعرض لضربة على الرأس بمؤخر بندقية جندي عندما حشر في الشاحنة وقضى ليلته متكأ على رجليا ) في قاعة صغيرة بها مكتب جالسا وراءه موظف فرنسي محاطا بعونين تونسيين واقفين ومرتديين زيا مدنيا, أحدوهما أسود البشرة وقد صاح هذا الأخير بمجرد دخولي إلى القاعة :" هذا هو الذي شاهدته أيام إضراب الجوع في المسجد مترددا بكثافة على الجامع" ثم رفع يده ليصفعني فوقف الفرنسي بسرعة ومسك بيده قائلا: " يكفي". ثم أجلسني على كرسي أمام مكتبه وشرع في استنطاق تقليدي: الاسم..اللقب.. تاريخ الولادة مهنة الأب....فهمت أني أمام "كوميسار" فرنسي محاط بتونسيين من إطار ما يسمى "بالبوليس السرطي" وبمجرد ما انتهى "الكوميسار" من الاستنطاق قالت: " السيد "الكوميسار" تعرفون جيدا أن ما تقومون به الآن غير قانوني البتة: إيقافنا غير قانوني, ضربنا غير قانوني واستنطاقنا هذا غير قانوني. إننا تظاهرنا بصفة سلمية داخل ساحة المعهد الفني مطالبين بسراح زملائنا وأصدقائنا فإذا كنا نستحق عقابا من أجل ذلك فلا يمكن أن يكون ذلك إلا من طرف مجلس تأديب المعهد بعد الاستماع إلى كل منا". فأغتاظ "الكوميسار" من هذا التعليق الذي فاجأه وبان غضبه في ملامحه.  فقلت له :"هذه حقائق وان كنتم تبحثون عن من حرض على التظاهر داخل المعهد فيمكن لكم تسجيل من الآن اعترافي بأني أنا المسؤول ولا تضيعوا وقتكم فليس هنالك غيري وأقول لكم في نفس الوقت إنكم غير قادرين مهما فعلتم عن اقتلاع ما في قلوب جميع التونسيين من توق شرعي إلى التحرر".  لم يكن "الكوميسار" الفرنسي يتصور أن يستمع من تلميذ تونسي نحيل الجسم مثل هذا الدرس بلغة فرنسية فصيحة فقال:"  يكفي السيد صفر لست هنا لإعطائنا دروس إننا نعرف ماذا نفعل و لو كنتم تفكرون حقا في بلادكم لكرستم  كل جهودكم لدراستكم واجتنبتم هذه الأعمال الحمقاء".و كنت أحاجج "الكوميسار" إذاك وبيت من نشيد تعلمته في الكشافة لأبي القاسم الشابي من قصيد "يا ابن أمي" يحرك شعوري:

                   فمالك ترضى بذل القيود -  وتحني لمن كبلوك الجباه. 
 وهنا لا بد أن أوضح أن بوحي بهذه التفاصيل لا يندرج ضمن باب التبجح بشجاعة أفضل من شجاعة رفقائي في المعهد ولكن لكي أشير إلى نقطة ضعف في مزاجي الذي يجعلني في كثير من الحالات أتحمس وأندفع للإصداع بما يخالج نفسي دون أن أفكر في عواقب الأمور. فالشجاعة الحقيقية هي أن تتكلم بعد أن تكون قد فكرت مليا في كل الانعكاسات التي ستنجر عن كلامك وأما أنا فلم أكن دوما أقدر عواقب اندفاعاتي إذ أني أحيانا أتدخل بكل حماس متولد عن مزاجي و أكتشف في ما بعد خطورة كلامي وأحيانا أندم على هذا الاندفاع الغير المجدي. ولكن في هذه المرة لم أندم. وبعد رجوعي إلى مكان الاعتقال بعد أن أنهى "الكوميسار" الاستنطاق معي واكتفى بتكليف أحد معينيه بإعداد قائمة فيها إرشادات كاملة لكافة التلاميذ الموقوفين وعناوين أوليائهم. ومن حسن حظنا لم تأخذ لنا في هذا الإيقاف الصور التي عادة تؤخذ للموقوفين و توزع على مصالح الأمن لمتابعة تحركاتهم بعد خروجهم من السجن.
وابتدءا من مساء نفس اليوم انطلقت الشرطة في دعوة أولياء التلاميذ (les correspondants) و تم تسليم التلاميذ الموقوفين فرادى بعد أن يمضى كل ولي أنه تسلم التلميذ وهو في "صحة جيدة" وأنه متعهد بالسهر على إبعاد التلميذ عن كل أعمال شغب. واطردت من مبيت المعهد الفني بعد خروجي من السجن بدون أي محاكمة مع كافة الرفقاء الذين كانوا معي كما اطردت ورفقائي من معهد الدراسة لمدة بقية السنة.




صورة من نص البرقية بتاريخ 11 مارس 1952 التي وجهها مدير المعهد إلى عاءلة التلاميذ المطروطين بعد مظاهرة يوم 8 مارس 1952 داخل المعهد الفني بصفاقس. أصبحت المظاهرة إضراب في نص البرقية...وقد مدني الأخ علي الحيلي بهذه الوثيقة مشكورا وهو الذي حافظ أكثر مني  على وثاءق عديدة من مرحلة الدراسة.



تمثل الصورة التالية مدخل مبيت المعهد الفني بصفاقس وجانبا من الساحة التي تظاهر فيها التلاميذ يوم 15 مارس 1952 .






يوجد في الصورة التالية من اليمين مدير المعهد الفني جلبار باكي بيده أوراق وامامه مدير  التعليم لوسيان باي  Gilbert Bacquet avec Lucien Paye portant le chapeau .


.أغلبنا كان في حالة رثة عند خروجنا من "دهليز" الإيقاف و ورفيقي علي الحيلي بصفة خاصة وكان تلميذ عضو في هيئة الشعبة قد رافقه بمجرة خروجه من السجن إلى صيدلية تونسي لوضع عصابة على رأسه المتضرر ثم رافقه إلى المصور الزواري studio Zouari. في المدينة العربية والتقطت له بعض الصور التي بعثتها هيئة الشعبة إلى هيئة الأمم المتحدة و بعض الصحف في الخارج للتشهير بتعسف المستعمر ضد التلاميذ العزل. وحز في نفس بعض الرفقاء الموقوفين عدم إقدام مدينة صفاقس على شن إضراب بعد الاعتقال كما حصل ذلك  بعد مظاهرة 19 فيفري وتصوروا أن ذلك راجع لأنهم لا ينتمون إلى مدينة صفاقس ففسرت لبعضهم للتخفيف على النفس أن الإيقاف تم يوم سبت في آخر الأسبوع و تحت جناح الظلام ولم تعلم المدينة بذلك إلا يوم الاثنين وتم الإفراج عنا بدون محاكمة في الوقت الذي وقعت فيه محاكمة عديد كبير من التلاميذ بعد مظاهرة 19 فيفري فليس هنالك أي موجب لتأويل المواقف والانزلاق في الجهويات.
واضطرت بعد هذا الطرد للالتحاق بإصرار من عمي و ولي أمري, في تلك الفترة, أحمد صفر (الذي كان متفقدا للتعليم العربي لجنوب تونس مع الإقامة بصفاقس) بمعهد مدينة "قراسGrasse"3 في جنوب فرنسا. كنت متحرجا كثيرا لأني كنت أنوي تقاسم مشاكل الطرد مع رفقائي والنظر معهم في سبل مواصلة التعلم ودراسة المواد المدرجة لامتحان الجزء الأول من البكالورية بإمكانياتنا الفردية في حلقات دراسية يقوم كل فرد منا بتدريب رفقائه انطلاقا من الكتب التي كانت لدينا وفي المواد التي يتقنها كل منا. .ولكن عمي عاتبني وذكرني بواجباتي نحو والدتي بالخصوص التي قاست الأمرين منتظرة نتائجي. قال:" لك فرصة لكي لا تخسر سنة كاملة وبقائك مع رفقائك لا يغير من الوضع ما عدى شعورك النفساني النبيل بضرورة التضامن معهم و تقاسم وضعهم. الواقع يفرض عليك أن لا تفرط في فرصة أعانني عليها صديقي السيد الحبيب المزيوو الذي بادر بعد بإرسال ابنه حافظ إلى المعهد الفرنسي بمدينة قراس لأنه له معرفة جيدة بحريف فرنسي مختص في العطرات في هذه المدينة وهو مستعد ليكون بمثابة الضامن لك ولابنه حافظ لدى المعهد, وستكون في نفس  المبيت الذي يتواجد فيه منذ أسابيع حافظ المزيوو." اقتنعت بحج عمي أحمد وقبلت الذهاب إلى المعهد الثانوي "بقراس" وسافرت إلى تونس ونزلت في نزل "عبد الكافي" واقتنيت تذكرة السفر إلى مدينة "مرسيلية" على متن الباخرة في الدرج الثالثة لقلة النقود المتوفرة لدي. وكانت الباخرة قديمة ومزدوجة في نقل البضائع ونقل الركاب. وعلى متن الباخرة اكتريت بثمن زهيد بيت من بيوت البحارة وكانت ذات أربعة أماكن و كريت ثلاثة منها من طرف شبان أطاليين مسافرين مثلي. وكان البحر هائجا فقضيت أربع وعشرون ساعة فوق الفراش في الغرفة بدون أكل حتى دخلنا ميناء  مدينة مرسيلية. ثم أخذت مباشرة القطار الى مدينة "كان" وأنا في حالة رثة. ومن مدينة "كان" أخذت الحافلة التي أوصلتني إلى مدينة "قراس". فوجدت في المعهد الفرنسي رفقاء تونسيون مثلي البعض منهم وقع طردهم من المعاهد التونسية ومنهم محمد المصمودي ( رفيقي في الدراسة وصاحب دار نشر اليوم) و الحافظ المزيوو(حدثني عليه عمي وكان في معهد صفاقس يسبقني بقسم  و عمل  بعد الاستقلال كرئيس مصلحة في السكك الحديدية التونسية) ومحمد عبد المولىومحمد قريعة وجميعهم من المعهد الثانوي بصفاقس كما وجدت فريد المختار( سيصبح رئيس مدير عام لشركة الحليب "الستيل"في السبعينيات)  وهو أصيل مدينة رأس الجبل . وكان  آت من معهد آخر في تونس.
 نجحت في الجزء الأول من الباكالوريا في جولية 1952 بملاحظة حسن و نظمت الامتحانات الكتابية بمدينة "كان"Cannes ;و الامتحانات الشفهية بمدينة " نيس" Nice. يوم 12 جويلية 1952  .
وبالرغم من قرار الطرد تمكن رفقائي المطرودين من المشاركة في امتحان البكالورية بتونس تحت حراسة عسكرية مشددة بعيدا عن زملاءهم الفرنسيين ونجح النجباء و منهم رفيقي علي الحيلي الذي نجح بتفوق بملاحظة حسن. و نجح كذلك علي الحيلي بامتياز في امتحان دبلوم المدرسة الصادقية وكان في مقدمة جميع المشاركين متفوقا  حتى على تلاميذ المعهد الصادقي في تلك السنة ومن بينهم التلاميذ صالح القرمادي و المنجي قوجى والشاذلي العياري وغيرهم وذلك بشهادة أستاذنا  في اللغة والآداب العربية السيد عبد العزيز بالحسن الذي كان قد شارك في مداولات الاساتذة المشرفين على الامتحان. ويتذكر على الحيلي كيف تجاوز عقبة كبيرة في امتحان الدبلوم الصادقي إذ لم يدرس لنا في معهد صفاقس تاريخ شمال إفريقيا الذي كان في تلك الفترة يدرسه الاستاذ عبد الوهاب بكير في الصادقية. وتمكن على الحيلي من التحصيل ليلة فقط قبل الامنتحان على كراس من أحد تلاميذ المدرسة الصادقية يتضمن دروس الاستاذ عبد الوهاب باكير وقضى ليلته في دراسته وأبهر يوم الامتحان الشفاهي الاستاذ عبد الوهاب بكير...كانت منافسة مفيدة بين تلاميذ الاقسام التونسية و بين تلاميذ الصادقية. وكان تلاميذ الصادقية لا يقبلون بسهولة تفوق أحيانا البعض من الاقسام التونسية الداخلية و ذلك حتى في امتحان الدبلوم الصادقي.....


صورة للقسم التونسي عدد1 (سنة ثالثة) بمعهد الثانوي بصفا قس السنة الدراسية 1948-1949. يظهر في الصورة جالسين من اليسار إلى اليمين التلاميذ:  محسن الفقيه, توفيق بودية, محسن السلامي,  عبد العزيزالمنيف  ثم أستاذ فرنسي ,ثم التلاميذ علي سحنون,  و عبد العزيز المغيث,...الصف الثاني: القيم العام " كليمان" ثم تلميذان ثم محمد المصمودي, ثم تلميذان ثم حسين الزغل,  محمد رشيد صفر, محمد يعيش, الحبيب كمون, ثم مدير المعهد الاستاذ "فوجار" الصف الثالث: علي الحيلي, توفيق بودية, منصور بوراوي,تلميذ, ثم محمد كريشان ,الحبيب كسكاس,  محمد بوعتور وبعدة أربعة تلاميذ نسيت أسماءهم.










صورة لنفس القسم السنة الدراسية 1947-1948- القسم الخامس- مع أستاذ العربية السيد الطيب خماخم. الجالسين من اليسار إلى اليمين: توفيق بودية, محسن السلامي, وتلميذ نسيت إسمه, الحبيب كسكاس,علي سحنون, الاستاذ الطيب خماخم, والبقية تلاميذ نسيت أسماءهم. الصف الثاني: توفيق قطاطة, محمد المصمودي,  محسن الفقيه,  محمد بوعتور, علي الحيلي, محمد  يعيش,  عبد العزيزمغيث و تلميذ ثم الحبيب كمون. الصف الثالث: تلميذ,ثم منصور بوراوي, تلميذان,ثم حسين الزغل.


وعدت إلى مدينة صفاقس قادما من المهدية في أواخر شهر سبتمبر 1952 والتقيت بالقيم العام بالمعهد السيد "كليمان" الذي أكد لي أن طردي لم يكن بصفة نهائية إلا من المبيت بالمعهد الفني و بالتالي يمكنني مواصلة دراستي بمعهدي بصفة تلميذ خارجي وهكذا تمكنت من مواصلة دراستي بصفاقس في السنة الدراسية 1952-1953 ونجحت في الجزء الثاني من الباكالوريا "اختصاص فلسفة" بملاحظة قريب من الحسن.وكانت الامتحانات الكتابية بصفاقس والامتحانات الشفاهية بالعاصمة بمعهد كارنو..وصاحبنا استاذنا في الفلسفة " كرينار" إلى تونس وتابع امتحان تلاميذه الناجحين في الكتابي و كنت قد التقيت به في رواق من أروقة معهد "قرنو" و أنا أتأهب للدخول إلى قاعة امتحان مادة الفلسفة... فنبهني مشيرا إلى أن الاستاذة الفرنسية التي ستمتحنني قادمة من الجزائر وهي مسيحية متشددة...وقد أفادتني تلك المعلومة إذ كان من بين المواضيع الثلاث التي طلبت مني تحليها موضوع " المبادي الأساسية للأخلاق"....وبقي الاستاذ "كرينار" معنا حتى الاعلان على النتائج...وأتذكر أني سألته ونحن ننتظر النتائج عن تاريخ أول امتحان للبكالورية في فرنسا فأعلمني أن أول امتحان كان في سنة 1808 وكان يقتصر على امتحان شفاهي في ماد تين فقط وكان عدد الناجحين في تلك السنة الأولى لم يتجاوز الثلاثين من التلاميذ.




يوم أحد من شهر ماي  1952في الجبال المحيطة بمدينة قراس من اليسار الى اليمين التلاميذ حافظ المزيو ورشيد صفر وتوفيق عبد المولى ومحمد قريعة.




 
صورة في ساحة معهد مدينة قراس يجنوب فرنسا لمجموعة  من التلاميذ الأجانب الذين كانوا متواجدين في المعهد في شهر ماي 1952.ويوجدفي الصورة في صف الواقفين من اليسار الي اليمين التلاميذ : محمد قريعة ورشيد صفر والحافظ المزيو. وفي صف الأول الجالس يوجد وهو  الثالث من اليسار الى اليمين التلميذ; ورفيق الدراسة الثانوية في معهد صفاقس محمد المصمودي.

Photocopie de l’enveloppe de la lettre à mon camarade Ali El-Hili
نسخة من ضرف الرسالة الموجهة إلى علي الحيلي.







هنالك غلط في تاريخ السنة الوارد في الرسالة والصحيح  هو1952 لا 1951
Première page de ma lettre de la ville grace à mon camarade Ali El-Hili
الصفحة الأولى من رسالتي إلى رفيقي في الدراسة وصديقي علي حيلي بتاريخ 1 جويلية 1952

-  الصفحة الثانية من الرسالة إلى رفيقي علي الحيلي وهي إجابة عن رسالته ابلغني فيها عن نجاحه في الجزء الأول من البكالورية وفي إمتحان ختم الدروس بالصادقية بتفوق رغم الطرد كما أبلغني  لوم عدد من الزملاء  للالتجاء إلى فرنسى لانهاء السنة الديراسية بعد طردي من معهد صفاقس.



Troisième page- الصفحة الثالثة
الصفحة الأخيرة من الرسالة إلى علي الحيلي
Dernière page de la lettre RACHID SFAR à ALI EL-HILI





وكان زميلي حسين الزغل قد قضى معي أسبوعا واحدا في قسم الفلسفة في بداية السنة ثم خير  تغيير توجهه و الالتحاق بالأخ علي الحيلي في قسم الرياضيات.وكان معي في قسم الفلسفة من التونسيين التلميذ الطاهر قاسم الذي أطرد من المدرسة الصادقية بتونس لمشاركته في المظاهرات وكذلك التلميذ المختار الفخفاخ( الذي سيصبح من اطارت البنك المركزي الفتي بعد الاستقلال) وعدد من الفتيات الفرنسيات من بينهن التلميذة"ناتاف"(Nataf) التي أخذت مقعد حسين الزغل إلى جانبي عندما غادر حسين قسم الفلسفة. ومازلت أتذكر أن الموضوع الأول الذي اختاره أستاذ الفلسفة السيد" كرينار" كموضوع أول تدريب إنشائي, بعد أن فسر للتلاميذ الفرق في صياغة الإنشاء الأدبية والإنشاء الفلسفية, كان تحليل وتفسير بيت للشاعر الفرنسي "ألفريد دي موسى"(Alfred de Musset) مفهومه " الإنسان متربص والآلام هي مدربه ولا أحد يتعرف على نفسه ما دام لم يتألم" «  L’ homme est un apprenti la douleur est son maître. Nul ne se connaît tant qu’il n’a pas souffert » وأوضح لنا الأستاذ "كرينار" قائلا: " انه يمكن طرق هذا الموضوع سواء على طريقة الإنشاء الأدبية أو على طريقة الإنشاء الفلسفية. وسأختبركم عند ما أتسلم منكم عملكم". وأعددت تحليلا أدبيا ثم تحليلا وتعليقا فلسفيا لبيت الشاعر وقدمت لأستاذي وثيقتان نالت استحسانه فقدمها لرفقائي كأنموذج للمنهجين اللذين كان تولى تفسيرهما لإعداد الإنشاء. كما أتذكر بالنسبة لنفس السنة أن أستاذنا المميز عبد العزيز بالحسن طلب من التلاميذ في قسم الفلسفة إنجاز مقارنة أدبية وفلسفية بين شعر المتنبي وشعر أبي فراس الحمداني فملت في تحرير الإنشاء إلى أبي فراس بالخصوص "لصدقه في قصائده وثباته على المبادئ طيلة حياته" حسب تصوري وانتقدت المتنبي بالرغم من بلاغة أسلوبه ومتانة شعره لأنه "كان ينافق ويرتزق بشعره".ولم يكن أستاذي مقتنعا كثيرا بالمرافعة المبالغ فيها لصالح أبي فراس ولكنه اعترف بصدق لهجة تحريري للدفاع على المبادي الاخلاقية.
و إني أتذكر بشوق دروس الأستاذ الشاب الطاهر قيقة الممتعة ويشاطرني في ذلك تماما رفيقي في الدراسة الثانوية علي الحيلي وبدون شك كافة رفقائي في القسم. وقد كانت دروس الطاهر قيقة تبدو رائعة بالنسبة لكافة التلاميذ في معهد صفاقس في تلك الفترة الاستعمارية. كان معهد صفاقس أول معهد تونسي يدرس فيه الطاهر قيقة بمجرد عودته من فرنسا وكان متحصلا على التبريز في الآداب العربية وكان قد نجح في الكتابي لمناظرة التبريز في الآداب الفرنسية الكلاسيكية مثل أستاذنا في الفرنسية السيد "هاني". وكان الطاهر قيقة قد طلب من إدارة المعارف في تلك الفترة تدريس الفرنسية والعربية لتملكه العميق من اللغتين والثقافتين ولكن قالت له السلط الاستعمارية " إن تدريس الفرنسية هو شأن الأساتذة الفرنسيين أما أنت فسنلحقك بمعهد صفاقس وبه شغور لتدريس العربية فقط "  وكان الطاهر قيقة في دروسه معنا كثيرا ما يتجاوز البرامج الرسمية ويقدم لتلاميذه مقارنات ممتعة ومميزة بين الشعر العربي والشعر  الرومانسي الفرنسي. ويبين لنا " كيف كان العرب "رومانسيين" قبل الشعراء الفرنسيين".وأبرز لنا في تحاليله حتى رومانسية الشعر الجاهلي... و يتذكر على الحيلي أنه عندما طلب القيم العام الفرنسي " كليمان" الطاهر قيقية إعداد دفادر التلاميذ في آخر الثلاثي الأول من السنة الدراسية وكانت مطبوعة باللغة الفرنسية قال له قيقية : "أنا أستاذ اللغة العربية ولذلك ستكون ملاحظاتي محرر بلغة تدريسي." و وضع الطاهر قيقة القيم العام أمام الأمر المقضي وأعاد له الدفادر ( وربما كانت في المعهد مبادرة فريدة من نوعها) بملاحظاته محررة باللغة العربية. وأمام الأمر المقضي أذعن القيم العام "كليمان" وقبل الدفادر من استاذنا الطاهر قيقية وطلب من قيم تونسي اضافة ترجمة الملاحظات من العربية إلى الفرنسية. واشتكت إدارة المعهد من سلوك استادنا المحبب إلى إدارة المعارف في تونس وطلبت نقله. وهكذا حرمنا من دروس الطاهر قيقية الراقية بعد سنة دراسية بدت لنا قصيرة جدا و تعلمنا فيها عنه الكثير  وأصبح قدوة إلى درجة أن كل تلميذ كان يحلم بأن يصبح يوما أستاذا مثل الطاهر قيقة. ونقل بالطبع الطاهر قيقة من معهد صفاقس....
وبقيت أتذكر ما اعترضتني من صعوبات للتحصيل على مصادر ومراجع في مكتبة المعهد عندما كلفني أستاذي " كلود لوسان" في أكتوبر 1951 بإعداد محاضرة على الأنظمة"التوتالتارية" أي الشمولية وخصائصها وأسباب انتشارها لعرضها في القسم أمام زملائي ومناقشتها. و وجدت ضالتي في مقال نشره والدي في مجلة "ليلى" بالفرنسية أواخر سنة 1939 وحلل فه عيوب النظام النازي الهتلري ومخاطره وكان من حضي أني اطلعت عليه في عطلة الصيف بالمهدية لما كنت أتفحص بعض الوثائق الراجعة لوالدي والتي احتفظت بها والدتي فاستفدت بالمقال و أدمجت في محاضرتي فقرات منه. وكان الأستاذ معجبا بمقال الطاهر صفر أكثر من محاضرة ابنه معترفا بأن المحاضرة التي اختارها كانت صعبة بالنسبة لمستوى القسم في بداية السنة. وكان الاستاذ " كلود لوسان" من أحسن أساتذتنا في اللغة الفرنسية وهو متحصل على شهادة التبريز في الآداب الفرنسية. كان مولعا بعمله كمربي وكان يشجع التلاميذ النجباء التونسيين مثل على الحيلي الذي بقي يكن له مودة خاصة وتابع مراحل تعليمه العالي في فرنسى وبقي يراسله حاملا ذكريات طيبة عن فترة تدريسه بصفاقس.
أجتزت الامتحان الكتابي للجزء الثاني من البكالوريا بمدينة صفاقس في شهر جوان 1953 مع بقية رفقائي ونجحت في الكتابي مع الرفقاء على الحيلي وحسين الزغل والآنسة نتاف. وانتقلنا إلى العاصمة تونس لاجتياز الامتحان الشفاهي بمعهد "كرنوا" واصطحبنا أستاذنا في الفلسفة "كرينار" حتى مدخل المعهد لتشجيعنا ونصحنا وقال لنا  منبها :"أن السيدة "باريس" أستاذة الفلسفة القادمة من الجزائر خصيصا لامتحانكم متمسكة بمعتقداتها المسيحية" وقد أفادني هذا التنبيه لأن من بين الثلاثة مواضيع التي طلبت مني الأستاذة تحليلها كان موضوع : " أسس علم الأخلاق في علاقتها مع الأديان السماوية". و أتذكر أني امتحنت في مادة الفيزياء والكيمياء من طرف الأستاذ الوطني أحمد نور الدين أصيل مدينة سوسة الذي سيصبح وزيرا للتجهيز بعد الاستقلال. وفي مساء اليوم الثاني من الامتحان انتظرنا النتائج أمام مدخل معهد "كرنوا" وحوالي الساعة الخامسة مساءا وقع التصريح بالنتائج ونجحت بملاحظة "حسن". كما نجح  رفقائي علي الحيلي والطاهر قاسم و كذلك الآنسة "نتاف" ( يهودية لها الجنسية فرنسية) و قد كانت ساهمت في إنقاذي من الاعتقال يوم تجمهر تلاميذ معهد صفاقس أمام قنصلية اليونان سنة 1952 كما ذكرت سابقا.
نشر نتائج الكتابي لشهادة البكالورية جوان 1953 في جريد ' لبريس"
نتائج الكتابي في  الفلسفة بصفا قس: بدر الدين عبد اله – الطاهر قاسم- بوستي لوسيان- دوسان ج م- تيجاني مقني- منجيون كمي- محمد صفر  وهو" محمد رشيد صفر"
نتائج الكتابي في الرياضيات: على الحيلي- فتحي المزيو- رينار كلود.  
نتائج الكتابي في الفلسفة فتيات صفاقس: 11 تلميذة من بينهن التلميذة " ناتاف إيملي" التي كانت ساهمت في انقادي من الإيقاف في مظاهرة فيفري 1953 امام قنصلية اليونان





الزعيم الحبيب بورقيبة في آخر شهر جانفي 1952 في منفاه بنزل فرنسا بمدينة طبرقة وبجانيه زوجته الأولى "ماتلدا" (موفيدة بعد أن أسلمت) يوم زيارتها له مصحوبة بطفلة من عائلة زويتن.
----------------------




في أكتوبر 1956 يغادر رشيد صفر كتابة الدولة للشباب والرياضة ويتفرغ لإنهاء دراسته العليا وقد سجل نفسه في شعبة التاريخ في دار المعلمين العليا التي بعثت في سبتمبر 1956 وذلك بالإضافة إلى مواصلة دراسته في الحقوق والاقتصاد. كانت الآنسة زكية حرمل ومحمد فنتر من بين الذين اختاروا مع رشيد صفر شعبة التاريخ. ;وقد تم قبول صفر وحرمل لمواصلةالديراسة ببدون اشتراط تقديم "مقالة" لأنمها متحصلان بالاضافة إلى البكالورية شهادة  إعدادية  في الآداب العصرية  Propédeutiques en Lettres Modernes و في جانفي 1957 انقطع رشيد صفر عن متابعة دروس التاريخ وقد استجاب مع مجموعة من الطلبة التونسيين لنداء وزير المالية الهادي نويرة لالتحاق بوزارة المالية عندما غادر بصفة مفاجئة عدد كبير من الموظفين الفرنسيين مصالح وزارة المالية لتعجيز الحكومة التونسية ألفتية. 

مرحلة التعليم العالي : من الاستقلال الداخلي إلى الاستقلال التام وميلاد النظام الجمهوري.
                              1954- 1959
واصلت تعليمي العالي في الآداب والحقوق والعلوم الاقتصادية بتونس بمعهد الدراسات العليا من أكتوبر 1953 إلى جوان 1958وكان من بين أساتذتي في تونس بالخصوص "فرنسوى شاتلي" (François Châtelet)في مادة الفلسفة ومحمود المسعدي في الآداب العربية و"ريمون بار" (Raymond Barre)و" دي برنيس" De Bernis) في الاقتصاد و"جان قنياج" (Jean Ganiage)في التاريخ. أحدث معهد الدراسات العليا بأمر منذ أكتوبر 1945 وكان تحت اشراف جامعة باريس بمختلف كلياتها, وبالخصوص كلية الآداب المعروفة بال"السربون" وكلية الحقوق. وكان جل الأساتذة المدرسين في المعهد من الفرنسيين الملحقين من جامعة باريس.
وفي السنة الجامعية الأولى من دراستي في معهد الدراسات العليا بتونس ( 1953-1954) اخترت متابعة الدراسة بالتوازي في الآداب والحقوق وكانت العلوم الاقتصادية في تلك الفترة تدرس ضمن الإجازة في الحقوق. وتمكنت من العمل في العاصمة كقيم "نصف الوقت" في معهد كرنو بتونس وذلك لتغطية كلفة الدراسة والإقامة بتونس.  وكان من بين زملائي القيمين في نفس المعهد: الأخ عبد القادر المهيري ( كان يتابع دراسته في السنة الثانية من الإجازة في الآداب العربية) ومعه قيم فرنسي اسمه "رومان", و الأخ عبد الرزاق بوريشة ( كان يعد إجازة في الفيزياء ) و الأخ عبد الوهاب حروش ( يدرس في سنة تحضيرية للصيدلة) و الأخ الطاهر قاسم الذي كان في تلك السنة يدرس معي السنة التحضيرية آداب عصرية بمعهد الدراسات العلي وذلك في نفس الفوج الذي كان يضم عدد من الطلبة التونسيون سيصبحون أساتذة لهم شأن كبير في الجامعة التونسية الفتية مثل صالح القرمادي وتوفيق بكار والأخوان ستهم والآنستان حرمل ومزالي.
صورة في ساحة معهد كرنوا- السنة المدرسية1953-1954فيها مجموعة من قيمي المعهد: الواقفون من اليمين إلى اليسار محمد البدوي ثم قيم من أصل جزائري ثم رشيد صفر ثم قيمان فرنسيان والجالسون: القيم رومان ثم عبد القادر المهيري ثم قيمان فرنسيان ثم عمار السودي.
---------------------------------------------------------------
وكنت مع  زميلي الطاهر قاسم  أتابع بالتوازي الدروس التي كان يلقيها الأستاذ "فرنسوا شاتلى" في معهد كرنو في القسم التحضيري لمناظرة الدخول للمدرسة العليا للترشيح في باريس Normal Sup) ( بالإضافة إلى الدروس التي يلقيها في قاعة المدرج  الكبير للمعهد الذي كان يحمل اسم المستشرق الفرنسي "ويليام مرسى"  « William Marçais » وكان غالبا ما يكون المدرج مزدحما بالطلبة وحتى بتلاميذ أقسام الفلسفة من مختلف معاهد العاصمة نظرا للشهرة التي اكتسبها الأستاذ " فرنسوا شتلي" بتونس في أوساط الطلبة في تلك الفترة. وكان هذا الأستاذ تقدمي النزعة والاتجاه و ينشط في التظاهرات والاجتماعات التي كانت تنادي بسراح المساجين الوطنيين التونسيين وكان من الفرنسيين الذين يجاهرون بمساندتهم لاستقلال تونس. أتذكر إني شاركت في اجتماع صحبة الرفيق الطاهر قاسم انعقد في الاشهر الأولى من سنة 1954 بساحة فسيحة بمنزل يقع بنهج بوخريص بالعاصمة ضم  الاجتماع حوالي مئة شخص من اساتذة التعليم الثانوي والعالي و بعض المحامين والمفكرين التونسيين والفرنسيين و من بينهم استاذنا فرانسوا شاتلي و أخد الكلمة عدد كبير من الحاضرين لاقتراح تحركات سلمية مختلفة للضغط على السلطة الاستعمارية للإفراج عن المساجين المواطنين وفي مقدمتهم الزعيم الحبيب بورقيبة وكانت اول مرة التقي فيها بالمحامي الشاب المنذر بن عمار. وأخذ الكلمة رفيقي الطاهر قاسم وتدخلت في النقاش بعده بحماس مقترحا تكثيف النداءات للإفراج عن طريق رسائل مفتوحة توجه باسترسال لكافة الصحف الفرنسية وتكون ممضاة  بالخصوص من طرف الاساتذة والمفكرين الذين لهم مكانة في المجتمع. في صباح اليوم الموالي لهذا الاجتماع كان لنا درس مع شاتلي في معهد كارنوا وفي نهاية الدرس طلب استاذنا من الطاهر قاسم ومني البقاء معه في القاعة ولما خرج التلاميذ وأغلبيتهم كانوا فرنسيين قال لناّ:" لقد حضرت في اجتماع  مساء الأمس أخت المحامي المنذر بن عمار وهي السيدة وسيلة بن عمار ولو أنها لم تخرج لساحة المنزل الذي عقد فيه الاجتماع ولكنها كانت متواجدة في احدى الغرف وتابعت كافة التدخلات بما فيها كلماتكما وأخبرني أخاها بأنها تريد أن تلتقي بكما لتكليفكما ربما بمهمة سياسية وهذا هو عنوان الشقة التي ستنظركما فيها يوم الجمعة المقبل على الساعة الرابعة مساءا..." استغربنا من الدعوة إذ لم تكن لنا أي علاقة سابقة بالسيد بن عمار...ولكن...  توجهنا طبعا للمكان المعين وحسب الموعد وبقينا طويلا نضغط على جرس المنزل ولا يجيبنا أحد وكأن المنزل خالي من أي ساكن. وانتهى الأمر بهذه الصفة.....بقيت لي ذكريات من استاذي " شاتلي" عن دروسه المتعلقة بالخصوص ب الفلاسفة "كانت" و"هيقل " و"أفلاطون" و"أرسطو" . كان إستادنا المحبب في تلك الفترة مغرما بالخصوص بهيقل وأطنب في تحليل كتابه المتعلق بالجماليات " الإستاتيكة" L’ESTHETIQUE
و تابعت في نفس الوقت بمعهد الدراسات العليا  بتونس دروس الإجازة في الحقوق والاقتصاد من السنة الجامعية 1953-1954 إلى السنة الجامعية1957-1958. وفي السنة المدرسية1953-1954 تابعت الدروس الذي كان يلقيها الأستاذ "ريمون بار" في الاقتصاد بمعهد الدراسات العليا وكانت تلك السنة هي آخر السنة الذي درس فيها "بار" بتونس التي قدم إليها في بداية سنة 1951 لأنه كان يريد التعرف على خصوصيات المغرب العربي وغادر ريمون بار تونس بعد أسابيع قليلة من قدوم "منداس فرنس"  إلى تونس يوم 31 جويلية 1954 للإعلان على موافقة فرنسا منح تونس  استقلالها الداخلي وكان ريمون بار منذ تلك الفترة مؤيدا للسياسة التي سلكها "مادس فرنس" سوءا في الهند الصينية أو في تونس وكان مولعا بكتب  الاقتصادي المشهور"كينس" وبدروس " ريمون آرون" التي تابعها وهو طالب في معهد العلوم السياسية بباريس (Sciences-po.(.
بقيت في الذاكرة من دروس "بار"مقدمته الممتازة لتاريخ الفكر الاقتصادي وتتطور النظريات الاقتصادية وتعريفه للعلوم الاقتصادية وضبطه لحدود وإمكانات التحاليل الاقتصادية وسبل استعمالها وخاصة تصوراته للمسحة الإنسانية التي يتعين على العلوم الاقتصادية أن لا تتخلى عنها بالرغم من بداية تكثيف النزعة على الاعتماد الجاف عن الأمثلة الرياضية والتوغل في اختصاص جديد يعتمد أساسا عن الرياضيات :L’économétrie وبقيت في الذاكرة راسخة دروس " بار" المتعلقة بتوسيع الدخل الوطني ومختلف النظريات المتعلقة بتوسيع الدخل انطلاقا من المدرسة الكلاسيكية الانكليزية مع "أدم سميت" و "ريكاردو" و " ستورت ميل" إلى المدرسة الماركسية ثم المدرسة "الهامشية": La théorie marginaliste de la répartition ثم صراع المجموعات على توسيع الدخل والتحاليل والنظريات ذات النزعة "الكينيزية" وختم هذه الدروس بتوزيع المداخيل في اقتصاد السوق: التوزيع الوظيفي, الأسواق وأسعار عناصر الإنتاج, المبادي الأساسية لتحليل أسعار عناصر الإنتاج, الطلب لعناصر الإنتاج, العرض لعناصر الإنتاج, سوق الشغل في الاقتصاد العصري,القروض وأسواق رأس المال ونسبة الفائدة وتأثيراتها على نسق النمو, القرض وخصوصياته, المؤسسات المقرضة والبنوك والنظريات المتعلقة بأرباح المؤسسات الاقتصادية والتحاليل المتعلقة بالتوازنات الكبرى للاقتصاد الوطني وتأثير تطور الإنتاجية الجملية عليها.
كان "بار" يقول لنا إن علم الاقتصاد هو أساسا علم يبحث عن الاستعمال الأفضل للموارد النادرة..وهو علم يدرس مختلف سلوكيات البشرية في كل ما يتعلق بصيغ استعمال هذه الموارد. وعلم الاقتصاد يحلل و يفسر السبل و الوسائل التي يستعملها الفرد و المجتمع لتوظيف موارد محدودة للاستجابة إلى حاجيات متعددة بل حاجيات تتزايد و لا نهاية في تزايدها مع تطور المجتمع..
والمعروف أنه ليس هنالك تعريف وحيد لعلم الاقتصاد, بل تعددت التعاريف مع تعدد المدارس الاقتصادية و الاختصاصات في هذا العلم. وهكذا يمكن أن نتكلم عن الاقتصادي المالي و الاقتصاد الدولي و الاقتصاد الصناعي او الفلاحي..الاقتصاد العمومي..إقتصاد العمل و الموارد البشرية..إقتصاد الصحة والتربية  و المحيط.....
أتذكر أن "جان- باتيست ساي" كان قدقال منذ سنة 1803 إن االاقتصاد  هو علم يدرس و يفسر سبل و منهاج خلق الثروات ثم طرق توزيعها و استهلاكها حتى تستجيب لحاجيات المجتمعات..
و و أما ما هو معروف بالاقتصاد "الاجمالي" la macroéconomie -   فهو يدرس الاقتصاد في مجمله مركزا على التوزوات الكبرى للموارد المالية و للمبادلات التجارية الداخلية و الخارجية لكل بلاد و للعالم بأسره  و يدرس اختيارات المجتمعات و انعكاساتها و سبل عمل و سياسات و اختيارات الشركات و الحكومات و نتائجها من خلال مجموعة من المؤشرات التي تحاول الكشف عن الصحة الاقتصادية و تطورها في مقدمتها نسق التنمية و مكونات التنمية و ذلك أساسا من خلال تطور مؤشر الناتج الداخلي الخام السنوي لكل قطر...
و أما الاقتصاد "التفصيلي" la microéconomie  - فهو يختص بدراسة سلوكيات الأعوان الاقتصاديين من أفراد وأسر و مؤسسات و شركات و جمعيات..كما يدرس نشاط هذه الأعوان الناشطين  في مجالات التصرف و الانتاج و الاستهلاك و الادخار و تفاعل كل هذه المجالات مع بعضها..
يبقى السؤال الاساسي المتعلق بترتيب علم الاقتصاد دوما مطروحا بالرغم من تطور العلوم الاقتصادية و تعدداستعمال الرياضيات في الاقتصاد و خاصة هيمنة الامثلة الرياضية...هل يرتب الاقتصاد من بين العلوم الصحيحة؟ من وجهة نظري و بالرغم من أن العديد من نبغاء الاقتصاد مثل " ليون ولراس" Léon Walras أدعو أنهم توفقوا إلى إكتشاف قوانين ثابتة قادرة على تفسير و التنبأء بمجمل سلوكيات الناشطين الاقتصاديين فإني بقيت أعتبر أن الاقتصاد يرتب أساسا بين العلوم الانسانية بالرغم من مساعيه الكثيفة للارتقاء إلى العلوم الصحيحة مثل الفيزياء أو الكيمياء أو الرياضيات....
وكانت لي فرصة منذ السنة الأولى من الدراسة بمعهد الدراسات العليا بتونس – تبينت لي أهميتها في ما بعد- مكنتني من متابعة يوم الجمعة 14 جانفي 1954 محاضرة مميزة بقي لها منها بعض الأثر في ذهني،  و كان قد ألقاها  الأستاذ" ريمون بار" -وهو مبرز في الأقتصاد السياسي- وذلك بنادي كان يسمى "بالصداقات التونسية"  بمقر "معهد الآداب العربية الجميلة" نهج جامع الهوى بالعاصمة. وكان موضوع المحاضرة تحليل معمق لوضع الاقتصاد التونسي وإشكالاته وآفاقه في تلك الفترة. وقد نشر نص هذه المحاضرة في العدد 65 من مجلة " أبلا"  IBLA بتونس  وفي "مجلة الاقتصاد السياسي" بباريس. وافتح "بار" محاضرته بالاستشهاد بفقرة من كتاب خير الدين يصف فيها الوضع الاقتصادي والاجتماعي في تونس ويشير إلى المخاطر المحدقة بوطننا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. ثم إنطلق في الإشارة بإيجاز  إلى ما أنجزه الاستعمار في تونس منذ انتصاب الحماية في ما سماه "بتعصير وتنمية الاقتصاد التونسي" مستشهدا أساسا بمضاعفة عدد السكان و "  بتقدم اقتصادي واجتماعي وثقافي يفسر طوق التونسيين إلى الاستقلال." ثم يركز تحليله على محورين :
-تعلق المحور الأول بتحليل مرقم لخصائص الاقتصاد التونسي و هيكلتة مركزا على نقط الضعف ومستخلصا أن الإحصائيات تبرز أن الأجانب متواجدين ; و نشطين  بنسبة 12 في المئة في القطاع الفلاحي و41 في المئة في القطاع الصناعي و بنسبة 17 في المئة في قطاع الخدمات في الوقت الذي يتواجد  و ينشط 48 في المئة من التونسيين في القطاع الفلاحي أغلبهم يستغلون مساحات صغرى و13 في المئة في القطاع الصناعي التقليدي و  39 في المئة في قطاع الخدمات الصغرى.
- وتعلق المحور الثاني بأهم إشكاليات الاقتصاد التونسي و بالخطوط الكبرى التي يتعين اعتمادها لفتح آفاق جديدة للتنمية الاقتصادية التونسية مستعرضا العوائق الأساسية من وجهة نظره والمتمثلة بالخصوص منذ تلك الفترة في التشتت العقاري وفي ضعف الإنتاجية وضعف مهارة اليد العاملة. ثم يقدم تصوراته الأولية لصياغة برنامج عمل تنموي في نطاق مخطط رباعي جديد يجعل النمو الاقتصادي في خدمة تحقيق أهداف تقدم اجتماعي.وضع بكل وضوح الأستاذ "ريمون بار" أمام مستمعيه السؤال التالي: هل يجب إعطاء الأولوية إلى التنمية الفلاحية أم إلى التنمية الصناعية في تونس؟ ثم يقر انه يتحتم في فترة أولى إعطاء الأولوية للتنمية الفلاحية شريطة أن يقع إحكام صياغة سياسة جديدة  متعدد الجوانب وتعتمد بالخصوص على الميادين التالية:
-1سياسة عقارية تكون العمود الفقري لهذه التنمية ويكون فيها إصلاح أراضي الأحباس محورا أساسي إلى جانب ضرورة تصور حلول جذرية للتجزئة الأراضي.
-2 سياسة محكمة لتعبئة الموارد المائية
-3 مجهود كبير لتطوير التكوين الفلاحي العصري و إرشاد الفلاحين عبر ضيعات مثالية تغطي كافة الأرياف.
-4 مجهود تأقلم المنتوجات الفلاحية مع خصائص كل جهة ومع مساحة الأراضي المستغلة مع تكثيف إنتاج الأعلاف الضرورية لحماية وتطوير تربية الماشية.
-5 تنظيم محكم لأسواق المنتجات الفلاحية لتحقيق توازن الأسعار وضمان دخل قار للفلاحين مع تشجيع التصدير بالنسبة لمنتوجات مثل زيت الزيتون.
ثم يقول "بار" إن تعصير القطاع الفلاحي الحتمي في تونس سيؤدي تدريجيا إلى بروز إشكالية التشغيل متسائلا هل يمكن عندئذ أن يكون تطوير التصنيع هو الحل؟ ثم يجيب " بار" ان التصنيع وخاصة في مجال الصناعة الثقيلة لا يمكن أن ينجح إلا في نطاق تصور تكامل صناعي على مستوى كامل السوق المغاربية. وستكون دائما التنمية الفلاحية هي السباقة للتصنيع شريطة أن توفر في البلاد تنمية عالية للمداخيل تؤدي إلى رفع الطلب داخلي الضروري. ويختم" بار" محاضرته بالإشارة إلى ضرورة الابتعاد عن المنهج الفرنسي في التخطيط و تصور تنمية البلاد التونسية على المدى المتوسط و الطويل حتى تأخذ القرارات الصائبة في حينها. لم يتجاسر بالطبع الأستاذ ريمون بار في محاضرته الطولية على تناول الوضع الاجتماعي المأساوي الذي كان يتخبط فيه أكثر من نصف المواطنين التونسيين بعد أكثر من سعبين سنة  من الاستعمار الفرنسي.وقد كان عدد السكان في وطننا في تلك الفترة حوالي ثلاثة ملايين و400 ألف و كان أكثر من نصفهم في حالة مجاعة و سوء تغذية وبؤس شديد وهم يسكنون الأكواخ من الطوب. وكان الفرنسي الجسور الطبيب الباحث الدكتور" اتيان بورني" قد أقر بنفسه أن "حوالي 54 في المأة من التونسيون كانوا في حالة مجاعة دائمة وبؤس فادح".
وعلى كل فقد كانت فرصة استماعي لهذه المحاضرة استكمالا للدروس النظرية في الاقتصاد وخاصة  في الاقتصاد السياسي التي تابعتها في المعهد بتونس وكنت قد تمكنت من جلب نسخة من دروس هذه المادة من كلية باريس. وقد استفدت كثيرا من تصور واقع الاقتصاد الوطني من طرف رجل مقتدر و نزيه  كان و بقي يكن للتونسيين كامل التقدير و يجاهر منذ سنة 1953 بأنه يعتقد بأن التونسيين أصبحوا مؤهلين للتحكم في مصيرهم وأن مطالبتهم بالاستقلال أمر شرعي. أنهى الأستاذ " ريمون بار" تدريسه بتونس مع نهاية السنة الجامعية 1953-1954 و خسرناه في تونس إّذ انتقل إلى فرنسى أين أصدر كتابا للطلبة في الاقتصاد السياسي في جزأين كانت محاوره الأساسية الدروس التي ألقاها بتونس وكان لهذا الكتاب رواج كبير في أوساط الطلبة في فرنسا وفي البلدان المستعملة للغة الفرنسية مثل تونس. و اشتهر هذا الكتاب حتى انه أصبح يسمى ويعرف من طرف الطلبة باسم مؤلفه " البار".و يستحق هذا الرجل من وجهة نظري أن نطلق اسمه على شارع من شوارع عاصمتنا.
بالاضافة الى تأثري الكبير بدروس الأستاذ  ريمون بار كنت  مولعا بكتب الأستاذ فرسوا بيرو  François Perroux   المتعلقة بالخصوص بتنمية الدول التي كانت مستعمرة وكذلك طالعت بشغف كبير كتب الأستاذ جان مرشال  Jean Marchal  وخاصة كتابه : دروس في الاقتصاد السياسي الصادر سنة 1950 وكتابه: الأشكاليات الاقتصادية الكبرى المعاصرة الصادر سنة 1948 وكتابه :  ميكانسمات الأسعار وهيكلة الاقتصاد 1946 وكتابه: حول مردودية الأنظمة الجبائية ونظرية تأثير الآداءت 1942. وتابعت دراسة كتب جان مرشال بعد الدراسة وأنكببت على كتبه التالية: توزيع الدخل الوطني 1958 ثم الأنتعاش والركود 1963 ثم النقد والقروض 1964 وأخيرا النظام النقدي العالمي: من بيرتن ودس الى نظام الصرف العائم.
كان ولوعي بالتاريخ قد جرني  إلى اقتناء مجموعة كتب المؤرج البلجيكي " جاك بيران"     Jacques Pirenneو خاصة مجموعة الثلاث مجلدات الخاصة بما سماه الاتجاهات الكبرى للتاريخ العالمي.. «  les grands courants de l’histoire universelle » وقد ابرز بيرين بالخصوص الدور الأساسي للتطورات و المصالح الاقتصادية في مجرى التاريخ الانساني ,فزادتني هذه الدراسة لمؤلفات "بيران" ولوعا بدراسة تاريخ تطور الاقتصاد العالمي و بوادر عولمة الاقتصاد.
 و يعرف القاري الكريم أن الربع الأخير من القرن العشرين شهد نقاشا مستفيضا حول ظاهرة العولمة الاقتصادية، التي أدت فيها ثورة المعلومات والاتصالات إلى ربط مختلف أرجاء العالم لتجعل منه حسب قول جل المفكرين "قرية كبيرة" في الوقت الذي افضل القول بأن العلم اصبح كالمدينة العملاقة بأحيائها الفاخرة و احيائها الفقيرة و الرثة. و قد حدث هذا التحول العملاق في ختام سلسلة من الأحداث مر بها العالم منذ بداية القرن العشرين، لا يجوز تناسيها بالنسبة لكل من يتطلع إلى رسم تصور المستقبل لوضع أسس دولة قادرة على  اللحاق فعلا بالدول المتقدمة والمشاركة في توجيه حركة العالم إلى ما فيه صالح البشرية. جمعاء
وفي لمحات سريعة أوجز للقاري أهم الأحداث التي أعادت تشكيل كل من العالم والدول والأقاليم..... حتى أوصلتنا إلى الحاضر ,تحدياته الجسام.... ففي بداية القرن العشرين كان المتحكم في خريطة العالم إمبراطوريات بنتها دول قومية، بعضها نحى بها منحى إمبريالياً، يقوم على الاستيلاء قسرا على أراضي أقوام آخرين، للاستيلاء  أساسا على حصيلة أنشطتها الاقتصادية.....  وهكذا استعمرت فرنسا على وطننا تونس بعد ان استعمرت الجزائر و الحقتها تها بمقاطعاتها ، وكان التوجه الاستعماري يهدف اساسا لتعزبز حركة التصنيع العصري في اوروبى التي كانت في حاجة إلى خامات تجبر المستعمرات على توفيرها لها مقابل تصدير جانب من منتجاته الصناعية لتوسيع سوقها....وكان في المقدمة الإمبراطورية البريطانية التي وصفت بأن الشمس لا تغيب عنها و تليه فرنسا ثم بلجيكة و البرتغال و  و إطالية...و حتى هولندة....وفرضت تلك الدول الرأسمالية نظاما للتجارة الدولية يقوم على ما يسمى" بالمزايا النسبية"، اختصت لنفسها منه ما يقوم على المعرفة الفنية و التقنية المتقدمة وحصرتها للدول التابعة في المواد الطبيعية، وتصارعت فيما بينها لانتزاع أكبر قدر من المستعمرات.,,,,,وانتقلت الإمبراطوريات الأوروبية من سلسلة حروبها الإقليمية تتنازع فيها على ممتلكاتها، إلى حربين عالميتين فصل بينهما عقدان، شهد ثانيهما حروبا تجارية تسبب فيها الكساد الكبير الذي فجره انهيار بورصة وول ستريت في 29/10/1929 في أعقاب موجة رواج وتضخم  فضيع انطلق في الولايات المتحدة و انتشر في جل انحاء العلم.
وهكذا اتخذت الحروب السياسية   أبعادا عالمية  و كان للتوسع التجاري والبحث عن المصالح الاقتصادية و المالية دور محوريفي اسبابها الحقيقية ،و أشركت في هذه الحروب دول لا ناقة لها فيها ولا جمل سوى أنها وقعت أسيرة الاستعمار المباشر. ودفع ذلك النوع من الصراع إلى مناداة البعض بإقامة وحدة عالمية. ولكنها فشلت لعدم توفر الأسس الموضوعية التي تكفل نجاحها فاتجه التفكير إلى تغيير النظام الكلاسيكي السائد في الدول الرأسمالية التي تدعي الحرية لأبنائها، باقتران ديمقراطية سياسية بحرية للأسواق..... فقامت ثورة أكتوبر 1917 الاشتراكية في روسيا، بينما عمدت دول هزمت في الحرب العالمية الأولى إلى إعادة بناء نظمها السياسية مقتدية بالنموذج الياباني الذي شكل مركزا استعماريا في شرق آسيا، تلعب فيه الدولة دورا بارزا في الشؤون الاقتصادية، فظهرت الفاشية الإيطالية في العشرينات والنازية الألمانية في الثلاثينيات، واتجهت الدول الثلاث إلى استعمار من عداها من دول استعمارية فنشبت الحرب العالمية الثانية، التي اختتمت بإسقاط قنبلتي هيروشيما وناغازاكي، لينتقل العالم من حروب عالمية إلى أسلحة عالمية، تنذر بدخول العالم كله شتاء نوويا و انقسم العالم على قطبين......
ورغم أن العالم حرص على تدعيم السلام والأمن العالميين، وإعادة تعمير ما خربته الحرب العالمية الثانية التي أودت بحياة أكثر من 50 مليون نسمة، وإحداث تنمية تحد من دوافع الصراع، بإنشاء تنظيم سياسي اقتصادي عالمي عماده هيئة الأمم المتحدة (التي روعي فيها تفادي القصور الذي شاب عصبة الأمم التي أقيمت عقب الحرب الأولى)، ومعها منظمات قطاعية قائمة ومستجدة ومؤسسات اقتصادية ضمت صندوق النقد الدولي ليسيطر على الأنظمة النقدية وعماده الدولار الأمريكي، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير ثم اتفاقية الـ "جات" كبديل بمؤسسة تجارة دولية، فإن البعد الإقليمي اكتسب اهتماما كبيرا، مع انقسام العالم إلى ثلاثة اقطاب: كان القطب الأول يضم الدول الرأسمالية، وفي قلبه أوروبا الغربية التي أقامت سوقها المشتركة كمقدمة لوحدة سياسية، و كونت الدول الاشتراكية  القطب الثاني وقد اهتمت بالتعاون لإعادة بناء اقتصاداتها وفق أسس جديدة، ثم برز قطب ثالث ضعيف سمي  بالعالم الثالث الذي سعى إلى إقامة تكتلات اقتصادية لم تحظ بنجاح كبير، خاصة مع محاولة القطب الأول ربطه بأحلاف تستعين بها في حرب باردة مع القطب الثاني، فتصدت لها في مؤتمر "باندونغ" وشكلت مجموعة عدم انحياز للتخلص من القيود السياسية والاقتصادية والتركيز على التنمية بدفع الأمم المتحدة إلى وضع أسس نظام اقتصادي دولي جديد في 1974، بينما تصدت مصر الناصرية إلى حلف بغداد واستردت قناتها فكانت حرب 1956، ثم أقامت منظمة التضامن الآفروآسيوي لتعزيز استقلال دوله السياسي، ودفعه للاقتداء بمنهجها القائم على التصنيع وهو ما هدد بإجهاض الاستعمار الجديد، فكانت حرب 1973 بإشراف أمريكي، ثم دفعها إلى انفتاح اقتصادي رغم انتصار أكتوبر/تشرين أول عام 1967، لتعود مرة أخرى للارتباط بالاقتصاد العالمي تحت الهيمنة الأمريكية، القائمة على آليات فرض التبعية من خلال الشركات عالمية النشاط.
ورغم أن الاتحاد السوفيتي حقق سبقا في أوائل الستينيات في غزو الفضاء، فإن الولايات المتحدة عمدت إلى توجيه هذا الغزو، بجانب الاستخدامات العسكرية، إلى إشراك قطاعات الأعمال، لتكتمل أركان الثورة التكنولوجية، ويدخل العالم عصر ما بعد الصناعة التي ما زالت دول نامية توسع فيها، إلى مجتمع المعلومات والاتصالات. من جهة أخرى أدى إفراط الولايات المتحدة في تعزيز الاستهلاك بشقيه الجماعي الذي تخصص الجانب الأكبر منه لحروب وانتشار عسكري في أرجاء العالم (وما قاعدتها في قطر وأساطيلها في المياه العربية إلا قطرة في بحر) والعائلي الذي تغذي فيه اقتناء السلع المعمرة التي تتفنن في تنويعها، إلى إضعاف الدولار وانهيار النظام النقدي العالمي (بريتون وودز) في أوائل السبعينيات مع رفع أسعار القمح ثم ارتفاع أسعار البترول، ليعاني العالم ظاهرة هي الأولى من نوعها تجمع بين التضخم والركود، ثم المناداة باستخدام السياسة النقدية كأداة لتوجيه الاقتصاد، وما تلا ذلك من ارتفاعات فلكية في أسعار الفائدة، ليقع العالم الثالث فريسة لضغوط جعلت الثمانينيات عقدا ضائعا للتنمية، أي أن الولايات المتحدة تخلصت من ضائقتها بإلقاء تبعتها على الدول النامية.
في منتصف الثمانيات من القرن العشرين يمكن أن نقول قد انتقل العالم الثالث من الاستغلال لموارده الطبيعية إلى الاستغناء عن قواه البشرية..... فلم تعد الدول المتقدمة محتاجة إلى البشر الذين اتخذت منهم وقت الحاجةعبيدا، ثم استعبدتهم داخل دولهم، ولم يعد لها مع الثورة التكنولوجية حاجة  مكثفة إليهم.... ففي عالم توسعت فيه انشطة المعرفة و تقلص النشاط البدني والعقلي  البسيط لا يجد من لم توفر له ظروف الإسهام المعرفي أي ضرورة..... وأضفت إلى ذلك أن المستقبل سيشهد تقاربا بين القطبين الأول والثاني لأنهم شركاء في الجذور الحضارية وفي الثورة التكنولوجية، وهو ما تحقق، ولم يصبح أمام الدول الرأسمالية سوى توجيه الثورة التكنولوجية للتخلص من أزمات نشبت أولاها في 2008. وهي تجتذب الأفراد الواعدين بتعزيز تلك الثورة إليها، ليتركوا أوطانا يتطاحن فيها بشر بعضهم يعيش في الماضي السحيق والآخر غريق فيما حوله. ومن ثم يبرز لنا أنه يتحتم علينا الآن إعادة صياغة مفهوم  و منوال التنمية الاقتصادية و الاجتماعية المتصفة بالتحكم الحقيقي بالعلوم و المعرفة و بالكفاءة والعدالة و الحوكمة الرشيدة الناجعة، وإلا تلاشت الأوطان وأصبح أهلها في خبر كان.......

خطاب  منداس فرنس صباح 31 جويلية 1954 في قصر قرطاج
كنت بمدينة المهدية يوم إلقاء منداس فرانس رئيس الحكومة الفرنسية خطابه التاريخي بين يدي  الأمين باي بقصر قرطاج مصطحبا الجنرال "جوان".واستمعت مع جدي مصطفى عبر المذياع إلى فحوى الخطاب الدي أعلن بكل وضوح عن استعداد الحكومة الفرنسية الدخول في مفاوضات جدية مع حكومة  تونسية صرفة للبلوغ إلى إستقلال تونس بمراحل موضوعية وعبر الحوار والتعاون النزيه.صدق الرجل و شجاعته القوية  لانهاء مصيبة حرب الهند- الصينية جعلت كافة أهالي المهدية فرحين و مقتنعين أن عهدا جديد فتح في ذلك اليوم سينسينا في الوعود السابقة التي لم يتبعها أي إنجاز. إنتبهت إلى جدي وقد أغرورقت عيناه بالدموع وقال : " الحمد الله عشت هذا اليوم الذي سينطلق فيه تحقيق كل ما ناضل من أجله وأفنى عمره مبكرا إبني الطاهر".
في السنة الجامعية 1954-1955 تمكنت من التحصيل على عمل كقيم كامل الوقت في المعهد الثانوي المختلط بقرطاج وأتذكر بعض الأسماء للتلاميذ المتواجدين في هذا المعهد في تلك الفترة مثل الدالي الجازي( الذي سيصبح أستاذا جامعيا ثم وزيرا) و كلوديا كردينال ( التي ستصبح نجمة سينمائية مشهورة) ونجيب صفر ( الذي سيصبح طبيب مختص في العيون) و وخالد الطبربي و جودة غراب و الصادق خلاص وغيرهم. و  أتذكر من بين القيمين الذين اشتغلوا معي في معهد قرطاج عبد الوهاب حروش ( الذي كان تلميذا معي في معهد صفاقس وقد  تابع دراسته في السنة التحضيرية للصيدلة) و زركاء ( وهو يهودي له الجنسيتين التونسية والفرنسية وقد تابع دراسته في الحقوق) وماليس فييو ( وهو فرنسي ابن السيدة فييو التي كانت تملك وتدير النزل الذي كان في وسط قرية عين دراهم وقد تابع دراسته العليا في الجغرافية والتاريخ) ومن بين الأساتذة الذين كانوا يدرسون في المعهد أتذكر من بين التونسيين الأستاذ القدادي الذي كان يدرس اللغة الأنقليزية و الأستاذ الدرويش الذي كان يدرس اللغة العربية والأستاذ الصادق العايدي الذي كان يدرس الرياضيات وكان متزوجا بسيدة فرنسية  فاضلة كانت تدرس نفس المادة وقد انجب طفلان سمى الأول فرحات والثاني حشاد.
كنت أتابع  من خلال  تحاليل جريدة الصباح تطور المفاوضات المتعلقة بالاستقلال الداخلي التي كانت تقوم بها حكومة الطاهر بن عمار بمشاركة  وزراء مستقلون: من بينهم محمد العزبز الجلولي والشادلي رحيم.. و وزراء دستوريون : المنجي سليم  والهادي نويرة و محمد المصمودي و الصادق المقدم. كما تابعت المجهودات الكبيرة الذي بذلها عدد من الزعماء التونسيين في مقدمتهم أحمد التليلي لإقناع المقاومين التونسيين لتسليم سلاحهم وإيقاف الكفاح المسلح الذي تم في ديسمبر 1954 فا تحا الباب لانطلاق جدي في التفاوض عن مضموت الاستقلال الداخلي للوطننا. وأسقطت حكومة منداس فرنس في فيفري 1955 و من حسن حض تونس أن خلفه صديق لتونس كان قد عاش فوق أرضها كمحامي في فترة الحرب العالمية الثانية  وهو"إدقار فور" .وبقيت متفائلا لمآل المفاوضات بالرغم من تعدد الصعاب و المناهضة الشديدة من طرف الاستعماريين في تونس وفي فرنسا. وتم تجاوز العقبات الأخيرة  قبل إمضاء إتفاقيات ما مسمي بالاستقلال الداخلي بعد لقاء حاسم لبورقيبة بصفته رئيس الحزب الحر الدستوري مع رئيس الحكومة الفرنسية إدقار فور بقصر " ماتينيون". ثم كان يوم غرة جوان 1955 ذلك اليوم التاريخي المشهود الذي شعرت فيه – قبل الاعلان عن الاستقلال التام الذي لم أشك لحظة أنه آتي ولا ريب فيه-أن الشعب تونسي تحول من رعايا إلى موطنين أحرار.




عندما أنطلقت المظاهرات الطلابية في مدينة تونس بعد إعتقال زعماء الحزب الحر الدستوري الجديد ابتداءا من 18 جانفي 1952 كان من بين من إستشهد بطلقات نيران قوات المستعمر على المتظاهرين العزل الطالب الزيتوني حمزة الدهماني أصيل مدينة المهدية وكان في مقدمة المظاهرة حاملا للعلم  التونسي المفدى.و في الوثقة التي مصدرها الأصلي "جريدة العمل" والتي تروي لنا اجتماع ذكرى الشهداء بالمهدية يوم 18 مارس 1958 وردغلط مطبعي بالنسبة للتاريخ الاستشهاد. والصحيح هو يوم 15 مارس سنة 1952 عوضا عن سنة   1954     كما هو مذكور اسفله......


بمجرد تحقيق الاستقلال الداخلي ابتعدت عن النشاط السياسي وانغمست في دراستي و وجهت مجهوداتي في مجال النشاط الكشفي لتحقيق توحيد الجمعيات الكشفية وهو ذلك الحلم الذي راود العديد من القادة منذ سنة 1945 وفي مقدمتهم المنجي بالي. وإستأت كثيرا- مثل العديد من شباب تونس في تلك الفترة- من طريقة فض النزاع البورقيبي- اليوسفي.كان هذا النزاع امتحانا للقادة السياسيين في بلادنا..كان الشعب بريء من ملابسات هذا الانشقاق الخطير...ويتحمل مسؤوليات انحرافات هذا النزاع كلا الطرفين و بالدرجة الأولى الزعيمان الحبيب بورقيبة و صالح بن يوسف.لو كان الزعيمان ديمقراطيان بحق لتمكنا بسهولة من الاتفاق منذ سنة 1955 وبدأ من نشوب الخلاف على خطة سلمية وسياسية بحق تتمثل في بروز حزب معارض يعبر بأسلوب سلمي على وجهة نضره ويحرم كلا الطرفان على أنفسهما استعمال العنف أللفضي والمادي والتناحر....فاتت فرصة ذهبية لإرساء التربية الديمقراطية في وطننا و زرعت بذرة خبيثة.....ستفسر مع الأسف بقية الصعاب التي ستتعرض لها تونس لفض التوترات الاجتماعية والسياسية طيلة المسار الوطني بعد الاستقلال. على مدى حوالي نصف قرن....

انتقلت بعد دراستي بمعهد الدراسات العليا بتونس إلى باريس في أكتوبر1958 لمواصلة التخصص في التقنيات الجنائية والمالية العمومية بالمعهد الوطني للأداءت التابع لوزارة المالية والاقتصاد الفرنسية وتابعت كذلك دروسا في التاريخ بكلية السربون.
وكنت قبل انتقالي إلى باريس قد استجبت مع حوالي150  طالب تونسي لنداء انتداب متفقدين صدر عن وزير المالية السيد الهادي نويرة الذي حاول المستعمر تعجيزه في مهامه  الجديدة بالحث على المغادرة المفاجئة لعدد كبير من سامي الموظفين الفرنسيين العاملين بوزارة المالية وبالخصوص في مصلح الجباية والديوانة. وانتدبت فعلا مع زملائي يوم 7 جانفي 1957 بصفة متفقد تلميذ لتربص يدوم سنتين مع إمكانية مواصلة الدراسة في القانون والاقتصاد بالمعهد  لمن يرغب في ذلك. وقضيت تربص في وزارة المالية بمصلحة الاداءات المباشرة  المتواجدة في نهج الحبيب ثامر. وتابعت دروس مسائية في مبنى بورصة الشغل حرص الهادي نويرة على حسن تنظيمها  ومتابعة مستواها العلمي بنفسه.وكانت هذه الدروس تتعلق بالخصوص بالقانون التجاري والقانون المدني والاقتصاد والمالية العمومية والقانون الإداري التونسي والمحاسبة العمومية و المحاسبة التجارية. واختارالهادي نويرة عدد من  الحكام فرنسسين لالقاء دروس القانون وكان المرحوم على الزواوي التونسي الوحيد المتملك من المحاسبة التجارية في تلك الفترة و قد كلفه الهادي نويرة بتدريس هذه المادة لكافة المتفقدين المتربصين. وكان الأستاذ علي زواوي في تلك الفترة يتحمل أعباء ادارة التكوين التقني والمهني في وزارة التربية الوطنية وقد نجح في القاء دروسه وفي اعدادها مستعملا طرق بيداغوجية عصرية جعلت جل الحاضرين يقبلون على هذه المادة التي تبدو مضجرة  ومنفرة من أول وهلة وقد توفق علي الزواوي برشاقته و وضوح تقديمه للدروس الى ما لم يتوفق غيره في هذه المادة وأدخلها في أدمغتنا وأكثر من ذلك  فقد "حببها" لكل من كان يكرها. وفي سبتمبر 1958 اختار الهادي نويرة وزير المالية عددا من أحسن المتربصين وأرسلهم لباريس لاستكمال التخصص: فوج التحق بالمدرسة  الفرنسية للقمارق والفوج الثاني التحق بالمدرسة الفرنسية للجباية التابعة لوزارة المالية الفرنسية. وكنت ضمن الفوج الثاني. والتحقنا بباريس في اكتوبر 1958. قضينا هناك السنة الجامعية 1958- 1959 وعدنا الى الوزارة المالية التونسي في شهر سبتنبر 1959. كان معي في مدرسة الآداءات في باريس بالخصوص الزملاء توفيق القلعي و صالح مباركة و محمد الخضراوي ومحمود بسباس وعبد العزيز المنيف وأعتقد كذلك ماهر القدادي  وهو الأخ الأصغر للأستاذ القدادي الذي تعرفت عليه كأستاذ اللغة الانكليزية في معهد قرطاج ثم انتقل بعد الاستقلال الى العمل الديبلوماسي. كانت تلقى  الدروس  في معهد باريس صباح كل يوم ما عدى يوم الأحد في البناية المتواجدة في نهج "مومورنسي" مما سمح لي بمتابعة بعض الدروس بعد منتصف النهار بالسربون في التاريخ وبكلية الحقوق بالنسبة للحقوق والاقتصاد.وكانت مكتبة " سانت جنوفياف " في الحي اللاتيني مقري المحبذ عندما لا تكون لي دروس في الكلية. فكانت سنة مكرسة كلها للدراسة المكثفة ماعدى مساء السبت الذي سخرته لما كنت مولعا به: المسرح.








صورة في حديقة اللكسنبرق بالحي اللاتيني ببارس يوم أحد من شهر ديسنبر 1958 وقد نزل الثلج غزيرا و يلاحظ من اليمين الى اليسار: توفيق القلعي- رشيد صفر- عبد العزيز المنيف- و محمد الخضراوي.





صورة لرشيد صفرفي سنة 1954 مرحلة دراسته بتونس بمعهد الراسات العليا وكان  المعهد في تلك الفترة تحت اشاراف جامعة السربون في باريس.





أثناء الفترة, التي تواجدت فيها بالعاصمة التونسية لمواصلة تعليمي العالي  من اكتوبر 1953  إلى سبتنبر 1958,نشطت بجمعية الكشافة الإسلامية التونسية وتحملت فيها العديد من المسؤوليات خاصة في قسم التجوال وشاركت مع عدد من القادة المنتمين إلى الحركات الكشفية من بينهم بالخصوص القائد العام عبد الله الزواغي في توحيد الجمعيات الكشفية التونسية بمجرد ما تحصلت تونس على استقلالها الداخلي و هكذا شاركت بنشاط مكثف في إعداد المؤتمر التأسيسي لبعت المنظمة الكشفية الموحدة: "الكشافة التونسية" وهي الجمعية التي بقيت تنشط حتى اليوم.وكان لي لقاء حاسم في قضية التوحيد مع رئيس الحزب الزعيم الحبيب بورقيبة حتى تم تحقيق انعقاد المؤتمر وكان بورقيبة في تلك الفترة يتحمل إلى جانب رئاسة الحزب رئاسة أول حكومة وطنية بعد الاستقلال بلادنا. وتمت المقابلة في المنزل الذي كان يسكنه بورقيبة في تلك الفترة ( جوان 1956) في مدينة سيدي بوسعيد في الضاحية الشمالية للعاصمة وذلك حوالي الساعة الثانية بعد الزوال واستقبلني برقيبة في بيت النوم وكان تجهيز البيت في نهاية التواضع وكان مذياع صغير فوق طاولة على يسار السرير وأجلسني على كرسي قرب فراشه. وبقي مستريحا فوق فراشه يستمع إلى عرضي بدون أن يقاطعني وتوفقت إلى إقناع بورقيبة بفوائد توحيد الجمعيات الكشفية في الوقت الذي كان فيه عدد من أعضاء الديوان السياسي للحزب يحبذون إبقاء تعددية الجمعيات الكشفية متعللين بأنها تحاكي الجمعيات الرياضية وتستفيد من المنافسة وذلك بعد أن وضحت" للمجاهد الأكبر" بحماس, (وسني لم يتجاوز22 سنة), الفرق الكبير الذي يميز بين مقتضيات التربية الكشفية و بين التدريب الرياضي الذي يعتمد أساسا المنافسة. وقدمت للزعيم الحبيب برقيبة نماذج واضحة من السلبيات التي لاحظتها شخصيا طيلة سنوات من جراء تعدد جمعيات كشفية  كان  جلها هزيل النشاط ما عدا المنظمة الكبرى و المنتشرة في كل أنحاء البلاد التونسية والتي كانت بدون منازع تتمثل في جمعية الكشافة الإسلامية التونسية التي كنت أنتمي إليها ونشطت فيها ابتداء من سنة 1950حتى انعقاد المؤتمر التوحيدي سنة 1956.كان الرئيس بورقيبة يتصور أني طلبت مقابلته عن طريق السيدة زوجته "ماتلد" لأني كنت أرغب  تقديم مطلبا شخصيا. فعندما أنهيت الحديث معه و وعدني بأنه مقتنع بوجه نظري موضحا بأن التردد الذي حصل في الديوان السياسي في عملية التوحيد لا مبررله وان العملية ستتم. فرمت إلى توديعه شاكرا فقال لي :" وأنت ما هي طموحاتك ما عدى الكشافة؟" ابتسمت وقلت :" لم أكمل بعد دراستي العليا. و أعمل حاليا بكتابة الدولة للشباب والرياضة كمندوب للكشافة بصفة وقتية بعد أن اشتعلت كقيم في معهد قرطاج وأواصل في نفس الوقت دروسي في معهد الدراسات العليا وأريد الاختصاص في المالية العمومية والاقتصاد لأني أتصور أن حاجات البلاد ستكون هامة جدا في هذا المجال وعدد التونسيين الذين يختارون مواصلة الدراسة العليا في الاقتصاد قليل جدا. وإني حريص على الانطلاق في عملي المهني على أساس الاقتدار الكامل.» فشكرني على توجهي وتمنى لي النجاح وغادرت بيت نوم الرئيس مبتهجا بما توفقت إليه. كان هذا اللقاء الذي جمعني مع بورقيبة هو سادس لقاء من اللقاء التي أتذكرها منذ عهد الصبي: تحدث عن اللقاء الأول في الجزاء الأول من المذكرات وكان في منزل أبي في يوم أحد من شهر مارس 1938. أما اللقاء ثاني فكان بالمهدية في الأربعينيات بعد خروج بورقيبة من السجن وعودته من إيطالية إلى أرض الوطن وقد كلفتني هيئة نادي التعاون بالمهدية وأنا تلميذ بالمدرسة الابتدائية بإلقاء كلمة ترحيب حررتها بمفردي وتأثر كثيرا بالاستماع إليها. وكان اللقاء الثالث في صيف 1950عندما كلفت بقيادة فريق الطاهر صفر للجوالة الذي رافق بورقيبة طيلة زيارته وإقامته بالمهدية. وكان اللقاء الرابع يوم غرة جوان 1955 عند نزوله من الباخرة مدينة الجزائر وتقليدي له المنديل الكشفي. وأما اللقاء الخامس فكان  في آخر جويلية 1955 بمناسبة تقديم المسرحية السنوية لإقليم تونس للكشافة الإسلامية التونسية بقاعة مقر الجمعيات بشارع باريس بالعاصمة وطلب مني قائد الإقليم الطاهر درغوث بضعة دقائق قبل قدوم الزعيم بارتجال كلمة الترحيب.
أعلمت بفحوى هذا اللقاء السادس وبنتيجته فقط القائد العام للكشافة الإسلامية التونسية عبد الله الزواغي ولم أعلم كاتب الدولة للشباب والرياضة المناضل عزوز الرباعي حتى لا يحز ذلك في نفسه لأني تجاوزته في هذا الموضوع الذي كنت أعير له أهمية كبرى وكنت أعتقد راسخ الاعتقاد أن البلاد ستستفيد الكثير من التكوين التي ستوفره  للشباب التونسي منظمة موحدة و عتيدة مثل "الكشافة التونسية". وتم فعلا انعقاد المؤتمر التوحيدي بعد هذا اللقاء مع "المجاهد الأكبر" في القاعة الكبرى بكتابة الدولة للشباب والرياضة بنهج باريس بالعاصمة وافتح المؤتمر الذي انبثقت عنه جمعية الكشافة التونسية المناضل عزوز الرباعي بحضور ممثلين عن الأربع جمعيات. وبهذه المناسبة  إن الواجب يفرض أن أتقدم بتحية تقدير وإكبار لكل القادة من مختلف الجمعيات الذي وضعوا ثقتهم في وكانوا راضين كامل الرضا على ضبطي النهائي لقائمة المؤتمرين الممثلين لمختلف الجمعيات المتوحدة وأخص بالذكر منهم القائد عبد الله الزواغي ( الملقب بالماموت) والذي سيكون أول قائد عام للجمعية الجديدة الموحدة وللقائد محمود بالحاج صالح( الملقب بالورل) الذي تواصل عطاؤه السخي للحركة الكشفية خلال أكثر من نصف قرن وكان من بين  القادة الذين أعانوني كثيرا في عملية الإعداد المادي للتوحيد إذ باتفاق مع قيادة الجمعيات المقدمة على التوحيد قد عهدت إليه مسؤولية التدقيق ثم التوقيف لحساباتها, وقام بهذا العمل على أحسن وجه, وأسندت له  بعد انتهاء أشغال المؤتمر التوحيدي أمانة مال الجمعية الجديدة وذلك في  مطلع صيف سنة 1956وقد  قام بهذه المسؤولية الصعبة بحذق ومهنية عالية طيلة سنين عديدة "وكان دوما متنقلا بين المخيمات والملتقيات الكبيرة والصغيرة للتثبت من كل شيء..."وللقادة أمثال عبد الله الزواغي ومحمود بالحاج صالح والمنجي بالي و الهادي السافي وزكرياء بن مصطفى وسليم بن مصطفى ,احمد منصور وأحمد الشاوش وعبد المجيد شاكر والطاهر درغوث وتوفيق السلامي وعبد الحميد الأسود و محمد رشاد الباجي وغيرهم عديد – فضل كبير على الحركة الكشفية التونسية. تكونت على أيديهم أجيال من الشباب التونسي الذي أفاد الوطن. غادرنا الى دار الخلود عدد كبير منهم...ودعناهم واللوعة في قلوبنا..غادرنا القائد عبد الله الزواغي وسالت دموعنا في مكوب دفنه يمقبرة الجلاز بتونس وبقيت أتذكر أبياتا من قصيدة ألقاها القائد -المحبوب من طرف الجميع- الأستاذ  البشير العريبي :

" توليت- عبد الله- عنا إلى الأبد° وخلفت فينا لوعة الفقد..و الكأب"
" توليت-عبد الله- غير مودع.. ° وخلفت كشافيك والأهل والولد  "
"أشاقك صحب أسرعوا نحوربه° فأسرعت نحوالبارىء الواحد  الأحد"
°°°°


صورة للقائد العام عبد الله الزواغي.

كنا في الجمعية الكشفية التي أنتمي اليها نفكر في سبل توحيد الجمعيات الكشفية بالخصوص منذ الاستقلال الداخلي وكنت من المتحمسين جدا لعملية التوحيد وكنت أتابع تطور المساعي كل يوم.بعد انعقاد مؤتمر تمهيدي للوحدة بمركز ببأر الباي في صيف 1955 مباشرة بعد انعقاد المؤتمر السنوي لجمعيتنا.. وكانت كذلك في مستوى الديوان السياسي للحزب الدستوري الأفكار متابائنة بالنسبة لمزايا التوحيد.....وكان البعض يفضل التعددية التي تكون حسب تصوراتهم تشجع على المناقسة التي ينجر عنها تحسين التكوين...ولكن في الحقيقة كانت هنالك اعتبارات اخرى تعرقل عملية التوحيد التي شهدت في الأربعينيات محاولات فاشلة أبقت آثارها...وصممت على بذل كل المساعي حتى أساند تيار التوحيد...وعندما بلغتني بعض الاخبار من طرف الرفقاء القادة تفيد بالتردد من طرف جمعية معينة نشرت قبل إنعقاد المؤتمر الخامس للحزب الحر الدستوري بصفاقس ( 15-19 نوفنبر 1955 ) في عدد أكتوبر- نوفنير 1955 من مجلة الجمعية  "السبيل" تحت باب " إننا نطالب" مقالا عنوانه " إننا نطالب بالوحدة الكشفي على أسس صحيحة" ويجد القاري نسخة  مصورة لجزء من هذا المقال .
            
أتذكر مليا أني بعد أن أنهيت عمليات تسجيلي للانطلاق في الدراسة بمعهد الدراسات العليا بالعاصمة وبعد أن تسلمت البيت الذي سأقيم به في معهد"كارنوا" كقيم اتجهت مباشرة إلى نادي جمعية الكشافة الإسلامية التونسية في نهج بوخريص بالعاصمة و وجدت القائد عبد الله الزواغي في مكتبه فاستقبلني بلطفه المعهود وتمنى لي النجاح في المرحلة الجديدة من دراستي ثم قال: "و لا أشك انك ستواصل العمل معنا من الآن في العاصمة، نشاطك المتقطع مع فريق المهدية لا يكفي الآن، وفي المهدية لك من المساعدين الأكفاء الذين يستطيعون مواصلة العمل باقتدار. وأما هنا فلنا عديد من الشغورات التي يتعين عليا بالخصوص الإسراع بإيجاد لها القادة الأكفاء. فمثلا بالنسبة لإقليم العاصمة، المتمركز حاليا بهذا النادي بصفة وقتية،فإن قائد الإقليم  الأخ الطاهر درغوث في حاجة أكيدة لإعادة هيكلة قسم التجوال في الإقليم حتىنرفع في  نسق تكوين فرق الجوالة بالعاصمة ومتابعة نشاطهم وتكثيف تكوين القادة.". وكنت قد سمعت عن القائد الطاهر درغوث وعن حسن أخلاقه الكثير1قيل اقامتي بالعاصمة ولم أكن أعرفه عن كثب ولكني قلت للقائد عبد الله الزواغي بدون تردد:" إني دائما مستعد لتسخير كامل أوقات فراغي للنشاط الكشفي وأتصور أني سأستطيع التوفيق بين الدراسة والعمل كقيم نصف الوقت في معهد "كارنو" و النشاط الكشفي.إني لا أعرف القائد درغوث معرفة مباشرة ولكن لم أسمع عليه إلا الجميل والإشادة بخصاله فان رأيتم أني أستطيع إعانته فمرحبا بالمقترح." فقال القائد عبد الله :" نلتقي غدا مع الأخ الطاهر وسيكون فرحا باحتضانك معه في هيئة الإقليم". وكان هكذا هذا اللقاء العفوي مع القائد عبد الله الزواغي بداية عمل كشفي منعش في إقليم تونس دام حتى نالت تونس استقلالها واقترن بمسؤوليات قومية في الجمعية ابتدءا من سنة 1955حيث انضممت إلى القسم الوطني للتجوال بقيادة القائد التيجاني الكتاري وكذلك إلى الدورية المكلفة بإعداد وإصدار مجلة الجمعية مجلة " السبيل".


انموذج من قادة الكشافة الميثاليين:  الاستاذ الطاهر درغوث


صورة للقائد الطاهر درغوث يقود استعراضا كشفي بالعاصمة سنة 1954.










صورة للأستاذ الطاهر درغوث وزوجته ليليا ولدت جمعة

أريد إفراد القائد الطاهر درغوث بفقرة  خاصة في مذكراتي - لا لأنه فقط من أفضل القادة في الجمعية الكشفية " الكشافة الإسلامية التونسية (وكان عددهم كبير في تلك الفترة وهذا من حظ تونس وبفضل مجهود الرواد الأولون وفي مقدمتهم القائد الفذ المنجي بالي) التي كانت تزخر بقادة ممتازين تعلمت عليهم الكثير مثل القائد توفيق السلامي و القائد التيجاني الكتاري و القائد الهادي السافي و القائدعبد الله الزواغي و القائد عبد المجيد شاكر و القائد زكرياء بن مصطفى والقائد محمد الصيد وغيرهم عديد وبقيت مدين لهم بما تحصلت عليه من تكوين كشفي صحيح وسليم,- ولكن لأني وجدت في الطاهر درغوث -بالإضافة إلى خصاله وتفانيه كقائد كشفي مقتدر- كثير من الخصال التي عرفتها في والدي وبالخصوص تواضعه الكبير وتفانيه الطبيعي في خدمة الآخر وإنسانيته العالية والصادقة وفلسفة في الحيات تشبه تلك التي غذت مشاعر وأحاسيس والدي بالرغم من التباين في التكوين, إذ كان الطاهر درغوث أستاذا في الرياضيات, ولكن سلوكه كان سلوك الفيلسوف الزاهد في الحياة والمسخر نفسه لخدمة الغير على الدوام. فكان سي الطاهر يمثل المناضل المثالي الحق.
والقائد الطاهر درغوث من عائلة عريقة في النضال، جده الشاذلي درغوث ناضل من بداية انطلاق الحركة الوطنية  وذلك قبل الحرب العالمية الأولى و أما والده علي درغوث  فقد ناضل في صفوف الحزب الحر الدستوري الجديدة من البداية وكانت له علاقة وطيدة مع والدي بالرغم من الاختلاف في بعض الآراء والمواقف خاصة يوم 9أفريل 1938. ولد الطاهر درغوث سنة 1917 وتوفي سنة 1989 وكنت في تلك السنة مقيما بمدينة "بروكسال" ولم أعلم بوفاته إلى بعد عودتي النهائية إلى تونس.الطاهر درغوث له تقريبا نفس سن المناضل رشيد ادريس وعاشا الرجلان في نفس الحي في المدينة بالعاصمة قرب نهج السيدة عجولة. ولكن لم يتعرف الرشيد ادريس على الطاهر درغوث إلا في فترة اعتقال والده اثر محنة أحداث 9 أفريل 1938وذلك بمجرد عودته من باريس بعد إتمام دراسته في الرياضيات. فساهم هكذا الطاهر درغوث في تدريب فرقة الكشافة التي كانت تابعة لجمعية الشبان المسلمين وتعرف رشيد إدريس في تلك الفترة بمناضل سيكون له شأن محوري في المقاومة السرية في العاصمة ألا وهو المناضل سليمان آغة. وشارك الطاهر درغوث في الأربعينيات في الإعداد لبعض العمليات النضالية السرية التي كادت تؤدي بحياته وذلك في صمت حتى بعد تحقيق الاستقلال. وهو رجل يكره طبعه التظاهر والتبجح بالقيام بالواجب وهي خصال من شيم الكشاف العصامي. تزوج الطاهر درغوث بامرأة فاضلة وذات لطف متناهي وهي السيدة ليليا جمعة. وتفانت ليليا في إعانته على نضاله وكانت القرينة المخلصة والمساندة لكافة مبادراته والمتحملة بصبر وتجلد كافة الصعاب. أهم المسؤوليات الكشفية التي تقلدها الأستاذ الطاهر درغوث تمثلت في قيادة إقليم صفاقس للكشاف المسلم التونسي ابتدءا من سنة 1945 حيث كان يدرس الرياضيات في معهد صفاقس وذلك قبل قدومي إلى هذه المدينة للالتحاق بمعهدها بحوالي سنتين وكان القائد التيجاني الكتاري مساعدا له في تلك الفترة بصفة نائبا لقائد الإقليم في صفاقس وكان كذلك في تلك الفترة  حول الطاهر درغوث  التلميذ حامد الزغل كقائد قسم الكشافة و التلميذ عبد المجيد شاكر كقائد قسم التجوال والتلميذ عبد المجيد بعبع كقائد قسم الأشبال.ثم تقلد الطاهر درغوث قيادة إقليم العاصمة من بداية الخمسينيات عندما غادر صفاقس و أصبح يدرس في المعهد الفني " ايميل لوبي". وجدت في العاصمة من القائد الطاهر درغوث كامل العون والتدعيم أثناء تحملي معه توسيع  وتطوير نشاط قسم التجوال في إقليم تونس وكنت دخيلا, نوعا ما ,على إقليم لم أعمل فيه من قبل ولكن ثقة القائد الطاهر ونصائحه وخصال القادة و الجوالة المنتمين لجمعية الكشافة الإسلامية التونسية في العاصمة سهلت عليا المهمة التي بدت لي صعبة في البداية. و لكني تمكنت من رفع الرهان بفضل معونة  ناجعة لمجموعة من القادة الذين التفوا حولي وانسجموا معي أمثال الهادي التميمي و مصطفى كانون ومصطفى العلاني وعبد الستار العجمي والمنجي رزوقة وحسين الزغل ( الأخ الصغير  للقائد حامد الزغل) ورؤوف الصنهاجي والتهامي الدخلية.... وغيرهم. وبلغ عدد فرق الجوالة في إقليم تونس والتابعين للكشافة الإسلامية التونسية في تلك الفترة ثمانية عشر فريقا سنة 1954. وكان الفريق الثامن عشر من أشهرهم ومن أنجعهم في المهام الدقيقة والمخاطر الصعبة.نظمت مع دورية القيادة التي كانت حولي عددا كبيرا من مخيمات التدريب في العطل المدرسية بمركز "بئر الباي" بالضاحية الجنوبية كما نظمنا عديد  من الحصص التدريبية القصيرة لقادة ومساعدي قادة الفرق في راحة آخر الأسبوع بالخصوص في جبل "بوقرنين" وجبل " سيدي بوسعيد" أين حصل لنا حادث كاد يأتي بحياة القائد المنجي الرزوقة: إذ في عملية تدريب على الإنقاذ انزلق المنجي من أعلى الجبل نحو البحر على نحو عشرين مترا ولم تحميه من السقوط على صخور البحر إلا شجرة صغيرة  وبقي في وضع خطير مدة ربع ساعة وقد طلبنا النجدة من مصلحة ألمطافي و في الأثناء حاولنا إنقاذه بربطه  بالحبال وأقدم القائد مصطفى العلاني على عملية  النزول والاقتراب منه وهو مربوط بحبال مجذوبة من طرف كافة الجوالة. وكان المنجي يصيح ألما من الكسور التي حدثت له. والحمد الله توفقنا قبل قدوم سيارة الحماية المدنية من رفعه إلى سطح الجبل و قمنا بالإسعافات الأولية ثم حمل إلى المستشفى وكانت الكسور خطيرة وبقي يعالج أشهر عديدة. بقيت هذه الفاجعة ثابتة في مخيلتي: ولو ألطاف الله لتحولت عملية تدريب على الإنقاذ إلى مصاب في أخ عزيز. في الفترة التي تحملت فيها قيادة قسم التجوال في إقليم تونس تحت أشراف قائد الإقليم الطاهر درغوث توفقت إلى تطوير نشاط كافة فرق الجوالة بالاقليم الذين كانوا يضمون مجتمعين حوالي ألف جوال. و بقيت لي ذكريات طيبة عن قادة هذه الفرق الذين قاموا بوجباتهم على أحسن وجه بإمكانيات جد متواضعة ولكن بحماس فياض وبتفاني وإخلاص متناهي للوطن. أتذكر منهم التهامي ماشطا ( وقد أصبح في ما بعد المسؤول عن سلاح الجو في وزارة الدفاع الوطني) و نورالدين المجدوب ( وقد أصبح سفرا ثم كاتب دولة في الخارجية) و روؤف الصنهاجي ( الذي اصبح رئيس مدير عام لشركة الأسمنت في تونس بعد تأميمها ثم ترأس مكتبا خاص للمحاسبات والتدقيق) وصلاح الدين المهبولي.. والتهامي دخلية..ومحمد صالح بوجلبية وعبد الستار العجمي ومحمد الصحراوي والقائمة طويلة والذاكرة عندي لا تحفظ الأسماء بقدر ما تحفظ ملامح الوجوه..... وكلهم كشافون  مميزون خدموا تونس في صمت وبإخلاص متناهي متغذين بروح المواطنة العالية و مبتعدين عن إضاعة الوقت الثمين في السفاسف والسخافات ونابذين التكتلات المسترابة و السلوكيات المضرة بمصلحة الوطن.
ولن ننسى يوم غرة جوان 1955 حيث كلفت من طرف الجمعية صحبة القائدة راضية بالخوجة بقيادة فريق الشرف المكون من فتيان و فتيات لاستقبال الزعيم الحبيب بورقيبة على رصيف ميناء مدينة حلق الواد يوم عوده المضفرة إلى ارض الوطن على الباخرة " مدينة الجزائر". وكان يوما مشهودا  بحق وقلدت معي القائدة راضية بالخوجة « المجاهد الأكبر" بالمنديل الكشفي بمجرد نزوله من الباخرة، ذلك المنديل الذي تجول به رئيس الحزب كامل صباح اليوم التاريخي الذي التف حوله الشعب التونسي  وبايعه بكل فئاته بتلقائية منقطعة النظير، وبقي نفس المنديل الكشفي في عنقه حتى بلغ منزله في "رحبة الغنم" " رحبة الزعيم" اليوم.كنت أملك دراجة نارية اشترتها بقرض للتنقل بسهولة من المعهد الثانوي  بقرطاج- أين كنت أعمل كقيم- إلى معهد الدراسات العليا بتونس حيث أتابع دراستي في الحقوق والاقتصاد والتاريخ.فتمكنت هكذا -بعد استقبال الرئيس وهو ينزل من الباخرة وبعد الاستماع إلى الخطاب الذي ألقاه في قاعة كبرى أعددت خصيصا في الميناء_من مرافقة ركبه وأنا على الدراجة من نوع " لمبريتى" وذلك حتى أن وصل الركب إلى مدخل العاصمة. وكنت أشعر -وأنا وسط الجماهير و بعيدا عن كل ما كان يدور في الكواليس السياسية- بأن فجرا جديدا وعهدا جديد أنطلق منذ تلك اللحظات في تونس الخالدة...فجر الحرية...فجر الإنعتاق....فجر شعب قد أفتك مقومات نحت مصيره....كنت أشعر بأن بورقيبة الذي أكتسب شرعية قيادة الحركة التحريرية بتضحياته الجسيمة قد اكتسب من طرف شعبه يوم غرة جوان 1955 الشرعية التاريخية كرجل دولة مسبقا وقبل التعيينات الرسمية. وكنت أشعر بأن نظام الحماية ونظام "البايات" قد ولى وانتهى منذ تلك اللحظات التي بقيت حتى اليوم تهز مشاعري، كلما تذكرتها،وذلك بنفس القوة والعفوية وكأنها غريزية أو عاطفة صافية نقية لا دخل فيها للمنطق و لا للتنظير والتفلسف السياسي والتحاليل الأكاديمية. وخلافا لما ربما يتصوره البعض لم تكن في تصوري القضية تتعلق بالشخصنة ( و بداية ما يسمى بالفرنسية:le culte de la personnalité  (إذ في تصوري يوم غرة جوان كان وسيبقى يوم فرحة الشعب التونسي الكبرى, يوم شعوره بتحرره من المستعمر قبل أن يكون يوم الانتصار النهائي للزعيم بورقيبة...  وذلك بالرغم عن ملبسات الخلاف الخطير التي سيعكر صفو الأجواء في ما بعد. كان يوم غرة جوان يوم فرحة شعب لم تضاهها فرحته عند الإعلان الرسمي عن الاستقلال التام في 20 مارس 1956 و قد عشت  كل تلك الأيام في العاصمة وساهمت في كافة التظاهرات الشعبية والشبابية وقارنت الأحاسيس والمشاعر والسلوكيات.....
كان ذلك اليوم بالنسبة لي في حياتي الجامعية يوم امتحان في السنة الأولى من الإيجازة بعد نجاحي في السنة الماضية في شهادة السنة التحضيرية آداب عصرية ( Propédeutique : Certificat de littérature générale moderne ).


وحاولت مع عدد من الطلبة الاتصال مسبقا بإدارة المعهد لتغيير تاريخ الامتحان ولكن لم أفلح. وخيرت التغيب عن الامتحان لأعيش مع الشعب يوما ,كنت من البداية, أشعر من الأعماق أنه سيكون وسيبقى على الإطلاق يوما تاريخيا على مدى العصور. وتقدمت إلى الامتحان في دورة سبتمبر ونجحت , فكانت في تلك السنة فرحتي مضاعفة.ولم يخامرني أي شك,مثل الأغلبية الساحقة لرفقائي الطلبة والكشافين, في سلامة المنهج المنطقي الذي توخاه بورقيبة في تلك الفترة الحاسمة. وكان أسف الجميع شديد لعدم توفق المجهودات المتعددة للتوفيق بين الزعيمين الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف وكانت الأغلبية الساحقة للكشافين تساند منهج الزعيم الحبيب بورقيبة بقناعة قوية وعن روية ودراية وبعد تحليل سليم للأوضاع الداخلية والخارجية ولم تكن هذه المساندة نتيجة تبعية أو ولاء لشخص مهما كانت مكانته أونتيجة طاعة عمياء.
وأول مؤتمر للحزب الحر الدستوري الجديد أشارك في افتتاحه كملاحظ كان مؤتمر صفاقس. وذلك ضمن وفد لجمعية الكشافة الإسلامية يتركب من مجموعة ستة من القادة  منهم القائد العام عبد الله الزواغي وكان رئيسا للوفد ومحمد التريكي وآخرون لا أتذكر أسماءهم. انتقلنا إلى صفاقس من تونس على الساعة الرابعة صباحا على متن سيارة الجمعية، سيارة من نوع "لندروفر". وكنت أعمل كقيما بمعهد قرطاج وأتتني السيارة إلى المعهد حسب الاتفاق وكنت قد هرولت بسرعة كبيرة نحوها لما قدمت فانزلقت رجلي وسقطت على الأرض وأحست بألم كبير في ركبتي اليسرى لكني وقفت وركبت في السيارة وسلمت على الرفقاء وقضيت كامل السفرة و أنا أتوجع في صمت. وانتفخت ركبتي انتفاخا بسيطا وخفت أوجاعي برجلي عند دخولنا إلى فضاء جلسة الافتتاح. وجلسنا في الأماكن التي خصصت لنا وترأس الجلسة  الأولى السيد علولو  وهو من كبار مناضلي الحزب في صفاقس واستمعنا إلى كافة الكلمات ومنها كلمة للوزير المصري وزير الأوقاف الذي كان خطابه قابل للتـاوليلات بالنسبة للخلاف الذي نشب بين بورقيبة وصالح بن يوسف. و كان بدون منازع بالنسبة لنا -أعضاء الوفد الكشفي- خطاب بورقيبة خطابا منطقيا وموضوعيا وكأن  " ديكارت يتكلم" والتقينا مع كافة مضامينه بصفة طبيعية و ذلك ما كنا ننتظره. وانتهى دورنا في جلسة الافتتاح التي كانت على غاية من حسن التنظيم وقفلنا راجعين إلى تونس مطمئنين على سير أعمال المؤتمر ما عدى القائد عبد الله الزواغي الذي واصل الإقامة بصفاقس و كانت له إنابة لمتابعة كافة أشغال المؤتمر وكانت له مشاركة جدية في صياغة اللائحة المتعلقة بالشباب. وستكون بالنسبة لي مشاركة ثانية في إفتاح أشغال مؤتمر للحزب الدستوري المنعقد بمدينة بنزرت  الذي تغير فيه اسم الحزب وأصبح الحرب الاشتراكي الدستوري. وأقرت في هذا المؤتمر بكل دقة ضمن لوائح واضحة مبادئ وسبل تجسيم منهج تنموي أطلق عليه اسم "الاشتراكية الدستورية" ذات البعد الإنساني التحرري. وتعتمد تنمية البلاد حسب هذه المنهجية على مخططات إطارية توجيهية متتالية و في نطاق احترام كامل لتواجد وتعايش القطاعات الثلاث: القطاع العمومي والقطاع الخاص والقطاع التعاضدي. وكانت  جل النخب والقواعد الحزبية العريضة،التي ساهمت بحماس في أشغال هذا المؤتمر الذي أسس لمنوال ذكي وملائم  للتنمية البلاد بالنسبة لتلك الفترة،وكانت لوائح المؤتمر برية كل البراءة من الانحرافات التي ستحدث في ما بعد والتي تتحملها القيادة العليا للحزب بأكملها لا شخص واحد  ذهب كبش الفداء لانزلاق خطير كان بالإمكان تجنبه. إذ كان من البديهي أن اللجنة المركزية التي أقرت في ما بعد تعميم التعاضد لم تكن لها الصلاحيات لأخذ قرار في هذا الحجم من الخطورة يغير جوهر منوال التنمية في البلاد بدون الرجوع إلى القاعدة وعقد مؤتمر استثنائي.لم أكن عضوا في اللجنة المركزية في تلك الفترة وأقتصر نشاطي في الحرب في تلك الفترة الحاسمة في المشاركة في لجنة الدراسات الاقتصادية التي كانت تجتمع أسبوعيا في نهج رومة بالعاصمة وكان يشرف على نشاطها كل من أحمد ين صالح والهادي نويرة. وكنت أعتبر نشاطي في هذه اللجنة ليس بالعمل السياسي بل نشاطا فني و تقني. ولكني عندما أخذ قرار تعميم التعاضد الأحمق قمت صحبة زميلي مدير الميزانية في تلك الفترة المنصف بالحاج عمر بزيارة إلى خاصة إلى أحمد بن صالح وبينا له مخاطر القرار الاقتصادية والسياسية فأجابنا بلهجة بدت لنا صادقة أن القرار كان أساسا من طرف الرئيس الحبيب بورقيبة الذي قد  قال له بالحرف الواحد"  نسرع بهذا التعميم لأنكم لن تستطيعوا تحقيق مثل هذا الإصلاح العملاق إلا وأنا معكم على قيد الحياة". واندهشنا من هذا الجواب ومن عمق الانحراف بالنسبة لاختيارات مؤتمر بنزرت صاحب القرار. ولم نكن على علم بما جري في كواليس النظام ولا كواليس اللجنة المركزية وكنت مع زميلي بعيدا كل البعد عن العمل السياسي.
كما لن أنسى الاستعراضات التي نظمناها في نطاق النشاط الكشفي في العاصمة في الليل والنهار وفي معلب "الشاذلي زويتن" للاحتفاء بعيد الاستقلال وعيد الشباب: كانت روعة وكانت نخوة واعتزاز لا يستطيع الإنسان التعبير عن ما كان يحركنا جميعا من عميق المشاعر... "كنا جماهير وكنا كالرجل الواحد".كنا نستنشق هواء الحرية لأول مرة في حياتنا. كنا عبيدا فأصبحنا أحرارا. وهو شعور يتغذى به و يرسخ بعمق كقيمه أساسية في نفوس جيل كامل من الشباب في حياة كل أمة تتحرر وتكسر القيود.وبالنسبة لتونس كان جيلي من الشباب  قد ضحى وتألم  ولكنه أصبح جيلا نفسانيا محضوضا لان نخوة الشعور بسعادة الحرية المكتسبة لا يماثله أي شعور آخر.


 ستة أشهر من العمل الدؤوب -- ماي 1956 أكتوبر 1956--   مع زعيم الشباب الثاني المناضل عزوز الرباعي بأول كتابة دولة للشباب والرياضة بعد الاعلان عن استقلال الوطن: الاسهام في توحيد الجمعيات الكشفية و ضع اللبنات الأولى لسياسة تأطير الشباب و المشاركة في المعسكر العربي الثاني بالإسكندرية.

كنت أسمع  الكثير عن خصال زعماء الحزب الحر الدستوري في نهاية   أربعينيات القرن العشرين مثل العديد من شبان المهدية و تلاميذ المعهد الثانوي بصفاقس و في مقدمتهم كان  بالطبع الحبيب بورقيبة و صالح بن يوسف وكذلك المنجي سليم و على بلهوان و تلميذه  وخليفته في زعامة الشباب المناضل والخطيب الموهوب عزوز الرباعي.
أتذكر مليا أول لقاء جمعني بالمرحوم سي عزوز وكان ذلك بمدينة المهدية في صيف سنة 1950. وقد قدم عزوز الرباعي موفودا من الحزب أياما قليلة قبل زيارة رئيس الحزب الحبيب بورقية إلى جهة المهدية للتأكد من الترتبات المتخذة من طرف شعبة المهدية لانجاح  الجولة التعبوية  الكبيرة التي قام بها المجاهد الأكبر طيلة  حوالي أسبوع وهو يقيم في مدينة المهدية بشقة موجودة في الشارع الذي يحمل اليوم اسمه كانت على ملك الطيب ساسي. و بعد اليوم الأول الذي خصصه لمدينة المهدية تجول الزعيم الحبيب برقيبة إنطلاقا من مقره في المهدية في مختلف مدن و قرى الجهة....قصور الساف , الشابة, اللجم, السوسي, شربان..... وكانت من الزيارات التارخية الكبرى  الناجحة التي جسمت منهجية الاتصال المباشر بالشعب..قدمني إلى عزوز الرباعي قائد فوج الكشافة الاسلامية التونسية المرحوم ساسي رجب و كنت في تلك الفترة قد كلفت بقيادة فريق الجوالة التابع للفوج والذي كان يحمل اسم والدي " الطاهر صفر" وهو الفريق الذي أوكلت له مهمة مرافقة المجاهد الأكبر  في جولته بالجهة . قبلني سي عزوز بحرارة كبيرة وقال لي بنبرة بدت لي صادقة : "الله يرحم سي الطاهر فيلسوفنا الكبير...خسرناه....إنشاء الله تخلفه....". كان الرجل يتقد حماسا وله قدرة كبيرة على  تمرير حماسه إلى مستمعيه.. وسرعان ما تحول الحديث إلى جوهر الموضوع إنجاح زيارة المجاهد الاكبر.....
إنطلقت احداث المرحلة الحاسمة بداية من 18 جانفي 1952 وعلمت  كبقية رفقائي بالاعتقالات الممتتالية للزعماء والتي طالت مع آلاف المناضلين الدستوريين سي عزوز...ولم ألتقي به من جديد إلا بعد قدوم "مادس فرنس" إلى تونس وخطابه الشهير أمام الباي..وكان ذلك اللقاء الثاني في مكتب القائد العام لجمعية الكشافة الاسلامية التونسية  المرحوم عبد الله الزواغي بنهج بوخريص في العاصمة...كنت أعمل كقيم بمعهد " كارنو" و أواصل دراستي في القانون والاقتصاد والتاريخ بمعهد الدراسات العايا متحملا في المنظمة الكشفية مسوؤليتان:  كنت عضوا في دورية تحرير مجلة "السبيل" مع عدد من القادة منهم المرحوم الهادي التميمي و القائدة لقسم الفتيات راضية بلخوجة و برئاسة التيجاني الكتاري قائد قسم التجوال. و كنت مسؤولا  في نفس الوقت عن دورية قسم التجوال في إقليم تونس الذي كان يقوده  بإقتدار و بمثالية نادرة المرحوم الطاهر درغوت... كان الحديث مع الأخ عزوز في هذا اللقاء الثاني مركزا على مستقبل حركات الشباب ودورها الطلائعي في تونس الجديدة المتحررة التي بدأنا نستشرف آفاقها....و تناول الحديث بالطبع ضرورة تجسيم في أول مناسبة حلم جل الكشافين: توحيد الجمعيات الذي سعى إليه المرحوم المنجي بالي و رفاقه منذ الأربعينيات بدون نجاح لان السلط الاستعمارية كانت دوما تعمل لاخفاقه....بعد  هذا اللقاء الثاني كانت لي مع سي عزوز لقاءات عديدة خصوصا بمناسبة دعوته لالقاء محاضرات في التربية الوطنية و في تاريخ الحركة الوطنية  بمناسبة تنظيم ملتقيات تدريب قادة الجوالة لاقليم تونس في مركز بئر الباي....
كانت دورية مجلة السبيل مركزة في عملها أساسا على النشاط الكشفي ولكنها كانت تتابع كجل التونسيين تطور الأحداث المتسارعة في البلاد... وقبل إنتهاء المفاوضات التي أدت إلى الاستقلال التام للوطن أصدرنا عددا  مميزا لمجلة السبيل مخصص للبحث في أفضل السبل والمناهج لتأطير و إعداد الشبات حتى يتحلى بضفات المواطن الصالح لمواجهة تحديات البناء والتقدم بالمجتمع و في مقال من مقالات هذا العدد أبرزنا بحروف كبيرة إننا " نطالب ببعث كتابة دولة للشباب"  تعوض المصلحة التي كانت  في تلك الفترة تهتم بشؤون الشباب والرياضة و كان يشرف عليها الفرنسي " بو رنيكال" المنبوذ من جل المنخرطين في منظمات الشباب. و أعلمني القائد العام عبد الله الزواغي بعد صدور هذا العدد أن عضوا من الديوان السياسي للحزب- لم يرد ذكر اسمه- قد عاتبه عن لهجة المقال و عن طريقة " المطالبة" التي يعتبرها سابقة غير صالحة....ولكن سررنا عند تشكيل الوزارة الأولى بعد الاعلان عن الاستقلال في أفريل 1956 بتلبية مقترحنا من طرف الزعيم الحبيب بورقيبة و قد بعثت فعلا إلى جانب مختلف الوزارات أول كتابة دولة للشباب والرياضة وعين على رأسها المناضل عزوز الرباعي. وكان جل المنخرطين  في جمعيتنا الكشفية التي كنت متصلا بهم في تلك الفترة قد رحبوا بذلك الاختيار و رأو فيه حقا تجسيم تلك الكلمة المعروفة: "الرجل المناسب في المكان المناسب في الوقت المناسب" و يرجع كل ذلك للخصال و للشعبية التي كان المرحوم  معزوز الرباعي يحضى بها لدى شرائح عديدة من الشباب التونسي.
طلب مني سي عزوز بمجرد تقلده مسؤوليته الجديدة أن أتصل به و كان ذلك عن طريق القائد العام عبد الله الزواغي. ولما دخلت  إلى مكتبه وجدت معه السيد حسيب بن عمار والسيد هنية وكنت لا أعرفهما من قبل فبادر سي عزوز بتقديمهم  و بتعداد خصالهم و أضاف :" قد وافق بعد سي حسيب أن يعينني بصفته مندوب عام للرياضة و وافق سي هنية بأن يلحق بكتابة الدولة الجديدة ليتحمل مسؤولية الادارة المالية و شؤون الموظفين والعملة أما انت فأكون سعيدا إذا كنت مستعد للالتحاق بنا لتتحمل معنا مسؤولية المندوب العام للشباب حتى تكتمل النواة الاولى من الفريق الذي سيعاضدني في هذا المسؤولية التي أقدر جسامتها.."
كان سي عزوز يخاطبني بكل لطف و كأنه  الأخ الكبير ولم يغريه " التوزير" ولم يغير شيئا من تواضعه العفوي.و اسلوبه  الحميمي في التخاطب...طلبت منه أن يفسر لي ما كان ينتظر مني أن افعل في الاشهر الأولى... فوضع سي عزوز في المقدمة إعادة هيكلة مركز التكوين بئر الباي بالضاحية الجنوبية للعاصمة والتركيز على العمل  للاستجابة لحاجيات انتشار و توسع نشاط مختلف منظمات الشباب  من كشافة و مصائف و مضائف و شبيبة مدرسية و شباب دستوري ملحا على ضرورة تكثيف التشاور مع المسؤولين على هذه المنظمات والاصغاء إلى مقترحاتهم قبل إعداد برنامج عمل كتابة الدولة. شكرت سي عزوز على الثقة التي وضعها في شخصي بالرغم من قلة خبرتي وصغر سني  وقلت له هنالك قادة في الكشافة أكثر مني تجربة و كفاءة مثل القائد عبد الله والقادة التيجاني الكتاري و توفيق السلامي و الهادي السافي والهادي التميمي وغيرهم كثر والحمد الله. وأضفت إني أعمل الآن كقيم و لم تكتمل بعد دراستي و أنا عازم على استكمال الايجازة في الحقوق والاقتصاد وفي التاريخ.. فقال سي عزوز : " القائد عبد الله هو اول من فكرت فيه ولكنه أقنعني أنه في هذه المرحلة يفيد أكثر على رأس أكبر جمعية كشفية.. اما  تيجاني الكتاري و توفيق السلامي فتنظرهما مسؤوليات هامة في الأمن و أما الهادي السافي فقد فكرت فيه لادارة ذلك المركز المحوري, مركز "بئر الباى" وأنت تعرف جيدا أهمية هذا المركز و ستجد من سي الهادي السافي كل الدعم والنصح في خطتك إذا قبلت المسؤولية."...و أضاف سي عزوز:" قد لحظت جيدا عملك الجاد في السنة الماضية في إقليم تونس التابع للكشافة الاسلامية التونسية..فلا تنقص من كفائتك ونحن في حاجة إلى جديتك في هذه المرحلة الأولى..و أما دراستك العليا فستكون في وضع سي حسيب إذ أنه ايضا لم يكمل دراسته و بقيت له سنة سيواصلها بالتوازي مع تحمله المسؤولية..و اني مستعد لتمكينك من حضور الدروس التي يتعين عليك حضورها  حتى في أوقات العمل..."  شكرت سي عزوز و قبلت بكل اعتزاز المسؤولية مذكرا سي عزوز بضرورة الانطلاق الفوري في الاعداد لتوحيد الجمعيات الكشفية و كان جوابه واضحا بدون لبس : " أنت تعرف مدى تحمسي لفكرة التوحيد..فالتكن مهمتك الأولى توحيد الحركة الكشفية و بادر بالحديث مع كافة المسؤولين على الجمعيات...هكذا كانت انطلاقة العمل مع سي عزوز....لم تطل المدة ولكن كانت ستة أشهر كلها عمل دؤوب و منجزات ثابتة...أستسمحكم استحضار البعض منها على سبيل المثال...
قد مت استقلاتي من مهمة قيم و التحقت بكتابة الدولة الفتية بداية من غرة ماي 1956 وأخذت مكتبي في البناية  المحترمة المتواجدة في شارع باريس  والتي تمكن المرحوم عزوز الرباعي من الضفر بها عوضا عن مقر المصلحة الاستعمارية للشباب التي كانت في نهج سيدي بة منديل...
 ومكنتني فعلا هذه المهمة من الإسهام الفاعل مع عدد من القادة و في مقدمتهم القائد عبد الله الزواغي من تحقيق ما كنا نصبو إليه من توحيد لكافة الجمعيات الكشفية التونسية وهي أربع جمعيات: كشاف الرجاء , كشاف تونس ,الاتحاد الكشافي الإسلامي والكشافة الإسلامية التونسية.   وكانت بدون منازع الكشافة الإسلامية التونسية أكبر جمعية من حيث عدد المنخرطين والإشعاع والتواجد في مختلف مدن البلاد والاسهام في المرحلة الحاسمة لتحرير تونس.كنت أتصور وأعتقد أن منظمة كشفية عتيدة ومستقلة عن الأحزاب السياسية سيكون لها دور كبير ومصيري لإعداد أطفالنا و شبابنا حتى يكونوا المواطنين النموذجيين لبناء مستقبل مشرق لوطننا.



 


مؤتمر الوحدة الكشفية التونسية: منظر من الجلسة العامة في قاعة مقر كتابة الدولة للشباب والرياضة بشارع الحرية يوم غرة جويلية 1956  إفتتح الجلسة السيد عزوز الرباعي.
هذه صورة للمشاركين المبتسمين في الجلسة العامة للمؤتمر التوحيدي للجمعيات الكشفية التونسية يوم غرة  جويلية 1956 في القاعة الكبرى للاجتماعات بمقر أول كتابة دولة للشباب والرياضة. ولا تظهر في الصورة المنصة التي تواجد فوقها المشرفون على الجلسة يتقدمهم المناضل عزوز الرباعي- أول وكيل كاتب دولة للشباب والرياضة في أول حكومة تونسية بعد إمضاء اتفاقية الاستقلال- وهو الذي افتتح المؤتمر وأعطى توصيات الحكومة وتصوراتها المستقبلية لدفع حركات تـاطير وتكوين الشباب لإعداده حتى يكون مواطنا صالحا  فاعلا في المجتمع ثم غادر السيد عزوز الرباعي القاعة تاركا للمؤتمرين كامل الحرية للقول الفصل لتجسيم عملية التوحيد التي تمت في اجواء أخوية منعشة. 

أول مشاركة كشفية تونسية رسمية في ملتقى كشفي عربي كبير بمصر في
ضا حية مدينة الاسكندرية: أبو قير.
هذا وكنت قد كلفت  بمجرد الانتهاء من عملية توحيد الحركة الكشفية  بقيادة  أول مشاركة لجمعية  الكشافة التونسية في المعسكر الكشفي العربي الثاني "بأبوقير" في ضاحية مدينة الإسكندرية المصرية في جولية 1956. { كلمة "معسكر" تستعمل في الشرق في الوقت الذي كنا في تونس نستعمل مصطلح أكثر ملائمة : الملتقى الكشفي}  وكان الوفد الكشفي التونسي أول وفد يصل المعسكر على متن حافلتين انطلقتا من تونس العاصمة عبر التراب الليبي وقد دشن هذا المعسكر الكشفي العربي الرئيس جمال عبد الناصر بنفسه اسبوعا بعد إنطلاق اشغاله  وألقيت كلمة تونس أمامه بعد أن أحرز الوفد التونسي على نجاح مرموق خاصة أثناء الاستعراض الرسمي لجميع الفرق المشاركة وقد  حضر هذا الاستعراض السيد عزوز الرباعي بصفته كاتب دولة للشباب في الحكومة التونسية مع عدد من وزراء الشباب في الدول العربية المشاركة. وكان الجو غير ملائم  بالنسبة إلى صورة تونس في تلك الفترة في مصر و في عدد من الدول العربية من جراء الدعاية اليوسوفية التي قدمت معطيات مغلوطة عن الأوضاع في تونس. و كان السيد الصادق المقدم أول سفير لتونس المستقلة بالقاهرة قد وصل إلى القاهرة منذ اسابيع و لا يزال يسكن في النزل في انتظار اعداد مقر السفارة و كانت الصحافة المصرية غير منصفة في تعليقاتها على ما يدور في تونس حتى أني اتذكر أننا اقتنينا مجلة مصرية اجرت حديثا مطولا مع الصادق المقدم تناول جل مواضيع الساعة ولكن اختارت المجلة ابراز في صفحتها الأولى بتهكم جواب للسفير عن سؤآل هامشي يتعلق بالطعام المفضل للسفير فكتبت بحروف بارزة ' السفير التونسي يحب الملوخية بالافراخ"....هذا يعطي فكرة عن الجو الذي واجهه بكل حنكة و اقتدار كل من المناضل عزوز الباعي بصفته الرسمية ككاتب دولة للشاب سواءا في لقاءه مع الرئيس عبد الناصر او مع نظيره المصري أو مع زملائه في الدول العربية المشاركة في الملتقى...كما واجه هذا الجو بذكاء كبير و بلباقة كافة الكشافة و الجوالة التونسيون الذين كانوا بتلقائية وبغيرة فائق على وطنهم يطيلون الحديث الهادي والموضوعي مع الكشافين العرب حتى تغيرت الصورة عن تونس في آخر مدة الملتقى و كان للنشاط الكشفي المكثف و المثالي الأثر الكبير لتغيير نظرة كافة المشاركين إلى تونس من خلال سلوك أبنائها و شبابها الكشفي إلى درجة أن في آخر الملتقى تقرر أن ينظم المعسكر الكشفي العربي الموالي أي  المعسكر  العري الثالث في تونس العربية المسلمة.
وقد استعنت لاعداد ولانجاح  المشاركة التونسية في هذا اللقاء الكشفي العربي الكبير - بصفتي قائد عام لكامل البعثة التونسية - بالخصوص بالقادة المقتدرين الأجلاء: الهادي التميمي( كان قائد فريق الجوالة في البعثة) ومحمد الشاوش( كان قائد الفرقة الكشفية بمساعدة القائد الطيب نويرة) وعبد العزيز التريكي( أمين مال البعثة) وساسي رجب( المسؤول عن العمل التطبيقي الالكتروني) والقائدة راضية بالخوجة (المسؤولة عن فرقة الفتيات بالبعثة التونسية) . كان المناضل الصادق المقدم في تلك الفترة يتحمل مهام أول سفير لتونس المستقلة في القاهرة وكان يوم قدومنا الى مصر لا يزال يقيم بالنزل في انتظار إعداد  دارإقامة السفارة التونسية.
2 أنموذج من بطاقة بعثة الكشافة التونسية إلي المعسكر الكشفي العربي الثاني صيف 1956
صورة لمدخل( منارة مصغرة لجامع القيروان صنعناها من الخشب  ) مخيم البعثة الكشفية التونسية في معسكر أبوقير بالاسكندرية جولية 1956







قمنا بإعداد جيد ومنتقن للمشاركة في هذا الملتقى العربي بدأ بحسن اختيار القادة وكافة أعضاء البعثة ثم بتنظيم مخيم تمهيدي بمركز "بئر الباي" وأشرفت بنفسي على كافة الترتيبات قبل السفر الذي سخرت له الحافلتان التي كانت ورثتهما كتابة الدولة للشباب والرياضة عن مصلحة الشباب والرياضة في عهد الاستعمار واستعرت من وزارة الفلاحة - بمساندة من القائد التيجاني الكتاري الذي كان وقتها يعمل بها كمهندس رئيس مصلحة- شاحنة كبرى من نوع مرسديس خصصت لحمل الأجهزة والأمتعة. وسخرت سيارة الجمعية الكشفية من نوع لندروفر واستعرت من مصلحة الصناعات التقليدية "خيمة شعر" كبيرة للاستقبلات مع كافة اللوازم من زرابي ومقاعد و موائد من الصناعة التقليدية التونسية بالإضافة إلى صنع مدخل من الخشب يمثل منارة جامع القيروان المعمور. واحطياطا من حرارة الشمس في مصر اخترت لكافة أعضاء البعثة " المضلة القابسية" الجيدة الصنع وجهزت كافة أعضاء الوفد بفراش فردي من نوع جديد خفيف الحمل إطاره مكون من الاليمينيوم الذي يطوى بسهولة ويجد فيه الإنسان الراحة الكافية لنوم هادي يسترجع به قواه.انطلقنا من العاصمة وكانت المحطة الأولى بقابس ثم  كانت المحطة الثانية بطرابلس أين استقبلنا بحرارة كبيرة  مع حسن الضيافة القائد العام للكشافة الليبية علي خليفة الزائدي مصحوبا بكوكبة من القادة الأشقاء.
قضينا ليلة بطرابلس تبادلنا فيها الآراء مع قادة الكشافة الليبية حول تطوير المناهج التربوية الكشفية على ضوء مقتضيات المراحل الجديدة التي تعيشها الدول العربية. وكانت المحطة الثالثة بمدينة بنغازي أين استقبلنا بحفاوة وترحاب من طرف كوكبة من الأساتذة الجامعيين كانت لنا معهم في الليل مسامرات وحوارات مفيدة حول النظام التربوي والجامعي الليبي وحول المستقبل المشترك للمغرب العربي وسبل عمل الحركات الشبابية للاسهام في بناءه.قصر إقامتنا بليبيا لم يمكنتا من التعرف بعمق عن تركيبة المجتمع الليبي وعن الوضعالحقيقي في البلاد وكانت الكشافة الليبية في تلك الفترة نخبوية فلم نتعرف على مختلف شراءح المجتمع.وكانت المحطة الرابعة  من الرحلة صعبة نوعا ما: إذ وصلنا إلى الحدود المصرية ( مرسى المطروح )مع غروب الشمس ولم نجد أحدا من ممثلي الكشافة المصرية في انتظارنا وقال لنا عون القمارق المصري إن مكاتب مصلحة عبور الحدود قد أغلقت منذ ساعة ولا يمكن القيام بالاجرآت القمروقية إلا في صباح الغد. ولم يبقى لنا أي خيار إلا النوم جالسين على المقاعد في الحافلات مع أكل لمجة خفيفة... واجهنا طبعا هذا الوضع بتبادل النكت وبالأناشيد حتى رمنا إلى النوم. وفي الصباح طلبت مقابلة رئيس المركز فوجدته خالي العلم بقدوم الوفد التونسي ولكنه خاطب بالهاتف رؤسائه بالقاهرة وأعطوه فورا التعليمات للسماح لنا بالدخول الى التراب المصري والتوجه مباشرة الى مقر المعسكر بأبوقير على أن يقع النظر في جوازات السفر في ما بعد في مصالح الإسكندرية بعد أن نستقر في المعسكر. وانطلقت القافلة إلى مقر المخيم الذي كان غير بعيد عن شاطي البحر. وكان الوفد التونسي من أول الوفود التي كانت قد أتت إلى مقر المخيم في الموعد المحدد. نزلت من السيارة وطلبت من الزملاء القادة الإشراف على عملية إنزال الجرابات من فوق الحافلات حتى نستعد للدخول مصطفين منشدين كل منا حاملا جرابه على ظهره. ودخلت المعسكر طالبا من الحراس تمكيني من مقابلة قائد المعسكر او من ينوب عنه. رافقني أحد الحراس الى مكتب قائد المعسكر الذي رحب بي ودعاني مباشرة إلى التعرف على المكان الذي خصص للوفد التونسي. واصطحبته وسرنا مترجلين حتى بلغنا آخر تقسيم في الأرض التي خصصت للمعسكر وقال لي القائد المصري وقد نسيت اسمه : هذا هو المكان الذي خصص لكم... فكان جوابي ورد فعلي كالبرق:" هذا غير معقول.....الوفد التونسي ينضبط ويأتيكم من بعيد برا محترما الأوقات الرسمية....وتحشرونه في آخر مكان في المعسكر...فهذا غير معقول....قدومنا في الوقت المحدد يعطينا منطقيا حق اختيار المكان الذي يتماشى مع حجم الوفد وعتاده.." وقفلت راجعا مسرعا نحو الحافلات والقائد المصري يهرول وراءى محاولا تفسير نظام المعسكر وطريق توسيع التقاسيم..حتى وصلنا الى الحافلات التونسية. وجدت الجرابات قد أنزلت من فوق الحافلات فصحت : " أرجعوا الأمتعة فوق الحافلات نحن عائدون.." فأقترب مني القائد المصري وهمس في اذني: " ما تزعلش  يا أستاذ. أقترح عليك أن نتجول في المعسكر مع زملائك قادة البعثة واختاروا المكان الذي يرضيكم.." فأجبته بسوط عالي حتى يسمعني الجميع:" على هذا الأساس أهلا وسهلا نشكرك على هذا الاقتراح العادل " وطلبت من القائد الهادي التميمي ومن القائد أحمد الشاوش أن يصطحبوا القائد المصري وأن يختاروا المكان الذي يتلاءم أكثر مع تركيبة الوفد والأمتعة التي أتينا بها. وبعد برهة قصيرة عاد القائد التميمي وقال لنا: اخترنا أول مكان لتركيز المخيم في مدخل المعسكر على اليمين. إقترحت على القائد العام  المصري ليحضر معنا تحية العلم التونسي الذي سنعمل على رفعه صباح الغد في الوقت الرسمي المخصص مسبقا لافتتاح المعسكر وإستجاب للمقترح. وصاح الكاشفون والجوالة صيحة الاستحسان مردين :" مرحى..مرحى..بارك لله فيك..." وأسرع الجميع كخلية النحل...يقوم كل فرد بالعمل الذي يتعين القيام به. وبرهن كافة القادة الذين اصطحبوني وشاركوني في تأطير البعثة و كذلك كافة أعضاء البعثة بكفاءة عالية و في جو منعش من البهجة والفرح والجد في العمل حتى إني أكاد أقول أني -في هذا الملتقى العربي الهام الذي نشارك فيه لأول مرة كدولة مستقلة- لم أبدي طيلة إقامتنا بالمعسكر  أي ملاحظة تذكر وكانت الأنشطة -التي نتفق عليها في كل مساء في الاجتماع الذي أترئسه لتقييم النشاط اليومي وضبط نشاط اليوم الموالي- تتم على أحسن ما يرام وبامتياز بارز للجميع سواء كانوا مشاركين  في المعسكر أو زوار وضيوف. وبقيت في ذاكرتي أن هذا المخيم كان من أنجح المخيمات التي كان لي شرف تسييرها والفضل يرجع أساسا للقادة الذين كانوا حولي وللإعداد المسبق الجيد ولشعور جميع أفراد البعثة بأن لهم رهان لابد من كسبه في فترة تاريخية من أعز فترات تاريخ بلادنا أمام الأشقاء العرب الذين كانوا لا يعرفون إلا القليل على تونس وكان البعض يحمل معلومات مغلوطة و ملوثة بالدعايات السياسية الرذيلة. كانت مصر تعيش في سنة 1956  أوج شعبية  نظام جمال عبد الناصر وكان شهر جويلية 1956 شهر الخطاب الشهير الذي أعلن فيه الرئيس المصري تأميم القناة متحديا الدول الغربية ومستكملا إعادة الشعور بالكرامة لكافة المصريين وكذلك للشعوب العربية. وزار عبد الناصر المعسكر الكشفي بالإسكندرية اسبوعا بعد إنطلاق أشغاله وأستمع من كافة قادة البعثات العربية المشاركة في المعسكر إلى كلمات  وجيزة ولما أتى دوري ارتجلت كلمة قصيرة أبلغته فيها بالخصوص:" أننا أتينا للاسكندرية بتحيات وتقدير وشكر الشعب التونسي و الزعيم  العربي الأصيل الحبيب بورقيبة أول رئيس حكومة تونس المستقلة منذ 20 مارس 1956.وأضفت لنا قناعات كبيرة أن السنوات القادمة ستكشف للجميع مدى تعلق الزعيم بورقيبة  والشعب التونسي بالاسهام الجدي في بناء الوحدة العربية بمرحلية  وعلى أسس سليمة وعملية على غرار منهجية  الدول الأوروبية التي أبرمت  سنة 1955إتفاقية رومة للانطلاق في بناء سوقها المشتركة و حدتها الاقتصادية التي تمثل العمود الفقري والاساسي للوحدة السياسية الثابة" .وتفاجأ الرئيس عبد الناصر بمحتوى كلمتي التي خرجت نوعا ما عن البروتكول الذي اوصى به قائد المعسكر المصري وشكرني عبد الناصر مصا فحا بحرارة مع ابتسامة كبيرة وقال :" بلغوا الزعيم السيد بورقيبة رئيس حكومتكم تجديد أحر تهانيا وتمنياتنا بنجاح تونس في مسارها الجديد..".


في الصورة إلى جانب السيارة التي وضعتها السلطة المصرية على ذمة رئيس الوفد الرسمي التونسي السيد عزوز الرباعي ثلث من قادة الوفد التونسي للقاء الكشفي العربي الكبير في مدينة الاسكندرية في شهر جويلية 1956 ويظهر في الصورة الجالسون من اليمين إلى اليسار القائد عبد المجيد عطية ثم القائد....نوبرة...والقائد عبد العزيز التريكي. الصف الثاني وقوفا مرافق الوفد قائد كشفي مصري ثم السيد عزوز الرباعي رئيس الوفد الرسمي ثم مسؤول كشفي مصري ثم القائد العام للكشافة التونسية  عبد الله الزواغي ورئيس الوفد إلى المؤتمر الكشفي العربي ثم القائد.عبد العزيز بالحاج طيب. وأخيرا القائد رشيد صفر قائد الوفد الكشفي للمعسكر الكشفي العربي وبيده حقيبة الوثائق الرسمية للبعثة وجواز السفر الجماعي لكافة أفرد البعثة التونسية.








إنغماسي في دراسة التاريخ و الاقتصاد و المالية العمومية و السياسة الجبائية.
صدفة اكتشاف المؤرخ البلجيكي الجنسية " هنري بيران". لم يذكر لنا استاذنا في التاريخ الفرنسي ' جان قنياج" في قائمة الكتب و" البيبليوقرافية" التي نصحنا بها في السنة الأولى من الاجازة في التاريخ كتب المؤرخ البلجيكي "ر هنري بيران' و كنت دوما ازور بانتظام باعة الكتب فوجدت في بداية السنة الجامعية 1956-1957 مجموعة كتب 'لهنري بيران" فاقتنيتها بدون تردد ولم أندم على ذلك وقد اكتشفت مؤرخا كبيرا له شأن...

وشاركت في صيف 1957 ضمن وفد تونسي - متركب من محمد إدريس ممثلا عن الشبيبة الدستورية{ أصبح رجل أعمال معروف في سوسة خاصة في الميدان السياحي} وتوفيق عبد المولى{ أصبح رجل أعمال} ممثلا عن الشبيبة المدرسية و كنت ممثلا عن الكشافة التونسية - في مؤتمر دولي لحركة عالمية تدعى "حركة التسلح الأخلاقي"(Mouvement du Réarmement Moral) وتهدف ظاهريا حسب وثائقها أنها تعمل من أجل التقارب بين الشعوب وترسيخ القيم الأخلاقية في العلاقات بين الدول وانتظم المؤتمر بجزيرة "ماكناك إزلند" Ile de Mackinacوهي جزيرة في البحيرات الكبرى التي توجد في الحدود الفاصلة بين دولة كندا والولايات المتحدة الأمريكية والجزيرة تقع ببحيرة " هيرون" lac Huron وكان يترأس في تلك الفترة هذه الحركة الفكرية  مؤسسها الدكتور "بوكمام" ( Dr Buchman) وهو أمركي الجنسية توفي سنة 1961.ولكن يبدو أن هذه الحركة التي كانت أساسا تحاول إيجاد بديل للاديولوجية الشوعية يكون قادرا على  بناء عالم يسوده الاخاء والتعاون والسلم وكانت مناهجها مبنية على نوع من الهشاشة  فلم تعمر طويلا بعد موت مؤسسها.وإهتمت حركة التسلح الأخلاقي سنة 1957 بالخصوص بالدول الإفريقية التي استقلت أو بصدد الاستعداد للتحصيل على استقلالها. وفعلا وجد الوفد التونسي نفسه في جزيرة "ماكناك" مع عدد هام من الأفارقة الدين سيتحملون في ما بعد مسؤوليات عليا في بلدانهم وخاصة في الكامرون ونيجيريا وكينيا..وقد ركزت الحركة على محاولة تصور  للتعاون بين البيض والسود لبناء "مستقبل إفريقية" ما بعد الاستعمار.لم يكن للوفد التونسي أي تعليمات لا من المنظمات الشبابية المنتمين إليها ولا من وزارة الخارجية التونسية التي  طلبت و شجعت على المشاركة في المؤتمر. وكان سفير تونس في الولايات المتحدة الزعيم المنجي سليم قد استقبلنا في السفارة واصطحبنا في سيارته من مدينة واشطرن إلى مدينة نيويورك أين  وجدنا الطائرة التي نقلتنا إلى مدينة ديترو. ولم يمدنا المنجي سليم لا بتعليمات ولا بتوصيات في ما يتعلق بمساهمتنا في المؤتمر فتصرفنا بكل حرية وأجتهد كل منا وكانت مداخلاتنا متكاملة وابرزت نوع من التوافق التونسي بالنسبة للوفود الافريقة الأخرى التي لم تكن مشاركتها ناشطة. وكنا نشعر من خلال شبه صمت الوفود الإفريقية أنها كانت أتت لتتعلم أهداف الحركة وسبل نشرها في أقطارها في الوقت التي قام الوفد التونسي بواجب النقاش والإشارة إلى نقط ضعف مناهج الحركة وتركها جانبا القضايا الأساسية المتصلة بسبل تنمية حقيقية للدول الإفريقية بعد سلب ثرواتها من طرف الاستعمار.وقد تناول الوفد التونسي بالخصوص ضرورة تبني المنتظم الدولي برنامجا تنموي خاص بالدول التي تحصلت على استقلالها. و وضحنا أنه يتعين على البرنامج إعطاء أولوية قصوى لإعداد وتكوين القوى البشرية مع توفير تمويل للتنمية بشروط ميسرة يستوحى من برنامج "مارشال" الذي مكن الدول الأوروبية إعادة بناء اقتصادها بعد الحرب العالمية الثانية. وكانت لي شخصيا ثلاث تدخلات في هذا الاتجاه نالت بالطبع استحسان عدد من الوفود وأحرجت منظمي المؤتمر وبالخصوص الدكتور" بوكمان " الذي كان حاضرا في الجلسات العامة التي أخذت فيها الكلمة وتحمست في تدخلي الأول مشيرا  بإنتقاد إلى عدم مشاركتنا في اجتماع  علمنا به من طرف بعض المشاركين و كان يعقد مبكرا كل صباح لتقييم نشاط اليوم السابق وأخذ التدابير بالنسبة لتوجيه أشغال المؤتمر. وبينت أن مثل هذا التوجه يفقد المنهج الديمقراطي والشفافية الذي تتدعي الحركة في وثاءقها الموزعة علينا أنها حريصة كل الحرص على إتابعها. وبعد هذا التدخل وقع استدعاء كافة المشاركين لحضور بالتداول والاسهام في أعمال ومناقشات الجلسة الصباحية التي كانت تبدو للبعض بشبه الجلسات السرية وهكذا تمكن الوفد التونسي من إنتقاد منهجية عمل الحركة وأهدافه وتقديم مقترحات تتعلق بالخصوص بالمنظومة العالمية المالية التي يتعين إصلاحها وتطويرها حتى تتمكن الدول المستقلة حديثا من تحقيق تنمية سليمة ومتوازنة بدون أن تغرق في التداين الخارجي...ولكن لم تتبنى الحركة مثل هذه الاقتراحات لان أهدافها الحقيية كانت البحث عن سبل الهيمنة على الدول ولم ترم على الدفاع عن سبل تحقيق تكافء الفرص لتسهيل تنمية عادلة في الدول المتخلفة من جراء الاستعمار. وخرجنا من المؤتمر بخيبة أمل...أكدتها في السنوات القادمة تلاشي الحركة..أعلمت بكل التفاصيل القاءد العام للكشافة التونسية عبد الله الزواغي بعد عودتي على تونس ناصحا بأن لا تضيع المنظمة الكشفية التونسية وقتها مع مثل هذه الحركة.....
وانضممت كذلك في سنة 1957 إلى عضوية الهيئة العليا للشبيبة الدستورية  بطلب من رئيسها الأستاذ محمود المعموري وعهد إلي المساهمة في تكوين إطارات الشبيبة الدستورية وكان من بين أعضاء الهيئة في تلك الفترة بالخصوص كل من المرحوم المناضل محمد صالح بلحاج وصالح لدغم ( شقيق الباهي لدغم). وأشرفت في عطلة ربيع 1957 على الحلقة التدريبية التي انتظمت بفرع المدرسة الصاديقية "خزندار" واختتم هذه الدورة الأمين العام للحزب الباهي لدغم. وتعهدت القيام بعدد من الدروس والمحاضرات وذلك بالتنقل أيام الأحد من كل أسبوع إلى مدرسة تكوين الإطارات ببلدة عين دراهم في مبنى مضائف الشباب.
صورة للدكتور بوكمام مؤسس الحركة العالمية للتسلح الأخلاقي التي شاركت في أحد مؤتمراتها في صيف 1957 بجزيرة ماكناك إزلاد بالولايات المتحدة الأميركية كممثل للكشافة التونسية.
ديسنبر 1957 في شارع الحبيب برقييبة رشيد صفر و وإبنة عمعه و خطيبته وحيدة صفر في تجول وحديث عن المستقبل.



هذه صورة لأول بعثة تونسية للتكوهين في باريس من إطارات شابة لوزارة البريد يرافقها لمطار تونس الوزير المرحوم محمود الخياري: كان ذلك في شهر اكتوبر 1956 و توجد على الصورة من اليمين الى اليسار  بالنسبة للشابات الآنسة وحيدة صفر ـ ستصبح زوجتي سنة 1958- والآنسة رملة الحداد والآنسة جليلة بن يوسف. تلت هذه البعثة بعثات أخرى في الدفاع والمالية والقمارق بالخصوص لسد الحاجات المتأكدة للإدارة التونسية الفتية التي حاولت السلط الفرنسية في بداية الاستقلال تعجيزها بمختلف الوسائل.


كانت زوجتي اثناء اقامتي بباريس لمواصلة تكويني ترسل لي بعض القصاصات من الجرائد التونسية حتى ابقى مطلعا على الاحداث في وطني... وهكذا تابعت احداثا هامة مثل احداث العملة التونسية و بداء المحاورات الأولى مع صندوق النقد الدولي....ونشاط الكشافة التونسية التي قمت بحماس بدور لا يستهان به في توحيد صفوفها بالخصوص لما عارض ذالك التوحيد البعض من اعضاء الديوان السياسي للحزب في ماي من سنة 1956



جريدة العمل بتاريخ 5 فيفري 1959 تنشر بلاغ المجلس الأعلى للكشافة التونسية
الذي انعقد يوم 31 جانفي 1959...عندما اطلعت على هذا البيان و أنا في باريس لمواصلة تعليمي العالي تأسفت بالخصوص على ما اعتبرته هدف غير طموح وغير كافي لتوسيع  عدد المواطنين الصالحين عندما قرأت هذه الجملة من البلاغ: " اللانتشار الذي بدأت حملته و ستستمر هو انتشار هادف إلى أن يجعل من كل مائة مواطن كشافا واحدا.."   قمت بعملية حسابية بسيطة: كنا في تونس في تلك الفترة حوالي 3.800.000 مواطن و مواطنة...فيعني  ان الهدف الكمي المنشود من طرف المجلس الأعلى لتكوين الكشفيين بعد التوحيد قد لا يتجاوز 38.000 كشاف و كنت على يقين أن جمعيتنا " الكشافة الاسلامية التونسية" بمفردها كان عدد كشافيها من الفتيان و الفتيات قد فاق الخمسون ألف سنة 1955......و كانت هذه الجمعية في مقدمة كافة الجمعيات الكشفية الاخرى من حيث عدد الكشفيين و من حيث غزارة النشاط الميداني و التنظيم المخيمات في مختلف جهات الوطن...لم افهم سبب اختيار هذا الهدف المتواضع جدا.....و تأسفت شديد التأسف.....و فكرت في مراسلة القائد العام عبد الله الزواغي...ثم عدلت على ذلك لعدم احراجه وهو أكثر مني خبرة بما كان يدور بالبلاد في تلك الفترة.....


استكملت تعليمي العالي بباريس في فرنسا بالمدرسة التطبيقية الوطنية للأداءات التابعة لوزارة المالية والاقتصاد الفرنسية و كذالك في كلية السربون من أكتوبر 1958 إلى سبتمبر 1959. وانقطعت في باريس عن كل نشاط سياسي أو جمعياتي للتفرغ التام لدراستي. وتمكنت في السربون من متابعة عدد من المحاضرات الكبرى والدروس في التاريخ وعلوم الاجتماع و بالخصوص دروس عن" المجتمع الصناعي" « leçons sur la société industrielle » التي كان يلقيها الأستاذ الفرنسي المعروف ، و الذي أخذ مواقف مساندة لتحرير الجزائر وأصدر سنة 1958 كتابات قيمة وشجاعة لفائدة الوطنيين الجزائريين، وهو الفيلسوف والمفكر  والأستاذ في علم الاجتماع "ريمون آرون" « Raymond Aron » . كان "آرون" قد زار تونس منذ سنة 1949 ثم ساند قرار "منداس فرانس" منح الاستقلال الداخلي لتونس في صيف سنة 1954 وأعتبر الاستقلال التام للمغرب ولتونس أمر حتمي، كما أعتبر استقلال الجزائر لا مفر منه بالرغم من أن وضعها القانوني كان مختلفا تماما عن وضع المحميتين. وكانت المجاهرة بموقفه تتصف بشجاعة كبيرة و ببعد نظر في ما يخص مستقبل علاقة فرنسا بشمال افريقية في وقت كانت جل القوى السياسية بفرنسا وحتى أغلبية النخب الفكرية تأيد نظرية الدفاع عن ديمومة " الجزائر الفرنسية". وجلبت له كتاباته عن " المأساة الجزائرية" « la  Tragédie algérienne »  سخطا كبيرا وشتما لاذعا من طرف عدد من المفكرين والسياسيين في بلاده.
وتأثرت كثيرا بدروس ومؤلفات " موريس لوري" "Maurice Lauré" الاختصاصي في التقنيات الجبائية و الذي يعتبر أب الأداء الذي انتشر اليوم في جل الدول وهو "الأداء على القيمة المضافة" كما كنت مولعا بمؤلفات الأستاذ "فرنسوى بيرو" François Perrouxفي الاقتصاد ومؤلفات الأستاذ " موريس دوفرجي" Maurice du Verger في المالية العمومية. وتحصلت بتفوق على شهادة ختم الدروس في هذا المعهد التطبيقي للأدءات.
واثر الانتهاء من فترة التربص في إدارة الأداءات الفرنسية أقترح علي مدير المعهد كما أقترح على زميلي في الدراسة توفيق القلعي العمل في وزارة المالية الفرنسية إن كنا نرغب في ذلك. وكان الجواب بدون تردد : شكرا السيد المدير إن بلادنا تنتظرنا... .
ملاحظة مدير المعهد الفرنسي للأداءات بالنسبة لتربص رشيد صفر بمصالح وزارة المالية الفرنسية:" برهن السيد صفر على خصال مميزة مكنته أثناء تربصه من أن يرتب بين أحسن التلاميذ."


الباب الثاني

مرحلة المسؤوليات الإدارية بعد خروج المستعمر من وطننا.
بذل وعطاء  جماعي و تلقائي في مرحلة تاريخية حاسمة لمستقبل الوطن
1957-1977



صورة لرشيد صفر و زوجته وحيدة يوم حفل الزواج 18.07.1958

وطننا يخرج من مخاطر فتنة داخلية ويبني مؤسسات النظام الجمهوري ويبحث عن منهجه التنمويب

من تلميذ- متفقد مالي إلى ملحق بديوان وزير المالية والتخطيط.
من 1957 إلى 1961.
كانت فترة 1957-1961 فترة حاسمة إذ شهدت ميلاد الجمهورية التونسية وانطلاق بناء عسير لمؤسساتها بإمكانيات متواضعة جدا سواء بالنسبة للإطارات البشرية التونسية أو بالنسبة للموارد المالية علاوة على الارث الاستعماري المتمثل خصوصا في تفشي الفقر في أكثر من ثلاثي المجتمع التونسي. وكان حماس شبابها وتفانيه لخدمة الصالح العام من أهم العوامل التي مكنت البلاد من التغلب على جل الصعاب: ففي سنة 1957 بدأت البلاد تخرج من تبعات الفتنة الداخلية التي كادت أن تعصف بالمجتمع وبكيان الدولة الجديدة. وكانت السلط الفرنسية تعرقل الإرادة التونسية للتخلص من رواسب الاستعمار في جميع المجالات. كان المستعمر يظن أن استقلالنا سيبقى إستقلالا شكلي وأن الموظفين الفرنسيين سيواصلون تسير شؤون البلاد لمدة طويلة. ولكنهم فوجؤا بإرادة قوية من طرف بورقيبة ورفاقه و النخبة التونسية التي تحملت أعباء بناء الدولة الجديدة بالخصوص في ما سمي " بتونسة الإدارة" وإفتكاك مقاليد تسيير البلاد في مختلف المجالات وبالتأكيد في القطاعات الإستراتجية سواء السيادية –أمن ودفاع وديبلوماسية-  أو الاقتصادية- قمارق, جباية, فلاحة وصناعة- أو المالية- بعث البنك المركزي وميلاد الدينار التونسي وانفصلاه عن منطقة الفرنك الفرنسي.
وحاول المستعمر في تلك الفترة تعجيز الحكومة التونسية فأوعز إلى موظفيه الفرنسيين مغادرة البلاد بصفة مفاءجة لإحداث شغورات خطيرة في قطاعات حساسة في الإدارة التونسية. فكان تحدي إضافي كسبه الشباب التونسي الذي كان بصدد استكمال تعليمه العالي مستجيبا إلى نداء الواجب.
تحملت - مع مجموعة من الطلبة التونسيين الذين كانوا بصدد إتمام دراستهم العليا- منذ خروج المستعمر من وطننا عددا من المهام الإدارية انطلاقا من كتابة الدولة للشباب والرياضة سنة 1956 و كتابة الدولة  للمالية سنة 1957: انتدبت في 7 جانفي من سنة 1957  بصفة متفقدا- تلميذا مع حوالي مئة  وخمسمون طالب كان جلهم يتابع دراسته بمعهد الدراسات العليا بتونس عندما حاول عدد كبير من الموظفين الفرنسيين بوزارة المالية تعجيز الإدارة الفتية لتونس المستقلة بمغادرتهم مهامهم بصفة مباغتة للسلطة التونسية. وكان في تلك الفترة أول وزير للمالية لتونس المستقلة الزعيم الهادي نويرة الذي كان له دور ريادي في تونسة مصالح وزارة المالية على أسس سليمة .  وأمام الفراغ الكبير الذي تركه  انسحاب الموظفين الفرنسيين وجلهم من صنف أ حاملي شهاءد التعليم العالي كان الهادي نويرة أمام خياران: إما تكليف الموظفين التونسيين المتواجدين قبل الاستقلال وجلهم من صنف ب ود وترقيتهم إلى صنف أ وقبول تخفيض نجاعة الادارة المالي التونسية او أنتداب الطلبة التونسيين الذين كانوا بصدد الديراسة في معهد الديراسات العليا الذي كان تحت الاشراف العلمي لجامعة باريس وقد أختار الحل الثاني وسهر بنفسه على تنظيم تربص الطلبة المنتدبين. ومن حسن الحض ان عددا من الموظفين الفرنسيين المميزين والغير العنصريين- حوالي العشرون- قد بقو يعملون في مصالح المالية بضعة سنوات بعد الاستقلال وأتذكر منهم " بزموت" في ادارة الميزانية و " بونتو" في الاداءات و" معرك" و "حسيد" وقدموا جميعا خدمات مفيدة لادارة الاستقلال في مقدمتها تكوين المتربصين التونسين. على السبيل الذكر لا حصر أتذكر أن السيد " بزموت" ساهم في تكوين من سيكون أول مدير تونسي للميزانية الأخ سليم بن عياد وحتى من سيكون اول محافظ للبنك المركزي الجزائري وهو السيد "مصطفاي" الذي عمل في وزارة المالية حتى استقلال الجزائر وكان الفضل للسيد " بونتو"- وهو متحصل على دكتورى الدولة في الحقوق وعلى شهادة الخبراء المحاسبين- في ـ تأطيري وتكويني التطبيقي في فترة تربصي وقد أجريت معه تفقد ومراقبة جبائية معمقة لفرع تونسي لبنك فراسي كان مقره قرب مبنى السفارة الفرنسية ودامت عمليات التدقيق والمراقبة أكثر من شهر واستفدت منها الكثير خاصة للتعرف العملي على مختلف العمليات المصرفية بعد أن كنت درستها بصفة نظرية لا تفي بالحاجة.....
و بعد تربصي في إدارة الأداءت بتونس ( في بناية  بنهج الحبيب ثامر) ودراسة موازية في معهد الدراسات العليا سنة 1957-1958 ودروس مسائية وليلية في البناية الجديدة( في تلك الفترة) "لبورصة الشغل" قرب الميناء التجاري كان وزيرنا الهادي نويرة قد أشرف بنفسه على تنظيم برمجتها و متابعة تنقيذ البرنامج وأوكل إلى خمس من كبار القضات الفرنسيين -الذين بقوا كمستضرين في وزارة العدل بعد تونسة القضاء واضلاحه- مهمة تدريس مواد القانون التجاري والاداري والمدني والجزاءي مما مكننا أن نقارن بين الدروس النظرية لأساتذتنا في معهد الدراسات العليا وبين دروس القضاة التي كانت نابعة من جبرتهم في تطبيق القانون.
وبعثنا مع عدد من الزملاء المتربصين في وزارة المالية جمعية سميناها " ودادية متفقدي المالية" وانتخب الزميل الناصر مالوش رءيس الودادية وانتخبت كاتبها العام. وكان لمكتب الودادية لقاء مع وزيرنا السيد  الهادي نويرة تحدثنا فيه معه على سير تربصنا واستمعنا إلى توجهاته و نصاءحه وتشجعاته كان لها وقع إيجابي كبير في نفوسنا بالخصوص لمزيد الاجتهاد والبذل أثناء مرحلة التربص المحورية.
وقع اختياري مع عدد من زملائي( وهم  بالخصوص  الأخوان محمود بسباس, صالح بن مباركة, توفيق القلعي,محمد الخضراوي وعبد العزيز المنيف...) لمواصلة تعليمنا في المرحلة النهائية من المدرسة التطبيقية للأداءات- قسم المتفقدين- التابعة لوزارة المالية بباريس وذلك في السنة الدراسية 1958- 1959 ,وارتقيت بعد رجوعي  من باريس -ومشاركتي بنجاح بارز-فزت بالمرتبة الأولى- في مناظرة كتابية و شفاهية  في أكتوبر من سنة 1960 في رتبة "متفقدا أولا" في إدارة الأداءات وعملت مع المدير الكفء والنزيه السيد محمد السبع الذي كان يعمل في هذه الادارة في الفترة  الاخيرة للاستعمار.و كنت مع زميلي صالح مباركة في المرتبة الأولى من العشرة الناجحين في المناظرة التي شارك فيها حوالي مئة متفقد من مختلف مصالح وزارة المالية. وكان رئيس لجنة الامتحان السيد بكار التوزاني المستشار بديوان الوزارة  والمتخرج من المدرسة القومية للإدارة الفرنسية ومن بين أعضاء اللجنة أتذكر السيد البحري قيقة- زميل والدي في أول ديوان سياسي للحزب الحر الدستوري الجديد- وكان في تلك الفترة رئيسا لمصلحة التسجيل العقاري أو ما يعرف –"بدفتر خانة"- التابعة لوزارة المالية و أتذكر كذلك وجود من بين أعضاء لجنة المناظرة المتفقد الفرنسي الذي أشرت إليه بعد و اسمه "بونتوا"  وكان متحصلا على الدكتوراه في الحقوق و على شهادة خبير محاسبي وكان قد أشرف على تربصي التطبيقي في الفترة المتراوحة بين مارس 1957 إلى جويلية 1957 بمصلحة  الأداءات المباشرة التونسية وأجريت معه تفقد معمق لحسابات وتصرف فرع بنكي فرنسي كان مكثف النشاط في تونس وكان مقرره متواجد بالقرب من مقر السفارة الفرنسية بشارع الحبيب بورقيبة ( سابقا شارع جول فري).
بعد عودتي من باريس في خريف 1959 وجدت بعض التغييرات قد حصلت بوزارة المالية: انتقل السيد الهادي نويرة إلى إدارة البنك المركزي التونسي الجديد الذي كلفه الرئيس الحبيب بورقيبة ببعثه وعوضه على رأس وزارة المالية السيد أحمد المستيري.و بالرغم من أهمية قرار إحداث البنك المركزي وفصل الدينار التونسي الجديد عن الفرنك الفرنسي -وهو قرار كان ينبىء بوضوح عن إرادة سياسية قوية لاختيار منهج إقتصادي مستقل عن تباعية وعيوب الربط بالعملة الفرنسية ذلك الربط الذي إنزلقت فيه كثير من دول إفريقية التي راهنت على منطقة الفرنك الفرنسي وبقيت تحت تبعات الدولة المستمرة- و لم تتضح في تلك الفترة الرويا بالنسبة للمنهج الاقتصادي الذي يتعين إختياره وذلك حتى بلغنا سنة 1959. و كانت الاءحة الاقتصادية لمؤ تمر الحزب المنعقد في سنة 1955 قد أقرت مبادي عامة ولم تأتي باستراتيجية إقتصادية عملية واضحة المعالم تاركة مجالا فسيح للاجتهاد في إفتكاك دواليب الاقتصاد التونسي من مخالب المستعمر وكانت وزارة المالية و البنك المركزي يمثلان المؤسسات المحورية لبلورة هذه الاستراتجية التي لم تكتمل بعد منهجيتها عندما عدت من فرنسى في نهاية سنة  1959.
 وتبين لي مدى خطر افتقار الحزب إلى برنامج تطبيقي للتنمية الإقتصادية والإجتماعية  ذلك البرنامج الذي كان والدي مع الشهيد الهادي شاكر يلح على تكليف لجنة مختصة الاعداد إليه منذ مؤتمر الحزب في سنة 1937. وهذا الوضع يفسر لنا أسباب تبني الحزب في ما بعد برنامجا اقتصاديا كان مصدره الأساسي الاتحاد العام التونسي للشغل وبالخصوص المجموعة التي أعدته مع الأمين العام أحمد بن صالح. و تم تبني هذا البرنامج من طرف الحزب والدولة  بتعديلات وجزئية في مؤتمر بنزرت.
كان السيد أحمد بن عرفة يشغل خطة رئيس ديوان وزارة المالية  مع الوزير أحمد المستيري- في الفترة التي عدت فيها من باريس: خريف 1959- وكان الأخ أحمد بن عرف -الذي سبقني في الدراسة العليا بسنتين أو ثلاث وكان مع اللأخ عبد الرزاق الرصاع من تلاميذ الاستاذ ريمون بار عندما درس بمعهد الدراسات العليا في تونس- مشجعا لمبادرات القوى الشابة التي أتت طوعا إلى الوزارة لإفشال محاولة التعجيز الإدارة التونسية وبالخصوص وزارة المالية ووزارة البريد و التي أقدمت عليها السلط الفرنسية -كما بينت سابقا - بالإيعاز على المغادرة المفاجئة لعدد كبير من الموظفين الفرنسيين. أما السيد محمد السبع الذي كان على رأس مصلحة الأداءات القارة بنهج الحبيب ثامر فقد إنتقل إلى مقر الوزارة بالقصبة وكلف بمهمة كاهية مدير الاداءات عوضا عن موظف فرنسي كان اسمه "فريسي". وكان محمد السبع في هذه الخطة ينسق ويشرف على كافة المصالح المالية الخارجية ذات الطابع الجبائي مع عدد قليل من الإطارات العليا كان من بينهم السيد التوفيق التبان وكنت تعرفت عليه سنة 1957 عندما كان يعمل مع السيد محمد السبع بمصلحة الاداءات المباشرة. وطلب مني السيد محمد السبع أن ألتحق بالخلية التي كانت تعمل معه بالقصبة وكانت منكبت بالخصوص على النظر في التشريع الجبائي والسياسة الجبائية و لكن كانت مبادراتها مقتصرة على مقترحات بسيطة تقدمها لها المصالح الخارجية التابعة لها في أغلب الأوقات. قبلت اقتراح السيد محمد السبع لأني رجعت بعد دراستي مقتنع أكثر من الماضي بأهمية  الاسهام في صياغة سياسة جبائية وطنية حافزة للاستثمار وناهضة بالاقتصاد وتكون في نفس الوقت أداة محورية للإسهام الفاعل في تحقيق توزيع عادل لثمار التنمية الاقتصادية. وبعد حوالي شهر فقط من العمل قدمت للسيد محمد السبع دراسة أولية كنت قد جمعت أهم عناصرها منذ دراستي بباريس واقترحت عددا من الإصلاحات أولى لإخراج خاصة الاداءات المباشرة من طابعها الاستعماري القديم إذ لاحظت أن لا شيء ذا بال كان قد تغير في المنظومة الجبائية منذ خروج المستعمر: اقترحت في ما اقترحت على سبيل المثال إزالة جملة من الاداءات الفلاحية البالية وهي بالخصوص ما كان يسمى بالقانون على الزياتين والقانون على الكروم وغيرها من القوانين التي تجاوزتها الأحداث وتعويضها بأدء عصري عادل وحافز للإنتاج الفلاحي .كما اقترحت إصلاحا جذري يهم طريقة تصريح المواطنين سنويا على مداخليهم و مرابحهم و التي كانت خاضعة للضريبة التصاعدية على الدخل. كان التشريع الجاري به العمل يقتضي القيام بالتصريح على المداخيل بدون دفع الاداء وتجمع قباضات المالية كافة التصاريح وترسلها إلى تونس في المصلحة المركزية أين تخزن وترصف في الطابق الثالث من مقر المصلحة للقيام بعملية تدقيق سطحية كان تدوم سنتان وأكثر ثم بعد ذلك تسجل المبالغ التي يتعين على كل مواطن دفعها في دفادر حسب الولايات وترسل للجهات ليقع طلب الاستخلاص بعد أن يكون قد مر الدخل المتحصل عليه من طرف الموطن قد مر عليه أكثر من ثلاث سنوات في أحسن الحالات.واقترحت أن تعوض هذه الطريقة المكلفة للإدارة والمضرة بالمواطن بطريقة عصرية معمول بها في أغلبية الدول المستقلة ألا وهي القيام بالتصريح وفي نفس الوقت دفع مبلغ الضريبة على أن تبقى عملية التدقيق في صحة التصريح في مرحلة لاحقة من طرف مراقبين مختصين ولهم تكوين ملائم وذلك على غرار ما هو معمول به لبقية الاداءات الاخرى. وجد السيد محمد السبع اقتراحاتي فيها جرأة و سابقة لأوانها. فتجاسرت لتجاوزه لأن سئمت ما اعتبرته جمود الإدارة الجبائية بعد الاستقلال وقدمت نسخة من دراستي للسيد أحمد بن عرف لإعلام الوزير بمقترحاتي. و بعد الإطلاع على دراستي أقترح أحمد بن عرف على السيد محمد السبع طلب من زميلي" توفيق التبان" بتقديم دراسة في نفس المواضيع التي تناولتها لاجراء مقارنة بين الدراستين. وتم ذلك وكانت دراسة السيد التوفيق التبان فيها عدد من التحفظات على بعض مقترحاتي . وكاد أن يقبر الموضوع في تلك الفترة التي كانت أوليات الحكومة أولويات أخرى. ولكن أطلع على مذكرتي الفرنسي الوحيد الذي بقي يعمل في الوزارة كمدير للميزانية وهو السيد روجي بزموت- يهودي له الجنسية الفرنسية - وكان كاهيته السيد عبد السلام بن عياد من صفاقس وكان  قد سبقني بسنة دراسية في المعهد الثانوي وأكمل دراسته بفرنسا قبل أن يلتحق بوزارة المالية. وأعجب "روجي بزموت" خاصة باقتراحي الخاص بتغيير طريقة العمل بالتصريح على الضريبة على الدخل وفهم فوائدها  وقابليتها للتنفيذ السريع فوقع اعتمادها وتطبقها في السنة الموالية. و هكذا و من السنة الأولى في الإدارة التونسية شعرت بصعوبة إقناع عدد من زملائي على الإقدام على الإصلاح خاصة إذا جاءت الاقتراحات من طرف موظف شاب.
شاركت في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الحزب الحر الدستوري المنعقد بمدينة بنزرت سنة 1964 - كمدعو مثل عدد من الإطارات العليا للإدارة- و هو المؤتمرالذي قرر تغيير اسم الحزب وتبني المنهج " الاشتراكي الدستوري". لم أكن  طبعا على علم بما جرى في كواليس المؤتمر ولكني درست كافة اللوائح و خاصة اللائحة السياسية واللائحة الاقتصادية وجدتها موضوعية المحتوى و ملائمة لوضع البلاد ولما هو سائد في جل الدول المتقدمة وخاصة الاسكندينافية. و رتبت مضمونها إجمالا ضمن "برامج الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية" التي كنت مطلعا عليها مع بعض الفوارق التي اعتبرتها جزئية. وتحمست لمضمون اللوائح كعدد كبير من زملائي في الإدارة وكنا نعتقد -ربما بنوع من السذاجة- أنه سيقع الحرص على تجسيم كافة ما ورد فيها بوفاء و نزاهة. ولكن في الواقع و مع الاسف لم يحدث ذلك إلا في السنوات الأولى بعد المؤتمر التي تجسمت فيها فعلا مشاريع هامة مهيكلة للاقتصاد التونسي مع احترام توازن حقيقي وتواجد فعلي للقطاعات الثلاث: الخاص والعام والتعاضدي وخاصة اجتناب فرض الاختيار التعاضدي لا في القطاع الفلاحي ولا في القطاع التجاري. وبقي إختيار الفرد هو الاساس. ولو سارت الأمور على هذا النسق الأول لما مرت البلاد من أزمة التعميم القصري للتعاضد وتبعاته.
عينت في سنة 1961 من طرف  السيد أحمد بن صالح وزير المالية والتخطيط الجديد ملحقا بديوانه وكان رئيس الديوان في تلك الفترة البشير الناجي والملحق الثاني للديوان  الزميل عبد العزيز الأصرم.وتابعت في هذه الخطة أعمال مختلف مصالح المالية في حين تابع زميلي عبد العزيز الاصرم أعمال مصالح التخطيط وذلك بالخوص من خلال دراسة كافة المذكرات والدراسات التي تعرض على أنظار الوزير من طرف رؤساء المصالح وكنت أقوم بتلخيص للوزير الوثائق الكبيرة  الحجم وأرفق في مذكرات مصاحبة ملاحظاتي ومقترحاتي.أتذكر أني استقبلت في هذه الخطة في يوم  من الأيام رفيقي في الدراسة العليا الطاهر قاسم وكان قد أكمل الإجازة في الآداب العربية وكان يدرس في التعليم الثانوي بصفا قس. وطلب مني رفيقي إعلام الوزير بقدومه إلى تونس وهو على ذمته طبقا لما أقترح عليه ذلك أحمد بن صالح بمناسبة الالتقاء به في اجتماع حزبي بصفاقس كان الطاهر قاسم قد أخذ فيه الكلمة ونال استحسان الوزير فأقترح عليه القدوم إلى مكتبه في أول مناسبة يقدم فيها إلى العاصمة. :كان السيد أحمد بن صالح موجودا بمكتبه وأبلغته بتواجد الطاهر قاسم بمكتبي فأستقبله في الحين وعرض عليه خطة رئيس مصلحة تعريب المخطط في الوزارة وقبل هذا المقترح بعد أن شجعته على ذلك وأنطلق في العمل ولما سجن مع السيد أحمد بن صالح شعرت بنوع من الإذناب وندمت  - في ما لا ينفع الندم- على تشجيعه على مغادرة مهنته في التعليم......ماعدا ذلك بقيت لي انطباعات حسنة  جدا عن هذه الفترة القصيرة التي قضيتها في ديوان السيد أحمد بن صالح والتي لم تتجاوز السنة وبضعة أشهروتشرفت بالعمل إلى جانب مناضل كبير كان يبدو لي أنه رجل نزيه  له مواهب وخصال عديدة و كان متحمس ومسخر  كل طاقته لمهامه المصيرية بالنسبة لمستقبل اقتصاد الوطن.  كان الرجل يعمل ويكد حتى الارهاق وكان يحرك في جميع العاملين معه مشاعر تحملهم على محاولة النسج على منواله في التفاني للعمل..... ومكنتني هذه المرحلة من مزيد التعرف ومتابعة سير كلفة مصالح وزارة المالية المركزية والخارجية والجهوية واستفدت في هذه الخطة واستكملت تكويني التطبيقي أكثر من ما أفدت الوزير الذي لم يكن في حاجة إلى أي نصح مني نظرا لحداثة عهدي بالوزارة. وقد تميزت مرحلة 1961-1967 بإنجازات بليغة الأهمية قبل أن ننزلق في تعميم التعاضد الذي تتحمل مسؤوليته الحكومة يأكملها واللجنة المركزية للحرب وفي مقدمة الجميع رئيس الجمهورية و لكن ذهب أحمد بن صالح كبش الفداء لتجاوز الازمة السياسية.
قرار إرتقاءي إلى رتبة متفقد أول بعد إجراء مناظرة كتابية وشفاهية نجحت فيها في المرتبة الأولى .
ديسنبر 1959



خطاب الرئيس الحبيب بورقيبة يوم 24 جوان بصفاقس يشرح فيه منهجية التخطيط.


                   Discours de Habib Bourguiba à Sfax le 24 juin 1961 

Je m'adresse aujourd'hui, dans la Capitale du Sud, aux cadres de la Nation et, à travers les antennes de notre Radio, à la Nation tout entière pour ouvrir la semaine de la Planification.
J'ai d'ailleurs, plus d'une fois déjà, traité du problème de la Planification. J'en ai souligné l'importance et les divers aspects. Si je vous en entretiens encore aujourd'hui, le peuple tunisien sera plus il même de participer à la bataille du Plan, soit en exprimant son point de vue directement ou par la voix de ses représentants, soit en contribuant dans l'enthousiasme à l'exécution des programmes; car il aura acquis la conviction que ces programmes, arrêtés après discussions et mure réflexion, répondent à l'intérêt personnel de chacun comme à l'intérêt général de la Nation.
J'ai tenu à ce que cette bataille ne diffère pas des autres batailles en­gagées pour le bien du peuple tunisien : qu'elle soit «la bataille de la Nation tunisienne», et qu'elle soit menée selon la méthode néo-destou­rienne que d’autres, à l'étranger, appellent la méthode bourguibiste. D'ailleurs, le Destour et moi c'est un peu la même chose et on peut bien nous identifier l'un à l'autre. Le premier responsable se doit de lui assurer toutes les chances de succès, ou du moins toutes les chances qu'il est en son pouvoir de réunir. Tel était et tel demeure l'objet de nos préoccupa­tions depuis trente ans. Lorsque nous nous Sommes engagés dans l'action, nous avons trouvé un peuple tunisien dominé, colonisé, humilié et qui acceptait avec résignation son sort. Il s'en remettait à l'Étranger du soin de le libérer ou tout au moins d'alléger le poids de sa servitude; il se con­tentait parfois du spectacle d'une défaite militaire de la France pour assouvir sa rancœur.
Devant cette situation nous avons fait un grand effort de réflexion. Notre objectif était de libérer le pays, de le débarrasser de la domination étrangère. Force nous était de rechercher les atouts qui nous permettraient d'atteindre nos objectifs.
Ces atouts étaient de deux ordres
Il fallait un moteur d'ordre sentimental, affectif, qui pousse les hommes à agir, à aller de l'avant, qui crée l'enthousiasme et le maintient malgré les vicissitudes, les échecs, et toutes les épreuves d'une lutte longue et inégale.
Il fallait par ailleurs les lumières de l'intelligence, les ressources de la raison, pour orienter, canaliser et diriger cette lutte dans les voies qui mènent au but fixé.
Autrement dit d'un côté le moteur, de l'autre le gouvernail ou le volant.
Dans toutes nos batailles, ces deux atouts ont joué leur rôle décisif: d'une part le cœur poussant à l'action, au sacrifice, au dévouement, à l'ab­négation; d'autre part un commandement clairvoyant qui réfléchit, qui voit loin, qui dirige toute cette énergie accumulée dans les voies parfois tortueuses qui aboutissent à la victoire finale.

منهجية التخطيط التنموي وتجربة التوسع في القطاع ألتعاضدي

من رئيس مصلحة الاختصاصات بوزارة المالية
إلى مدير عام لوكالة التبغ و الوقيد.
من سنة 1961 إلى سنة 1968
و شأت الأقدار وذلك بضعة أيام قبل اندلاع معركة بنزرت أن كلفني الوزير أحمد بن صالح بالتمعن في دراسة تقرير تفقد ما كان يسمى  "بمصلحة الاختصاصات" التابعة لوزارة المالية والتي كانت تعنى بالتبغ من الزراعة إلى الصناعة و حتى التوزيع. وحرر التقرير من طرف المراقب المالي سلطان العبيدي بإعانة  زميله عبد السلام الفرشيو. وكان التقرير مطول وكشف عن أخطاء صارخة في التصرف  في المصلحة منسوبة إلى المسؤول التونسي الذي عوض المدير الفرنسي المتخلي وعدد من أعضاده. وكان عمال المصلحة يشتكون من عدد من السلوكيات والتصرفات الادارية ويتظاهرون أمام مركزية الإتحاد العام التونسي للشغل مشيرين إلى "أن لاشيء تغير في مصلحتهم مع الاستقلال" ( كان المسؤول الأول عن الاتحاد في تلك الفترة المرحوم المناضل الكبير أحمد التليلي) . وبعد يوم فقط من تسلمي للتقرير قرر وزيري السيد أحمد بن صالح تعييني على رأس المصلحة قائلا لي " اعتبر نفسك في مهمة وقتية لإصلاح الأوضاع" عندما لاحظ مني عدم التحمس لهذه المسؤولية التي لم أكن متهيئا لها وكنت أفضل مواصلة عملي بديوان الوزارة لفترة أخرى حتى أعمق معرفتي لسير كافة دواليب الوزارة قبل أن أتخصص في مصلحة معينة. وقد احتقرت في البداية أهمية المصلحة وقلت في نفسي كيف سأصبح صانع التبغ وهو مفسدة لصحة المواطنين في الوقت الذي إخترت أن أعمل في القطاع المالي للاسهام في الرفع من مستوى عيش ورفاه المواطنين. وكان الجو في الوزارة في تلك الفترة كله جو عمل مكثف ومتنوع وجذاب وكان الفريق الذي كونه من حوله المرحوم محسن ليمام المسؤول عن التخطيط للمستقبل فريقا ممتاز ويقوم بعمل جماعي جديد بالنسبة للإدارة التونسية و كان هذا العمل يتصف بالعمق و بالجد في جو حماسي منعش. ولقد توفىالأخ محسن ليمام في حادث طائرة وهو في مهمة رسمية وخسرته تونس وحرصت مع عدد من الزملاء على حضور موكب جنازته في الوطن القبلي لتوديعه إلى مثواه الأخير. ويمكن أن نعتبر هذا الرجل المنسيمع الأسف أب التخطيط التنموي التونسي من الناحية التقنية وهو الذي عملت به الدولة التونسية طيلة نصف قرن مع بعض التحسينات. وأغلب العيوب والاخطاء  التنموية  التي حصلت كانت في الحقيقة غالبا ناتجة عن تقصير "معتمد أو غير معتمد" في التنفيذ. كانت التصورات في معضمها سليمة ويتماشى معها العقل السليم الذي يحمل نفسه قراءتها بأكملها....ولكن مع الأسف ومع مرور الزمن تزايد تباعد ما يرسم في وثائق المخطط وما ينجز ولم يتحسن التقييم المستمر وانعدمت المتابعة الدقيقة والشاملة لمختلف الأنشطة....اكتشفت من خلال تجربتي أن وثائق المخطط  والميزان الاقتصادي السنوي لا تدرس بالكفاية الأزمة حتى من طرف المسؤولين الإداريين وبلغني في سنة 1986 أن موظفا في وزارة التخطيط سمح لنفسه بالتصريح وهو يشير إلى عملية إعداد المخطط الخماسي " عبارة عن ربع ساعة عسيرة" وفالها بالفرنسية:"c’est un mauvais quart d’heure à passer                                                 "و أبقاني السيد أحمد بن صالح في ما كان يسمى "بمصلحة الاختصاصات" حوالي سبع سنوات ابتعدت فيها شيء ما عن الأجواء المنعشة  التي اتسمت بها نشاطات الوزارة في تلك الفترة (1961-1967) لأعيش تجربة تسيير مؤسسة اقتصادية صناعية و فلاحية كانت في تلك الفترة من أهم وأكبر المؤسسات التونسية من ناحية عدد العاملين ومن ناحية رقم المعاملات ومساهمتها في تمويل ميزانية الدولة. أتذكر أني في اليوم الأول من تحملي هذه المسؤولية تلقيت من السيد أحمد السنوسي -الذي كان يكن لي مودة صادقة- وكان يعمل في ديوان السيد الباهي لدغم- مكالمة هاتفية كان فحواها تحذير لي من مخاطر هذه المصلحة التي عينت على رأسها وأنا نسبيا صغير السن. وقال لي في ما قال:" خذ حذرك إنها ليست بهدية تقدم لك." وأفادتني هذه المحادثة إذ زادت في شعوري باني أمام تحدي كبير يتعين عليا كسبه. وبعد أن تجولت في مختلف ورشات المصنع وتمعنت في كل شيء انكببت على دراسة معمقة لتقرير التفقد وتحادثت مطولا مع المحرر الرئيسي التقرير وهو السيد سلطان العبيدي الذي أفادني بمعلومات إضافية لم تكن في التقرير. وازداد شعوري بتعقد الأوضاع وضرورة الإسراع بإعادة التنظيم وبالخصوص بتنصيب مسؤولين في الوظائف الأساسية للمؤسسة يتمتعون بالكفاءة  والعفة وبثقة العاملين في المؤسسة. وكان جو الثقة مفقود تماما بين العاملين في المصلحة  والإدارة. وانعكس ذلك على إنتاجية المؤسسة وأجواءها. وكان من حضي أن عاد في تلك الفترة من فرنسا بعد إنهاء الدراسة إطاران شابان هما: محي الدين الشملي مهندس مختص في معامل التبغ وهو متخرج من المدرسة الفرنسية لتكوين مهندسي مصانع التبغ و المنصف القبي مهندس مختص في زراعة التبغ. واقترحت من الأيام الأولى على وزيري أحمد بن صالح - بعد أن تحادثت مع من اخترتهم ليكونوا أعضادي في الوظائف الأساسية- تعين محي الدين الشملي كمسؤول على تسيير مصنع التبغ والمنصف القبي كمسئول عن إنتاج وزراعة التبغ و محمود بسباس (  وهو زميلي في الدراسة بمدرسة الآداءات وكنت أعرف جيدا نزاهته الفائقة ونظافة يده) كمسؤول على التزويد ورشيد بن حميدة كمسؤول عن  المالية والحسابات ( وهو الإطار الوحيد الذي كان متواجد قبلي في المؤسسة والذي لمست فيه خصالا لم تكن متوفرة في من اقترحت إبعادهم عن المؤسسة وتعيينهم في مهام أخرى بوزارة المالية بعيدا عن المؤسسة التي ساهموا في تدهور أجواء العمل بها وربما كان ذلك عن غير قصد أو عن غير وعي بنفسية العملة من طرفهم. ووافق السيد أحمد بن صالح   بدون احتراز على كافة مقترحاتي.                        
راهنت على إطارات شابة ومقتدرة وكان الرهان في محله. وانطلقت في تجسيم التغيير الجذري في أسالب العمل بعد أسبوع فقط من قدومي إلى مصلحة الاختصاصات مع الفريق جديد واتفقنا من البداية على منهجية العمل وعلى أخلاقياته. استعنت بدراسة معمقة لثلاثة كتب أساسية في عملي: كتاب كنت جلبته معي مع الكتب التي اقتنيتها بباريس وهو في جزاين بعنوان " التنظيم والتصرف" من تأليف " جان جربيي"         »     «  Jean Gerbierوهو مهندس مختص في التصرف في المؤسسات ودكتور في الاقتصاد في إدارة المؤسسات. الكتاب الثاني والثالث وجدتهم في مكتبي. كان الأول يتعلق بصناعة التبغ والثاني يتعلق بزراعة التبغ. وكان الكتابان حديثي عهد  و الإصدار وعندما تصفحت الأوراق فهمت أن من سبقني لم يحمل نفسه حتى مجرد الإطلاع عليهما. جعلت من الكتب الثلاثة كتب مرجعية لعملي ودرست محتواهم دراسة معمقة. واتفقت مع الفريق العامل معي على عقد اجتماع أسبوعي بانتظام نتناول أثناءه كل المسائل والمشاكل المتعلقة بمسؤولياتهم. كما نقوم فيه بعرض نشاط الأسبوع و نتابع معا نتائج عمل المؤسسة ونقيم الأوضاع. فعدلت بهذه المنهجية عن تقاليد كنت أعتبرها وخيمة وكانت تتمثل في العمل مع كل مسؤول على انفراد. كان مكتبي مفتوح في كل وقت أمام أعضادي ولكنهم كانوا يعلمون أن كل ما أتحدث فيه معهم على انفراد سأبسطه في ما بعد على رأي الجميع في الاجتماع الأسبوعي الذي سميته " اجتماع مجلس المصلحة" ومكنني هذا القرار من إرساء شفافية كاملة في تنقل المعلومات الصحيحة داخل المؤسسة ومن ترسيخ في المجموعة العاملة معي الشعور بالمسؤولية الجماعية وبنخوة العمل المشترك. وتمكنت بهذه الطريقة من تكوين جو من الثقة الكاملة بين أعضاء الفريق أولا. ثم بين أعضاء الفريق وبقية العاملين داخل المؤسسة على مختلف مستوياتهم. وازدات الثقة عمقا وترسخا عندما قررت عقد اجتماعات عامة دورية مع كافة العملة لأقدم لهم نتائج عملهم ونتائج المؤسسة. وكنت غالبا ما أزور مختلف ورشات المعمل يوميا و أتحادث مع العمال عن ما يقومون به من أعمال.ورسمت هيكلية المؤسسة لا على الطريقة البدائية  التقليدية ولكن على أساس مواصفات " أفنور"     « organigramme de l’entreprise conçu selon la norme Afnor » والرسم بهذه الطريقة يمكن من ضبط جميع المسؤوليات بدقة و بوضوح  ويبرز بسهولة ومن النظرة الأولى جميع الصلاحيات الموكولة لكافة الاطارات العليا و المتوسطة والصغرى المكونة لهرم المؤسسة كما يبرز عدد العاملين  مع كل مسؤول سوءا كان ذلك المسؤول من صنف أ أو  من صنف ب أو من صنف د أو من صنف ج.
وقد نجحت إجمالا بإعانة أعضادي في إعادة تنظيم المصلحة جذريا وفي ابتكار مناهج تصرف جديدة ثم في تطورها هيكليا سنة 1964 وتحويلها إلى "وكالة قومية للتبغ والوقيد". وعهدت إلي إدارتها العامة. وكان رئيس مجلس الإدارة  الزميل عبد السلام بن عياد بصفته المسؤول على إدارة الميزانية بوزارة المالية و كان قد خلف  الفرنسي"روجي بسموت" في هذه الإدارة الهامة.وانجزت معملا جديدا لصناعة السقائر بجوار المعمل القديم دشنه سنة 1967 السيد الباهي الأدغم كاتب الدولة للرئاسة في تلك الفترة التي كنت أتحمل فيها بالإضافة إلى مهامي الأصلية في الوكالة مهام مراقب مالي في عدد من المؤسسات العمومية منها مصنع الاسمنت في بنزرت بعد تأميمه.
عمل معي في هذه المؤسسة السيد محمود بسباس سنتان أوثلاث سنوات فقط وكان قد طلب مني المشاركة في مناظرة فتحت لاختيار أول إطارات "دائرة المحاسبات" باشراف أول رئيس لهذه المؤسسة الدستورية الهامة وهو السيد محمود الكتاري الذي كنت أعرفه معرفة جيدة وكان مسؤولا على مصلحة المراقبة  المسبقة على مصاريف الدولة التونسية. وشجعت رفيقي محمود بسباس على الالتحاق بدائرة المحاسبات بالرغم من الفراغ الذي كان سيتركه ولكني توفقت بسرعة بتسديد الفراغ بإقناع السيد الحبيب القرناوي الذي كان يعمل بإدارة الأداءت للالتحاق بي وتعويض محمد بسباس.
ترشيد عمليات التزويد من الخارج و إزالة الوسطاء و العملات المسترابة.
ومن التدابير الهامة والجريئة التي اتخذها  في هذه المؤسسة لا يمكن أن أنسى قضية إزاحة الوسطاء الذين كانوا يحومون حول تزويد المؤسسة من الخارج ويتقاضون عمولة على حساب المؤسسة القليل منها كان يدخل إلي تونس وجلها يبقى في الخارج و وكان هؤلاء الوسطاء  قد أسهموا من حيث لا يدرون في خلق جو انعدام الثقة الذي وجدته عند قدومي إلى المؤسسة. درست الوضع بالنسبة إلى عدد من المؤسسات العمومية المماثلة والمتواجدة في الدول المصنعة مثل فرنسا وإيطالية والبلدان لاسكندينافية وغيرها من البلدان فلم أجد بلد واحد يقبل تواجد "وسطاء" بينه وبين المزودين واستجلبت بعض كراسات الشروط الخاصة بالتزويد وخاصة مادة التبغ الخام واكتشفت أن المؤسسات العاملة في البلدان المصنعة تشترط اثمنا صافية من كل عمولة وتشترط من مزوديها التعامل المباشر بدون وسيط. وأمرت بإصلاح كافة كراسات طلبات العروض لمختلف المواد التي نتزود بها من تبغ خام وورق سقائر وغيرها من المواد المستورة وأدخلنا بند خاص في كل الوثائق يوضح منع استعمال الوسطاء ويشترط عرض أسعار صافية خالية من كل عمولة مهما كانت صفتها كما اشترطنا الاتصال المباشر على غرار ما هو معمول به في الدول المتقدمة. وكانت النتائج ايجابية للغاية وتمكنا من تحسين أسعار تزويد العديد من المواد وربحت الخزينة التونسية أموالا هامة. بالطبع لم تعجب مبادرتنا هذه كل من كان يستفيد من الوساطة ولكن واصلنا عملنا غير عابيين بالشتائم التي بلغت لنا. وشجعني على مواصلة عملي في هذا الاتجاه المرحوم علي الزواوي وكان بحكم وظيفته كمحافظ مساعد بالبنك المركزي يعرف حق المعرفة ما كان وراء الوساطة من عيوب في تلك الفترة. وبالاضافة إلى التخلص من الوسطاء المتطفلين أدخلنا تدريجيا إصلاحات أخرى على طريقة توريد التبغ الخام وبالخصوص على أسلوب إختبار المزودين : فبعد أن كانت لجنة فحص نماذج البضاعة المعروضة من طرف كل مزود تقوم بفحصها بطريقة غير ناجعة أدخلنا معايير أكثر موضوعية مثل التحاليل بعد إنجازو تجهيز مخبر مختص بمواد التبغ داخل المعمل وقررنا نزع إسم المزود من كل عرض وتعويضه برقم. أتذكر أني تليقت يوم إصدار المنشور الذي جسم تفعيل هذا القرار الأخير مذكرة من آخر عون فرنسي بقي يعمل في مصلحة التزويد يفسر فيها من وجهة نظره عيوب الطريقة الجديدة المعتمدة على تعويض إسم المزود بأرقام حتى تصبح اللجنة تفحص بكل أرياحية و موضوعية بدون أي تأثير محتمل وهدد في مذكرته بالاستقالة إذا ما أبقينا على هذا التحوير.وتجاهلت بالطبع هذا التهديد وطلبت من الزميل محمود بسباس إعلام العون الفرنسي بأنه يستطيع الاستقالة متى يشاء وحتى في الحين. واكتشفنا بعد مغادرة العون ان السبب الرءيسي في معارضته للاصلاحات في أساليب التزويد أن الطريقة القديمة كانت توفر له إمكانية فتح ضروف العروض وبالتالي الاحتفاظ بالطوابع البريدة وقد كان مولعا بها وبتجميعا.
تعميم أساليب التزويد التونسية للتبغ الخام في الجزائر و في المغرب عبر طلب العروض المشتركة.
وتوفقت باتصالات مع زملائي المسؤولين على مصانع التبغ في المغرب والجزائر إلى تنظيم  دوريا طلب عروض تزويد مشتركة في مادة التبغ الخام للتحصيل على أثمان أفضل بحكم تجميع حاجيتنا من التبغ الخام الذي كان يمثل  في البلدان الثلاث أهم تزويد من حيث المبالغ المدفوعة بالعملة الصعبة.ولما اطلعوا على تجربتنا في إزالة الوسطاء تحمسوا للمقترح وتكونت لجنة مشتركة واختارت كراس الشروط التونسي وانطلقنا في عمليات سنوية للتوزيد المشترك من التبغ الخام استفادت منه البلدان الثلاث.
من الإجراءات التي حرصت على تركيزها أخص بالذكر الحرص على متابعة  تطورإنتاج و إنتاجية المصنع يوميا. لم يكن لدينا في تلك الفترة مختصين في المنظومة الحسابية التحليلية – comptabilité analytique -التي تمكن من متا بعة تطور الانتاجية وكلفة عناصر الإنتاج. فتجاوزت هذا العائق وابتكرت طريقة مبسطة تتماشى مع مستوى تكوين كل العاملين بالمصنع تعتمد على التطور الكمي اليومي لإنتاج كافة خلايا المعمل مع وزن ما يقع إتلافه يوميا من أهم المواد المكلفة  مثل ورق السقائر والتبغ خام وغيرها من المواد. وصغت جدول يومي يلخص النتائج اليومية مع المقارنة بالأيام السابقة و بطاقة الانتاج المثالية و يقع تفسير أسباب الفارق  إذا كان سلبي و تقترح سبل التدارك. وتدريجيا تكونت عقلية جديدة سليمة في الأعوان أصبحت بعدها مختلف خلايا المعمل تفتخر بالأرقام القياسية التي تحققها في الإنتاج الكمي والنوعي و الاستعمال الافضل للمواد الداخلة في تركيبة المصنوع وذلك  بالتحكم في إتلاف المواد وتخفيض نسبة المواد الضائعة – déchets-. وارتفعت الإنتاجية الجملية حتى بلغت إنتاجية مصانع الدول المتقدمة التي زرتها مثل المصانع إيطالية وذلك بالرغم من تقادم تجهيزات المصنع التونسي الموروث عن المستعمر.
استحسن كثيرا وزيري السيد أحمد بن صالح خاصة أساليب التوريد  التي   أستنبطها و كلفني في تلك الفترة إَضافة إلى مهامي في المؤسسة برئاسة مجمع توريد الورق لكافة حاجيات البلاد التونسية..كما طلب مني كذلك تقديم النصح حتى ينسج على منوالنا مجمع توريد الخشب بمختلف أنواعه.... وبهذه الطريقة الجماعية في طلب العروض و اختيار المزودين و قع التحكم في أسعار توريد عدد هام من المواد وإقتصاد هام في العملة الصعبة مع القضاء على الوسطاء و على العملات التي كانت تثقل اسعار التوريد....و أعتقد أن الذين كانوا ينتفعون بالعملات  عند توريد العديد  من المواد التي وقع تنظيمها و تجميعها...ساهموا كل من موقعه في تغذية حملة الغضب ضد السيد أحمد بن صالح تلك الحملة التي بدأت تتسع حتى بلغت أوجها مع الاعلان على تعميم التعاضيات الفلاحية.....
وكنت في تلك الفترة نشطا ومواظبا على اجتماعات لجنة الدراسات الاقتصادية التابعة للحزب والتي كان يترأسها أحمد بن صالح بإعانة الهادي نويرة مؤسس البنك المركزي التونسي ومحافظه الأول.وذلك مع الاشارة إلى أني إبتعدت عن النشاط الحزبي ورفضت تحمل أي مسؤولية حزبية قناعة مني أنه يتعين على المسؤول الاداري أن لا يخلط بين هاتين المسؤولتين.  وأتذكر أننا تناولنا في إحدى اجتماعات هذه اللجنة موضوع نجاعة مناهج وأساليب التصرف في المؤسسات العمومية التي أصبحت تمثل في نهاية الستينيات قسما هاما من الاقتصاد الوطني إذ لم نقل عموده الفقري. وتدخلت بحماسي الطبيعي في النقاش العام مركزا على المناهج العصرية الجديدة للتصرف وبالخصوصضرورة صياغة مشاريع الميزانيات المبنية على متابعة وساءلة على تحقيق الأهداف الكمية والنوعية المرسومة مسبقا مضيفا أن التطوير تقنيات التصرف وحدها لا يكفي إذا لم يقترن بسلوكيات أخلاقية مثالية بالخصوص في المسؤولين الكبار على التصرف في المؤسسات إذ يتعين أن يكونوا قدوة لبقية العاملين في المؤسسة حتى يترسخ مفهوم رفع الإنتاجية على قواعد صحيحة وفي جو سليم. وكنت أجلس دائما في مقعد من مقاعد الصف الأول في القاعة لآني كنت أعير أهمية كبرى لأشغال اللجنة وهكذا سمعت بعد نهاية مداخلتي الحبيب بورقيبة "الأبن" وهو فوق المنصة جالسا إلى جانب أحمد بن صالح يقول له مقتربا من أذنه :" وهل هنالك مجال للأخلاق في الميدان الاقتصادي". مشيرا هكذا إلى نظرية اقتصادية تدعي أنه ليس هنالك علاقة بين الاقتصاد و الأخلاق وكنت لا أقبل شخصيا هذه النظرية شأني شئن عدد من الاقتصاديين في العالم الذين يشيرون دائما إلى أهمية عنصر الثقة في التنمية الاقتصادية الناجحة والثقة تتولد عن عديد العوامل منها العامل الأخلاقي والشفافية الحقيقية والمحاسبة والتدقيق. ورفعت يدي للتعقيب على ملاحظة بورقيبة الابن ولكن لم يعطيني الكلمة أحمد بن صلح متجنبا جدلية حول ملاحظة خاصة لم تكن موجهة للحاضرين في القاعة. ولكن في نهاية الجلسة اقترح السيد أحمد بن صالح تكوين فريق عمل مهمته إعداد مشروع وثيقة عمل تتعمق في سبل تحسين التصرف في المؤسسات العمومية تعرض في ما بعد على مداولات اللجنة. واقترح أن يكون فريق العمل يضم كلا من محمد غنيمة والتيجاني حرشة و عبد السلام المؤخر ورشيد بن يدر و وعبدكم رشيد صفر. وعقد  فعلا هذا الفريق عدد من جلسات العمل وتقاسمنا تحرير مختلف أبواب الوثيقة ثم خصصنا في الصيف اللقاءات الختامية في منزلي بالمرسى لتلاوة التقارير ومناقشتها وإعداد النص النهائي الذي لم يعرض مع الأسف على اللجنة وذلك بسبب تتطور الأحداث السياسية في البلاد وإنهاء أعمال لجنة الدراسات الاقتصادية بقرار من الديوان السياسي للحزب الاشتراكي الدستوري بعد ما سمي بأزمة التعاضد.
أزمة تعميم التعاضد.....
ومن منطلق تصوري كان بالإمكان إرساء في وطننا نظام سياسي ديمقراطي تعددي مباشرة بعد  فشل تجربة تعميم التعاضد – هذه التجربة التي ذهب ضحيتها الأستاذ أحمد بن صالح في الوقت الذي كانت المسؤولية مشتركة. كما يعلم الجميع لم يقرر مؤتمر بنزرت تعميم التعاضد بل أقر منهجا تنمويا سليما يضمن التوازن و المبادرات في القطاعات الثلاث: القطاع العام والقطاع الخاص والقطاع ألتعاضدي وكل ذلك مع ضمان حرية الاختيار ثم وقع الانزلاق نحو الإجبار ثم التعميم وهو تحول كبير كان يفرض الرجوع إلى مؤتمر جديد...ولكن وقع إقرار التعميم داخل للجنة المركزية بغموض كبير ولو كان الحزب ديمقراطيا في أخذ قراراته لما كان يحدث هذا الانزلاق الخطير. خضرت افتتاح مؤتمر بنزرت وكذلك الاختتام ودرست لوائح الحزب وكنت متحمسا للمنهج الذي توخاه الحزب لأنه كان منهجا ملائما في تلك الفترة لظروفنا الداخلية وكذلك للظروف العالمية وفعلا ساندت المنظمات المالية الدولية  ومنها البنك العالمي منهج التخطيط التونسي ومنهج التنمية الذي يعتمد على توازن ذكي في تطوير القطاعات الثلاث. وكنت أرى في تجربة التعاضد الاختياري وسيلة من وساءل مقاومة التشتت العقاري وكذلك وسيلة مثلى لتدريب التونسيين على العمل الجماعي- وهي صفة تنقصنا مع الأسف- وما يقتضيه من تنظيم محكم و شفافية وتعاون ولحمة اجتماعية. ولم وقع الاستمرار على هذا المنهج دون إجبار ولا تعميم مع توخي سياسة المراحل تتماشى مع تكوين الإطارات المقتدرة لكانت بلادنا تحصلت على نتاج باهرة خاصة في الفلاحة كنا نلمس مزاياها حتى اليوم.كان التعاضد الاختياري الذي أوصى به حتى الاقتصادي الليبرالي ريمون بار ملائما تماما لأوضاعنا ويمثل التعاضد مدرسة للتدرب على العمل الجماني الضروري لانجاح كل عملية تنمية مستدامة وصلبة.
 وكثير من نقائصنا التنموية ترجع إلى ضعف قدرتنا في مختلف المستويات على العمل الجماعي لأننا نشكر تضخم الآن. وتضخم الأنا في مجتمعنا يخفض من نجاعة العمل ومن الإنتاجية على عكس ما هو موجود في اليابان وفي البلدان الأساوية. فالياباني وحده لا يقدر على القيام بشيء والعمل في اليابان هو عمل جماعي أو لا يكون. ورأيت شخصيا  في تمشي سليم و إختياري  للتعاضد فرصة ذهبية لتدريب تدريجي على العمل الجماعي.
في مصلحة الاختصاصات التي حولتها كما بينت إلى وكالة قومية عشت تجربة التعاضد في مرحلتها الأولى وذلك من خلال نشاط المؤسسة في مراقبة زراعة التبغ  وذلك عندما تكونت أول وحدات إنتاجية في الشمال الغربي وكان إنتاج التبغ في تونس يمثل 50% من استهلاكنا  ونسبة كبيرة منه تأتي من جهة طبرقة و غار الدماء, و سجان, و جندوبة. كانت تعيش حوالي 25000 عائلته  من موارد زراعة التبغ و تراقب المصلحة سنويا الزراعة في مختلف مراحلها, حتى لا يقع التهريب ثم تتوالى المصلحة شراء المنتوج سنويا. فعندما أقحمت هذه العائلات  في الوحدات التعاضدية   ومن السنة الأولى انهار إنتاج التبغ إلى أكثر من 50%.
كتبت رسالة إلى وزير المالية والتخطيط السيد أحمد بن صالح وقدمت في الرسالة  مقترحات عملية لتلافي الأمر الخطير بعد أن درست الوضع مع المسؤولين عن زراعة التبغ في المصلحة و والي جندوبة, ووجدت منهم تقبلا لمقترحاتي, اقترحت وبينت أن خصوصيات زراعة  التبغ من مرحلة المشاتل إلى الزراعة ثم الحفاظ على ورقة التبغ ثم تجفيفها  تستدعي عمل مضني و عناية كبيرة تسهر عليها كافة العائلة حتى يأتي المحصول إلى الوكالة في ظروف طيبة و يكون شراؤها بثمن معقول يفي بحاجيات العائلات الفقيرة. وكنت أزور شهريا هذه المناطق وأتحدث مع هذه العائلات وعندما اكتشفت النتاءج الحاصلة بعد الاندماج في التعاضديات امتلأت عينيا بالدموع لأنني كنت أعرف وضع هؤلاء العائلات و أقدر تأثير ننقص ب 50% من مواردهم.
في نطاق خصوصية هذه الزراعة إقترحت على وزيري أن نتوخى التدابير التالية: تقوم التعاضدية بأشغال إعداد الأرض من حرث وغيره من الخدمات الجماعية ثم تخصص مساحة معينة لكل عائلة العائلة وتقوم العائلة بكافة بقية الأشغال حتى عملية التجفيف وتقدم العائلة محصول عملها للمصلحة لشرائها وتخصم من المبلغ كلفة خدمات التعاضدية. ضمنت كل هذه التدابير في الرسالة ووجهتها  غلى الوزارة وكنت أعرف عندما كنت في الديوان أن الأستاذ أحمد بن صالح يحمل نفسه قراءة كل ما يصله فلم يخاطبني الأستاذ أحمد بن صالح, بل خاطبني المدير خالد بن عمار الذي كان يشرف في كتابة الدولة للفلاحة على التعاضديات وهو زميل لي وقد درس بالمدرسة القومية للإدارة الفرنسية وهو ابن الطاهر بن عمار الوزير الأول الذي أمضى على اتفاقية استقلال تونس. اتصل بي و قال "سي رشيد قرأت رسالتك, هل تريد أن تهدم لنا مشروع التعاضد؟ فأجبته بأنني أعطيته  كافة المعطيات  ثم أني أرسلتها للوزير فما عليك إلا تبليغ إقتراحاتي للوزير كي نتلافى في الصابة المقبلة خسائر كبيرة للعائلات ولميزانية الدولة , أنا قدمت اقتراحات عملية فلا تدخلني في مسائل إيديولوجية, فعليك أن تجيبني كتابيا عن رسالتي بتعليمات رسمية و أعلمكأنه في حالة عدم الاجابة ساعتبر أن الوزارة موافقة ضمنيا..." و أضفت :",وقد تحاورت  مع والي جندوبة وهو موافق على مقترحات بدون أي تحفظ..". وفعلا انطلقت في تنفيذ مقترحاتي  بدون أن أتحصل على رد كتابي عن مراسلتي..   ورجع الانتاج إلى مستواه العادي ولم يعارضني سي أحمد بن صالح,.


الصفحة الأولى من مقال في جريدة العمل


صورة توسيم عمي أحمد صفر متفقد التعلبم العربي وإستاذ في مدرسة ترشيح المعلمين  من طرف الرئيس الحبيب برقيبة قي شهر جوان من سنة 1969
تقديرا بالخصوص لمجهوداته في مجال  التعليم الابتدائي واسهام كتبه:" مجموعة الرياض" في تملك الأطفال اللغة العربية في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. كان الفضل لأحمد صفربالخصوص بالنسبة لوطننا مزيد نشر التعليم الابتدائي بالخصوص في صفاقس قبل الاستقلال وذلك بتحريض المواطنين على بناء المدارس و وضع إدارة المعارف أمام الأمر المقضي لتمكين هذه المدارس من المعلمين وشجع على تعليم الأناشيد الوطنية في المدارس التي كانت تحت رقابته.وكان له الفضل بالنسبة اليا شخصيا أنه خلف أبي في تربيتي ومكنني بالخصوص من مواصلة تعليمي الثانوي ثم العالي.
  
  
محاولة تعميم القطاع التعاضدي والأزمة السياسية الكبرى.


مدير الأداءات في سنة تعميم التعاضد.


من سنة 1969 إلى سنة 1970
و عينت في غرة جانفي 1969 مديرا للأداءات خلفا للسيد محمد السبع الذي انتقل إلى الخزينة العامة عوضا عن السيد محمد العنابي الذي بلغ سن التقاعد وطلب مني السيد أحمد بن صالح أن اقترح عليه من سيخلفني على رأس وكالة التبغ فأقترحت مدير المصنع المهندس محي الدين الشملي و وافق الوزير على تعيينه. كانت إدارة الأداءات في تلك الفترة تضم كافة المصالح الجبائية: مصالح المراقبة الجبائية والدراسات والنزعات والتسجيل والإستخلاصات والمحاسبة العمومية. و أصبحت اليوم كل مصلحة من هذه المصالح  إدارة عامة منفصلة.
بدأت مهامي الجديدة بزيارات ميدانية لجل مراكز الرقابة الجبائية وقباضات المالية التي كانت تابعة لي بالنظر للإطلاع على الأوضاع. فوجدت تضخما عددي للأعوان مع نقص كبير في التكوين وحتى في فهم التدابير الجبائية وتطبيقها حتى أني أكتشف تباينا في التفسير والتطبيق من مركز إلى مركز آخر كما وجدت تفاقما في المتخلدات لدى قباضات المالية ونوع من العشوائية في عمليات المراقبة الجبائية وقد اعتمدت الإدارة طيلة سنوات –تحت ضغط النقابة بالخصوص- على الترقيات على أساس الأقدمية متناسية المناظرات التي تفرز بطريقة أفضل الكفاءات الحقيقية كما قلصت كثيرا من التكوين في الخارج. فانكببت على إصدار عدد كبير من المناشير التحليلية والتفسيرية للقوانين والتدابير الجبائية ولم أكتف بذلك بل أمرت جميع رؤساء المراكز والقباض بعقد جلسات عمل أسبوعية تتلى فيها المناشير بصوت عالي ثم يقع تفسيرها بإطناب فقرة فقرة حتى يقع التأكد من فهمها الصحيح من طرف كافة الأعوان على مختلف أصنافهم. و وتابعت التنفيذ بنفسي وذلك بالقيام بزيارات مفاجئة ونفذت نفس الطريقة مع رؤساء المصالح الذين كانوا حولي وهم  صالح بن مباركة( رئيس مصلحة الرقابة الجبائية) وتوفيق القلعي( رئيس مصلحة الدراسات الجبائية) وأحمد زروق( رئيس مصلحة النزاعات الجبائية) و منصف القسطلي رئيس مصلحة القباضات المالية والمحاسبة العمومية.)         
وأعددت في منتصف السنة دراسة أولية تقترح الخطوط الكبرى لإصلاح جبائي جذري وعصري يعتمد على أداء موحد على أرباح الأشخاص وأداء موحد على أرباح الشركات وأداء على القيمة المضافة يعوض الأداء على رقم المعاملات وأشارت هذه الدراسة بالخصوص إلى مختلف الشروط التي يتعين توفيرها مسبقا قبل الشروع في مثل هذا الإصلاح حتى يكتب له النجاح في الاسهام في دفع التنمية في البلاد. ولم تعرض هذه الدراسة على الحكومة خاصة وقد عصفت في تونس خريف 1969 ما عرف بأزمة التعاضد وأصبحت قضية الإصلاح الجبائي ليست من أولويات الحكومة الجديدة.
وساهمت أثناء تحملي مسؤولية إدارة الأداءات في اجتماعين للجنة تابعة لمنظمة الأمم المتحدة بجنيف كلفت بصياغة اتفاقية نموذجية لتفادي الازدواجية الضريبية بين الدول المصنعة الغنية والدول التي ما زالت بصدد النمو. وكانت هذه اللجنة متركبة بالخصوص من ممثلين من الإدارات الجبائية للولايات المتحدة والبريطانية وفرنسا والهند والأرجنتين وتونس. وأتذكر المشادة الكبيرة التي حدثت بيني وبين ممثل فرنسا وبريطانية عندما بلغنا جزاء الاتفاقية المتعلق بتبادل المعلومات بما في ذلك المعلومات السرية بين الإدارات الجبائية إذ طالبت بالنسبة لهذا المجال أن نتبنى كامل ما هو موجود في الاتفاقية النموذجية المعمول بها بين الدول المصنعة والتي أعتبرها قابلة للتطبيق و مفيدة حتى إذا كان الأمر يتعلق ببلدين يختلفان في درجة النمو. ولكن تدخل ممثل الإدارة الجبائية البريطاني  وسانده في ذلك الفرنسي مشيرا إلى عدم إمكانية التنصيص على تبادل كامل المعلومات لان الإدارات الجبائية في الدول النامية ما زالت ضعيفة لا يمكنها ضمان الحفاظ على سرية بعض المعلومات وخاصة من جراء تفشي الفساد في الدول النامية. و تدخلت بحدة  وحماس معتبرا أن هذا الكلام، إلى جانب الإهانة الصارخة التي يتضمنها والغير مقبولة،يتضمن مغالطة كبرى لان الفساد الموجود في الدول النامية مصدره الأساسي و منبعه الكبير يوجد مع الأسف في شركات الدول المصنعة التي تتعامل سواء مع القطاع العام أو القطاع الخاص في الدول النامية. وقلت بكل أوضوح "لا يمكنكم نكران نشر الفساد عن طريق شركاتكم وهي التي علمت ونشرت الفساد في المعاملات التجارية بين البلدان وتبادل كافة المعلومات بين الإدارات الجبائية بدون أي احتراز من شأنه أن يعين على التخفيف من هذا الفساد الذي علينا أن نتعاون بجد للقضاء عليه قدر الإمكان. وأثر تدخلي الصريح على كافة أعضاء اللجنة وأعتذر الممثل البريطاني وقبل اقتراحي وكسبت بهذا التدخل مزيدا من احترام الزملاء أعضاء اللجنة وخاصة الفرنسي والبريطاني.
أتذكر أني لاحظت من خلال زيارتي لمراكز الرقابة الجبائية أن الاعوان في حاجة إلى مساندة  لتحليل النصوص حتى تفهم القوانين والتراتيب على قاعدة صحيحة و يقع التنفيذ على نفس المنهج...فأخذت ثلاث قرارات و تابعت حسن تنفيذها:
1-أصدرت مناشير تحليلية و تفسيرية لكافة التشريع والتراتيب المعقدة.
2- طلبت من كافة رؤساء المراكز و كافة قباض المالية عقد اجتماعات بكافة الأعوان على اختلاف درجاتهم لقراءة جماعية للمناشير مع مزيد التحليل و التفسير بمجرد صدور المناشير التي كثفت منها...وقمت بنفس العملية في مكتبي مع رؤساء المصالح المحيطين بي...
3- و أصدرت بالمطبعة الرسمية نشرية شهرية على غرار ما يوجد في  إدارة القمارق " النشرية الرسمية للاداءات" تتضمن كافة المناشير الجبائية حتى توضع على ذمة العموم ونسهم في تجسيم الشفافية في التعامل مع الموطن وحتى أقضي على عاهة احتكار المناشير التي لاحظت تفاقمها...
أتذكر أن في الشهر الأول من قدومي إلى إدارة الأداءات وردت عليا رسالة من شركة الطيران الوطنية " تونس الجوية" تعلمني أن فرعها في باريس قد تعرض إلى رقابة جبائية من طرف الادارة الفرنسية التي أصبحت تطالبها بدفع الاداء على القيمة المضافة بعنوان الخدمات التي تقدمها على التراب الفرنسي و المتمثلة في بيع تذاكر السفر.. وكانت شركة الوطنية ترغب التحصيل على رأي الإدارة التونسية للاداءات في ما يتعلق شرعية هذا الطلب من طرف الادارة الفرنسية علما بأن في مجال الطيران تتمثل الخدمات الاساسية في النقل الجوي الذي يكون خارج التراب الوطني و بهذه الصورة يكون معفى من الاداء على القيمة المضافة... بمجرد ما أطلعت على فحوى الرسالة فكرت في تمثيليات شركات الطيران الاجنبية التي تعمل بتونس و تقوم ببيع تذاكر السفر فوق أرض وطننا..واستدعيت رئيس مصلحة الاداءات الغير مباشرة و طلبت منه قراءة الرسالة و مدي برأيه و إعلامي في نفس الوقت هل تدفع وكالات شركات الطيران المتواجدة بتونس الأداء على اسداء الخدمات....الذي يمكن أن نعتبره يضاهي الاداء على القيمة المضافة في فرنسا..قرأ الرسالة و أجاني بدون تردد : لا نخضع بيع التذاكر للأداء إذ نعتبر إن أصل الخدمات هي خارج التراب التونسي فهي غير خاضعة قانونيا للأداء وبقين نعمل على هذا الاساس اعتمادا على المناشير القديمة التي ورثناها على فترة ما قبل الاستقلال...فجمعت كافة رؤساء المصالح الذي كانوا موجودين معي في المبنى المتواجد في نهج مرسيلية و طلب منهم ابداء الرأي في الموضوع بعد تلاوة الرسالة...و طلبت منهم رأيهم....فأجمعوا علي  رأي زميلهم رئيس مصلحة الاداءات الغير مباشرة المعني بالدرجة الأولى بالموضوع...فاقترحت عليهم جميعا أن نقوم بمقارنة للنصوص الفرنسية و النصوص الفرنسية و نتعمق في الموضوع...و كان في مكتبي مجلد ضخم للتشريع الفرنسي مع تحليل لمكتب فرنسي موثوق به و معروف لدى المختصين بمدونة " فرنسيس لوففر" F. Lefevre-  - و اكتشفنا أن النص المعتمد من طرف الادارة الفرنسية في تشريعها لأداء القيمة المضافة  المتعلق بقاعدة الاداء لا يختلف على النص التونسي المتعلق بقاعدة أداء اسداء الخدمات...ثم تعمقنا في دراسة التدابير التطبيقية الفرنسية و وجدنا ان فقه القضاء الجائي الفرنسي قد أكد منذ سنوات التراتيب الادارية التي توختها  الادارة الفرنسية التي وظفت اداء القيمة المضافة على نسبة مأوية من المبلغ  الجملي لتذكرة السفر معتبرة أن تلك النسبة تمثل قيمة خدمات بيع التذكرة على التراب الفرنسي....و انطلاقا من تلك الدراسة الجماعية المعتمدة على مقارنة دقيقة للنصوص و لتفسير النصوص أخذت قراري بإخضاع الشركات المتواجدة في بلادنا وفي مقدمتها " فرنسى الجوية" التي كان لها نصيب الاسد في سوقنا لنفس طريقة توظيف الاداء التي طالبت به فرنسى مكتب "تونس الجوية" في باريس...و بالطبع طلبت من رئيس المصلحة أن يسحب القرار على السنوات التي مضت و لم يغطيها إجراء التقادم...تخوف رئيس المصلحة من ردة فعل واحتجاج الشركات الاجنبية التي تعودت طيلة فترة طويلة عدم خلاص الاداء على اسداء الخدمات الموجود منذ فترة الاستعمار..قلت له كن مطمإنا سوف لن يحتج أحد لأننا على حق و لان سابقة المنهج التي توخت من قبلنا الادارة الفرنسية و نفذته على هذه الشركات يدعم المنهج السليم الذي توخيناه....و هكذا تمكنت الخزينة التونسية من استخلاص مبالغ مالية لا يستهان بها بدون أن نكون في حاجة إلى قانون جديد...العبرة كانت في قراءة صحيحة و منطقية للنصوص السارية المفعول مع الاعتماد على المقارنة.
وكانت محاكمة الأستاذ أحمد بن صالح في غير محلها, مظلمة في حقه وخطء سياسي فادح تحملت تداعياته البلاد. قد تحمس الرجل في الحقيقة للتعميم السريع ولم يكن بمفرده وتفاعل معه الكثير بمن فيهم الرئيس الذي كان في المقدمة. وقد أعترف بذلك بعد رجوعه من فرنسا ومرضه الخطير. قد اعترف الرئيس بورقيبة في خطابه أنه أخطأ في توجهه ولكن أعتبر أن بن صالح هو الذي غالطه لإبراز نتائج إيجابية كبيرة. وفي الواقع هنالك نتائج إيجابية بالنسبة للمرحلة الأولى منها خاصة الأراضي الدولية التي انطلقت فيها الأعمال بتنظيم محكم من طرف إطارات ذات كفاءة عالية. ولكن لم تكن إطارات متوفرة لعملية التعميم  وأصبحت  التجمعات إجبارية. 
 بمجرد بلوغنا قرار التعميم اتفقت مع زميلي المنصف بالحاج عمر مدير ميزانية على طلب موعد للالتقاء بالسيد أحمد بن صالح في مكتبه بالقصبة. وبقيت  صورة هذا اللقاء راسخة في مخيلتي بقوة... و قد قلنا له بكل صراحة:" نحن لسنا سياسيين ولكن بحكم مسؤولياتنا على أدارات أستراتجية بالنسبة للتنمية ٍرأينا أنه من واجبنا أن نبلغك ما يخالج أنفسنا..إننا نعتقد راسخ الاعتقاد أنه  لا يوجد أي مبرر عقلاني ولا علمي ولا تقني يمكن به مساندة  قرار تعميم التعاضد..., فليست لدينا الإمكانيات الدنيا للإقبال على هذا التعميم السريع و الكارثي بالنسبة للمسار التنموي من جميع الأوجه, وبالرغم من انطلاق مدرسة التعاضد  في تكوين الإطارات فيبقى عددها غير كافي..." انطلقنا في تحليلنا للأوضاع لا من منطلق إيديولوجي بل من منطلق عملي و كان واجبنا يملي علينا هذا التحذير لوزيرنا الذي كنا  وبقينا نكن له كل التقدير. أجابنا السيد بن صالح بأن القرار هو قرار السيد الرئيس الذي يكون قد قال له:" أسرعوا وأنجزوا هذا المشروع الجبار قبل أن أرحل عليكم ولن تستطيعوا أبدا تحقيق مثل هذا الاصلاح  بعد رحيلي عنكم ". تعجبنا من ذلك الجواب......وخرجنا محتارين...
 وأتذكر انه عندما وقع تعييني مدير الاداءات في  شهر جانفي 1969 كان قد اتصل بي هاتفيا سي الهادي نويرة وكان محافظ البنك المركزي وبعده, المرحوم  علي الزواوي و كان محافط مساعد للسيد نويرة وقالا لي نفس الكلام:" سي رشيد نهنئك بالمسؤولية الجديدة الثقيلة ولكن كيف ستفعل لتحقيق استخلاص موارد الدولة؟ " كانت تلك التهنية الهاتفية الثنائية قد زادتني يقظة و جعلتني أشعر أني أمام تحدى كبير و فكرت مليا في الأمر و ابتكرت طريقة جديدة لمتابعة دقيقة وتحليل  شهري معمق  لنتائج  مختلف أنواع الاستخلاصات وذلك على المستوى كل ولاية ثم على المستوى القومي. وباشرت طيلة السنة هذا العمل بنفسي مع تشريك كافة رؤساء المصالح. وكنا نأخذ التدابير العملية على ضوء تلك المتابعة الدقيقة و الشهرية, وأعتقد أن المؤرخين سيجدون في وثائق الخزينة كافة الأرقام التي تفسر كيف أنه في هذه السنة التي اعتبرت سنة أزمة مالية من جراء تعميم التعاضد قد  توقفنا في إدارة الاداءات إلى الاقتراب من تحقيق  إستخلاصات موارد الميزانية لسنة 1969 كانت قريبة جدا من التقديرات المرسومة في قانون المالية. و هذا يبين بما لا شك فيه أن الأزمة من الناحية المالية لم تكن بالخطورة التي قدمت بها,و صحيح  أن الأوضاع كانت تؤدي إلى أزمة مالية حقيقية لو استمر تعميم التعاضد الاجباري....

هذه صورة لغلاف الدراسة الأولية المتعلقة بالإصلاح الجباءي في 81 ص أنجزت في السداسي الأول من سنة 1969 قدمها رشيد صفر لكاتب الدولة للتخطيط والاقتصاد الوطني في شهر جوان 1969 ووزعها على مختلف مصالح الوزارة...و قبرت بعد ازمة محاولة تعميم التعاضيات...





صورة للصفحة 51 من الدراسة المتعلقة بإقتراح إحداث الأداء الموحد على المداخيل.......

...........

صورة لفهرس دراستي الاصلاح الجباية التونسية على مراحلا التي قدمتها بعد تعييني على  رأس إدارة الآداءت سنة 1969

...........
جدول تطور الناتج الداخلي الخام و المداخيل الجباية من سنة 1965 إلى سنة 1968 
.............
ص 72 تفسر لماذا لا يمكن الاقدام على تطبيق الآداءعلى القيمة المضافة إلا بعد حوالي خمس سنوات أي إبتداءا من سنة 1975.
........
جريدة العمل -جانفي 1970- حوار مع رشيد صفر حول موارد الميزانية لسنة 1970.

.....................

بداية الانتقال من النظام ألتعاضدي إلى الاقتصاد المسير المشجع للمبادرة الخاصة والاستثمار الخارجي.
مدير إدارة العلاقات الاقتصادية بوزارة المالية.
من سنة 1970إلى سنة 1973
واقترح عليا - في منتصف سنة 1970 - وزير المالية الجديد عبد الرزاق الرصاع التخلي عن إدارة الأداءات وبعث إدارة جديدة في صلب الوزارة سميت " إدارة العلاقات الاقتصادية" وهي تشرف بالخصوص على إنجاز الدراسات المالية والجبائية والاقتصادية وتسهر على تفعيل وتعصير رقابة التصرف المالي في المؤسسات العمومية التابعة للدولة فرحبت بدون تتردد بالمقترح لأنه كان فعلا يسد ثغرة كبيرة كانت سببا من أسباب ضعف نجاعة عمل الوزارة وبعثت هذه الإدارة من عدم وأشرفت على تطويرها وجلبت لها الوثائق حتى من هياكل ومؤسسات السوق الأوروبية في بروكسل لمتابعة انعكاسات بناء هذه السوق على اقتصاد تونس ولمزيد التعرف عن تطور عمل مختلف مؤسسات هذه المجموعة من الدول التي تمكنت منذ سنة 1956 من بناء مصير مشترك لضمان السلم والاستقرار والتنمية الحقيقية لشعوبها. كنت منذ تلك الفترة أعتقد راسخ الاعتقاد أنه سوف لا يكون أي وزن حقيقي لمنطقتنا ولن يكتمل مجهود التنمية في ربوعنا، منطقة المغرب العربي، إذا لم نتوفق إلى بناء جهوي على أساس منهجية وهيكلية تستوحى من تجربة المجموعة الأوروبية وكنت أعتبر منذ ذلك الوقت أن كل تأخير في بناء مجموعة مغربية قوية اقتصاديا وسياسيا هو بمثابة اجرام في حق شعوب منطقتنا يتحمله كل من كان سببا في العرقلة الدائمة مع الأسف. كما حرصت على وضع منهجية جديدة لمراقبة التصرف في المؤسسات العمومية التونسية ولمتابعة جدية لتقارير المراقبين الماليين المعينين من طرف وزير الملية لمرقابة حسابات وتصرف المؤسسات العمومية التابعة لمختلف الوزارات التي كانت مهملة. واستعنت في هذه الإدارة بإطارين أكفاء ومخلصين للوطن هما توفيق قحبيش ( كان يعمل معي في إدارة الأداءات بمصلحة الدراسات الجبائية) .ومحمد منصور وكان متصرف متخرج حديثا من المدرسة القومية للإدارة وبعثت لجنة قارة لإنجاز الدراسات المتعلقة بالإصلاحات الجبائية وأتذكر أن من الأعمال الأخيرة الهامة التي قمت بها في مكتبي بهذه الإدارة جلسة عمل ضمت حولي زميلي أحمد عبد الكافي وهو مدير من وزارة التخطيط وعلي الشواشي مدير بالوزارة الأولى. وخصصت هذه الجلسة لصياغة مسودة لمشروع قانون يهدف إلى تشجيع الاستثمار الخارجي في مجال الصناعات المعملية التصديرية و وقع الاستئناس لتحرير هذه المسودة بالتشريع الذي صدر في عدد من البلدان وبالخصوص بايرلندا مع تحسينه وتكييفه مع التشريع الجبائي التونسي وكانت هذه المسودة التي عرضت على المستشار القانوني للحكومة ثم على الحكومة هي نواة ما سيعرف في ما بعد بقانون أفريل 1972 .

توسع المنظومة التربية والتكوين وضرورة تعصير تنظيمها وتصور إصلاحات جذرية لتحسين مردوديتها و والتخفيض من نسب الفشل و بداية تدني المستوى.
كاتب عام لوزارة التربية الوطنية.
كاتب عام بوزارة التربية بالرغم من تحفظات الوزير المباشر.
من سنة 1973 إلى سنة 1974
مازالت الإدارة الجديدة للعلاقات الاقتصادية في خطواتها الأولى بوزارة المالية و الوزير عبد الرزاق الرصاع كان قد استقال من منصبه يوم 28 أكتوبر 1971 تضامنا مع مجموعة أحمد المستيرب التي نادت بإصلاحات جذرية لدمرقطة العمل الحزبي داخل الحزب الحاكم الذي أصبح هيكل بيروقراطي خاضع تماما لساطة الحكومة ثم أنه لم يستصغ بعض التحويرات في مشروع قرار جديد متعلق بضبط مشمولات وزارة المالية التي طلبها السيد الهادي نويرة أو بالأحر المصالح التابعة للوزارة الأولى في تلك الحقبة بهدف حذف البعض من صلاحيات وزارة المالية وهي صلحيات كانت تعتبر في الدول المتقدمة ضرورية ومتكاملة حتى تقوم الوزارة بدورها على الوجه الأفضل. ويكون  عبد الرزاق الرصاع  قد اعتبر تلك المقترحات وكأنها تنبي عن عدم ثقة كاملة في شخصه من طرف الهادي نويرة. وربما تكون هنالك أسباب أخرى أجهلها.... ولما  وقع إقترح  من طرف بعض المسؤولين في الحكومة على الهادي نويرة تعيين عبد الرزاق الرصاع على رأس البنك المركزي نظرا لكفاءته العالية وعفته، (وذلك عندما حدثت فاجعة وفاة  المرحوم علي الزواوي محافظ البنك المركزي المميز والمقتدر في حادث سيارة وهو ذاهب إلى مدية طبرقة لإلقاء محاضرة في بداية شهر مارس 1972 وهو الذي خلف الهادي نويرة على رأس هذه المؤسسة المحورية لمستقبل البلادفي المجال الاقتصادي) يكون الهادي نويرة  قد قال : " لقد اختار عبد الرزاق الرصاع القطاع الخاص بإشتغاله في بنك تونس فليكن له ذلك." ولم يختره لخلافة المرحوم علي الزواوي في للبنك المركزي بل فضل تعيين السيد محمد غنيمة. وخلف محمد الفيتوري عبد الرزاق الرصاع  على رأس وزارة المالية. وكنت مع عدد كبير من الزملاء في وزارة المالية، أكن لعبد الرزاق الرصاع تقديرا صادقا نظرا  لكفاءته المهنية العالية ونظرا لنزاهته الفكرية والأخلاقية والمادية.
 أختار الهادي نويرة بعد موافقة الرئيس الحبيب بورقيبة المحامي محمد الفيتوري  كخلف للسيد عبد الرزاق الرصاع، وهو من خيرة نخبة المحامين التونسيين في تلك الفترة، وسرعان ما اكتشفنا في الوزير الجديد الذي لم نكن نعرفه من قبل دماثة الأخلاق والبعد الإنساني العميق  والإرادة الصادقة للعمل الجاد والحفاظ على ما تميزت به وزارة المالية- منذ الأيام الأولى للاستقلال على يدي الهادي نويرة- من حرص على الدفاع على مصلحة البلاد بعيدا عن التكتلات والحسابات السياسية التي بدأت تتشكل في البلاد وداخل الحزب الواحد.وفي شهر نوفنبر 1971 أي بضعة أسابيع بعد تعيينه على رأس وزارة المالية أعلمني الوزير الجديد محمد الفيتوري بأن الوزير الأول الهادي نويرة يدعوني إلى مهمة متأكدة ومستعجلة تتمثل في إحداث كتابة عامة بوزارة التربية الوطنية والتعليم العالي بهدف تنظيم التصرف المالي والإداري في وزارة منحت لها أكبر ميزانية من ميزانيات الدولة. وكانت إدارة هذه الوزارة الهامة تشكو نقائص عديدة حتى أنها أجبرت وزارة المالية إعداد قانون مالية إضافي لتمكين الوزارة من خلاص رواتب ومستحقات المعلمين في الأشهر الأخيرة من سنة 1971. كان على رأس وزارة التربية الوطنية  والتعليم العالي محمد مزالي وذلك منذ بضعة أسابيع فقط وهو يتحمل مسؤولية تلك الوزارة للمرة الثانية. وبقيت أتذكر بدقة غريبة جزيئات اليوم الأول الذي انتقلت فيه إلى وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي: دخلت البهو و صعدت إلى الطابق الأول أين يوجد مكتب الوزير واستقبلني الباش حاجب بابتسامة قائلا:" السيد الوزير تنقل إلى أحدى الولايات في زيارة طارئة وأعطى تعليماته لإعداد مكتبكم في الطابق السفلي". في غياب الوزير عادة في مثل هذه الحالات جرى العرف أن يكلف الوزير رئيس ديوانه أو أي مسؤول سامي آخر لاستقبال من سيكون عضده الأول في الوزارة. وكان النظام يقتضي أن يعقد اجتماع بكافة إطارات الوزارة لتقديم الكاتب العام الجديد وتفسير مهامه. ولم أكترث بهذا القبول الغريب و نزلت إلى الطابق السفلي وسألت عن المكتب الذي خصص لي فأدخلني حاجب الطابق السفلي إلى قاعة صغيرة و مظلمة فارغة بها فقط مكتب حديدي أخضر اللون ولا ملف ولا ورقة فوقه وأمام المكتب مقعدان. أغلقت باب القاعة وطلبت من الحاجب أن يرافقني ليكون دليلي في زيارة لكافة مكاتب الموظفين الإداريين وطلبت البدء بمكتب المسؤول على الميزانية. طرقت على باب المكتب ودخلت فوجد السيد مصطفى السمالولي رئيس مصلحة الميزانية جالسا وراء مكتب تراكمت عليه الملفات من كل حجم ولون وتصاعدت فوق المكتب حتى أنها أصبحت تغطي وجه رئيس المصلحة. وتذكرت إذاك الكاتب الفرنسي "كرتلين" والفيلم السينمائي المقتبس من كتابه الكاريكاتوري الفاضح لعيوب الإدارة الفرنسية. ثم واصلت صحبة رئيس مصلحة الميزانية زيارتي لبقية مكاتب المصالح الإدارية مبتدأ بمصالح الأذون بالدفع فوجدت موظفيها محشورين في قاعات وقع تهيئتها في دهليز بنائية الوزارة أي تلك الأماكن التي كانت مخصصة للأرشيف و لا تتوفر فيها ظروف صحية للعمل و تجولت في بعض من القاعات ووجدتها مكتظة بالأعوان من صنف "س" ومطبوعات الأذون بالدفع منتشرة في كل مكان بدون أي ترتيب وكان عدد من المعلمين الذين لم يحصلوا بعد على جرايتهم لأسباب مختلفة قد قدموا من مدارس متواجدة داخل البلاد يبحثون مع أعوان الإدارة عن أذون بالدفع لم يتصلوا بها منذ أشهر.... كانت الفوضى بعينها وكأن سوء التنظيم كان مقصودا....
ثم سألت عن مدير إدارة التخطيط فقال لي السيد مصطفى السمالولي إن إدارة التخطيط في بناية أخرى تبعد عن الوزارة ولكن مدير التخطيط موجود في مكتبه بالطابق الأول.فصعدت إلى مكتب مدير التخطيط وفتحت الباب فوجدت توفيق مازيغ مدير التخطيط والإحصائيات في قاعة فسيحة وراء مكتب خشبي يتصفح مجلد خاص بإحصائيات التعليم الابتدائي وفرحت بوجوده للأنة إطار له تكوين عالي ومتين كنت قد تعرفت على والده الاستاذ مصطفى مازيغ وهو أستاذ بمعهد صفاقس عندما كنت تلميذا بذلك المعهد وان لم يكن أستاذي كامل الوقت إلا أنه عوض في بعض من الفترات أستاذ العربية في بعض الغيابات. وعقدت فورا جلسة عمل مع توفيق مزيغ للتعرف عن أوضاع إدارة التخطيط وأعملها فوجدت إدارة منظمة ومنتجة لعدد من الدراسات القيمة التي لم يقع استغلالها بصفة معمقة وسألت مازيغ عن سبب وجوده بعيدا عن إدارته فأجاب مازيغ انه فضل أن يكون قريبا من الوزير حتى يستجيب لطلباته عند الحاجة. وقلت له: "أليس من الأفضل أن تكون في نفس البناية وبقية الإدارة؟" وما كان لمزيغ إلى أن يعترف بصحة وجهة نظري مأكدا إن له مكتب جاهز في مبنى إدارته يعمل به مرتين في الأسبوع عندما يجتمع بأعوانه. فقلت له: " حسنا. ابتداءا من يوم غد انتقل إلى مكتبك وأبقى مع أعوانك بصفة دائمة وسنعلمك مسبقا بالاجتماعات التي تعنيك في مقر الوزارة وسأختار مكتبك هذا لعملي في هذه الوزارة". ثم خرجت و رئيس مصلحة الميزانية دائما يلازمني وطلبت منه آن يقدم لي في مكتبه نسخة من ملف مشروع ميزانية الوزارة للسنة القادمة و كان قد أرسل ذلك الملف منذ أسابيع عديدة إلى وزارة المالية للدراسة وقضيت بقية اليوم الأول من عملي بوزارة المالية أدرس مع السمالولي في مكتبه ملف مشروع ميزانية الوزارة للسنة المدرسية القادمة. فوجدت أغلاطا فادحة في إعداد المشروع إلى درجة أن مجموع الإعتمادات المطلوبة للسنة المقبلة التي ستقع فيها انتدابات جديدة هامة في كل مراحل التعليم في شهر أكتوبر كانت اقل ب حوالى عشرة في المئة من مجموع الإعتمادات المعدلة و المخصصة للسنة السابقة. وطلبت فورا من السيد الساملولي إعداد مشروع جديد وقضيت معه بقية اليوم حتى المساء بدون انقطاع -ولم نتناول أي غذاء ما عدى القهوة والماء- لأفسر له أغلاط  المشروع الذي أرسله بعد إلى وزارة المالية و لأوضح له طريقة إعداد المشروع الجديد. وأعلمت هاتفيا زملائي بوزارة المالية بأن المشروع الذي بين أيديهم سيلغى ووعدهم بمشروع جديد في وقت قريب.
وفي اليوم الموالي استقبلني الوزير محمد مزلي ببرودة كبيرة وأظهر نوع من الكدر،ولم أكن أعرفه شخصيا من قبل، وبينت له كل ما فعلت في يومي الأول في وزارته وعرضت عليه خطوطا أولية لإعادة تنظيم المصالح الإدارية والمالية ومصالح البناء والتجهيز لمواجهة تطور الوزارة الكبير وتبين لي في ختام الجلسة أنه غير نوعا ما نظرته إلى خطة الكتابة العامة الجديدة في الوزارة وهي خطة فهمت أنه وقع فرضها نوعا ما عليه الوزير الأول الهادي نويرة للتحكم في التصرف الإداري والمالي ولعصير أساليبه ولم يترك له حتى اختيار الشخص الذي يرتضيه و قد أقتنع محمد مزالي بمرور الأيام بأن الكاتب العام سيكون فعلا معينا له لا عنصر تعطيل كما كان يتصور عندما عرض عليه تعييني وفهم ذلك خاصة عندما وضحت له أن مشروع الميزانية للسنة القادمة الذي صادق عليه وأرسله قبل قدومي إلى وزارة المالية منقوص وبه أغلاط فادحة ستجعل الوزارة في نفس المأزق الذي تواجدت فيه في أواخر سنة 1971 وقد  أعطيت التعليمات لإصلاحه وإعداد مشروع  جديد. وأعلمته في آخر الجلسة أنني طلبت من توفيق مازيغ الاستقرار في بناية إدارته مع أعوانه وسخرت مكتبه في بناية الوزارة  "بباب بنات " للكاتب العام.
 ونجحت نجاحا كان بارزا للجميع في مهمة إعادة تنظيم المصالح الإدارية والمالية لهذه الوزارة الهامة وأدخلت عديد الإصلاحات من بينها التدرج في استعمال الإعلامية في التصرف الإداري بدءا بإصدار رواتب المعلمين ثم بإعداد جداول النقل السنوية لمديري المدارس الابتدائية ثم الإعلان عن نتائج امتحان الدخول للسنة الأولى من التعليم الثانوي.وأعانني في مجال استعمال الإعلامية السيد خجت الخيل( الذي كان يعمل بمعهد الإحصائيات) و وكذلك المهندس المختص في الإعلامية السيد محمد العش( انتدبته كمتعاقد في الوزارة). ودعمت مصلحة الميزانية بإطارين من  خيرة شبان خريجي المدرسة القومية الإدارة التونسية بقي أحدهم بعدي سنوات عديدة وأفاد الوزارة كثيرا وهو السيد منصف جعفر وكان من ابرز الإطارات الإدارية والمالية التي اعتمدت عليهم وزارة التربية والتعليم في مسارها الطويل وتوسعها الكبير حتى آخر القرن العشرين.  و أعددت كذلك في تلك الفترة مشروع المخطط الخماسي للوزارة بالتعاون مع مديري التعليم الابتدائي والثانوي والفني والتعليم العالي ومدير التخطيط توفيق مازيغ ورئيسة مصلحة التخطيط السيدة فائزة الكافي.
وأقترحت تعين الأستاذ المختص في الأنقليزبة السيد بالحسن القروي على رأس إدارة الموظفين  لما لمست فيه من خبرة بالتنظيم المحكم والقدرة على تسيير الأعوان إكتسبها بنجاحه  في تسيير إدارة المعاهد الثانوية وأخرجت الأعوان الذين كانوا يعملون في دهليز الوزارة ليستقروا مع مديرهم الجديد بناية لائقة خارج الوزارة التي أصبحت صغيرة. وأعانني بالخصوص بالحسن القروي على التفاوض مع النقابات لإعادة صياغة مختلف القوانين الخاصة بكافة أصناف الموظفين والمربين العاملين في الوزارة من التعليم الابتدائي إلي التعليم العالي وأدخلنا عليها بعض التحسين بدون أن نمس من ميزة قوانين التربية القومية التي حافظت حتى تلك الفترة على مبدأ هام  ألا وهو مبدأ الترقية على أساس المستوى العلمي والمعرفي في الوقت الذي انزلقت فيه الإدارة التونسية في الترقيات العشوائية على أساس الأقدمية. وأتذكر أني تفاوضت مع الأستاذ الطيب البكوش في ما يخص قانون الأساتذة المساعدين للتعليم العالي  ولمست في الرجل الرصانة والاتزان والشعور بالمسؤولية وبالمصلحة العليا للوطن. كما أتذكر أني تفاوضت مع الاستاذ المساعد الهاشمي عطية في ما يخص قانون الأساتذة المساعدين للتعليم الثانوي(Statut des professeurs Adjoints). و جدت معه كل التفاهم وكل الإدراك بإمكانيات الوطن.
كما أعددت منظومة فرضيات كمية إستشرافية حتى سنة 2000 بالتعاون مع الأستاذ الجامعي المقتدر المختص في الرياضيات حسونة بالقائد ومع الزميل المدير منصف زعفران المكلف بقطاع التعليم والتكوين في وزارة التخطيط وذلك بالخصوص لتحقيق مطابقة أفضل للحاجيات المستقبلية في مختلف الاختصاصات في مجال تكوين أساتذة التعليم الثانوي والعالي ومن هذا المنطلق اقترحت، بعد موافقة الوزير، على وزارة الشؤون الخارجية إعادة التفاوض مع الحكومة الفرنسية في ما يتعلق باتفاقية التعاون المالي في مجال التعليم العالي وكانت هذه الاتفاقية تفرض على تونس تحمل نفقات باهظة إذ تقر بتحمل الميزانية التونسية ثلثي رواتب المتعاقدين الفرنسيين العاملين في الجامعة التونسية في الوقت الذي اكتشفت فيه أن المغرب الشقيق توفق إلى توزيع هذا العبء بالتناصف مع فرنسا.
لم أجد تحمس كبير من طرف وزارة الخارجية في البداية لفتح هذه المفاوضات لأن المسؤولون في هذه الوزارة كانوا يتصورون أن الطلب سيكون مرفوض ولكني تمكنت من إقناعهم في النهاية بطلب إدراج الموضوع في جدول أعمال اللجنة الكبرى للتعاون مع فرنسا التي كانت ستجتمع في باريس بمقر وزارة الخارجية وكان يترأس هذه اللجنة من الطرف التونسي كل من وزير الخارجية محمد المصمودي ووزير التخطيط منصور معلى. وقبل الاقتراح التونسي وكلفني محمد مزالي بتمثيل وزارة التربية ضمن اللجنة التي ستتنقل إلى باريس وسافرت في نفس الطائرة التي أقلت الوزران التونسيان وجلست بالمقعد المحاذي لمقعد محمد المصمودي حتى أمده بأكثر ما يمكن من المعطيات التي كانت تبرر طلبنا وكنت وضعت في حقيبتي نسخة من فصل صدر في جريدة "العالم" "لو موند"   الفرنسية فيه كل التفاصيل عن الاتفاقية التي أبرمت مع المغرب. وبمجرد ما أقلعت الطائرة بادرت الحديث مع محمد المصمودي فوجدته غير متفائل بنجاحنا في طلبنا. فقلت له: "لماذا نفشل حيث نجح المغرب الشقيق" فقال لي:" من أين لك أن المغرب قد توفق إلى إبرام مثل هذا الاتفاق؟" فأخرجت من حقيبتي نسخة المقال وقدمتها له، فاطلع عليه بإمعان ثم أرجعه لي قائلا: " حسنا، فعلا معك حق، ليس هنالك أي مبرر لكي لا نعامل بالمثل".عندما وصلت الطائرة إلى باريس في المساء اقترحت على  زميلي منصف زعفران الذي كان معنا ضمن الوفد أن ننزل في نفس الفندق وأن نعد أنفسنا لتقاسم الأدوار في الدفاع على الطلب التونسي إذا ما فسح المجال لنا للتدخل في النقاش. وهذا ما تم بالفعل إذ كان الزميل متحمسا مثلي لكسب النجاح. وافتتح اجتماع اللجنة " بالكي دورسي" صباح الغد وكان من أول المواضيع التي تناولها محمد المصمودي ضرورة التفاوض في إعادة توزيع العبء المالي للتعاون في التعليم العالي.وأجابه الوزير الفرنسي "  بالنسبة للتفاوض في تعديل اتفاقية التعاون في مجال التعليم نأسف عن تغيب المدير العام للتعاون الفني والثقافي السيد " لوران" هذا الصباح ونقترح إرجاء هذا الموضوع  إلى يوم غد لحوار بين المسؤولين الفنيين المختصين. وانفجر محمد المصمودي على زميله الفرنسي قائلا : غريب أن ننتظر السيد "لوران" بالنسبة لقرار سياسي بالدرجة الأولى. وهكذا سأعود غدا مع زميلي وزير التخطيط لتونس ونقول سننتظر الحل من السيد "لوران"...." وأستدرك الوزير الفرنسي قائلا: " لم أقصد هذا. فمن ناحية المبداء نحن بالطبع موافقون على فتح المفاوضات ولكن أقترح عليكم بالنسبة لإنجاز هذا التفاوض أن نبقيها ليوم الغد في نطاق جلسة عمل بين خبرائكم والسيد "لوران" الذي يتمتع بكل الصلاحيات لإعداد مشروع اتفاق تعديلي يعرض على مصادقتنا في القريب إما في باريس أو في تونس. فأجاب المصمودي بارتياح " نحن إذا نسجل في محضرنا الموافقة على فتح التفاوض لتعديل الاتفاقية على أن ينطلق في التفاوض في مستوى الخبراء من الغد."
 وكلفت هكذا بمعيية الزميل المنصف زعفران بهذه المفاوضات التي دارت فعلا في قاعة اجتماعات المدير العام المكلف بالتعاون التقني والثقافي "لوران" (Laurent) وأبرمت بعد ذلك اتفاقية إضافية أنصفت تونس وتم توزيع العبء المالي المتعلق بجرايات الأساتذة الفرنسيين (التي كانت أعبائها ثقيلة) بالتناصف مثل ما وقع مع المغرب الشقيق. وأهداني بعد إنهاء التفاوض المدير العام للتعاون الفني و الثقافي " لوران" كتاب جميل للرسام الشهير " براك" وخط كلمات لطيفة  A Monsieur Rachid Sfar, en meilleur souvenir et avec toute mon estime et ma considération pour sa compétence et son intégrité.
ولا يمكن أن أنسى مشروع لم أتوفق على إنجازه وبقيت متأسفا على عدم انجتزه وهو " ما سمي "بمشروع التلفزة التربوية والتعليمية": كانت في تلك الفترة التلفزة التونسية لا تستغل تجهيزات البث التلفزي في الصباح وخامر عدد من المربين استغلال الحصة الصباحية لفائدة برنامج تلفزي تعده وزارة التربية لفائدة مساندة رفع المستوى في بعض المواد في التعليم الثانوي كمرحلة أولى( الرياضيات و اللغة الأنقليزية و الفيزياء...) ومع الاستاذ العروي (الذي كان في نفس الوقت المدير لمعهد الأساتذة المساعدين) بعثنا وحدة لهذا المشروع الذي كانت منظمة الأونسكو تسانده. فكانت فرصة ذهبية للرفع  من مستوى التعليم الثانوي والتقني بنفقات بسيطة جدا ولتحسيس التلاميذ بأهمية اللغة الانقليزية بالخصوص للتملك من العلوم والتقنية وتلافي النقص الفادح في عدد أساتذة اللغة الانقليزية وفي الرياضيات: كان يتمثل المشروع أساسا في تجهيز  عدد من قاعات التدريس بالمعاهد بالتلفاز واختيار نخبة من الأساتذة المميزين الإعداد بنك من الدروس المسجلة لتغطية تدريجيا مختلف المراحل. وكان البنك العالمي مستعدا لإعانتنا للإنجاز. ولكن برزت معارضات غير مبررة داخل الوزارة من عدد من الإطارات أجهضت المشروع.وغادرت الوزارة والمشروع ما زال في خطواته الأولى من الإعداد ولم يستطع الأستاذ العروي بالرغم من مساندة الأستاذ عبد العزيز بالحسن مجابهة المعارضين للمشروع الذي لم يكن لا الوزير محمد مزالي ولا الوزير الذي أتى بعده في مارس 1973 قد أظهر تحمسا كبيرا لإنجازه و مواجهة المعارضة التي لم تكن لها مبررات شرعية.
وهنالك موضوع آخر هام وخطير وقعت دراسته في تلك الفترة في الوزارة ولم يجد الحلول الجذرية ألا وهو موضوع العدد المتزايد من المنقطعين عن التعليم بمستوى الابتدائي والثانوي والمهني وقد طلب الوزير الأول الهادي نويرة من لجنة وزارية مضيقة دراسة هذه الظاهرة الخطيرة وتقديم مقترحات عملية للحكومة لاصلاح المنظومة التربوية. وكانت هذه اللجنة تضم وزير التربية والتعليم محمد مزالي و وزير التخطيط منصور معلى و وزير الصحة العمومية إدريس قيقة وعقدت اللجنة بمقر وزارة التربية سلسلة من الاجتماعات الأسبوعية. وكلفت من طرف وزير التربية بالحضور في اجتماعات اللجنة لإعداد محاضر جلساتها.وكان النقاش خاصة في الجلسات الأولى حادا وقد خصصت الجلسات الأولى بالطبع إلى تشخيص أسباب الانقطاع وتباينت هنا الآراء. وكان الوزراء الثلاث أحيانا يتكلمون في نفس الوقت وكان منصور معلى يعد نفسه مسبقا للنقاش ويأتي ومعه مذكرات في حين كان محمد مزالي و إدريس قيقة يعتمدان على ذاكرتهما. وكنت مطالبا بإعداد مخضر الجلسة في اليوم الموالي للاجتماع وإرسال مشروع المحاضر إلى أعضاء اللجنة حتى يطلعون عليها ويبدون ملاحظاتهم في الاجتماع الموالي. وحاولت قصارى جهدي أن أدخل أكثر ما يمكن من تنظيم وتسلسل في الآراء عند صياغة هذه المحاضر التي لم يطلب أي عضو من اللجنة تنقيح ولو كلمة واحة فيها... وأشرت يوما  إلى محتوى هذه المحاضر قبل بداء الاجتماع طالبا من منصور معلى  بالخصوص هل له مقترحات لتنقيحها قبل طبعها النهائي فأجاب بنوع من السخرية والاستهزاء: " اطلعت على المحاضر.... وتعجبت من المستوى  الرفيع لنقاشنا وخاصة من تسلسل الآراء..". دامت هذه الاجتماعات حوالي عشرة أسابيع. وسلمت مجموعة المحاضر في ملف ضخم مع وثيقة تأليفية إلى وزيري ولم أسمع بعد ذلك عن مآل أعمال هذه اللجنة...وفي يوم من الأيام أتصل بي اللأستاذ المناضل والوزير الأسبق مصطفى الفيلالي وقال لي: " بلغني أنك أعددت محاضر جلسات اللجنة الوزارية التي انكبت على موضوع المنقطعين عن التعليم....والموضوع يهمني فهل لك أن تمدني بنسخ من هذه المحاضر" فأجبته:"إني آسف لقد أحلت كل ما عندي إلى السيد محمد مزالي."
أعطى محمد مزالي في السنة الجامعية 1973-1974 الأولوية لاشكاليات علاقته المتوترة مع قطاع التعليم العالي وإرتجل مع مديره للتعليم العالي السيد  أحمد بوراوي خطوط كبرى لاصلاح التعليم العالي بدون إجراء حوار معمق وموسع مع الاساتذة الجامعيين...وإلغي مشروع الاصلاح  من طرف الوزير الأول  الذي أظطر إلى إجراء تحوير وزاري  وإنتقل هكذا محمد المزالي إلى وزارة الصحة في حين قدم إلى وزارة التربية والتعليم العالي إدريس قيقة..قادما من الصحة..
وشهدت لي جل الإطارات العليا في الوزارة بالمجودات التي بذلتها بحماس كبير و بالخصوص أستاذي في بداية خمسينيات القرن العشرين بمعهد صفاقس السيد عبد العزيز بن حسن الذي كان يتحمل في وزارة التربية في السبعينيات مسؤولية الإدارة العامة للتعليم الثانوي ومسؤولية إعداد البرامج التعليمية و كذلك الأستاذ عبد الوهاب بكير الذي كان متفقدا عاما بالوزارة والذي تفضل بتقديم مداخلة بليغة و مؤثرة جدا باسم زملائه أشادت بمبادراتي و مجوداتي خدمة للتربية الوطنية وقد لخصتها جريد الصباح وذلك بمناسبة حفل توديعي عند انتهاء مهامي بوزارة التربية  بطلب مني بضعة اشهر بعد أن عين إدريس قيقة على رأس الوزارة خلفا لمحمد مزالي.


مرحلة الانفتاح الاقتصادي الموجه في ضل حماية قمروقية وإدارية مجحفة.

كاتب عام لوزارة المالية.
من 1974 على 1977
ثم أصبحت كاتبا عاما لوزارة المالية( العضد الأول للوزير) من شهر جويلية سنة 1973الى25 ديسمبر سنة 1977وكان وزير المالية في تلك الفترة الأستاذ المحامي محمد الفيتوري وقد عين كاتبه العام  الزميل منصف بالحاج عمر كاتبا عاما للحكومة عوضا عن السيد بكار التوزاني. ومنذ تلك الفترة كنت أحاول إقناع إطارات الوزارة لتبني إصلاح جوهري بالنسبة إلى صياغة وتنفيذ ميزانية الدولة على أساس تقنيات جديدة أصبحت اليوم كثيرة الاستعمال في الدول المتقدمة لترشيد النفقات العمومية من جهة  و لإدخال أساليب تقييم نجاعة الخدمات الإدارية من جهة أخرى وهي الطريقة المعروفة باسلوب "التصرف حسب الأهداف" المضبوطة مسبقا بكل دقة بالنسبة لكافة مهام الدولة يليها تقييم دقيق للنتائج في كل مجال من مجالات نشاط الدولة. ولكن لم تحصل القناعة لدى العديد من زملائي الذين كانوا يرون في الإصلاح المقترح شيئا سابقا لأوانه في فترة كانت لا تزال تشكو فيه الإدارة التونسية من ضعف كبير في التأطير مقارنة بالدول التي بدأت تعمل بهذه الأساليب الجديدة بصفة تجريبية.
ومن بين الدراسات التي قمت بها في تلك الفترة كانت أول دراسة حول شروط تنشيط السوق المالية وتطويرها بتدرج. وشاركت وأنا في هذه الوظيفة في شهر سبتمبر من كل سنة في الوفد التونسي الذي كان يمثل  تونس في الجلسات العامة المشتركة لكل من البنك العالمي وصندوق النقد الدولي وكنت أغتنم هذه الفرص لا فقط لمتابعة إنجاز المشاريع واتفاقيات  القروض المبرمة مع البنك العالمي بل وكذلك لمزيد التعرف على تنظيم وطرق عمل هاتين المؤسستين الدوليتين الهامتين وسبل اتخاذ القرارات في مجلس الإدارة لكل من المنظمتين. وكان الوفد الرسمي التونسي في تلك الفترة يتركب دائما من مصطفى الزعنوني بصفته وزير التخطيط ومحمد غنيمة بصفته محافظا للبنك المركزي ورشيد صفر بصفته أمين عام لوزارة المالية و محمد بوعواجة بصفته مدير عام للدراسات في البنك المركزي وعلي الشواشي مدير عام ومستشار اقتصادي في الوزارة الأولى.
ومن المبادرات التي قمت بها في تلك الفترة بالتعاون مع مدير القرض الزميل توفيق القروي بالوزارة  استنباط طريقة متابعة شهرية لنشاط البنوك الوطنية التي كانت تحت اشراف مشترك لوزارة المالية و البنك المركزي. وأشرفت على تطوير فرع الشركة التونسية للبنك بباريس الذي كان مهددا بالغلق من طرف سلط الإشراف الفرنسية لأن وضعه المالي كان مخالفا للتراتيب الجاري بها العمل في فرنسا وعرضت على وزيري الذي عرض ذلك بدوره على الوزير الأول مشروع  يقتضي تحويل الفرع إلى بنك له كامل الصلوحيات ويستجيب لكافة القوانين الفرنسية على أن تساهم في رٍأس ماله كافة البنوك الوطنية التونسية. وقد أعانني بالخصوص في إعداد هذا المشروع السيد الحبيب غنيم بصفته مديرا عاما مساعدا للرئيس المدير العام للشركة التونسية للبنك. وبعد الموافقة على الخطوط الكبرى للمشروع اجتمعت بالمسؤولين عن البنوك المعينة لضبط كافة جزئيات المشروع وقانونه الأساسي واقترحت أن تكون تسمية البنك " الاتحاد التونسي للبنوك" U.T.B  و أوصيت المشاركين في رأس مال البنك بحسن التصرف و بتطوير نشاط البنك بتدرج وبنظرة إستشرافية حتى يصبح من أهم المؤسسات التي تخدم تطوير الصادرات التونسية في السوق الأوروبية التي سوف تبقى سوقنا الأساسية وذلك ببعث فروع له بعد الدراسة في أهم العواصم الأوروبية.وبعث فعلا البنك ولكن مع الأسف بقي فقط في فرنسا ولم يبلغ نشاطه الهدف المنشود. وشجعت المسؤول الجديد على مصلحة الحيطة الاجتماعية للموظفين وعمال الدولة  الأخ والزميل رضا حمزة على تطوير وتعصير وسائل عمل هذه المصلحة التي كانت تشكو عيوبا كثيرة. وكان متحمسا لذلك وله خبرة بارزة للعيان فبعث لها قانونا جديدا ومنحت لها استقلالية التصرف المالي وأدخلت تدريجيا الإعلامية في مختلف دواليبها حتى أصبحت في تلك فترة إدارة نموذجية بفضل تواصل تحمس مديرها العام للأهداف المرسومة. وأحدثت في صلب وزارة المالية لجنة قارة أشرفت على أعمالها التي كانت تهدف إلى صياغة ومتابعة تنفيذ مخطط أولي يضبط مراحل تعميم الإعلامية لتنفيذ ميزانية الدولة على مدى عشر سنوات.
وكانت دائرة المحاسبات قد بعثت منذ سنوات عديدة ولم تقدم إليها وزارة المالية الحساب العام لتنفيذ ميزانية الدولة وذلك بالخصوص لأن أعوان إدارة الميزانية كانوا منشغلين طيلة السنة بصياغة الميزانية وبتنفيذها و كان إعداد الحساب العام يمثل عملا مضنيا يهم الماضي ولم تكن للإدارة تقاليد في ذلك. فأوكلت لمتصرف ماهر في المحاسبة محمد النابلي مهمة إعداد، تحت إشرافي المباشر، أول حساب العام يقدم للدائرة للتدقيق وأقررت تفرغا كاملا لمحمد النابلي لإنجاز هذا العمل وأعنته على ذلك حتى وقع بالفعل تقديم أول حساب عام لتنفيذ ميزانية الدولة إلى دائرة المحاسبات منذ الاستقلال ثم بعد ذلك أصبح الحساب يقدم سنويا بانتظام.
التدابير الاستثنائية لإدماج المدربين ( moniteurs) في التعليم الابتدائي في سلك المعلمين.
عشت مع السيد محمد الفبتوري مأساة العبث بمستوى التعليم الابتدائي عندما قدم إلي الوزارة مشروع قانون استثنائي يتعلق بترقية المدربين ( وكان عدهم هام وجلهم له مستوى الشهادة الابتدائية) إلى صنف المعلمين الذي كان مخصصا للمتخرجين من مدارس ترشيح المعلمين أو لحاملي شهادة البكالورية على الأقل. وكانت وزارة التربية حافظت حتى قدوم ذلك المشروع على الترقية المهنية للمربين على أساس المستوى العلمي.وكان صنف المدربين في التعليم الابتدائي صنف مدعوا الى الانقراض مع تعدد مدارس ترشيح المعلمين وقد وقع الالتجاء إلى المدربين للضرورة لتحقيق تعميم التعليم الابتدائي والتوسع فيه بسرعة في السنوات الأولى من الاستقلال. وكان ونحن في منتصف السبعينيات بإمكان وزارة التربية الاستجابة إلى طلبات النقابة لترقية المدربين الأكفاء على أساس مناظرة كتابية وعلى أساس حصص تدريبية وإعدادية للنجاح في مناظرة جدية. ولكن مشروع القانون يقر ترقية آلية.ورفضت وزارة المالية المشروع وأرجعته إلى مصالح الوظيفة العمومية في الوزارة الأولى مع تعليل واضح لأسباب الرفض.وبعد أسبوع أصبحت تتهاطل على وزير المالية وذلك طيلة أيام عديدة برقيات من كافة المدرس الابتدائية المتواجدة  في تراب الجمهورية كان تحمل نفس النص المتضمن  احتجاج عنيف على وزارة المالية لتعطيلها نص ترقية شرعية ما فتيا يطالب بها المدربون الذين ضحوا الكثير للإسهام في تحقيق تعميم التعليم. وخاطبت بالهاتف السيد محمد مزالي الذي كان في تلك الفترة وزيرا للصحة العمومية وكنت لما عملت معه في وزارة التربية لمست منه غيرة على مستوى التعليم. وأعلمته بمشروع القانون وقلت له أنكم تعرفون أكثر من أي مسؤول آخر أن هذا الإجراء "ديماغوجي " و "الديماغوجية" في التربية نوع من الإجرام فهل بإمكانكم التدخل و إعانتنا على إقناع الوزارة الأولى برفض هذا المشروع. وأجابني محمد مزالي بكل هدوء وعلى راحته وكأنه كان على علم بالموضوع:" ما تقوله صحيح ولكن لا أستطيع أن أفعل شيئا." كنت متحمسا للموضوع..ولكن جواب وزير التربية السابق أطفى حماسي.... واستمر الضعط حتى أمر الوزير الأول وزير المالية بالإمضاء على مشروع القانون الذي أعاد إرساله إليه مباشرة وقضي الأمر. وكان محمد الفيتوري يكن تقديرا متناهي للسيد الهادي نويرة ولا يمكن له رفض الطلب وأمضى القانون وهو غير مقتنع وغير راض عن نفسه.وكنت مع عدد من زملائي في وزارة المالية شاهدين على ألمه في هذه القضية.
زوبعة الوصفات  المرقمة  الخاصة بلأطباء.
في شهر سبتمبر 1976 أعلمني وزري السيد محمد الفيتوري أن الوزير الأول طلب منه اقتراحات عملية ربما يقع إقحامها بعد دراستها من مجلس الأوزراء في صيغة فصول في قانون المالية الذي كان بصدد الإعداد لسنة 1977 وذلك لتحسين الموارد الجبائية المتأتية من أداء الضريبة الشخصية المتعلقة بأرباح المهن الحرة والتجار وغيرها من الحرف التي كان يعتبر فيها دفع الأداء على الدخل ضعيف نسبيا في تلك الفترة التي كانت تشتكي فيها جل النقابات التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل من حمل للأداء على الدخل الذي تعتبره مسلط أساسا على الأجراء نظرا لطريقة الحجز المسبق للأداء من طرف المشغل.واستجابة لهذا الطلب كونت لجنة كان فيها بالخصوص زملاء مثل توفيق القلعي و صالح بن باركة وأحمد زروق و توفيق كعبيش وغيرهم وعقدنا عدد من جلسات العمل وكان جميعنا مقتنع بضرورة تقديم مقترحات تغطي جميع المجالات لاننا كانا نعرف حق المعرفة أنه لا يجوز أن نميز صنفا من المواطنين على صنف آخر. فإذا كانت الحكومة ترغب في مزيد من تقليص التهرب الجبائي فان ذلك يجب أن يكون بالنسبة لكافة أصناف المطالبين بالأداء بدون استثناء وهي القاعدة الدستورية الاساسيسية الداعية إلى إحترام مبدأ العدالة الجباءية بالنسبة لكافة أصناف المواطنين وعدم التمييز.وانطلاقا من هذا المبدأ الدستوري الاساسي حرصت اللجنة التي انكبت معي لتقديم مقترحات ،إلى وزير المالية ثم إلى الوزير الأول، على صياغة مقترحات تغطي كافة دافعي الضريبة على الدخل بمن فيهم حتى مجهولي مصدر الدخل: فعلى سبيل المثال اكتشفت اللجنة إثناء انكبابها على دراسة معمقة لهذا الموضوع الحساس والهام أن هنالك عدد لا بأس به من المواطنين كانوا يشترون سيارات من جميع الأنواع ولا يقدمون بتصريحهم الجبائي السنوي الخاص بالدخل ( الضريبة الشخصية على الدخل في ذلك العهد) فأقترحنا إجراء ،كان معمول به في عدد من الدول، تصبح بمقتضاه الإدارة التي تسلم البطاقة الرمادية لكل سيارة تشترط تسليم نسخة مطابقة للأصل من التوصيل الذي يثبت أن مشتري السيارة قد قام بواجبة بالتصريح عن دخله السنوي وهو"من أضعف الايمان". وكان هذا المقترح من المقترحات التي قبلتها الحكومة وهو أجراء معمول به حتى يومنا هذا.وقدمت اللجنة قائمة مطولة من الإجراءات غطت بصفة عادلة كافة الأنشطة. وبالنسبة للأطباء استأنست اللجنة بالتشريع الجبائي الذي كان قد نفذ منذ عدة سنوات بدون إشكال في الدولة البلجيكية. ويتمثل هذا الإجراء في طبع أزمة وصفات مرقمة للأطباء من طرف الإدارة الجبائية.وعند تقديم وعرض قائمة الإجراءات على وزير المالية ألحنا على تكامل المقترحات ونبهنا إلى ضرورة الحرص على أن نبرز في قانون المالية وفي شرح الأسباب على هذا التكامل حتى يستوي قدر الإمكان دافعي الضرائب أمام القانون. و وافق الوزير عللمتعلقة بتحسين مردودية الضريبة الشخصية على الدخل ومن ضمنها فصل ينص على الوصفات المرقمة بالنسبة الأطباء ويشير الفصل أن التدابير التطبيقية للفصل تضبط بأمر. كنت شخصيا  ضمن اللجنة أحبذ تناول الموضوع الهام والاساسي المتعلق بنقاءض منظومة الفوترة بصفة عامة والمتواجدة إلى يوم الساعة  وهي تمثل أهم منفذ للتهرب الجباءي في مستوى كافة الاداءات. وكنت  شخصيا أخير إرساء نظام شفاف يتمثل في تى كامل المقترحات. وأحيلت على الوزارة الأولى. وعقد مجلسا وزاريا مضيقا خصيصا للنظر في جملة المقترحات وقررالمجلس مع الأسف إلغاء عدد من المقترحات التي خفضت نوع ما من التكامل التي سعت إليه اللجنة الفنية التي عملت معها ولكن بقيت التدابير متناسقة ويمكن الدفاع عن شرعيتها أمام مجلس النواب.وقبلت من طرف المجلس طريقة الوصفات المرقمة. وأعدنا قانون المالية وهو يتضمن قائمة من الإجراءات اسلم مختلف النشاطات الاقتصادية كنش الفواتير المرقمة من طرف قباضات المالية على أن تختص الادارة بطبعها وبيعها بسعر الكلفة. ولكن أغلبية أعضاء اللجنة أعتبرت أفكاري سابقة لأوانها وأحترمت رأي الأغلبية.....

وعندما صدر قانون المالية ودعونا ممثلي الأطباء العاملين في القطاع الخاص للتحاور حول إجراءات التنفيذ عقدوا اجتماعات لتدارس الموضوع في ما بينهم وأعتبر جلهم أن الإجراء فيه إجحاف وحتى إهانة للمهنة وقالوا إن نصف الوصفات التي يحررنها تبقى لأسباب متعددة وصفات مجانية, و رفضوا حتى مبدأ  التفاوض في مرحلة الأولى مع الوزارة  ولكنهم جلسوا بعد أسبوع من الجدل الصحفي على طاولة التفاوض. وكان من بين المتفاوضين الدكتور محمود بن سلامة. وأبدينا تفهم كبيرا و موضوعي لمشاغلهم. وقدرنا نسب الوصفات التي تحرر ولا يتقاضى عنها الطبيب أي أجر. كوصفات تعديل الدواء وصفات التحاليل... وحتى نسبة للوصفات المجانية التي تسلم في بعض الحالات للفقراء.واقتربنا من الاتفاق النهائي على التدابير المتعلقة بصياغة أمر التنفيذ وإذ بالوزارة الأولى تعلمنا بقرار توقيف الإجراء وشاع الخبر لدينا أن وزير الصحة قد تدخل شخصيا لتجميد في قانون المالية الفصل المتعلق بالإجراء. وكانت طبعا سابقة سيئة أضعفت من هيبة الدولة وزادت في تشنج بعض النقابات العمالية....وربما  كانت من العناصر التي ساهمت في تغذية الجو الذي سيؤدي إلى ما سيحدث في جانفي 1978.   وما سيسمى  بالخميس الأسود......





 صورة في اكتوبر  1976 تمثل الوفد التونسي في الجلسة العامة المشتركة لصندوق النقد الدولي والبنك العالمي:في الصف الأول: محمد غنيمة محافظ البنك المرطزي و محمد بوعواجة مدير الدراسات والبحوث بالبنك المركزي وفي الصف الثاني رشيد صفر كاتب علم بوزارة المالية يطالع وثيقة و محب الدين حمزة موظف تونسي بالبنك العالمي وفي الصغ الثالث الحبيب الحاج سعيد موظف تونسي بالصندوق النقد الدولي ومحمد الشواشي المستشار الاقتصادي للوزير الأول الهادي نوير




صورة للصفحة الأولى من الوثيقة التي حررتها بعد عودتي من أبو ضبي في شهر نوفنبر 1975 لاعلام الوزير الأول الذي كلفني بمهمة  دراسة سبل الاستجابة المثلى لطلب السلط في دولة الامارات العربية المتحدة في مجال التعاون في التنظيم في التصرف المالي في ميزانية الشيخ زايد بن سلطان..

سنة 1977 السيد الهادي نويرة في حديث مع رشيد صفر وكان كاتب عام وزارة المالية و حمادي بوسبيع وكان مساعد لمحافظ البنك المركزي.






[1]بعد محاميا وتقلد مهام وزير للشباب والرياضة في عهد الرئيس بورقيبة أصبح أحمد شطورو في ما
[2] واصل علي الحيلي تعليمه في فرنسا بعد البكالورية وأصبح أستاذا جامعيا ثم عميد كلية العلوم في تونس في سبعينيات القرن العشرين